الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال شيخ الإسلام: فصل: اتفق السلف على أن الأنبياء أفضل من الأولياء
…
وقال أيضا:
فصل
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع مرات، فقال تعالى:{وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: آية 69] وفي حديث "ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد تعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر" وأفضل الأمم أمة محمد- صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: آية 110] وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: آية 32] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في المسند " أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله" وأفضل أمة محمد القرن الأول، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال:"خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم" وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه، وفي الصحيحين أيضا صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد- 10]، وقال تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة- 100] والمراد بالفتح صلح الحديبية، فإنه كان أول فتح مكة، وفيه أنزل الله {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح- 1] فقالوا يا رسول الله أو فتح هو؟ قال نعم.
وأفضل السابقين الأولين الخلفاء الأربعة، وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الأمة وجماهيرها، وقد دلت على ذلك دلائل بسطناها في "منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية". وبالجملة اتفق طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء، ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة.
وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به
الرسول واتباعا له كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه، وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به، وعملا به فهو أفضل أولياء الله، إذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأفضلهم أبو بكر رضي الله عنه
وقد ظن طائفة غالطة أن "خاتم الأولياء" أفضل الأولياء قياسا على خاتم الأنبياء، ولم يتكلم أحد من المشائخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي، فإنه صنف مصنفا غلط فيه في مواضع، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء، ومنهم من يدعي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته، كما يزعم ذلك ابن عربي صاحب كتاب" الفتوحات المكية" وكتاب"الفصوص" فخالف الشرع والعقل، مع مخالفته جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم: لا عقل ولا قرآن، وذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة [والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء، فكيف الأنبياء كلهم؟] 1والأولياء 2 إنما
1 ما بين المعكوفين سقط من طبعة الرياض. وما أثبته من الأصل، ومن مجموع فتاوى ابن تيمية لا بن قاسم 11/224.
2 في طبعة الرياض "الأنبياء" وهو خطأ. وما أثبته من الأصل، ومجموع الفتاوى.
يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم، ويدعي أنه خاتم الأولياء، وليس آخر الأولياء 1 أفضلهم، كما أن آخر الأنبياء أفضلهم، فإن فضل محمد صلى الله عليه وسلم ثبت بالنصوص الدالة على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" كقوله "آتي باب الجنة فاستفتح، فيقول الخازن من أنت؟ فأقول محمد، فيقول بك 2 أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك" وليلة المعراج رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم، فكان أحقهم بقوله تعالى:{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: آية 253] إلى غير ذلك من الدلائل، كل منهم يأتيه الوحي من الله، لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن في نبوته محتاجا إلى غيره، فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق، بخلاف المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة، وجاء المسيح فكملها، ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح كالتوراة، والزبور، وتمام الأربع وعشرين نبوة، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدثين، بخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله أغناهم به 3 فلم يحتاجوا معه إلى نبي ولا إلى محدث، بل جمع له من الفضائل والمعارف والأعمال الصالحة ما فرقه في غيره من الأنبياء، فكان ما فضله
1 تكرر في طبعة الرياض "وليس آخر الأولياء".
2 في الأصل. وط الرياض "كما" وما أثبته من صحيح مسلم 1/188.
3 سقطت "به" من النسختين. وما أثبته من "مجموع الفتاوى".
الله1به من الله 1بما أنزله إليه وأرسله إليه لا بتوسط بشر، وهذا بخلاف الأولياء فإن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد، صلى الله عليه وسلم وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه.
ومن ادعى من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من أن له طريقا 2 إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد 3، وإذا قال أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدا 4 رسول إلى الأمين دون أهل الكتاب، فأن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كفارا بذلك، وكذلك الذي يقول إن محمدا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن [آمن ببعض ما جاء به وكفر
1 سقطت لفظ الجلالة الأولى من النسختين، والثانية من طبعة الرياض وما أثبته من"الفتاوى".
2 في الأصل" طريق".
3 كذا في النسختين. وفي الفتاوى"ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد".
4 في الأصل. وط الرياض"محمد".
ببعض فهو كافر، وهو أكفر من أولئك لأن علم الباطن] 1 الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطن، وهذا أشرف 2 من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة.
فإذا ادعى المدعي أن محمد- صلى الله عليه وسلم إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة، فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض، الآخر، وهذا شر 3 ممن يقول أؤمن ببعض وأكفر ببعض، ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين.
وهؤلاء الملاحدة يدعون أن الولاية أفضل من النبوة، ويلبسون على الناس فيقولون: ولايته أفضل من نبوته وينشدون 4:-
مقام النبوة في برزخ
…
فويق الرسول ودون الولي!
ويقولون: نحن 5 شاركناه في ولايته التي هي أعظم من
1 ما بين المعكوفين سقط من النسختين. وأثبته من "الفتاوى"
2 في طبعة الرياض"شرف".
3 سقطت"شر" من " ط الرياض.
4 في النسختين"ويستبدون".
5 سقطت"نحن"من طبعة الرياض.
رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم ولا موسى، فضلا أن يماثله فيها هؤلاء الملحدون.
وكل رسول نبي ولي، فالرسول نبي ولي، ورسالته متضمنة لنبوته، ونبوته متضمنة لولايته، وإذا قدروا مجرد إنباء 1 الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع، فإنه حال انبائه إياه ممتنع أن يكون إلا وليا 2 لله، ولا تكون مجردة عن ولايته، ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلا للرسول في ولايته إلى أن قال:-
وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون"جبرائيل" هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة وزعموا أنهم "أولياء الله" وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة كابن عربي صاحب "الفتوحات" و "الفصوص" فقال: إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول، والمعدن عنده هو العقل، الملك هو الخيال، والخيال تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن الذي هو أصل الخيال، والرسول يأخذ عن3 الخيال، فلهذا
1 في النسختين "أنبياء" وما أثبته من "مجموع الفتاوى".
2 في طبعة الرياض "الأولياء".
3 في طبعة الرياض "على".
صار عند نفسه فوق النبي ولو كان خاصة النبي ما ذكروه 1 ولم يكن هو من جنسه، فضلا عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين؟ والنبوة أمر وراء ذلك، فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم، فضلا عن أن يكونوا من مشائخ أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثالهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
1 الواو ليست في "الفتاوى" 11/233.