الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَإِنْ جَزَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِخِلَافِهِ لَكِنْ إنْ كَرَّرَهَا عَمْدًا لِجَرَيَانِ وَجْهٍ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ فَالسُّجُودُ لَهُ أَوْلَى مِنْهُ لِنَقْلِ نَحْوِ السُّورَةِ، وَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُ تَكْرِيرِهَا سَهْوًا أَوْ شَكًّا بِذَلِكَ، وَهُوَ قَرِيبٌ قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي نَقْلِ ذَلِكَ لِتَرْكِهِ التَّحَفُّظَ السَّابِقَ وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ تَكْرِيرَ التَّشَهُّدِ كَتَكْرِيرِ الْفَاتِحَةِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ وَأَنَّ مَا فِي الْخَادِمِ عَنْ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَهُ نَاسِيًا أَوْ شَكَّ فِيهِ فَأَعَادَهُ لَمْ يَسْجُدْ - فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
وَمِنْهَا يُعْلَمُ جَوَابُ مَا فِي السُّؤَالِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابٌ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ]
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ تَكْرِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فِي التَّرَاوِيحِ هَلْ يُسَنُّ وَإِذَا قُلْتُمْ لَا فَهَلْ يُكْرَهُ أَمْ لَا وَقَدْ رَأَيْت فِي الْمُعْلِمَاتِ لِابْنِ شُهْبَةَ أَنَّ تَكْرِيرَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فِي التَّرَاوِيحِ ثَلَاثًا كَرِهَهَا بَعْضُ السَّلَفِ قَالَ: لِمُخَالَفَتِهَا الْمَعْهُودَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ مَرَّةً فَلْتَكُنْ فِي التِّلَاوَةِ مَرَّةً اهـ فَهَلْ كَلَامُهُ مُقَرَّرٌ مُعْتَمَدٌ أَمْ لَا بَيِّنُوا ذَلِكَ وَأَوْضِحُوهُ لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ
(فَأَجَابَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِقَوْلِهِ: تَكْرِيرُ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ أَوْ غَيْرِهَا فِي رَكْعَةٍ أَوْ كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَلَا يُقَالُ: مَكْرُوهٌ عَلَى قَوَاعِدِنَا. لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ مَخْصُوصٌ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقَدْرِ الْمُعْتَادِ فِي التَّرَاوِيحِ هُوَ التَّجْزِئَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِحَيْثُ يُخْتَمُ الْقُرْآنُ جَمِيعُهُ فِي الشَّهْرِ أَوْلَى مِنْ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ الْقِيَامُ فِيهَا بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَاعْتَمَدَ ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَيُقَاسُ بِذَلِكَ كُلُّ مَا وَرَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ كَآيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فِي سُنَّةِ الصُّبْحِ، أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةً فِي رَكْعَتَيْنِ إنْ فَرَّقَهَا لِعُذْرٍ أُثِيبَ عَلَيْهَا ثَوَابَ السُّورَةِ الْكَامِلَةِ. لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ بِالْأَعْرَافِ فِي أَوَّلَتَيْ الْمَغْرِبِ وَأَمَّا سُورَةٌ نَحْوُ ثَلَاثِ أَوْ أَرْبَعِ آيَاتٍ فَتَفْرِيقُهَا خِلَافُ السُّنَّةِ وَفِي الْخَادِمِ عَنْ الْبَيْهَقِيّ عَنْ الرَّبِيعِ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ سُوَرٍ فَقَالَ نَعَمْ وَأَفْعَلُهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَقَدْ عَرَفْت النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ وَيَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْأَقْرَبَ لِلسُّنَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ لَا جَائِزٌ فَقَطْ، وَلَوْ كَرَّرَ السُّورَةَ فِي رَكْعَتَيْنِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحَصِّلُ أَصْلَ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي الصُّبْحِ {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزلة: 1] فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه مَا حُكْمُ الْجَمْعِ عِنْدَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَفِي مَسْجِدِ الْجُنْدِ فِي لَيْلَةِ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا اعْتَادَتْهُ الْعَامَّةُ مِنْ الْقَبَائِحِ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا لَيْلَةَ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ بِدْعَةٌ شَدِيدَةُ الْقُبْحِ وَالْفُحْشِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ أَيَّدَ اللَّهُ بِهِمْ الدِّينَ وَأَزَالَ بِسُيُوفِ عَدْلِهِمْ الْمُفْسِدِينَ مَنْعُ الْعَامَّةِ مِنْ إظْهَارِ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْأَمَاكِنِ الْفَاضِلَةِ وَجَمِيعُ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ فِي فَضَائِلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ بَاطِلٌ كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَإِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْأَكَابِرِ كَالْإِحْيَاءِ لِلْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ التَّحِيَّةِ هَلْ يُخَاطَبُ بِهَا الْمَارُّ وَهَلْ يَجُوزُ فِعْلُهَا مِنْ قُعُودٍ وَلَوْ دَخَلَ وَقَرَأَ آيَةَ سُجُودٍ فَكَيْفَ الطَّرِيقُ فِي تَحْصِيلِهِمَا مَعَ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ فَاتَتْ أَوْ صَلَّاهَا فَاتَ السُّجُودُ لِطُولِ الْفَصْلِ وَلَوْ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِحَاجَةٍ ثُمَّ عَادَ فَهَلْ يُشْرَعُ لَهُ التَّحِيَّةُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يَتَّجِهُ. وَذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَخْذًا مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْجُلُوسِ فِي نَحْوِ حَدِيثِ «فَلَا تَجْلِسْ حَتَّى تُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» أَنَّ الْمَارَّ لَا يُخَاطَبُ بِهَا وَنَظَرَ فِيهِ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِهَا مُعَلَّقًا عَلَى مُطْلَقِ الدُّخُولِ تَعْظِيمًا لِلْبُقْعَةِ، وَأَمَّا فِعْلُهَا مِنْ قُعُودٍ فَيَجُوزُ سَوَاءٌ نَوَى قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ أَوْ قَارَنَتْ نِيَّتُهُ الْجُلُوسَ بِخِلَافِ مَا إذَا جَلَسَ ثُمَّ نَوَى فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ عَمْدًا وَإِنْ قَلَّ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الطَّرِيقَ فِي تَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ أَنْ يُحْرِمَ
بِالرَّكْعَتَيْنِ وَيَقْرَأَ الْآيَةَ فِيهِمَا ثُمَّ يَسْجُدَ وَخَطَّأَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ السُّجُودَ لِقِرَاءَتِهِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ لَا لِتِلْكَ الْمُتَقَدِّمَةِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ أَنْ يَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ فَإِذَا جَلَسَ نَوَى قَبْلَ سَلَامِهِ زِيَادَةَ رَكْعَتَيْنِ وَيَقُومُ فَيُصَلِّيهِمَا؛ لِأَنَّ النَّفَلَ الْمُطْلَقَ يَجُوزُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ اهـ.
وَفِي كَوْنِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ نَظَرٌ لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِتَعْرِيفِهِمْ لَهُ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ وَهَذَا مُتَقَيِّدٌ بِسَبَبِ الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بِفِعْلِ السُّجُودِ تَفُوتُهُ التَّحِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ قَصِيرٌ لِعُذْرٍ فَهُوَ كَالْجُلُوسِ الْقَصِيرِ نَاسِيًا.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُعْتَكِفِ فَالْأَوْجَهُ فِيهَا أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالتَّحِيَّةِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ اعْتِكَافَهُ بَاقٍ أَمْ لَا لِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْهُ فَقَدْ شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ وَالْخَبَرُ وَقَوْلُ ابْنِ الْعِمَادِ إنَّ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْقَوَاعِدُ خِلَافُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ حُكْمًا فَهُوَ كَالْقُدْوَةِ الْحُكْمِيَّةِ يُفَارِقُ الْمَأْمُومُ فِيهَا الْإِمَامَ حِسًّا لَا حُكْمًا يُرَدُّ بِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْخُرُوجِ الْحِسِّيِّ سَوَاءٌ أَصَحِبَهُ خُرُوجٌ حُكْمِيٌّ أَمْ لَا بَلْ الْخُرُوجُ هُنَا وَجَدَ حُكْمًا أَيْضًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْطَعْ الِاعْتِكَافَ؛ لِأَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْعَوْدِ عِنْدَ الْخُرُوجِ بِمَنْزِلَةِ النِّيَّةِ إذَا دَخَلَ فَمِنْ ثَمَّ اكْتَفَى بِهِ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَنَحْوِهِ كَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى حَالَ النِّيَّةِ فَلَمْ تَشْمَلْهُ فَلَا يُقَالُ: الِاعْتِكَافُ فِي حَالِ الْخُرُوجِ بَاقٍ حُكْمًا وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ كَالْمَأْمُومِ فِي الْقُدْوَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّا إنَّمَا جَعَلْنَا الْقُدْوَةَ حُكْمِيَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَأْمُومِ مَا يُنَافِيهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّا عَهِدْنَا فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ تَخَلُّفًا عَنْ الْإِمَامِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا، وَبِأَنَّ الَّذِي أَلْجَأَنَا إلَى ذَلِكَ مُرَاعَاةُ مَصَالِحَ تَعُودُ عَلَى الْمَأْمُومِ كَتَحَمُّلِ سَهْوِهِ، وَهُنَا وُجِدَ مَا يُنَافِي الِاعْتِكَافَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ الْخُرُوجُ، وَلَا مَصَالِحَ تَعُودُ عَلَى الْخَارِجِ لَوْ قُلْنَا بِبَقَاءِ اعْتِكَافِهِ حُكْمًا لِأَنَّا وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ نَقُولُ لَا يَنْقَطِعُ اعْتِكَافُهُ بِذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا لِبَقَاءِ الِاعْتِكَافِ الْحُكْمِيِّ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّنْ خَصَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ بِصَلَاةِ التَّسْبِيحِ فَهَلْ يُكْرَهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُكْرَهُ لِشُمُولِ قَوْلِهِمْ يُكْرَهُ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ وَفِعْلُهَا كُلَّ أُسْبُوعٍ يُمْكِنُ فِي غَيْرِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَمَا حَكَاهُ الدَّمِيرِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ مِنْ أَنَّ وَقْتَهَا لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُهَا غَرِيبٌ فَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِلَيْلَتِهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَمِثْلُ لَيْلَتِهَا يَوْمُهَا فِي أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِهِ لَا فِي أَنَّهَا تُكْرَهُ فِيهِ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ لَيْلًا وَفِيهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَمْسَيْت أُشْهِدُك. . . إلَخْ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَلْ إذَا قَضَاهُ نَهَارًا يُسَنُّ لَهُ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِ الْمَسَاءِ وَنَحْوِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «أَنْ يَقْبَلَنِي فِي هَذِهِ الْغَدَاةِ أَوْ الْعَشِيَّةِ» أَوْ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فَرْقٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَأْتِي بِاللَّفْظِ الْوَارِدِ عِنْدَ الْقَضَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِبًا لِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَيَنْوِي الْمَسَاءَ الْمَاضِيَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي نَحْوِ أَمْسَيْت دُونَ نَحْوِ هَذِهِ الْعَشِيَّةِ إلَّا أَنْ يُنَزِّلَ مَا مَضَى مَنْزِلَةَ الْحَاضِرِ فَيُشِيرَ إلَيْهِ بِإِشَارَتِهِ كَمَا أَشَارُوا إلَى مَا لَمْ يُوجَدْ، وَأَقَامُوهُ مَقَامَ الْحَاضِرِ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه بِمَا لَفْظُهُ غَيْرُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ هَلْ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ فِيهَا بِأَنْ يَنْوِيَ ثِنْتَيْنِ وَيُصَلِّيَ أَرْبَعًا أَوْ عَكْسُهُ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مُقْتَضَى تَقْيِيدِهِمْ ذَلِكَ بِالنَّفْلِ الْمُطْلَقِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ إذْ الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَةِ وُجُوبُ الْبَقَاءِ عَلَى نِيَّتِهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ لِعَدَمِ انْحِصَارِهِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّنْ صَلَّى الْوِتْرَ ثَلَاثًا فَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْبَاقِيَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ إذْ مَعْنَى كَوْنِهِ وِتْرًا أَنَّ فِيهِ الْوِتْرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ سَوَاءٌ تَوَسَّطَ الْوِتْرُ أَمْ تَقَدَّمَ أَمْ تَأَخَّرَ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه سُنَّةُ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةُ هَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الظُّهْرِ بَعْدَ الْوَقْتِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ فِيهَا وَجْهَانِ وَجْهٌ يَحْتَمِلُ تَرْجِيحَ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ إنَّمَا كَانَتْ فِي الْوَقْتِ وَقَدْ زَالَتْ بِزَوَالِهِ وَوَجْهٌ يَحْتَمِلُ تَرْجِيحَ الْمَنْعِ إجْرَاءً لِمَا بَعْدَ الْوَقْتِ مَجْرَى مَا فِيهِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ هَلْ يَجُوزُ التَّغْيِيرُ وَالنَّقْصُ فِي الْوِتْرِ وَسُنَّةِ الظُّهْرِ مَثَلًا كَالنَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَهَلْ يَجُوزُ جَمْعُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ إذْ صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْفَرْضِ بِتَسْلِيمَةٍ وَهَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةِ عَلَيْهَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ التَّغْيِيرُ وَالنَّقْصُ فِيمَا ذُكِرَ
وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ وَغَيْرِهَا وَاضِحٌ جَلِيٌّ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ مَا ذُكِرَ بِتَسْلِيمَةٍ فِي نِيَّةٍ وَإِنْ اقْتَضَتْ عِبَارَةُ بَعْضِهِمْ خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَرْبَعَةَ تَقَعُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَلَا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ تَقَعُ عَنْ الْقَبْلِيَّةِ وَالْأَخِيرَتَيْنِ تَقَعُ عَنْ الْبَعْدِيَّةِ وَلَا عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْمُتَأَخِّرَتَيْنِ لَا تُقَارِنُ فِعْلَهُمَا حِينَئِذٍ، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأَخِيرَةُ فَفِيهَا وَجْهَانِ وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْجَوَازِ إلْحَاقًا لِمَا بَعْدَ الْوَقْتِ بِمَا فِيهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ التَّبَعِيَّةَ زَالَتْ بِزَوَالِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلٍّ تَابَعَ تَأَخُّرُهُ عَنْ مَتْبُوعِهِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ فَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ قَاعِدًا فَهَلْ تُجْزِئُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ أَحْرَمَ بِهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ وَصَلَّاهَا قَاعِدًا أَجْزَأَتْهُ عَنْ التَّحِيَّةِ، وَإِلَّا فَلَا بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الْجُلُوسَ الْيَسِيرَ عَمْدًا يُفَوِّتُهَا.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ لَوْ نَوَى التَّحِيَّةَ وَالظُّهْرَ حَصَلَا قَطْعًا وَالْجَنَابَةَ وَالْجُمُعَةَ حَصَلَا عَلَى الْأَصَحِّ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عَلَى تَسْلِيمِ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ اقْتَضَى قَوْلُهُمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ حُصُولِ غُسْلِ الْعِيدِ بِنِيَّةِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَعَكْسه وَعَدَمُ حُصُولِ التَّحِيَّةِ أَيْ ثَوَابُهَا بِنِيَّةِ سُنَّةِ الظُّهْرِ مَبْنَى الطِّهَارَاتِ عَلَى التَّدَاخُلِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الطَّهَارَةِ أَوْلَى بِالْقَطْعِ بِأَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ قِيلَ بِوُجُوبِهِ فَجَرَى فِي انْدِرَاجِهِ نَظَرًا لِتَأَكُّدِهِ وَلِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ فَلَمْ يَكْفِ اقْتِرَانُهُ بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ التَّحِيَّةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَكَانَ لَا وَجْهَ لِعَدَمِ انْدِرَاجِهَا مَعَ نِيَّتِهَا.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُؤَكَّدَتَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ وَغَيْرِ الْمُؤَكَّدَتَيْنِ هَلْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَيُقَالُ: مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ يُقَالُ فِيهِ اقْتَصَرَ عَلَى الْمُؤَكَّدِ، وَمَنْ أَتَى بِالْأَرْبَعِ أَتَى بِالْمُؤَكَّدِ وَغَيْرِ الْمُؤَكَّدِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَمْ الْمُرَادُ غَيْرُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُ الْمُؤَكَّدِ مِنْ غَيْرِهِ بِالنِّيَّةِ كَمَا لَا يَجِبُ تَمْيِيزُ الْقَضَاءِ عَنْ الْأَدَاءِ بَلْ أَوْلَى وَأَنَّهُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَقَعَتَا عَنْ الْمُؤَكَّدِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى بِتَأَكُّدِ طَلَبِهِ كَمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَدَاءً وَقَضَاءً عَلَى صَلَاةٍ تَنْصَرِفُ لِلْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِقُوَّةِ الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ إنْ صَلَّى الْأَرْبَعَ أُثِيبَ عَلَى الْمُؤَكَّدِ وَغَيْرِهِ، وَلَا فَائِدَةَ لِلتَّمْيِيزِ حِينَئِذٍ لِحُصُولِ الثَّوَابَيْنِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ هَلْ تُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ تَسْلِيمَاتِ التَّرَاوِيحِ أَوْ هِيَ بِدْعَةٌ يُنْهَى عَنْهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الصَّلَاةُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بِخُصُوصِهِ. لَمْ نَرَ شَيْئًا فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا فَهِيَ بِدْعَةٌ يُنْهَى عَنْهَا مَنْ يَأْتِي بِهَا بِقَصْدِ كَوْنِهَا سُنَّةً فِي هَذَا الْمَحَلِّ بِخُصُوصِهِ دُونَ مَنْ يَأْتِي بِهَا لَا بِهَذَا الْقَصْدِ كَأَنْ يَقْصِدَ أَنَّهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ سُنَّةٌ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ بَلْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مَا يُؤَيِّدُ الْخُصُوصَ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ كَافٍ فِي الدَّلَالَةِ لِذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ أَنَّ مَنْ قَامَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَمَجَّدَهُ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَفْتَحَ الْقَوْلَيْنِ فَذَاكَ الَّذِي يَضْحَكُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي قَائِمًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ غَيْرِي.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ سَنَدٌ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ كَبَّرَ عَشْرًا وَسَبَّحَ عَشْرًا وَتَبَرَّأَ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَحْسَنَ الصَّلَاةَ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ مِنْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ الدَّيْلَمِيِّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ لَهُ.
وَكَذَا الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ الْحَدِيثَ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي رِوَايَةِ مَنْ فِيهِ بَعْضُ الْمَقَالِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ أَوَى إلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ قَرَأَ {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّ الْحِلِّ وَالْحَرَامِ وَرَبَّ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَرَبَّ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَرَبَّ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِحَقِّ كُلِّ آيَةٍ أَنْزَلْتهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَلِّغْ رُوحَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ تَحِيَّةً وَسَلَامًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا فَيَقُولَا لَهُ إنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ يُقْرِئُك السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ فَأَقُولُ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنِّي السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» وَمِمَّا يَشْهَدُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ تَسْلِيمَاتِ التَّرَاوِيحِ أَنَّهُ يُسَنُّ الدُّعَاءُ عَقِبَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الدَّاعِيَ يُسَنُّ لَهُ
الصَّلَاةُ أَوَّلَ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطَهُ وَآخِرَهُ وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَصَحَّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا فَلْيَبْدَأْ بِمَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يَسْأَلُ بَعْدُ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُنَجَّحَ أَوْ يُصِيبَ» وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الدُّعَاءُ كُلُّهُ مَحْجُوبٌ حَتَّى يَكُونَ أَوَّلُهُ ثَنَاءً عَلَى اللَّهِ عز وجل وَصَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يَدْعُو فَيُسْتَجَابُ لِدُعَائِهِ» وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ وَالتَّيْمِيُّ وَأَبُو الْيُمْنِ بْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ بَشْكُوَالَ وَغَيْرُهُمْ وَفِي سَنَدِهِ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَا مِنْ دُعَاءٍ إلَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ حِجَابٌ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ انْخَرَقَ ذَلِكَ الْحِجَابُ وَدَخَلَ الدُّعَاءُ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ رَجَعَ الدُّعَاءُ» .
وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَالتَّيْمِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالضِّيَاءُ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالدَّيْلَمِيُّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ قِيلَ: وَمَا قَدَحُ الرَّاكِبِ قَالَ: إنَّ الْمُسَافِرَ إذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ صَبَّ فِي قَدَحِهِ مَاءً فَإِنْ كَانَ لَهُ إلَيْهِ حَاجَةٌ تَوَضَّأَ مِنْهُ أَوْ شَرِبَهُ، وَإِلَّا أَهْرَاقَهُ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ» وَالْقَدَحُ بِفَتْحِ أَوَّلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ كَالْهَرَوِيِّ أَرَادَ صلى الله عليه وسلم لَا تُؤَخِّرُونِي فِي الذِّكْرِ وَالرَّاكِبُ يُعَلِّقُ قَدَحَهُ فِي آخِرِ رَحْلِهِ وَيَجْعَلُهُ خَلْفَهُ وَالْهَاءُ فِي أَهْرَاقَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ هَرَاقَ مُبْدَلَةٌ مِنْ هَمْزَةِ أَرَاقَ يُقَالُ أَرَاقَ الْمَاءَ يُرِيقُهُ وَأَهْرَاقَهُ يُهَرِيقهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ هِرَاقَةً وَيُقَالُ فِيهِ أَهَرَقْت الْمَاءَ أُهْرِيقُهُ إهْرَاقًا فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا مَرَّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَمْ يَلْقَ أَخَاهُ وَيُصَافِحُهُ إلَّا حِينَئِذٍ خَبَرُ «مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ عز وجل» .
وَفِي رِوَايَةٍ «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ وَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُمَا ذُنُوبُهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا، وَمَا تَأَخَّرَ» أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ لَهُ وَابْنُ بَشْكُوَالَ وَغَيْرُهُمْ
وَجَاءَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ اللَّهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ «مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا ثُمَّ قَامُوا مِنْهُ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا كَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ عَلَيْهِمْ تِرَةً» أَيْ بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَرَاءٍ مُخَفَّفَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ تَاءٍ - حَسْرَةً وَنَدَامَةً كَمَا فِي رِوَايَةٍ «إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ الثَّوَابِ» .
وَفِي أُخْرَى إلَّا قَامُوا عَنْ أَنْتَنِ جِيفَةٍ وَرِجَالُهَا رِجَالُ الصَّحِيحِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ الْحَلِيمِيِّ رضي الله عنه أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ أَنْ تُصَلَّى بَعْدَ رُبْعِ اللَّيْلِ قَالَ: وَأَمَّا إقَامَتُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ الْعِشَاءِ فَمِنْ بِدَعِ الْكُسَالَى وَالْمُتْرَفِينَ وَلَيْسَ مِنْ الْقِيَامِ الْمَسْنُونِ فِي شَيْءٍ إنَّمَا الْقِيَامُ الْمَسْنُونُ مَا كَانَ فِي وَقْتِ النَّوْمِ فَمَنْ قَامَ لَا فِي وَقْتِ النَّوْمِ فَهُوَ كَسَائِرِ الْمُتَطَوِّعِينَ اهـ فَمَا ذَكَرَهُ هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ غَيْرِهِ أَوْ لَا وَهَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ أَوْ لَا وَعَلَى قَوْلِهِ فَهَلْ الْأَوْلَى لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْجَمَاعَةَ إلَّا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ التَّعْجِيلُ لِتَحْصِيلِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ أَوْ التَّأْخِيرُ لِيَكُونَ آتِيًا بِالْقِيَامِ الْمَسْنُونِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ ذَكَرْت الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَعِبَارَتُهُ أَمَّا وَقْتُ التَّرَاوِيحِ الْمُخْتَارُ فَقَالَ الْحَلِيمِيُّ يَدْخُلُ بِمُضِيِّ رُبْعِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُمْ أَيْ فِي زَمَنِ عُمَرَ رضي الله عنه كَانُوا يَنَامُونَهُ وَيَقُومُونَ رُبْعَيْنِ وَيَنْصَرِفُونَ فِي الرَّابِعِ لِسُحُورِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ قَالَ وَأَمَّا فِعْلُهَا عَقِبَ الْعِشَاءِ فَمِنْ بِدَعِ الْكُسَالَى وَالْمُتْرَفِينَ، وَلَيْسَ مِنْ الْقِيَامِ الْمَسْنُونِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ قِيَامًا لِاسْتِدْعَائِهِ الْقِيَامَ مِنْ الْمَضْجَعِ فَهُوَ كَسَائِرِ الْمُتَطَوِّعِينَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا اهـ.
وَظَاهِرُهُ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ وَقْتَهَا عِنْدَهُ يَدْخُلُ بِفِعْلِ الْعِشَاءِ فَفَهْمُ الْأَذْرَعِيِّ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَدْخُلُ بِمُضِيِّ الرُّبْعِ بَعِيدٌ مُنَافٍ لِكَلَامِهِ كَمَا عَلِمْت، وَمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ وَقْتَ اخْتِيَارِهَا ذَلِكَ لِمَا ذَكَرَهُ اعْتَمَدَهُ جَمْعٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَرُدُّ مَا احْتَجَّ بِهِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ أُبَيًّا فِي زَمَنِ عُمَرَ رضي الله عنهما -
كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنَامُوا، وَبِهِ يَتَّجِهُ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، وَهُوَ وَقْتُ الْوِتْرِ الْمُخْتَارُ، وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ كَالْعِشَاءِ، وَمَحَلُّهُ فِيمَنْ لَمْ يُرِدْ التَّهَجُّدَ أَمَّا مَنْ يُرِيدُهُ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ النَّوْمِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ التَّرَاوِيحَ أَوْ الْوِتْرَ قَبْلَ النَّوْمِ امْتَدَّ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ فِي حَقِّهِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَمَنْ أَرَادَ أَحَدَهُمَا بَعْدَهُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوِتْرِ آخِرَ اللَّيْلِ، وَفِي التَّرَاوِيحِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْحَلِيمِيِّ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ إنَّمَا بَنَى كَلَامَهُ عَلَى مَا حَكَاهُ عَنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنَامُونَ الرُّبْعَ الْأَوَّلَ وَيَقُومُونَ رُبْعَيْنِ بَعْدَهُ وَأَنَّ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ النَّوْمِ فَبِهَذَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ غَيْرِهِ فَإِنَّ الْأَصْحَابَ أَلْحَقُوا التَّرَاوِيحَ بِالْعِشَاءِ فِي الْوَقْتِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ تَقْدِيمَهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا خَالَفَهُمْ الْحَلِيمِيُّ لِظَنِّهِ صِحَّةَ مَا حَكَاهُ عَنْ الصَّحَابَةِ مِمَّا ذُكِرَ وَقَدْ بَانَ عَدَمُ صِحَّتِهِ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَلَوْ تَعَارَضَ فِعْلُهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ فِي جَمَاعَةٍ، وَفِعْلُهَا أَثْنَاءَهُ بَعْدَ النَّوْمِ بِلَا جَمَاعَةٍ فَالْأَفْضَلُ رِعَايَةُ الْجَمَاعَةِ إنْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً مُشْتَمِلَةً عَلَى آدَابِهَا وَمُعْتَبَرَاتِهَا لَا كَمَا اُعْتِيدَ مِنْ تَعَدُّدِ الْجَمَاعَاتِ الْمُقْتَرِنَةِ بِقَبَائِحَ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ. بَلْ وَالْمُفْسِدَاتِ فَهَذِهِ الْجَمَاعَةُ وَالصَّلَاةُ الَّتِي مَعَهَا لَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنْ الْكَمَالِ فَيَنْبَغِي لِلْمُوَفَّقِ أَنْ يَتَنَبَّهَ لِذَلِكَ لِئَلَّا يَضِيعَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعًا وَفَّقَنَا اللَّهُ لِمَرْضَاتِهِ آمِينَ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ صَلَاةِ الْإِشْرَاقِ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ هَلْ هِيَ مِنْ الضُّحَى أَوْ لَا وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْهَا مَنْ بَعْدَ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ كَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا رضي الله عنهم أَجَعَلُوهَا مِنْ الضُّحَى أَمْ كَيْفَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ، وَكَيْفَ يَنْوِي بِهَا، وَإِذَا مَضَى وَقْتُهَا فَهَلْ يُصَلِّيهَا أَوْ لَا، وَكَيْفَ يَنْوِي بِهَا حِينَئِذٍ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الضُّحَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحُجَّةُ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَرَكْعَتَا الْإِشْرَاقِ غَيْرُ الضُّحَى وَوَقْتُهَا عِنْدَ الِارْتِفَاعِ لِلشَّمْسِ كَرُمْحٍ قَالَ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} [ص: 18] أَيْ يُصَلِّينَ اهـ وَفِي جَعْلِهِ لَهَا غَيْرَ الضُّحَى نَظَرٌ فَفِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهَا هِيَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَهِيَ صَلَاةُ الضُّحَى وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخَبَرِ «لَا يُحَافِظُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى إلَّا أَوَّابٌ» وَهِيَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَحِينَئِذٍ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْإِشْرَاقِ إذَا لَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَعَلَهَا مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى وَهُوَ مُتَّجِهٌ لِمَا عَلِمْت انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّ الْغَزَالِيَّ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهَا غَيْرُ الضُّحَى، وَغَيْرُهُ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهَا مِنْ الضُّحَى، وَأَنَّ هَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّ مُغَايَرَتَهَا لِلضُّحَى لَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ، وَمَبْنَى الصَّلَوَاتِ عَلَى التَّوْقِيفِ مَا أَمْكَنَ وَكَأَنَّ هَذَا الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ مِمَّا يُضَعِّفُ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ هُوَ السِّرُّ فِي حَذْفِ أَكْثَرِ مَنْ بَعْدَهُ لَهُ وَعَدَمِ تَعْوِيلِهِمْ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ الْحُجَّةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى فَعَلَى كَلَامِ الْغَزَالِيِّ يَنْوِي بِهَا سُنَّةَ صَلَاةِ الْإِشْرَاقِ وَإِنْ قَضَاهَا لَيْلًا مَثَلًا كَمَا يَنْوِي بِصَلَاةِ الضُّحَى سُنَّةَ صَلَاةِ الضُّحَى، وَإِنْ قَضَاهَا لَيْلًا أَيْضًا وَعَلَى مَا قَالَهُ غَيْرُ الْغَزَالِيِّ يَنْوِي بِهَا سُنَّةَ صَلَاةِ الضُّحَى وَلَا يَزِيدُ بِهَا الضُّحَى عَلَى الثَّمَانِ بَلْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَتِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّمَانِ أَكْثَرُهَا، وَعَلَى أَنَّ أَكْثَرَهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ هِيَ أَعْنِي صَلَاةَ الْإِشْرَاقِ مِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الثِّنْتَيْ عَشْرَةَ وَسَوَاءٌ جَعَلْنَاهَا هِيَ أَوْ غَيْرُهَا يُسَنُّ قَضَاؤُهَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ وَيَنْوِي بِهَا مَا مَرَّ مِنْ سُنَّةِ صَلَاةِ الْإِشْرَاقِ عَلَى مَقَالَةِ الْغَزَالِيِّ أَوْ سُنَّةِ صَلَاةِ الضُّحَى عَلَى مَقَالَةِ غَيْرِهِ الَّتِي هِيَ أَوْجَهُ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّا إذَا كَانَ عَلَى شَخْصٍ فَائِتَةٌ وَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَهَا مَعَ رَاتِبَتِهَا فَهَلْ يُقَدِّمُ الرَّاتِبَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْفَرْضِ أَوْ يُؤَخِّرُهَا عَنْهُ أَوْ لَا يَقْضِي الرَّوَاتِبَ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْفَرَائِضِ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ كَثِيرَةٌ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ النَّوَافِلَ مَعَ قَضَاءِ تِلْكَ الْفَوَائِتِ أَمْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّوَاتِبِ وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ أَوْ لَا وَبَيْنَ رَوَاتِبِ الْفَائِتَةِ وَالْحَاضِرَةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي رَجَّحْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُ الْبَعْدِيَّةِ
عَلَى الْفَائِتِ كَالْحَاضِرِ وَعِبَارَتُهُ: وَلَوْ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ فَهَلْ لَهُ قَضَاءُ الْوِتْرِ قَبْلَهَا وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ أَوْجَهُهُمَا كَمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ يَحْكِي الْأَدَاءَ وَدَعْوَى قُصُورِ التَّبَعِيَّةِ عَلَى الْوَقْتِ تَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ وَمُحَشِّيهَا رَجَّحَا مَا رَجَّحْته وَبَعْضُ شُرَّاحِ الْإِرْشَادِ رَجَّحَ مُقَابِلَهُ. وَاسْتَنَدَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى الْمَرْدُودَةِ، وَابْنُ عُجَيْلٍ رَجَّحَ مَا رَجَّحْته أَيْضًا فَقَالَ: الْقِيَاسُ فِي الرَّوَاتِبِ الْمُتَأَخِّرَةِ يَقْضِي بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّرْتِيبِ فِي الْقَضَاءِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى لَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ فَإِنَّ تَرْتِيبَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ اُسْتُحِقَّ لِأَجْلِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ وَبِخِلَافِ صَوْمِ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ وَصَوْمِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا هَلْ كَانَ فِي الْأَدَاءِ لِأَجْلِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ أَوْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ فَلَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِهِ وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَحَدٌ، وَلَا يُشْرَعُ فِيهِ اخْتِلَافٌ اهـ. وَاعْتَمَدَهُ الرِّيمِيُّ فِي تَفْقِيهِهِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهَا عُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي عَلَيْهِ ابْنُ عُجَيْلٍ وَالرِّيمِيُّ وَبَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ وَبَعْضُ مُحَشِّيهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمُتَأَخِّرَةِ عَلَى الْفَرْضِ بِمَا تَقَرَّرَ، وَأَنَّ مَنْ رَجَّحَ جَوَازَ تَقْدِيمِهَا زَاعِمًا قُصُورَ التَّبَعِيَّةِ عَلَى الْوَقْتِ يَحْتَاجُ لِإِقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ الزَّعْمِ، وَلَنْ نَجِدَهُ بَلْ الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِهِمْ رَدُّهُ وَمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ فَإِنْ كَانَتْ فَائِتَةً بِعُذْرٍ جَازَ لَهُ قَضَاءُ النَّوَافِلِ مَعَهَا سَوَاءٌ الرَّاتِبَةُ وَغَيْرُهَا؛ إذْ مِنْ الْمُقَرَّرِ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُسَنُّ قَضَاءُ النَّوَافِلِ الْمُؤَقَّتَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَإِنْ لَمْ تُشْرَعْ لَهَا جَمَاعَةٌ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ قَصُرَ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ وَإِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ وَإِنَّ عَلَيْهِ عَامَّةَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَقْضِي إلَّا الْمُسْتَقِلَّةَ كَالْعِيدِ دُونَ الرَّاتِبَةِ.
وَفِي آخَرَ ضَعِيفٍ قَالَ بِهِ الْقَفَّالُ أَنَّ التَّرَاوِيحَ لَا تُقْضَى نَعَمْ لَا يُقْضَى ذُو سَبَبٍ كَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّحِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُفْعَلُ لِعَارِضٍ زَالَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لِذَلِكَ الْعَارِضِ وَقَدْ زَالَ، وَلَوْ اعْتَادَ صَلَاةً، وَلَوْ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ فَفَاتَتْهُ سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ: وَقَدْ يُنْدَبُ قَضَاءُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ كَأَنْ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ فَاتَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ قَبْلَ قَضَائِهَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَوْرًا وَبِصَرْفِ الزَّمَنِ لِلنَّوَافِلِ تَفُوتُ الْفَوْرِيَّةُ فَلَزِمَهُ الْمُبَادَرَةُ لِقَضَائِهَا، وَهِيَ لَا تُوجَدُ إلَّا إنْ صَرَفَ لَهَا جَمِيعَ زَمَنِهِ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ زَمَنِهِ إلَى قَضَائِهَا، وَلَا يَسْتَثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الزَّمَنَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى صَرْفِهِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ نَحْوِ نَوْمِهِ وَتَحْصِيلِ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا كَانَ مُخَاطَبًا بِهِ خِطَابًا إيجَابِيًّا إلْزَامِيًّا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ فَمَا اُضْطُرَّ لِصَرْفِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِعُذْرٍ فِي التَّأْخِيرِ بِقَدْرِهِ.
وَمَا لَمْ يُضْطَرَّ لِصَرْفِهِ فِي شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْهِ صَرْفُهُ فِي ذَلِكَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ الْفَوْرِيِّ، وَإِلَّا كَانَ عَاصِيًا آثِمًا بِالتَّأْخِيرِ كَمَا أَنَّهُ عَاصٍ آثِمٌ بِالتَّرْكِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ يُرِيدُ التَّهَجُّدَ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَفُوتُهُ فَيَقْضِيه فَهَلْ الْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ بَعْدَ الْعِشَاءِ وِتْرًا إنْ قُلْنَا التَّهَجُّدُ هُوَ الْوِتْرُ أَوْ لَا فَيَقْضِيه وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ فِيهَا فَهَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُقَدِّمَهُ وِتْرًا أَوْ لَا وَهَلْ الْأَفْضَلُ إذَا قَضَاهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إنْ وَسِعَ الْوَقْتُ أَوْ يَجُوزُ بَعْدَهَا قَبْلَ مُضِيِّ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ أَوْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يَمْضِيَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا فَاتَهُ تَهَجُّدٌ سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهُ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ الْوِتْرَ هُوَ التَّهَجُّدُ أَمْ غَيْرُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي صَلَاةِ بَعْدِ النَّوْمِ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ وَانْفِرَادِ الْوِتْرِ بِصَلَاةِ قَبْلِ النَّوْمِ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ وَانْفِرَادِ التَّهَجُّدِ بِصَلَاةِ بَعْدِ النَّوْمِ لَا بِنِيَّةِ الْوِتْرِ، وَإِذَا أَرَادَ التَّهَجُّدَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ نِيَّةِ الْوِتْرِ بِهِ فَإِنَّمَا يُسَنُّ ذَلِكَ لِمَنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ؛ إذْ هَذَا هُوَ وَقْتُ التَّهَجُّدِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ، وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَهُوَ أَنَّهُ إنْ وَثِقَ بِيَقَظَتِهِ سُنَّ لَهُ تَأْخِيرُ وِتْرِهِ إلَى مَا بَعْدَ يَقَظَتِهِ؛ لِأَنَّهُ الِاتِّبَاعُ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَحْوَالِهِ صلى الله عليه وسلم الْغَالِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِذَلِكَ سُنَّ لَهُ تَقْدِيمُ وِتْرِهِ قَبْلَ نَوْمِهِ، وَإِذَا قَضَاهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُبَادِرَ بِهِ كَمَا أَنَّ الْمُبَادَرَةَ بِقَضَاءِ الْفَرَائِضِ الَّتِي فَاتَتْ بِعُذْرٍ سُنَّةٌ، وَإِذَا سُنَّ لَهُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ فَالْأَوْلَى قَضَاؤُهُ قَبْلَ
فِعْلِ الصُّبْحِ إنْ وَسِعَ الْوَقْتُ، وَإِلَّا فَبَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ جَازَ فِعْلُهُ فِيهِ لِأَنَّهُ ذُو سَبَبٍ مَا لَمْ يَتَحَرَّ بِهِ الْوَقْتَ الْمَكْرُوهَ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ حَيْثُ قِيلَ بِاسْتِحْبَابِهَا عَلَى الرَّاجِحِ عَلَى مَا فِي أَحَادِيثِهَا مِنْ الضَّعْفِ هَلْ هِيَ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ أَوْ الْمُقَيَّدَةِ بِالْيَوْمِ أَوْ الْجُمُعَةِ أَوْ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ أَوْ الْعُمُرِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ» إلَخْ وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهَا مِنْ النَّوَافِلِ الْمُقَيَّدَةِ يَكُونُ قَضَاؤُهَا مُسْتَحَبًّا، وَتَكْرَارُهَا فِي الْيَوْمِ أَوْ اللَّيْلَةِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهَا مِنْ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ يَكُونُ قَضَاؤُهَا غَيْرَ مُسْتَحَبٍّ، وَتَكْرَارُهَا فِي الْيَوْمِ مُسْتَحَبٌّ أَمْ لَا، وَهَلْ التَّسْبِيحُ فِيهَا فَرْضٌ أَوْ بَعْضٌ أَوْ هَيْئَةٌ، وَعَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ لَوْ نَوَاهَا، وَلَمْ يُسَبِّحْ أَوْ عَكَسَ تَكُونُ صَلَاةَ تَسْبِيحٍ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابُهَا أَوْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ فِي تَرْكِ التَّسْبِيحِ بَيْنَ الْعَمْدِ أَوْ السَّهْوِ أَمْ لَا وَهَلْ إذَا سَهَا عَنْ التَّسْبِيحِ فِي رُكْنٍ وَانْتَقَلَ إلَى مَا بَعْدَهُ وَتَذَكَّرَ يَرْجِعُ إلَيْهِ لِيُسَبِّحَ فِيهِ وَيُلْغِيَ مَا بَعْدَهُ أَوْ يَتَدَارَكَ مَا فَاتَهُ مِنْ التَّسْبِيحِ فِي حَالِ سَهْوِهِ سَوَاءٌ كَانَ تَسْبِيحَ رُكْنٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَأْتِي بِهِ فِي مَحَلِّ التَّذَكُّرِ مَعَ تَسْبِيحِ ذَلِكَ الرُّكْنِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ أَمْ لَا.
وَهَلْ التَّسْبِيحُ فِيهَا تَابِعٌ لِلْقِرَاءَةِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ أَمْ يُسَرُّ بِهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَسَائِرِ أَذْكَارِ الصَّلَوَاتِ وَهَلْ تَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَتَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِ الْمَنْذُورَةِ أَمْ لَا، وَهَلْ الْفَصْلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ أَمْ الْوَصْلُ أَفْضَلُ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ وَمَا حُكْمُ اللَّهِ سبحانه وتعالى فِي ذَلِكَ أَفْتُونَا وَابْسُطُوا الْجَوَابَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِكَرْمِهِ آمِينَ؟
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ اللَّهُمَّ هِدَايَةً لِلصَّوَابِ، الْحَقُّ فِي حَدِيثِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ أَنَّهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ فَمَنْ أَطْلَقَ تَصْحِيحَهُ كَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمِ يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْيِ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ يُسَمَّى لِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ صَحِيحًا، وَمَنْ أَطْلَقَ ضَعْفَهُ كَالنَّوَوِيِّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَمَنْ بَعْدَهُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ مُفْرَدَاتُ طُرُقِهِ. وَمَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ حَسَنٌ أَرَادَ بِاعْتِبَارِ مَا قُلْنَاهُ فَحِينَئِذٍ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ الْمُخْتَلِفَةِ فِي ذَلِكَ حَتَّى إنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَتَنَاقَضُ كَلَامُهُ فِي كُتُبِهِ فَيَقُولُ فِي بَعْضِهَا حَسَنٌ وَفِي بَعْضِهَا ضَعِيفٌ كَالنَّوَوِيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْعَسْقَلَانِيِّ.
وَمَحْمَلُ ذَلِكَ النَّظَرُ لِمَا قَرَّرْته فَاعْلَمْهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فَتَحْرُمُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، وَوَجْهُ كَوْنِهَا مِنْ الْمُطْلَقِ أَنَّهُ الَّذِي لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ وَهَذِهِ كَذَلِكَ لِنَدْبِهَا كُلَّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ مَا عَدَا وَقْتَ الْكَرَاهَةِ لِحُرْمَتِهَا فِيهِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَعِبَارَةُ الرُّويَانِيِّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَادَهَا فِي كُلِّ حِينٍ، وَلَا يَتَغَافَلَ عَنْهَا، وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ يَنْبَغِي الْحِرْصُ عَلَيْهَا وَمَا يَسْمَعُ بِعَظِيمِ فَضْلِهَا وَيَتَهَاوَنُ فِيهَا إلَّا مُتَهَاوِنٌ بِالدِّينِ وَعُلِمَ مِنْ كَوْنِهَا مُطْلَقَةً أَنَّهَا لَا تُقْضَى لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ حَتَّى يُتَصَوَّرَ خُرُوجُهَا عَنْهُ وَتُفْعَلُ خَارِجَهُ لِمَا أَفَادَهُ الْخَبَرُ.
وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ غَيْرَ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَقْتٌ لَهَا وَأَنَّهُ يُسَنُّ تَكْرَارُهَا، وَلَوْ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالتَّسْبِيحَاتُ فِيهَا هَيْئَةٌ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ بَلْ أَوْلَى فَلَا يُسْجَدُ لِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَوْ نَوَاهَا وَلَمْ يُسَبِّحْ فَالظَّاهِرُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُطَوِّلَ الِاعْتِدَالَ وَلَا الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلَا جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ إذْ الْأَصَحُّ الْمَنْقُولُ أَنَّ تَطْوِيلَ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ مُبْطِلٌ كَمَا حَرَّرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطْت أَنْ لَا يُطَوِّلَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اُغْتُفِرَ تَطْوِيلُهَا بِالتَّسْبِيحِ الْوَارِدِ فَحَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِهِ امْتَنَعَ التَّطْوِيلُ، وَصَارَتْ نَافِلَةً مُطْلَقَةً بِحَالِهَا لَكِنَّهَا لَا تُسَمَّى صَلَاةَ تَسْبِيحٍ، فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَنْوِي صِفَةً ثُمَّ يَتْرُكُهَا؟ قُلْت: لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ كَمَالٌ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ بِنِيَّتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ نَوَى سُجُودَ السَّهْوِ فَسَجَدَ وَاحِدَةً ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا جَازَ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الِاقْتِصَارَ عَلَى سَجْدَةٍ ابْتِدَاءً لِنِيَّتِهِ مَا لَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ.
فَإِنْ قُلْت: قَضِيَّةُ هَذَا الْأَخِيرِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، وَفِي عَزْمِهِ حَالَ النِّيَّةِ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالتَّسْبِيحِ عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاتِهِ قُلْت يُفَرَّقُ أَنَّهُ هُنَا نَوَى مُبْطِلًا، وَهُوَ سَجْدَةٌ فَرَدَّهُ، وَهِيَ لَا تُسَمَّى سُجُودَ سَهْوٍ، وَإِنَّمَا جَازَ الِاقْتِصَارُ
عَلَيْهَا إذَا طَرَأَ بَعْدَ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا نَفْلٌ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَأَمَّا ثَمَّ أَعْنِي فِي صُورَةِ التَّسْبِيحِ فَهُوَ لَمْ يَنْوِ مُبْطِلًا.
وَإِنَّمَا نَوَى تَرْكَ كَمَالٍ فَلَمْ تَبْطُلْ بِنِيَّتِهِ؛ إذْ غَايَتُهُ أَنَّ نَافِلَتَهُ حِينَئِذٍ لَا تُسَمَّى صَلَاةَ تَسْبِيحٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَافٍ لِصِحَّةِ السُّنَّةِ نَعَمْ إنْ نَوَى صَلَاةَ التَّسْبِيحِ نَاوِيًا أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ، وَأَنَّهُ يُطَوِّلُ رُكْنًا قَصِيرًا بِغَيْرِ تَسْبِيحٍ فَالْبُطْلَانُ وَاضِحٌ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ نَوَى مُبْطِلًا حِينَئِذٍ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ أَوْ عَكَسَ جَازَ لَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ مَا لَمْ يُطِلْ بِهِ رُكْنًا قَصِيرًا؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ انْعَقَدَتْ نَافِلَةً لَا تُسَمَّى صَلَاةَ تَسْبِيحٍ، وَهُمْ لَمْ يَغْتَفِرُوا تَطْوِيلَ الْقَصِيرِ إلَّا فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ اتِّبَاعًا لِلْوَارِدِ مَا أَمْكَنَ، وَلَوْ سَهَا عَنْ التَّسْبِيحِ فِي رُكْنٍ وَانْتَقَلَ لِمَا بَعْدَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ عَامِدًا عَالِمًا فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْعَوْدُ إلَيْهِ تَدَارَكَهُ فِيمَا يَلِيهِ إنْ كَانَ غَيْرَ قَصِيرٍ كَتَسْبِيحِ الِاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ.
فَإِنْ كَانَ قَصِيرًا كَأَنْ تَرَكَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ وَاعْتَدَلَ لَمْ يَتَدَارَكْهُ فِي الِاعْتِدَالِ لِأَنَّهُ لَا يُطَوِّلُهُ عَنْ الْوَارِدِ بَلْ فِي السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ طَوِيلٌ ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالسُّنَّةُ الْإِسْرَارُ بِتَسْبِيحِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَأَمَّا قِرَاءَتُهَا فَفِي النَّهَارِ يُسِرُّهَا وَفِي اللَّيْلِ يَتَوَسَّطُ فِيهَا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ وَتَجِبُ بِالنَّذْرِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي بَابِ النَّذْرِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يَجِبُ بِالنَّذْرِ.
وَإِذَا نُذِرَتْ صَارَتْ وَاجِبَةً فَيُثَابُ عَلَيْهَا ثَوَابَ الْوَاجِبِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ النَّذْرَ نَفْسَهُ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم إنَّ النَّذْرَ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ أَوْ مَنْدُوبٌ إنْ كَانَ غَيْرَ نَذْرِ لَجَاجٍ، وَهُوَ الَّذِي يُعْتَمَدُ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ وَيَجُوزُ فِيهَا الْفَصْلُ وَالْوَصْلُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُهُمَا لَكِنْ اسْتَحْسَنَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ إذَا صَلَّاهَا فِي النَّهَارِ وَصَلَهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ صَلَّاهَا فِي اللَّيْلِ فَصَلَهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ أَيْ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ: صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى، وَكَأَنَّ الْغَزَالِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا أَخَذَ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَشْهَرُ هَذَا مَا تَيَسَّرَ الْآنَ وَنَحْنُ عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ مَعَ فَقْدِ الْكُتُبِ لَا سِيَّمَا شَرْحِي لِلْعُبَابِ الَّذِي جَمَعَ فَأَوْعَى وَشَرْحِي لِلْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَدْ ذَكَرْت فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ مِنْ الْأَبْحَاثِ وَالْفَوَائِدِ مَا لَا يَسْتَغْنِي فَاضِلٌ عَنْ مُرَاجَعَتِهِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ فَاتَهُ التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّكْبِيرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَيَأْتِي بِهَا عِنْدَ أَخْذِ الْمَضْجَعِ هَلْ تَتَأَدَّى بِهِ السُّنَّتَانِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ سَلَامِهِ مِنْ الْعِشَاءِ وَأَخْذِ الْمَضْجَعِ بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ عُرْفًا ذَلِكَ الذِّكْرُ إلَى الصَّلَاةِ فَاتَتْهُ سُنَّةُ ذَلِكَ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ إذْ مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّ مُرَادَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ أَنَّ الْأَذْكَارَ الَّتِي تُسَنُّ بَعْدَ سَلَامِ الصَّلَاةِ إنَّمَا تَحْصُلُ سُنَّتُهَا حَيْثُ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا طُولًا تَخْرُجُ بِهِ الْأَذْكَارُ عَنْ أَنْ تُنْسَبَ إلَى الصَّلَاةِ، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ وَقُصِدَ بِهِ الْإِتْيَانُ لَهُمَا اُحْتُمِلَ أَنْ يُقَالَ تَحْصُلُ لَهُ السُّنَّتَانِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ وُقُوعُ النَّوْمِ عَلَى ذِكْرٍ، فَإِذَا أَتَى بِهِ لِلصَّلَاةِ وَلَهُ كُفِيَ لَهُمَا، وَلَوْ أَتَى بِهِ بِقَصْدِ الصَّلَاةِ فَقَطْ أَوْ بِقَصْدِ النَّوْمِ فَقَطْ حَصَلَ مَا نَوَاهُ، وَلَمْ يُثَبْ عَلَى الْآخَرِ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ عَنْهُ طَلَبُهُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إذَا صَلَّى غَيْرَهَا أَنَّهُ لَا يُحَصِّلُ فَضْلَهَا إلَّا إنْ نَوَيْت، وَإِلَّا سَقَطَ طَلَبُهَا عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا بَسَطْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا هُنَا أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا أَنْ لَا يُنْتَهَكَ الْمَسْجِدُ بِالْجُلُوسِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَكَانَ قِيَاسُهُ حُصُولَ فَضْلِهَا كَمَا قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ لَكِنْ خَبَرُ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» يَرُدُّهُ. فَجَمْعُنَا يَجْعَلُ الْكَلَامَ فِي مَقَامَيْنِ سُقُوطُ الطَّلَبِ فَيَحْصُلُ بِأَيِّ صَلَاةٍ كَانَتْ، وَحُصُولُ الثَّوَابِ فَيُتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ، وَالْقَصْدُ هُنَا وُقُوعُ النَّوْمِ عَلَى ذِكْرٍ وَخَتْمُ الصَّلَاةِ بِهِ فَأُعْطِيَ حُكْمَ التَّحِيَّةِ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُمَا إنْ نُوِيَا حُصِّلَا وَإِلَّا حَصَّلَ مَا نَوَى فَقَطْ، وَسَقَطَ طَلَبُ الْآخَرِ وَيَأْتِي ذَلِكَ فِيمَا إذَا طَالَ الْفَصْلُ وَقُلْنَا بِنَدْبِ قَضَاءِ مِثْلِ هَذَا الذِّكْرِ فَإِذَا أَتَى بِهِ فِي مَضْجَعِهِ نَاوِيًا بِهِ الْقَضَاءَ
وَذِكْرَ النَّوْمِ حُصِّلَا، وَإِلَّا حَصَّلَ مَا نَوَاهُ فَقَطْ هَذَا حَاصِلُ مَا يَظْهَرُ فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِشَيْءٍ مِنْهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْقَصْدَ وُقُوعُ النَّوْمِ عَلَى الذِّكْرِ وَخَتْمُ الصَّلَاةِ بِهِ وَهُمَا حَاصِلَانِ بِوَاحِدٍ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّنْ قَضَى الْفَرْضَ مَعَ رَاتِبَتِهِ فَهَلْ تُقَدَّمُ الرَّاتِبَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ عَلَى فَرْضِهَا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي رَجَّحْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ يَحْكِي الْأَدَاءَ وَدَعْوَى قُصُورِ التَّبَعِيَّةِ عَلَى الْوَقْتِ تَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَسَبَقَنِي لِذَلِكَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ وَبَعْضُ مُحَشِّيهَا وَابْنُ عُجَيْلٍ وَالرِّيمِيُّ فِي تَفْقِيهِهِ فَرَجَّحُوا مَا رَجَّحْته أَيْضًا، وَعِبَارَةُ ابْنِ عُجَيْلٍ الْقِيَاسُ فِي الرَّوَاتِبِ الْمُتَأَخِّرَةِ يَقْضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّرْتِيبِ فِي الْقَضَاءِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى لَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ فَإِنَّ تَرْتِيبَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ اُسْتُحِبَّ لِأَجْلِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ وَبِخِلَافِ صَوْمِ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ وَصَوْمِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا هَلْ كَانَ فِي الْأَدَاءِ لِأَجْلِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ أَوْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ فَلَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِهِ.
وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَحَدٌ وَلَا يَسُوغُ فِيهِ خِلَافٌ اهـ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قِرَاءَةِ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ تُسَنُّ فِي كَمْ نَافِلَةً؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: تُسَنُّ فِي سُنَّةِ الْمَغْرِبِ وَالطَّوَافِ وَالِاسْتِخَارَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ وَفِي سُنَّةِ الْإِحْرَامِ وَقِيسَ بِهَا التَّحِيَّةُ وَالضُّحَى وَسُنَّةُ الزَّوَالِ وَنَحْوُهَا وَتُسَنُّ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ لِلْمُسَافِرِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَكَذَا فِي مَغْرِبِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَتُسَنُّ فِي عِشَاءِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ أَوْ سَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَتُسَنُّ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فِي كُلٍّ مِنْ أَوَّلَتَيْ الْوِتْرِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا يُسَنُّ لِلرَّجُلِ إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ وَدَخَلَ بِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُسَنُّ لَهُ إذَا دَخَلَ بِهَا أَنْ يَأْخُذَ بِنَاصِيَتِهَا وَيَقُولَ بَارَكَ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنَّا فِي صَاحِبِهِ ثُمَّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ» وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهِيَ أَيْضًا خَلْفَهُ وَتَقُولُ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي أَهْلِي وَبَارِكْ لِأَهْلِي فِي وَارْزُقْنِي مِنْهُمْ اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا مَا جَمَعْت فِي خَيْرٍ وَفَرِّقْ بَيْنَنَا إذَا فَرَّقْت فِي خَيْرٍ» وَيُسَنُّ لِمَنْ اشْتَرَى خَادِمًا أَوْ بَهِيمَةً أَنْ يَأْخُذَ بِنَاصِيَتِهِ وَيَقُولُ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتهَا عَلَيْهِ» .
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّنْ أَحْرَمَ بِسُنَّةِ الظُّهْرِ أَوْ الْوِتْرِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَدَدٍ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَرْبَعِ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ مَثَلًا بِالتَّعْيِينِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَرْبَعِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ عَكَسَ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا غَيَّرَ النِّيَّةَ كَمَا فِي النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ أَوْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الصُّورَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَقَدْ رَأَيْت فِي فَتَاوَى ابْنِ الْعِرَاقِيِّ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ الزِّيَادَةَ مَا هَذَا لَفْظُهُ: الَّذِي يَتَبَيَّنُ وَيُفْهَمُ مِنْ نُصُوصِهِمْ نَصًّا وَتَعْلِيلًا أَنَّ ذَلِكَ لَا تَتَأَدَّى بِهِ السُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ وَحَسْبُك مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً غَيْرَ رَاتِبَةٍ أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَمَا قَبْلَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ذَلِكَ فَيُفْهَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ، وَمَنْعُ الْإِجْمَالِ، وَبَحْثُهُمْ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ هَذَا لَفْظُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ مُرَادُهُ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَلَعَلَّ فِي الْكَلَامِ سَقْطًا بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ وَهَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْفَرْضِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ فِي تَسْلِيمَةٍ إذَا أَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَةَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَدْ تَرَدَّدَ الْإِسْنَوِيُّ فِيمَا لَوْ نَوَى الْوِتْرَ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ هَلْ يَلْغُو لِإِبْهَامِهِ أَوْ يَصِحُّ، وَيُحْمَلُ عَلَى رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنَةُ أَوْ عَلَى ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ رَكْعَتَيْنِ مَعَ صِحَّةِ الرَّكْعَةِ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ لِأَنَّهَا الْغَايَةُ فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ صَبِيبَ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ وَأَسْكَنَهُ أَعْلَى فَرَادِيسِ الْجِنَانِ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ شَفْعًا كَأَرْبَعٍ وَيُسَلِّمَ مِنْهَا وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا نَوَى الْوِتْرَ وَهُوَ حَقِيقَةٌ
لَا تَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْوِتْرِ دُونَ الشَّفْعِ، وَإِنَّمَا جَازَ فِيمَا إذَا أَوْتَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ أَنْ يَنْوِيَ بِكُلِّ شَفْعٍ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُمَا مِنْ سُنَّةٍ هِيَ وِتْرٌ نَعَمْ لَوْ لَمْ يَنْوِ الْوِتْرَ بَلْ نَوَى مِنْ الْوِتْرِ فَظَاهِرٌ أَنَّ لَهُ تَعْيِينَ الشَّفْعِ كَالْأَرْبَعِ وَيُسَلِّمُ مِنْهَا حِينَئِذٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَرْبَعَ تُسَمَّى مِنْ الْوِتْرِ، وَلَا تُسَمَّى الْوِتْرَ فَلَزِمَهُ فِي نِيَّةِ الْوِتْرِ أَنْ يُعَيِّنَ عَدَدًا هُوَ وِتْرٌ حَقِيقَةً بِخِلَافِهِ فِي نِيَّةٍ مِنْ الْوِتْرِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ شَفْعًا هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَدَدٍ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِنِيَّةِ سُنَّةِ الظُّهْرِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَدَدٍ فَإِنْ قُلْنَا فِيهَا بِجَوَازِ الْوَصْلِ كَالْوِتْرِ يَأْتِي فِيهَا نَظِيرُ مَا سَبَقَ فِي الْوِتْرِ، وَإِنْ قُلْنَا فِيهَا بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ لَزِمَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَجَرَى عَلَيْهِ فِي مَجْمُوعِهِ وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ تَصِحُّ نِيَّةُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْأَرْبَعِ الْقَبْلِيَّةِ أَوْ الْبَعْدِيَّةِ بِتَسْلِيمَةٍ بِتَشَهُّدٍ أَوْ تَشَهُّدَيْنِ.
وَبَحَثَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَأَبُو شُكَيْل أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَفَرَّقَ النَّوَوِيُّ رحمه الله بَيْنَ هَذِهِ، وَامْتِنَاعِ جَمْعِ أَرْبَعٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ فِي تَسْلِيمَةٍ بِأَنَّ التَّرَاوِيحَ أَشْبَهَتْ الْفَرْضَ بِطَلَبِ الْجَمَاعَةِ فَلَا تَغَيُّرَ عَمَّا وَرَدَ فِيهَا، وَأَيْضًا فَجِنْسُ الرَّاتِبَةِ وَرَدَ فِيهِ الْوَصْلُ كَالْوِتْرِ بَلْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ الْوَصْلُ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ وَسُنَّةِ الْعَصْرِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّ الْوَصْلَ هُنَا أَفْضَلُ لَكِنْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْفَصْلَ هُنَا أَفْضَلُ كَالْوِتْرِ، وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنِيَّةُ الْعَدَدِ لَا تَجِبُ فَيَجُوزُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ نِيَّةُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ أَوْ الْبَعْدِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ثُمَّ عَلَى الْأَوَّلِ الْمُعْتَمَدِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمَ، وَأَنْ يُصَلِّيَ الْأَرْبَعَ بِتَسْلِيمَةٍ وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا.
هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ عَدَدًا، وَأَمَّا إذَا عَيَّنَ عَدَدًا كَرَكْعَتَيْنِ مِنْ إحْدَى الرَّوَاتِبِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا عَيَّنَهُ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ ذَاكَ إنَّمَا هُوَ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَدَدًا وَفَوَّضَهُ إلَى خِيرَةِ الْمُتَعَبِّدِ كَانَ أَمْرُهُ أَخَفَّ مِنْ غَيْرِهِ فَجَازَ لِمَنْ نَوَى مِنْهُ عَدَدًا أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُنْقِصَ عَنْهُ بِشَرْطِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ.
وَأَمَّا غَيْرُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ مِنْ الرَّوَاتِبِ وَغَيْرِهَا فَمَتَى نَوَى عَدَدًا مِنْهُ لَا يَجُوزُ نَقْصُهُ، وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَمَا نُقِلَ فِي السُّؤَالِ عَنْ ابْنِ الْعِرَاقِيِّ كَلَامٌ إجْمَالِيٌّ يَصِحُّ تَنْزِيلُهُ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إذَا أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ أَنَّهُمَا مِنْ الرَّاتِبَةِ صَحَّ قَوْلُهُ: لَا يَتَأَدَّى بِهِ السُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ أَيْ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ زَادَ عَلَيْهِمَا جَاهِلًا وَقَعَ لَهُ جَمِيعُ مَا أَتَى بِهِ نَفْلًا مُطْلَقًا، وَلَمْ يُحْسَبْ لَهُ عَنْ الرَّاتِبَةِ.
وَإِنْ زَادَ عَالِمًا بِعَدَمِ جَوَازِ الزِّيَادَةِ بَطَلَ جَمِيعُ مَا أَتَى بِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ الرَّاتِبَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ مِنْ النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ صَحَّ كَلَامُهُ أَيْضًا بِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ زِيَادَةُ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ الْمَنْوِيَّتَيْنِ، وَلَا يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ عَنْ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى صُورَتِهَا وَقَوْلُهُ: وَمَا قَبِلَ أَيْ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ ذَلِكَ كَلَامٌ غَيْرُ مُلْتَئِمٍ، وَقَوْلُهُ: فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَيْ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ هَذَا اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ، وَمَنْعُ الْإِجْمَالِ كَلَامٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ لَمَّا اكْتَفَى فِي النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ بِنِيَّةِ فِعْلِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ أَفْهَمَ أَنَّ الرَّاتِبَةَ وَنَحْوَهَا لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ التَّعْيِينِ، وَأَخْذُ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَإِنَّهُ مَذْكُورٌ حَتَّى فِي الْمُخْتَصَرَاتِ فَاسْتِنْبَاطُهُ مِمَّا ذُكِرَ قُصُورٌ أَيُّ قُصُورٍ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِمَا مَهَّدَهُ قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ الَّذِي يَتَبَيَّنُ إلَخْ.
وَإِذَا أَخَّرَ الرَّاتِبَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ إلَى مَا بَعْدَ الْفَرْضِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُتَأَخِّرَةِ فِي نِيَّةٍ وَاحِدَةٍ اتِّفَاقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَمَّا عِنْدَ الْمَانِعِينَ لِجَمْعِ الْأَرْبَعِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُجَوِّزِينَ لَهُ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّ النِّيَّةَ ثَمَّ وَاحِدَةٌ فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ، وَأَمَّا النِّيَّةُ هُنَا فَمُخْتَلِفَةٌ؛ إذْ لَا بُدَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يُعَيِّنَ فِي نِيَّةِ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْمُتَأَخِّرَةَ اتِّفَاقًا، وَإِذَا اُشْتُرِطَ تَعْيِينُ كُلٍّ اسْتَحَالَ الْجَمْعُ؛ إذْ مِنْ الْبَيِّنِ إلْغَاءُ قَوْلِهِ: أُصَلِّي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْمُتَأَخِّرَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ جَازَ لَكَانَتْ الثَّمَانِيَةُ بِجَمِيعِ.
أَجْزَائِهَا وَاقِعَةً عَنْ الْقَبْلِيَّةِ عَلَى حِدَتِهَا وَعَنْ الْبَعْدِيَّةِ عَلَى حِدَتِهَا، وَهَذَا مُبْطِلٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْقَبْلِيَّةِ بِثَمَانٍ وَالْبَعْدِيَّةِ بِثَمَانٍ، وَهُوَ تَلَاعُبٌ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَمَّا إذَا دَخَلَ شَخْصٌ الْمَسْجِدَ بِقَصْدِ الطَّوَافِ وَقُلْتُمْ بِسُقُوطِ التَّحِيَّةِ عَنْهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ التَّحِيَّةِ هَلْ تَنْعَقِدُ أَمْ لَا لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا سَبَبَ لَهَا؟
(فَأَجَابَ) أَدَامَ اللَّهُ وُجُودَهُ بِقَوْلِهِ: تَنْعَقِدُ بِلَا رَيْبٍ وَدَعْوَى أَنَّهُ لَا سَبَبَ لَهَا لَيْسَتْ فِي مَحَلِّهَا بَلْ سَبَبُهَا بَاقٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَعِبَارَةُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا لَمْ يَبْدَأْ بِهَا ثُمَّ بِالطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ الْبَيْتُ؛ وَتَحِيَّتُهُ إنَّمَا هِيَ الطَّوَافُ فَبُدِئَ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ تَنْدَرِجُ فِي رَكْعَتَيْهِ فَالْبُدَاءَةُ بِهِ لَا تُفَوِّتُهَا بِخِلَافِ عَكْسِهِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِأَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ بِلَا صَلَاةٍ بَعْدَ الطَّوَافِ قَبْلَ الْجُلُوسِ فَقَدْ فَوَّتَ التَّحِيَّةَ أَيْ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ كَمَا لَوْ جَلَسَ فِيهِ بَعْدَ الطَّوَافِ بِلَا صَلَاةٍ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ لَا تُسَنُّ لَهُ التَّحِيَّةُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الطَّوَافُ تَحِيَّةُ رُؤْيَتِهَا فَيُسَنُّ لَهُ تَحِيَّةُ دُخُولِهَا رَكْعَتَانِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَقَوْلُ جَمْعٍ: الطَّوَافُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ دُونَ الْبَيْتِ مَرْدُودٌ بِتَصْرِيحِ كَثِيرِينَ بِخِلَافِهِ اهـ وَاعْتَرَضَهُ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ الطَّوَافُ تَحِيَّةُ الرُّؤْيَةِ عَجِيبٌ. وَإِنَّمَا هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَلَا تُسَنُّ التَّحِيَّةُ عِنْدَ دُخُولِ الْبَيْتِ فِيمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَّصِلَةَ لَهَا حُكْمُ الْوَاحِدِ، وَقَدْ صَلَّى عَنْ الْأَوَّلِ فَلَا يُصَلِّي لِلثَّانِي اهـ وَرُدَّ مَا قَالَهُ أَوَّلًا بِأَنَّهُ لَا عَجَبَ فِيهِ؛ إذْ الْعِبَارَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَمَا قَالَهُ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ نَفْسِهِ فِي خَادِمِهِ الْقِيَاسُ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالطَّوَافِ أَوَّلًا تَحِيَّةً لِلْبَيْتِ وَهُوَ مَعَ الْمَسْجِدِ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمَا وَهُمَا كَمَسْجِدَيْنِ؛ وَلِهَذَا فُضِّلَتْ النَّافِلَةُ دَاخِلَهُ عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ خَارِجَهُ اهـ فَكَوْنُهُمَا كَمَسْجِدَيْنِ مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَمَانِعٌ لِقِيَاسِ الزَّرْكَشِيّ لَهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ الْمُتَلَاصِقَةِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ عَنْ قَوْلِهِ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وَإِلَيْك الْمَصِيرُ عِنْدَ تَرْكِ السُّجُودِ لِآيَةِ السَّجْدَةِ لِحَدَثٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْ السُّجُودِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ عِنْدَنَا هَلْ يَقُومُ الْإِتْيَانُ بِهَا مَقَامَ السُّجُودِ كَمَا قَالُوا بِذَلِكَ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَنَّهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا رحمه الله فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ الْإِحْيَاءِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُجُودِهِ سُجُودِهِ سَجَدَ وَجْهِي الْفَانِي لِوَجْهِك الْبَاقِي هَلْ لِذَلِكَ سَنَدٌ مُعْتَبَرٌ أَوْ يُقَالُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُنَاسَبَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهُ. فَلَا يَقُومُ مَقَامَ السَّجْدَةِ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ وَلَا يُتَمَسَّكُ بِمَا فِي الْإِحْيَاءِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ يَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ بِفَرْضِ صِحَّتِهِ فَكَيْفَ مَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مَسَاغٌ؛ لِأَنَّ قِيَامَ لَفْظٍ مَفْضُولٍ مَقَامَ فِعْلٍ فَاضِلٍ مَحْضٍ فَضْلٌ فَإِذَا صَحَّ فِي صُورَةٍ لَمْ يَجُزْ قِيَاسُ غَيْرِهَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا ثَالِثًا فَتِلْكَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي التَّحِيَّةِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ فِيهَا فَضَائِلُ وَخُصُوصِيَّاتٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْهَا أَنَّهَا صَلَاةُ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ وَمِنْهَا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] وَمِنْهَا أَنَّهَا الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ وَمِنْهَا أَنَّهَا الْقَرْضُ الْحَسَنُ فِي قَوْله تَعَالَى {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 11] .
وَمِنْهَا أَنَّهَا الذِّكْرُ الْكَثِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41]{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب: 35] وَمَا اُعْتِيدَ مِنْ قَوْلِ الْعَامَّةِ فِي السُّجُودِ سَجَدَ وَجْهِي الْفَانِي لِوَجْهِك الْبَاقِي لَا أَصْلَ لَهُ فِيمَا أَعْلَمُ فَيَتَأَكَّدُ تَرْكُهُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ هَلْ صَحَّ أَوْ وَرَدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى التَّرَاوِيحَ عِشْرِينَ رَكْعَةً؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ بَلْ الْأَمْرُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَدَدٍ، وَصَلَاتُهُ صلى الله عليه وسلم بِهِمْ صَلَاةٌ لَمْ يُذْكَرْ عَدَدُهَا لَيَالِيَ ثُمَّ تَأَخَّرَ فِي رَابِعِ لَيْلَةٍ خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ.
وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ (فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ) فَهُوَ شَدِيدُ الضَّعْفِ اشْتَدَّ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِي أَحَدِ رُوَاتِهِ تَجْرِيحًا وَذَمًّا وَمِنْهُ أَنَّهُ يُرْوَى فِي الْمَوْضُوعَاتِ كَحَدِيثِ مَا هَلَكَتْ أُمَّةٌ إلَّا فِي إدَارٍ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا فِي إدَارٍ وَأَنَّ حَدِيثَهُ هَذَا الَّذِي فِي التَّرَاوِيحِ مِنْ جُمْلَةِ مَنَاكِيرِهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ السُّبْكِيّ بِأَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ أَنْ لَا يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ قَالَ الذَّهَبِيُّ وَمَنْ يُكَذِّبُهُ مِثْلُ شُعْبَةَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى حَدِيثِهِ وَمِمَّا يَرُدُّهُ مَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها لَمْ يَزِدْ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه نِعْمَت الْبِدْعَةُ أَيْ التَّرَاوِيحُ. فَهُوَ صَرِيحٌ فِي حُدُوثِهَا بَعْدَهُ صلى الله عليه وسلم وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَتَبِعُوهُ لَكِنَّهَا بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ، نَعَمْ رَوَى ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّهُ «صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ انْتَظَرُوهُ فِي الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ» .
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّنْ نَسِيَ قِرَاءَةَ سَبِّحْ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ فِي الْوِتْرِ فَهَلْ يَقْرَؤُهُ إذَا تَذَكَّرَ ذَلِكَ فِي الثَّالِثَةِ فِيمَا إذَا أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ وَصَلَهَا فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَتَدَارَكُ ذَلِكَ فِي الثَّالِثَةِ. نَظِيرُ مَا لَوْ تَرَكَ سُورَتَيْ أُولَيَيْ الْمَغْرِبِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّهُ يَتَدَارَكُهُمَا فِي ثَالِثَتِهَا، وَأَمَّا إذَا فَصَلَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَدَارَكُ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأُولَى صَارَتْ الثَّلَاثَةُ فِيهَا صَلَاةً وَاحِدَةً فَلَحِقَ بَعْضَهَا نَقْصُ بَعْضٍ فَشُرِعَ فِيهَا التَّدَارُكُ جَبْرًا لِذَلِكَ الْبَعْضِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الثَّالِثَةَ بِالْفَصْلِ صَارَتْ كَأَجْنَبِيَّةٍ عَنْ الْأُولَيَيْنِ فَلَمْ يُشْرَعْ تَدَارُكٌ فِيهَا.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ مَا مُلَخَّصُ مَا لِلنَّاسِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ جَمَعَ التَّقِيُّ السُّبْكِيّ فِي ذَلِكَ تَأْلِيفًا نَافِعًا سَمَّاهُ إشْرَاقَ الْمَصَابِيحِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ. فَانْظُرُوهُ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ تَلْخِيصِهِ إلَّا ضِيقُ الْوَقْتِ وَكَثْرَةُ الِاشْتِغَالِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صَلَاةَ الضُّحَى مُحْتَجًّا بِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «مَا رَأَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا» وَبِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى قَالَتْ لَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» فَالْقَصْدُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مُقَدِّمِينَ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثَ الْمُثْبِتَةَ لَهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مِمَّا يُثْبِتُهَا حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرُ أُمُّ هَانِئٍ. فَإِنَّهَا قَالَتْ: إنَّهُ صلى الله عليه وسلم «دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فَلَمْ أَرَ صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ «نُزُولَهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ بِأَعْلَى مَكَّةَ وَأَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الثَّمَانِ سَأَلَتْهُ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ قَالَ صَلَاةُ الضُّحَى» وَرَوَى مُسْلِمٌ «كَانَ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ» وَصَحَّ عَنْ أَنَسٍ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى سِتَّ رَكَعَاتٍ فَمَا تَرَكَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ» وَفِي أُخْرَى سَنَدُهَا حَسَنٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. «رَأَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى» وَفِي أُخْرَى عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ «خَرَجَ صلى الله عليه وسلم إلَى حَرَّةِ بَنِي مُعَاوِيَةَ وَتَبِعْت أَثَرَهُ فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ طَوَّلَ فِيهِنَّ ثُمَّ انْصَرَفَ» وَفِي أُخْرَى لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الضُّحَى بِبَقِيعِ الزُّبَيْرِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَقَالَ إنَّهَا صَلَاةُ رَغَبٍ وَرَهَبٍ» وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى فَقَامُوا وَرَاءَهُ فَصَلَّوْا» وَفِي أُخْرَى لِلْبَزَّارِ وَابْنِ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ يَوْمَ بُشِّرَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْلٍ وَبِالْفَتْحِ» وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ «عَنْ عَائِذِ بْنِ عُمَرَ وَكَانَ فِي النَّافِلَةِ فَتَوَضَّأَ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ صَلَّى بِنَا الضُّحَى» وَفِي أُخْرَى سَنَدُهَا ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ صلى الله عليه وسلم لَا يَتْرُكُ صَلَاةَ الضُّحَى فِي سَفَرٍ وَلَا غَيْرِهِ» وَفِي أُخْرَى رِجَالُهَا ثِقَاتٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ «كَانَ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى» وَفِي أُخْرَى عَنْهُ.
رَوَاهَا جَمْعٌ «كَانَتْ الشَّمْسُ إذَا ارْتَفَعَتْ قَيْدَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَمْهَلَ حَتَّى ارْتَفَعَ الضُّحَى صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» وَفِي أُخْرَى لِابْنِ مَنْدَهْ وَابْنِ شَاهِينَ عَنْ قُدَامَةَ وَحَنْظَلَةَ الثَّقَفِيَّيْنِ رضي الله عنهما قَالَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ وَذَهَبَ كُلُّ أَحَدٍ، وَانْقَلَبَ النَّاسُ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا ثُمَّ يَنْصَرِفُ» .
وَفِي أُخْرَى لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا «كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وَأُمِرْت بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا» أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ؛ إذْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهَا وَالتَّرْغِيبُ فِيهَا مِنْ رِوَايَةِ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا مِنْ ذَلِكَ خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ. «مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَهَبٍ» وَخَبَرُ أَبِي الشَّيْخِ «رَكْعَتَانِ مِنْ الضُّحَى تُعْدَلَانِ عِنْدَ اللَّهِ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مُتَقَبَّلَتَيْنِ» وَخَبَرُ الْأَصْبَهَانِيِّ وَغَيْرِهِ «يَا أَنَسُ صَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ» .
وَخَبَرُ الْأَصْبَهَانِيِّ «مَنْ صَلَّى الضُّحَى فَقَرَأَ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَشْرًا وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ عَشْرًا اسْتَوْجَبَ رِضْوَانَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمِضُ الْفِصَالُ أَيْ تَبْرُكُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الْأَرْضِ فِي أَخْفَافِهَا وَذَلِكَ إذَا مَضَى رُبُعُ النَّهَارِ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ هَذَا أَفْضَلَ أَوْقَاتِهَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا.
وَخَبَرُ الدَّيْلَمِيِّ «الْمُنَافِقُ لَا يُصَلِّي الضُّحَى وَلَا يَقْرَأُ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «عَلَى كُلِّ سُلَامَى أَيْ مِفْصَلٍ مِنْ ابْنِ آدَمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ وَيُجْزِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَا الضُّحَى» وَخَبَرُ أَحْمَدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ فَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِقُرْبِ مَغْزَاهُمْ وَكَثْرَةِ غَنِيمَتِهِمْ وَقُرْبِ رَجْعَتِهِمْ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَقْرَبَ مِنْهُمْ مَغْزًى وَأَكْثَرَ غَنِيمَةً وَأَوْشَكَ رَجْعَةً مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ غَدَا إلَى الْمَسْجِدِ لِسُبْحَةِ الضُّحَى فَهُوَ أَقْرَبُ مِنْهُمْ مَغْزًى وَأَكْثَرُ غَنِيمَةً وَأَوْشَكَ رَجْعَةً» وَخَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ ثُمَّ ثَبَتَ فِيهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الضُّحَى كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ أَوْ مُعْتَمِرٍ تَامٍّ لَهُ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَنِيعٍ وَالْبَيْهَقِيِّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَلْقَمَهُ أَوْ تَطْعَمَهُ.
وَخَبَرُ الْبَيْهَقِيّ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى بِسُورَتَيْهِمَا الشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالضُّحَى» وَخَبَرُ أَحْمَدَ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «ابْنَ آدَمَ لَا تَعْجِزْ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَوَّلَ النَّهَارِ أَكْفِك آخِرَهُ» وَخَبَرُ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَحَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ.» وَخَبَرُ جَمَاعَةٍ فِي مَسَانِيدِهِمْ «يَا أَبَا ذَرٍّ أَصَلَّيْت الضُّحَى قَالَ لَا قَالَ قُمْ فَصَلِّ الضُّحَى فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ» وَخَبَرُ أَبِي نُعَيْمٍ «صَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَبْرَارِ» .
وَخَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ جَلَسَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ انْقَلَبَ بِأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «أَوْصَانِي حَبِيبِي بِثَلَاثٍ لَا أَدْعُهُنَّ مَا عِشْت أَوْصَانِي بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ» وَخَبَرُ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَخَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ «مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ. وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا كُتِبَ مَعَ الْعَابِدِينَ وَمَنْ صَلَّى سِتًّا كُفِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَنْ صَلَّى ثَمَانِيًا كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» وَخَبَرُ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ لَا يُحَافِظُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى إلَّا أَوَّابٌ قَالَ: وَهِيَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، وَخَبَرُ أَبِي يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فَقَعَدَ فِي مَقْعَدِهِ فَلَمْ يَلْغُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَيَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُصَلِّيَ الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ» .
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلُّونَ الضُّحَى قَالَ نَعَمْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي أَرْبَعَةً مِنْهُمْ مَنْ يَمُدُّ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ عَنْ خَبَرِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ أَنَّ ذَلِكَ نَفْيٌ مِنْهَا فَتُقَدَّمُ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ الْمُثْبِتَةُ لَهَا عَلَى أَنَّ قَوْلَهَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ فِيهِ إثْبَاتٌ مِنْهَا لَهَا لَا يُقَالُ: لَوْ فَعَلَهَا لَمْ يَخْفَ عَلَى عَائِشَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُلَازِمًا لِعَائِشَةَ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ.
مُسَافِرًا أَوْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ أَوْ أَصْحَابِهِ فَلَمْ يُصَادِفْ وَقْتَ الضُّحَى عِنْدَهَا إلَّا نَادِرًا، وَمَا رَأَتْهُ صَلَّاهَا فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ النَّادِرَةِ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْته وَلَا يُنَافِيه أَنْ يَبْلُغَهَا بِإِخْبَارِهِ أَوْ إخْبَارِ غَيْرِهِ أَنَّهُ صَلَّاهَا، وَلِذَلِكَ وَرَدَ عَنْهَا أَنَّهُ صَلَّاهَا.
وَمِمَّا يَتَّضِحُ بِهِ هَذَا الْمَقَامُ خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ لَا يَدَعُهَا وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ لَا يُصَلِّيهَا فَمَنْ نَفَى لَمْ يَطَّلِعْ إلَّا عَلَى تِلْكَ الْأَوْقَاتِ الَّتِي كَانَ يَتْرُكُهَا فِيهَا» وَأَمَّا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ دَخَلْت الْمَسْجِدَ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ. فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي الْمَسْجِدِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ فَقَالَ بِدْعَةٌ.
فَأَجَابَ عَنْهُ النَّوَوِيُّ رحمه الله كَعِيَاضٍ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ إظْهَارَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَالِاجْتِمَاعَ لَهَا هُوَ الْبِدْعَةُ لَا أَنَّ أَصْلَ صَلَاتِهَا بِدْعَةٌ وَلَمَّا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ مَا جَاءَ فِيهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا صَحِيحٌ غَيْرُ مُتَدَافِعٍ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَوَى أَنَّهُ رَآهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَآهُ فِي حَالِ فِعْلِهِ ذَلِكَ فَقَطْ وَرَآهُ غَيْرُهُ فِي حَالٍ أُخْرَى صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ وَرَآهُ غَيْرُهُ فِي حَالَةٍ أُخْرَى صَلَّاهَا سِتًّا وَهَكَذَا أَوْ سَمِعَهُ وَاحِدٌ يَحُثُّ عَلَى عَدَدٍ. وَآخَرُ عَلَى عَدَدٍ آخَرَ فَأَخْبَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَمَّا رَأَى وَعَمَّا سَمِعَ وَكَذَلِكَ مَنْ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا قَطُّ إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُ عَمَّا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ بِذَلِكَ فَلَا يُدْفَعُ قَوْلُ مَنْ عَلِمَهُ يُصَلِّيهَا بِرُؤْيَتِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لَمْ يُصَلِّهَا لَيْسَ خَبَرًا مِنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لَمْ أُصَلِّهَا قَطُّ، وَلَا أُصَلِّيهَا، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ خَبَرُ «مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ وَمَنْ صَلَّاهَا أَرْبَعًا» الْحَدِيثُ السَّابِقُ وَفِي رِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ «صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الضُّحَى يَوْمًا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَوْمًا أَرْبَعًا ثُمَّ يَوْمًا سِتًّا ثُمَّ يَوْمًا ثَمَانِيًا ثُمَّ تَرَكَ يَوْمًا.» فَقَدْ أَبَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ صِحَّةَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ احْتِمَالِ خَبَرِ كُلِّ مُخْبِرٍ أَنْ يَكُونَ إخْبَارُهُ عَلَى قَدْرِ مَا شَاهَدَهُ أَوْ سَمِعَهُ اهـ.
(سُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ إنَّ الْإِيتَارَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَفْضَلُ مِنْ الْإِيتَارِ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ كَمَا قَالَ فَمَا سَبَبُ قِلَّةِ الْفَضِيلَةِ بِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ وَفِي الْحَدِيثِ «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» فَهَلْ يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ أَفْضَلُ أَوْ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ.
(فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - بِقَوْلِهِ: مَا ذُكِرَ مِنْ تَفْضِيلِ الثَّلَاثِ عَلَى الْخَمْسِ مَثَلًا. لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى إطْلَاقِهِ وَكَأَنَّ قَائِلَهُ نَظَرَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه لَا يَصِحُّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَفْضِيلُ الثَّلَاثِ عَلَى الْأَحَدَ عَشَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ بَلْ صَحَّ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ وَأَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَلَا تُشَبِّهُوا الْوِتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» وَبِهَذَا يُعْلَمُ ضَعْفُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ تَعْيِينِ الثَّلَاثِ وَكَوْنِهَا مَوْصُولَةً لِمُخَالَفَتِهِ لِهَذِهِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَلِمَا صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْإِيتَارِ بِخَمْسٍ وَبِسَبْعٍ وَبِتِسْعٍ مَوْصُولَةٍ وَمَفْصُولَةٍ وَبِثَلَاثٍ، وَأَخَذَ السُّبْكِيّ وَتَبِعَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَسَبَقَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الثَّلَاثِ. أَنَّهُ يُكْرَهُ الْإِيتَارُ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَالْفَصْلُ فِي كُلِّ عَدَدٍ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ قَالَ السُّبْكِيّ: وَحِينَئِذٍ فَالثَّلَاثُ الْمَوْصُولَةُ أَدْنَى مَرَاتِبِ أَعْدَادِ الْوِتْرِ فِي الْفَضِيلَةِ وَالْإِحْدَى عَشْرَ الْمَفْصُولَةُ أَعْلَاهَا وَكُلُّ عَدَدٍ مَفْصُولٍ أَفْضَلُ مِنْهُ وَمِمَّا دُونَهُ مَوْصُولًا وَلَوْ تَعَارَضَتْ زِيَادَةُ الْعَدَدِ وَالْفِعْلِ كَخَمْسٍ مَوْصُولَةٍ مَعَ ثَلَاثٍ مَفْصُولَةٍ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي النَّظَرُ إلَى زِيَادَةِ الرَّكَعَاتِ دُونَ الْفَصْلِ فَتُرَجَّحُ الْخَمْسُ الْمَوْصُولَةُ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ اهـ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَعَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ. وَضَعَّفَ قَوْلَ الْمَجْمُوعِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ، وَالْخِلَافُ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَصْلِ بِثَلَاثٍ أَمَّا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا فَالْفَصْلُ أَفْضَلُ قَطْعًا اهـ وَأَقُولُ الْأَوْجَهُ أَنَّ الْخَمْسَ الْمَوْصُولَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ الْعَمَلِ.