الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: نقل الملحد كلام السبكي المتضمن تحسين التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه
…
الخ
…
فصل
قال الملحد: "قال السبكي: ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه؛ ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله؛ وصار بين أهل الإسلام مثلة. انتهى".
والجواب أن يقال قد تقدم الكلام على التوسل؛ وما يراد به في لغة الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين؛ وما يراد به في عرف هؤلاء الغلاة المنحرفين؛ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا؛ ويسعون في الأرض فسادا؛ والله لا يحب المفسدين.
وأما الاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه؛ فروى الطبراني أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين؛ فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه قوموا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي؛ وإنما يستغاث
بالله" 1 فقوله: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق لأنه صلى الله عليه وسلم يقدر على كف أذاه. وأما قوله: إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله. فيه النص على أنه لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا من دونه؛ كره صلى الله عليه وسلم أن يستعمل هذا اللفظ في حقه؛ وإن كان مما يقدر عليه في حياته حماية لجناب التوحيد؛ وسدا لذرائع الشرك؛ وأدبا وتواضعا لربه؛ وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال؛ فإذا كان هذا فيما يقدر عليه صلى الله عليه وسلم في حياته؛ فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته؛ ويطلب منه أمورا لا يقدر عليها إلا الله عز وجل؛ ومن المعلوم بالضرورة أن الإستغاثة هي طلب الغوث؛ وهو إزالة الشدة كالاستنصار: طلب النصر؛ والاستعانة:طلب العون؛ وقال أبوعبد الله الحليمي: الغياث هو المغيث؛ وأكثر ما يقال:غياث المستغيثين؛ ومعناه المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق وقال الشيخ أبو عبد القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون وفي دعاء موسى عليه سلام "اللهم لك الحمد؛ وإليك المشتكى؛ وأنب المستعان؛ وبك المستغاث؛ وعليك التكلان؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله" ولما كان هذا المعنى هو المفهوم عند الإطلاق وكان مختصا بالله
1 تقدم الكلام على هذا الحديث في "الرد على القبور بين".
صح إطلاق نفيه عما سواه؛ ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله؛ وكذلك الاستغاثة أيضا منها ما لا يصح إلا لله 1 وهي المشار إليها بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله.
وقال ابن القيم رحمه الله: ومن أنواعه أي الشرك طلب الحوائج من الموتى والإستغاثة بهم؛ وهو أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا لمن استغاث به وسأله أن يشفع له إلى الله؛ وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده؛ فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه؛ والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه؛ وإنما السبب كمال التوحيد؛ فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن؛ وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها؛ وهذه حالة كل مشرك؛ فجمعوا بين الشرك بالمعبود؛ وتغيير دينه؛ ومعاداة أهل التوحيد؛ ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات؛ وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك؛ أولياءه 2 الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم؛ وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص؛ إذا ظنوا أنهم راضون منهم بهذا؛ وأنهم أمروهم به وأنهم يوالونهم عليه؛ وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل
1 في النسختين"الله".
2 في الأصل"أوليائه".
زمان ومكان؛ وما أكثر المستجيبين لهم؛ وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد وتوحيده لله؛ وعادى المشركين في الله؛ وتقرب بمقتهم إلى الله؛ واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده؛ فجرد حبه لله؛ وخوفه لله؛ ورجاءه لله؛ وذله لله؛ وتوكله على الله؛ واستعانته بالله والتجاءه إلى الله؛ واستغاثته بالله؛ وقصده لله؛ فهو لله؛ وبالله؛ ومع الله انتهى.
وأما قوله: "ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله؛ وصار بين أهل الإسلام مثله".
فأقول: إن هذا الكلام من لا يخاف الله ولا يتقيه؛ فإنه قد كذب في ما قاله؛ وافترى وقد خاب من افترى؛ وأكمل الناس وأكرمهم على الله سيد ولد آدم أنكر هذا؛ وقال:" إنه لا يستغاث بي؛ وإنما يستغاث بالله؛وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده" ولو كان عند هذا الرجل من الدين ما يزعه؛ ومن الحياء ما يردعه؛ ما فاه بهذه المخرقة؛ فإنه قد سبق شيخ الإسلام على ذلك الأئمة الأعلام سلفا وخلفا؛ وما خالفهم في ذلك إلا كل من لا يعتد به؛ ولا يعتمد عليه في الخلاف والوفاق؛ وقد تقدم كلام أبي عبد الله الحليمي؛ وكلام أبي يزيد البسطامي؛ وأبي عبد الله القرشي؛ وكلام العلماء في ذلك سلفا وخلفا كثير جدا لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته؛ وقد اشتهر وظهر عند الخاص والعام.
من عدل شيخ الإسلام وإنصافه أن ليس عنده في مسائل الفروع ميل إلا إلى ما دل عليه الكتاب والسنة؛ وإذا ذكر المسألة فإنه يذكر فيها مقالات الأئمة الأربعة وأصحابهم وغير أصحابهم ممن بعدهم أو قبلهم من الصحاتة والتابعين وتابعيهم؛ ويذكر دليل كل قول وتقريره على وجه لا يكاد يوجد في الكتب المصنفة لهم؛ فكيف في مسائل أصول الدين التي ليس بين الأمة في مسائلهما المشهورة خلاف؛ وإنما يخالف فيها أهل الأهواء والبدع؛ وهو من أعرف خلق الله بمذاهب أهل الأهواء ووقت حدوثها.
قال الإمام الذهبي في معجم شيوخه: هو شيخنا وشيخ الإسلام وفريد العصر علما ومعرفة وشجاعة وذكاء وتنويرا إلهيا وكرما ونصحا للأمة وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته؛ وخرج ونظر في الرجال والطبقات؛ وحصل ما لم يحصله غيره؛ وبرع في تفسير القرآن؛ وغاص في دقائق ومعانية بطبع سيال وخاطر وقاد إلى مواضع الإشكال ميال؛ واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها؛ وبرع في الحديث وحفظه فقل من يحفظ ما يحفظ من الحديث؛ مع شدة استحضاه له وقت الدليل؛ وفاق الناس في معرفة الفقه؛ واختلاف المذاهب؛ وفتاوى الصحابة والتابعين؛ وأتقن العربية أصولا وفروعا؛ ونظر في العقليات؛ وعرف أقوال المتكلمين ورد عليهم؛ ونبه على خطئهم؛ وحذر منهم؛
ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين؛ وأوذي في الله تعالى من المخالفين؛ وأخيف في نصر السنة المحفوظة؛ حتى أعلى الله تعالى مناره؛ وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له؛ وكبت أعداءه؛ وهدى به رجالا كثيرا 1 من أهل الملل والنحل؛ وجبل قلوب الملوك والأمراء على الإنقياد له غالبا وعلى طاعته؛ وأحيا به الشام بل الإسلام بعد أن كاد ينثلم؛ خصوصا في كائنة التتار؛ وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي؛ فلو حفلت بين الركن والمقام أني ما رأيت بعيني مثله؛ وأنه ما رآى هو مثل نفسه لما حنثت.
فانظر إلى ما قاله هذا الإمام المنصف من أنه من أعرف خلق الله بمذاهب أهل الأهواء ووقت حدوثها؛ وأنه يصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين؛ وأنه أوذي في الله تعالى؛ ومن جعلتهم هذا الرجل لأنه من المخالفين؛ وأخيف في نصر السنة حتى أعلا الله تعالى مناره؛ وجمع قلوب أهل التقى على محبته والدعاء له.
وهذا الرجل لو كان عند أهل العلم ممن يتقي الله لكان من جملة أهل التقى المحبين له والداعين له وأن الله كبت أعداءه؛ وهدى به رجالا كثيرا من أهل الملل والنحل؛ وأن الله أحيا به الشام بل الإسلام؛ إلى غير ذلك مما ذكر في فضله.
1 في طبعة الرياض"كثرا".
وهذا الرجل- عامله الله بعدله- يقول: "ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله" إلى آخر كلامه. وإنما حمله على هذا الكلام الحسد والهوى؛ وعدم خشية الله؛ والغلو الذي خرج به عن الصراط المستقيم وسلوك طريق أئمة الدين من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين الذين لهم قدم صدق في العالمين؛ فشيخ الإسلام هو الذي نصر الله به السنة؛ وقمع به أهل البدعة؛ فصاروا ببدعتهم مستترين؛ وأعز الله به الإسلام بعد أن كاد ينثلم.
وقال الإمام محمد التافلاني مفتي الحنفية بعد كلام له: وقد أثنى عليه جمهور معاصريه؛ وجمهور من تأخر عنه؛ وكانوا خير مناصرية؛ وهم ثقاة صيارفة حفاظ عريفهم في النقد دونه عريق عكاظ؛ وطعن فيه بعض معاصريه بسبب أمور أشاعها مشيع لحظ نفسه؛ أو لأجل معاصرة التي لا ينجو من سمها إلا من قد كمل في قدسه؛ فخلف من بعدهم مقلدهم في الطعن فتجاوز فيه الحد؛ ورماه بعظائم موجبة للتعزير والحد؛ ولو قال هذا المقلد كقول بعض السلف حين سئل عما جرى بين الإمام علي ومعاوية فقال"تلك دماء طهر الله منها سيوفنا أفلا نطهر منها ألسنتنا" لنجا من هذا العنا؛ وهذا الإمام تصانيفه قد ملأت طباق الثرى؛ واطلع عليها القاصي والداني من علماء الورى؛ فما وجدوا فيها عقيدة زائغة؛ ولا عن الحق
رابغة 1؛ كم سل السيوف الصوارم على فرق الضلال؛ وكم رماهم بصواعق براهين محرقة كالجبال؛ تنادي عقيدته البيضاء بعقيدة السلف؛ ولا ينكر صحتها وأفضليتها من خلف منا ومن سلف؛ شهد له الأقران بالإجهاد؛ ومن منع له فقد خرط بكفه شوك القتاد.
وقال الإمام الحافظ بن عبد الهادي في رده على السبكي لما قال:"إن المبالغة في تعظيمه أي الرسول واجبة" فقال: إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما؛ حتى الحج إلى قبره؛ والسجود له؛ والطواف به؛ واعتقاده أنه يعلم الغيب؛ وأنه يعطي ويمنع؛ ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع؛ وأنه يقضي حوائج السائلين؛ ويفرج الكروب؛ وأنه يشفع فيمن يشاء؛ ويدخل الجنة من يشاء؛ فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك؛ وانسلاخ من جملة الدين. انتهى.
ولو ذهبنا نذكر ما ذكره العلماء في مناقبه وفضائله؛ وما ردوا به على مخالفيه في هذه الباحث لطال الكلام.
فإذا تحققت ما ذكره أهل العلم في شيخ الإسلام تبين لك أن السبكي هو الذي خرج عن الصراط المستقيم؛ وخالف ما عليه الأئمة من علماء المسلمين؛ وأنه هو الذي ابتدع مالم
1 في الأصل "رأيفة" وفي الرياض "رأينه".
يقله عالم قبله؛ فصار بافترائه وعدوانه مثلة بين أهل الإسلام؛ ممن له معرفة بالعلوم ومدارك الأحكام؛ فلا يلتفت إلى مفترياته عاقل؛ ولا ينظر في أساطيل أساطيرها فاضل؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.