المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[كتاب صلاة الجماعة] - الفتاوى الفقهية الكبرى - جـ ١

[ابن حجر الهيتمي]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَةُ الفاكهي جامع الفتاوى]

- ‌[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]

- ‌[بَابُ النَّجَاسَةِ]

- ‌[بَابُ الِاجْتِهَادِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ]

- ‌[بَابُ الْوُضُوءِ]

- ‌[بَابُ الْغُسْلِ]

- ‌[بَابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ]

- ‌[بَابُ التَّيَمُّمِ]

- ‌[بَابُ الْحَيْضِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

- ‌[كِتَابُ الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ الْمَوَاقِيتِ]

- ‌[بَابُ الْأَذَانِ]

- ‌[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ]

- ‌[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ]

- ‌[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]

- ‌[بَابٌ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ]

- ‌[بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ]

- ‌[كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]

- ‌[بَابُ شُرُوطِ الْإِمَامَة وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِر]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]

- ‌[بَابُ اللِّبَاسِ]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]

الفصل: ‌[كتاب صلاة الجماعة]

السُّجُودُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ سُومِحَ فِيهِ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ السَّهْوِ، وَالْإِمَامُ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ فَيَسْجُدُ لَهُ الْمَأْمُومُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْته مِنْ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ وَمُخَالَفَتِهِ قَوْلَهُمْ: لَوْ نَوَى مُسَافِرَانِ شَافِعِيٌّ وَحَنَفِيٌّ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ انْقَطَعَ بِوُصُولِهَا سَفَرُ الشَّافِعِيِّ فَقَطْ وَجَازَ لَهُ مَعَ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِالْحَنَفِيِّ مَعَ اعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ لِقَصْرِهِ فِي الْحَضَرِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي اعْتِبَارِ اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ وَاجِبًا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ لَا يُجَوِّزُهُ الشَّافِعِيُّ مُطْلَقًا بِخِلَافِهِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ وَالسُّجُودُ فِي الْجُمْلَةِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ لَا يَضُرُّ اعْتِقَادُ الْمُخَالِفِ حَيْثُ أَتَى بِصُورَةِ الْوَاجِبِ كَوْنُهُ نَفْلًا بِخِلَافِ الْإِمَامِ الْمُوَافِقِ لِعِلْمِ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِهَا عِنْدَهُمَا.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّنْ سَجَدَ إمَامُهُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَهُوَ نَاسٍ فَذَكَرَ بَعْدَ مَا رَفَعَ الْإِمَامُ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَهْوِيَ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي الْإِمَامُ فِيهِ أَمْ لَا؟ .

(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: لَا يَلْزَمُهُ هُوِيٌّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْهُوِيَّ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِلسُّجُودِ فَحَيْثُ سَقَطَ عَنْهُ السُّجُودُ سَقَطَ عَنْ تَابِعِهِ.

[كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ هَلْ هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ سَوَاءٌ أَكَانَ بِهِ خَلَلٌ مِنْ نَحْوِ سَارِيَةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُتَّصِلًا بِالصُّفُوفِ أَمْ لَا فَإِنَّ بَعْضَ مَشَايِخِ الْيَمَنِ يَقُولُ: الْمُرَادُ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ هُوَ السَّالِمُ مِنْ الْخَلَلِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وَلَوْ كَانَ الصَّفَّ الْأَخِيرَ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ إذَا كَانَ بِالْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ.

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّل هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ وَإِنْ تَخَلَّلَهُ مِنْبَرٌ أَوْ مَقْصُورَةٌ أَوْ أَعْمِدَةٌ أَوْ غَيْرُهَا سَوَاءٌ جَاءَ صَاحِبُهُ مُتَقَدِّمًا أَمْ مُتَأَخِّرًا وَقِيلَ الْأَوَّلُ مَا لَمْ يَتَخَلَّلْهُ شَيْءٌ وَإِنْ تَأَخَّرَ وَقِيلَ هُوَ مَنْ جَاءَ أَوَّلًا، وَإِنْ صَلَّى فِي صَفٍّ مُتَأَخِّرٍ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. وَهَذَانِ غَلَطٌ صَرِيحٌ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا فِي السُّؤَالِ عَنْ بَعْضِ الْيَمَنِيِّينَ غَلَطٌ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَغْتَرَّ بِهِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه أَنَّهُ قَدْ كَثُرَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ خُرُوجُ النِّسَاءِ إلَى الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ لِسَمَاعِ الْوَعْظِ وَلِلطَّوَافِ وَنَحْوِهِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ عَلَى هَيْئَاتٍ غَرِيبَةٍ تَجْلِبُ إلَى الِافْتِتَانِ بِهِنَّ قَطْعًا، وَذَلِكَ أَنَّهُنَّ يَتَزَيَّنَّ فِي خُرُوجِهِنَّ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُهُنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الزِّينَةِ وَالْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ كَالْخَلَاخِيلِ وَالْأَسْوِرَةِ وَالذَّهَبِ الَّتِي تُرَى فِي أَيْدِيهِنَّ وَمَزِيدِ الْبَخُورِ وَالطَّيِّبِ وَمَعَ ذَلِكَ يَكْشِفْنَ كَثِيرًا مِنْ بَدَنِهِنَّ كَوُجُوهِهِنَّ وَأَيْدِيهِنَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَتَبَخْتَرْنَ فِي مِشْيَتِهِنَّ بِمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ قَصْدًا أَوْ لَا عَنْ قَصْدٍ.

فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ مَنْعُهُنَّ وَكَذَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ ذَوِي الْوِلَايَاتِ وَالْقُدْرَةِ حَتَّى مِنْ الْمَسَاجِدِ وَحَتَّى مِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُنَّ الْإِتْيَانُ بِالطَّوَافِ خَارِجَهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ وَمَا الَّذِي يَتَلَخَّصُ فِي ذَلِكَ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ الْمُوَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ أَوْضِحُوا الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ بِهِنَّ قَدْ عَمَّتْ، وَطُرُقُ الْخَيْرِ عَلَى الْمُتَعَبِّدِينَ وَالْمُتَدَيَّنِينَ قَدْ انْسَدَّتْ أَثَابَكُمْ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ جَزِيلَ الْمِنَّةِ وَرَقَّاكُمْ إلَى أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ آمِينَ.

(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَدْعِي طُولًا وَبَسْطًا لَا يَلِيقُ لَا بِتَصْنِيفٍ مُسْتَقِلٍّ. فِي الْمَسْأَلَةِ، وَحَاصِلُ مَذْهَبِنَا أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ سَافِرَةَ الْوَجْهِ وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ وَاعْتُرِضَ بِنَقْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَنْعِهَا مِنْ ذَلِكَ.

وَأَجَابَ الْمُحَقِّقُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْإِجْمَاعَيْنِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَاتِهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْغَيْرِ وَالثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَنَحْوِهِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ افْتِتَانِ النَّاسِ بِهِنَّ.

وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ ذَكَرَ مَنْعَ النِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ مُطْلَقًا إذَا فَعَلْنَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِمَّا يَجُرُّ إلَى الِافْتِتَانِ بِهِنَّ انْجِرَارًا قَوِيًّا. عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَقْصِدْ كَشْفَهُ لِيُرَى أَوْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُ أَمَّا إذَا كَشَفَتْهُ لِيُرَى فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا قَصَدَتْ التَّسَبُّبَ فِي وُقُوعِ الْمَعْصِيَةِ وَكَذَا لَوْ عَلِمَتْ أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ، وَإِلَّا كَانَتْ مُعِينَةً لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِدَوَامِ كَشْفِهِ الَّذِي هِيَ قَادِرَةٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى

ص: 199

الْمُسْلِمَةِ أَنْ تَكْشِفَ لِلذِّمِّيَّةِ مَا لَا يَحِلُّ لَهَا نَظَرُهُ مِنْهَا هَذَا مَعَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ مِثْلُهَا فَكَيْفَ بِالْأَجْنَبِيِّ، وَتَخَيُّلُ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا بَاطِلٌ وَبِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ السَّتْرُ عَنْ الْمُرَاهِقِ مَعَ جَوَازِ نَظَرِهِ فَكَيْفَ بِالْبَالِغِ الَّذِي يَحْرُمُ نَظَرُهُ فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ غَيْرِهِ الْمَعْلُوم لِمَنْ تَدَبَّرَ كَلَامَهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ حَمْلُ كَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى مَا قَدَّمْته فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَجِبُ مَنْعُهُنَّ إذَا فَعَلْنَ مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَةُ حَتَّى مِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ إذَا قَصَدَتْ الطَّوَافَ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى لَهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ وَقَدْ يَكُونُ فَرْضًا عَلَيْهِنَّ قُلْت: لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِح. وَلِأَنَّهُنَّ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْمَجِيءِ إلَيْهِ فِي ثِيَابٍ رَثَّةٍ بِحَيْثُ لَا يُخْشَى مِنْهُنَّ افْتِتَانٌ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَجَبَ عَلَيْهَا الطَّوَافُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَجُوزًا أَوْ شَابَّةً فَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا مُكِّنَتْ مِنْ الْإِتْيَانِ لِفِعْلِهِ إذَا كَانَتْ فِي ثِيَابٍ رَثَّةٍ وَكَذَا مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ لَا خَشْيَةَ فِتْنَةٍ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَزَبَةً أَوْ مُتَزَوِّجَةً فَإِنْ كَانَتْ عَزْبَةً فَلَا ضَرُورَةَ عَلَيْهَا فِي تَأْخِيرِهِ إلَى وَقْتِ خُلُوِّ الْمَطَافِ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ فَتَفْعَلُهُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً وَأَمَرَهَا الزَّوْجُ بِهِ وَخَشِيَتْ الْفِتْنَةَ بِخُرُوجِهَا وَلَوْ فِي ثِيَابٍ رَثَّةٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ وَحْدَهَا.

بَلْ تَقُولُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَخْرُجَ مَعِي إلَى أَنْ أُؤَدِّيَهُ هُوَ وَالسَّعْيَ، وَإِمَّا أَنْ لَا تَأْمُرَنِي بِهِ فَحِينَئِذٍ اسْتَوَى الطَّوَافُ وَغَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرُوا لِخُرُوجِهَا لِلْجَمَاعَةِ وَغَيْرِهَا شُرُوطًا تَأْتِي فِي خُرُوجِهَا لِلْأَسْوَاقِ، وَغَيْرُهَا بِالْأَوْلَى فَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ ذَلِكَ وَنَقْلِهِ مَبْسُوطًا لِيُعْلَم مِنْهُ مَا أَشَارَ السَّائِلُ إلَيْهِ ثُمَّ نَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِنَا لِيُعْلَمَ مُوَافَقَتُهُمْ لَنَا أَوْ عَدَمُهَا فَنَقُولُ قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله وَرَضِيَ عَنْهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْمَسَاجِدِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ وَأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مُتَطَيِّبَةً وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ مَا أَحْسَنَهُ فِيمَا قَدَّمْته مِنْ وُجُوبِ الْمَنْعِ حَيْثُ تَرَتَّبَتْ الْفِتْنَةُ عَلَى خُرُوجِهِنَّ فَإِنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» هَذَا وَشَبَهُهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِنْ الْمَسْجِدِ لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاء مَأْخُوذَةٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَهِيَ أَنْ لَا تَكُونَ مُتَطَيِّبَةً وَلَا مُتَزَيِّنَةً ذَاتَ خَلَاخِل يُسْمَعُ صَوْتُهَا وَلَا ثِيَابًا فَاخِرَةً وَلَا مُخْتَلِطَةً بِالرِّجَالِ وَلَا شَابَّةً وَنَحْوَهَا مِمَّنْ يُفْتَتَنُ بِهَا وَأَنْ لَا يَكُونَ بِالطَّرِيقِ مَا يُخَافُ بِهِ مَفْسَدَةٌ وَنَحْوُهَا وَهَذَا النَّهْيُ عَنْ مَنْعِهِنَّ مِنْ الْخُرُوجِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَوُجِدَتْ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ حَرُمَ الْمَنْعُ إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ اهـ فَافْهَمْ قَوْلُهُ لَكِنْ بِشُرُوطِ إلَخْ إنَّ هَذِهِ شُرُوطٌ لِعَدَمِ الْمَنْعِ، وَأَنَّهُ حَيْثُ فُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهَا مُنِعَتْ لَكِنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْمَنْعِ أَوْ وُجُوبَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ سَاكِتٌ عَنْ التَّعَرُّض لِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَقَدْ صَرَّحَ غَيْرُهُ بِالْوُجُوبِ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ السَّابِقُ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلْخُرُوجِ أَيْ لِجَوَازِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَحَيْثُ حَرُمَ الْخُرُوجُ وَجَبَ الْمَنْعُ وَلِيَكُنْ عَلَى ذِكْرٍ مِنْك جَعْلُهُ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَا يُخَافُ بِهِ مَفْسَدَةٌ، وَأَنْ لَا تَخْتَلِطَ بِالرِّجَالِ. وَيُؤَيِّدُ الْمَنْعَ أَيْضًا قَوْلُ عَائِشَةَ رضي الله عنها لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيل لَكِنَّ كَلَامَهَا مُحْتَمِلٌ أَيْضًا لِوُجُوبِ الْمَنْعِ وَلِجَوَازِهِ، وَاحْتِمَالِهِ لِوُجُوبِهِ أَقْرَبُ وَيَدُلُّ عَلَيْهَا الْمُلَازَمَةُ الْمَذْكُورَةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ الْقَوَاعِد الدِّينِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحَسْمِ مَوَادِّ الْفَسَادِ وَيُؤَيِّدُ مَا اسْتَنْبَطْتُهُ قَوْلُ مَالِكٍ رضي الله عنه يَحْدُثُ لِلنَّاسِ فَتَاوَى بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ

وَإِنَّمَا نُسِبَ لِمَالِكٍ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَالَهُ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ يَقُولُونَ بِذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى مِنْ مَذَاهِبِهِمْ وَمَنْ تَخَيَّلَ أَنَّ هَذَا مِنْ التَّمَسُّكِ

بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ

الَّتِي يَقُولُ بِهَا مَالِكٌ وَهِيَ مُبَايِنَةٌ لِلشَّرِيعَةِ فَقَدْ وَهِمَ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مَا أَرَادَتْهُ عَائِشَةُ رضي الله عنها مِنْ أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ أَمْرًا يَقْتَضِي أُصُولُ الشَّرِيعَةِ فِيهِ غَيْرَ مَا اقْتَضَتْهُ قَبْلَ حُدُوثِ ذَلِكَ الْأَمْرِ يُجَدَّدُ لَهُ حُكْمٌ بِحَسَبِ مَا أَحْدَثَهُ لَا بِحَسَبِ مَا كَانَ قَبْلَ إحْدَاثِهِ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَقَوْلُهَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ لَا مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْمُخْتَلَفِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً لِأَنَّهَا اطَّلَعَتْ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ إذَا اطَّلَعَ عَلَى مَا أَحْدَثَتْ النِّسَاءُ لِمَنْعِهِنَّ وَيُؤَيِّدُ.

ص: 200

ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ عَنْهَا «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ إذْ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مُزَيَّنَةٌ تَرْفُلُ فِي زِينَةٍ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْهَوْا نِسَاءَكُمْ عَنْ لِبْسِ الزِّينَةِ وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَ نِسَاؤُهُمْ الزِّينَةَ وَتَبَخْتَرُوا فِي الْمَسَاجِدِ» قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِتَحْرِيمِ الْفِعْلِ لِتَرَتُّبِ اللَّعْنِ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَا تَخْرُجُ إلَّا كَذَلِكَ مُنِعَتْ اهـ وَاعْتَذَرَ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ أَوْلَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ بَلَى وَاَللَّهِ لَنَمْنَعَهُنَّ فَضَرَبَ صَدْرَهُ وَغَضِبَ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ وَإِنَّمَا اسْتَجْرَأَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لِعِلْمِهِ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا غَضِبَ عَلَيْهِ لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ بِالْمُخَالَفَةِ ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ اهـ فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي اعْتِمَادِ مَا مَرَّ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي تَمَسُّكِ بَعْضِهِمْ فِي مَنْعِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا بِقَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَغَيُّرُ الْحُكْمِ لِأَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ ظَنَّتْهُ فَقَالَتْ لَوْ رَأَى لَمَنَعَ فَيُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَمْنَعْ فَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ حَتَّى أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الْمَنْعَ.

وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ سُبْحَانَهُ مَا سَيُحْدِثْنَ فَمَا أَوْحَى إلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْعِهِنَّ وَلَوْ كَانَ مَا أَحْدَثْنَ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُنَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ لَكَانَ مَنْعُهُنَّ مِنْ غَيْرِهَا أَوْلَى وَأَيْضًا فَالْإِحْدَاثُ إنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النِّسَاءِ لَا مِنْ جَمِيعِهِنَّ فَإِنْ تَعَيَّنَ الْمَنْعُ فَلْيَكُنْ لِمَنْ أَحْدَثَتْ وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَةُ فَلْيَجْتَنِبْ لِإِشَارَتِهِ صلى الله عليه وسلم إلَى ذَلِكَ بِمَنْعِ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ وَكَذَا التَّقَيُّد بِاللَّيْلِ كَمَا سَبَقَ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ إنَّمَا سَاقَهُ هَذَا كُلَّهُ رَدًّا عَلَى مَنْ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ مَنْعَ النِّسَاءِ مُطْلَقًا وَحِينَئِذٍ فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ فُرِضَ دَلَالَةُ كَلَامِهَا عَلَى ذَلِكَ. فَصَرِيحُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة يُخَالِفُ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ فَهِمَ مِنْ كَلَامِهَا مَنْعَ النِّسَاءِ مِنْ الْمَسَاجِدِ مُطْلَقًا إذْ لَا مَعْنَى لِمَنْعِ عَجُوزٍ هَرِمَةٍ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ إلَخْ أَيْ: إنْ فَهِمْت أَيُّهَا الْقَائِلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهَا فَالشَّرْطُ لَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ لَمْ يُحْدِثْنَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَالْإِحْدَاثُ إنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النِّسَاءِ وَلَمْ يَرِدْ رَدُّ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهَا مِنْ مَنْعِ مَنْ أَحْدَثَ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِاعْتِمَادِهِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ كَمَا عَلِمْت وَمَعْنَى قَوْلِهِ كَلَامُهَا يُشْعِرُ بِالْمَنْعِ أَيْ: مُطْلَقًا مِنْ حَيْثُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى النِّسَاءِ الَّذِي هُوَ مُحَلَّى بِاللَّامِ الْمُفِيدَةِ لِلْعُمُومِ. وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَادًا لَهَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَكَانَ مَنْعُهُنَّ مِنْ غَيْرِهَا أَوْلَى أَيْ: عِنْدَك أَيُّهَا الْقَائِلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا مِنْ الْمَسَاجِدِ دُونَ غَيْرِهَا أَيْ: وَهَذَا تَحَكُّمٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ مِنْ الْأَسْوَاق وَنَحْوِهَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا لِمَا هُوَ جَلِيٌّ فَكَيْفَ لَا يَقُولُ بِالْمَنْعِ فِيهِ مُطْلَقًا وَيَقُولُ بِذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا بَيَّنْت مُرَادَهُ رحمه الله؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ فَهِمَ مِنْ كَلَامِهِ غَيْرَ الْمُرَادِ فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يُجْدِي وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْته مِنْ وُجُوبِ الْمَنْعِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ وَاعْتِمَادِ كَلَامِ عَائِشَة رضي الله عنها قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاء فِي الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْمَأْلُوفَةِ وَيَجِبُ أَنْ يُضْرَبَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ النَّظَرِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مَظِنَّةُ الْفَسَادِ وَيَجِبُ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِد لِلصَّلَاةِ وَلِمَجَالِس الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ إذَا خِيفَتْ الْفِتْنَةُ بِهِنَّ فَقَدْ مَنَعَتْهُنَّ عَائِشَةُ رضي الله عنها فَقِيلَ لَهَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا مَنَعَهُنَّ مِنْ الْجَمَاعَاتِ فَقَالَتْ لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَحْدَثْنَ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ اهـ

وَيُوَافِقهُ قَوْلُ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِنَا صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنْ كَانَتْ تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَإِذَا كَانَتْ أَفْضَلَ فَاَلَّذِي يُخْرِجُهَا مِنْ بَيْتِهَا إمَّا الرِّيَاءُ أَوْ السُّمْعَةُ وَهُوَ حَرَامٌ وَإِمَّا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنْ أَغْرَاضِ النَّفْسِ مِنْ تَفَرُّجٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مُخْرِجٌ لِلْعَمَلِ عَنْ الْإِخْلَاص وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ أَوْ يَأْذَنَ فِي تَرْكِ الْإِخْلَاص اهـ وَفِي بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ دِرَايَةٌ بِالْمَذْهَبِ وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ جَمَاعَةَ الْكَبِيرِ وَمِنْ أَكْبَرِ الْمُنْكَرَاتِ مَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْعَوَامّ فِي الطَّوَافِ مِنْ مُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ

ص: 201

بِأَزْوَاجِهِمْ سَافِرَات عَنْ وُجُوهِهِنَّ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ وَبِأَيْدِيهِمْ الشُّمُوعُ مُتَّقِدَةٌ وَمِنْ الْمُنْكَرَاتِ أَيْضًا مَا يَفْعَلُهُ نِسَاءُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُنَّ عِنْدَ إرَادَةِ الطَّوَافِ وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مِنْ التَّزَيُّن وَاسْتِعْمَالِ مَا تَقْوَى رَائِحَتُهُ مِنْ الطِّيبِ بِحَيْثُ يُشَمُّ عَلَى بُعْدٍ فَتُشَوِّشُ بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَيَجْتَلِبْنَ بِسَبَبِهِ اسْتِدْعَاء النَّظَرِ إلَيْهِنَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِد نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُلْهِمَ وَلِيَّ الْأَمْرِ إزَالَةَ الْمُنْكَرَاتِ آمِينَ اهـ فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي وُجُوبِ الْمَنْعِ حَتَّى مِنْ الطَّوَافِ عِنْدَ ارْتِكَابهنَّ دَوَاعِي الْفِتْنَةِ فَيَتَأَيَّدُ بِهِ مَا قَدَّمْته. وَحَدِيثُ «كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ» «وَالْمَرْأَة إذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا» مَعْنَى زَانِيَةٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ» قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَمِنْ الْبِدَعِ مَا يَقَعُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَهُوَ نَوْمُ النِّسَاءِ فِي الْجَامِعِ وَدُخُولهنَّ مَعَ الرِّجَالِ الْمَرَافِقَ فَذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَرْضَى بِهِ لِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا قَلِيلُ النَّخْوَةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَرْضَى بِهِ أَحَدٌ لِامْرَأَتِهِ وَكَيْفَ لَا يَجِبُ مَنْعُهَا وَكَيْفَ يُقَالُ بِوُجُوبِ الْمَنْعِ وَيَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ هَذَا لَا يَكُونُ فِي الشَّرْعِ.

قَالَ وَمِنْ الْمُحَرَّمَاتِ مُزَاحَمَتُهُنَّ الرِّجَالَ فِي الْمَسْجِدِ وَالطَّرِيقِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ قَالَ صلى الله عليه وسلم «لَأَنْ يَزْحَمَ رَجُلًا خِنْزِيرٌ مُتَلَطِّخٌ بِطِينٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَزْحَمَ مَنْكِبَيْهِ امْرَأَةٌ لَا تَحِلُّ لَهُ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّة وَأَبِي شَامَةَ مِنَّا أَنَّهُمَا أَنْكَرَا ذَلِكَ وَبَالَغَا فِيهِ وَأَنَّهُ مِنْ الْفُسُوقِ وَأَنَّ مَنْ تَسَبَّبَ فِيهِ يُفَسَّقُ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْت أَتَقُولُ بِمَنْعِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْمَسَاجِد وَالْمَوَاعِيد وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ غَيْرَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قُلْت: كَيْفَ لَا أَقُولُ بِهِ وَقَدْ صَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِعَدَمِ شَرْطِ جَوَازِ الْخُرُوجِ فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ التُّقَى وَالْعَفَافُ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ الشَّيْخَانِ الْإِمَامَانِ الزَّاهِدَانِ الْوَرِعَانِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْحِصْنِيُّ وَشَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّجَّارِيُّ تَغَمَّدَهُمَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَفِيمَا ذَكَرَاهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ تَرَكَ هَوَاهُ وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّحْرِيمِ وَادِّعَاءَ الِاتِّفَاق عَلَى الْمَنْعِ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَعَلَى مَا أَذْكُرُ كَلَامًا مَجْمُوعًا مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ يُوَضِّحُ مُرَادَهُمَا وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيمَا قَالَاهُ وَأَنَّ مَنْ يُخَالِفُهُمَا فَلِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا عَلِمَاهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الِاطِّلَاع لِلْبَعْضِ الْعَدَمُ لِلْكُلِّ. فَمَا ذَكَرَاهُ أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَنْعُ خُرُوجِهِنَّ وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ إلَّا غَبِيٌّ تَابِعٌ لِهَوَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَام تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ أَهْلِ الزَّمَانِ وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَذَاهِبِ الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ قَالَ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي خُرُوجِهِنَّ لِلْعِيدَيْنِ فَرَأَى جَمَاعَةٌ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِنَّ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَابْنُهُ وَغَيْرُهُمْ رضي الله عنهم وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ أَجَازَهُ مَرَّةً وَمَنَعَهُ أُخْرَى، وَفِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِابْنِ الْمُلَقِّنِ: وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ فِي الشَّابَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ كَانَ الْأَمْرُ بِخُرُوجِهِنَّ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَام لِيَكْثُر الْمُسْلِمُونَ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ اهـ.

وَفِي شَرْحِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتَ أَهْلُ الْإِسْلَام فِي حَيِّزِ الْقِلَّةِ فَاحْتِيجَ إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إخْرَاجِ الْعَوَاتِق وَذَوَات الْخُدُورِ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ الْعَطَّارِ وَيَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا بَلْ تَلْزَمُ قَعْرَهُ فَإِنَّهَا كُلَّهَا عَوْرَةٌ وَالْعَوْرَة يَجِبُ سَتْرُهَا وَأَمَّا الْخُرُوجُ إلَى الْمَسَاجِد فِي الْغَلَسِ عِنْدَ أَمْنِ الضَّرَرِ وَالْفِتْنَة فَقَدْ كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ زَمَنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَزَمَانَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ. ثُمَّ مُنِعَ مِنْهُ لِمَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ مِنْ الِافْتِتَان بِهِنَّ وَالتَّبَهْرُجِ وَالتَّطَيُّب وَفِتْنَتهنَّ بِالرِّجَالِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي مَنْعِهِنَّ ثُمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا أَنْ لَا تَتَزَيَّنَ وَلَا تَتَطَيَّبَ وَلَا تَمْشِي وَسَطَ الطَّرِيقِ وَأَنْ لَا يَكُونَ خُرُوجُهَا لِحَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُعِينَ زَوْجَتَهُ وَلَا امْرَأَةً مِمَّنْ يَحْكُمُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الْإِعَانَة عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ الْإِذْنُ لَهُنَّ يَوْمَ الْعِيدِ وَالْخُرُوجُ إلَى الْمُصَلَّى مُتَلَفِّعَات بِمُرُوطِهِنَّ حَتَّى الْحُيَّضُ

ص: 202

لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ مُنِعَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَزْمَان لِمَا فِي حُضُورِهِنَّ مِنْ الْمَفَاسِد الْمُحَرَّمَةِ قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَام فِي الْإِحْيَاءِ وَقَدْ كَانَ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلنِّسَاءِ فِي حُضُورِ الْمَسَاجِد وَالصَّوَابُ الْآنَ الْمَنْعُ إلَّا الْعَجَائِز بَلْ اسْتُصْوِبَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَة رضي الله عنهم حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها وَذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْهَا وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَجِبُ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِد لِلصَّلَاةِ وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ إذَا خِيفَتْ الْفِتْنَةُ بِهِنَّ فَهَذِهِ أَقَاوِيلُ الْعُلَمَاء فِي اخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِيهَا بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ. وَأَهْلُ الْأَقَاوِيلِ الْمَذْكُورَةِ هُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاء مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْأَئِمَّة الْمُتَّقِينَ وَالْفُقَهَاءِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ الْمُمَهِّرِينَ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِأَقَاوِيلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَمُ الْأُمَّةِ وَاخْتِيَارُهُمْ لَنَا خَيْرٌ مِنْ اخْتِيَارِنَا لِأَنْفُسِنَا وَمَنْ خَالَفَهُمْ فَهُوَ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ غَيْرِ مَنْ مَرَّ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَمْ يُرِيدُوا كَرَاهَةَ التَّحْرِيم مَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى خُرُوجِهِنَّ خَشْيَةُ فِتْنَةٍ وَأَمَّا إذَا تَرَتَّبَ ذَلِكَ فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا شَكٍّ كَمَا مَرَّ نَقْلُهُ عَمَّنْ ذُكِرَ وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ الزِّنَا وَمُقَدِّمَاته مِنْ النَّظَرِ وَالْخَلْوَة وَاللَّمْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَلِذَلِكَ أَطْلَقُوا الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة بِدُونِ ذِكْرِ مُحَرَّمٍ يَقْتَرِنُ بِالْخُرُوجِ وَأَمَّا عِنْدَ اقْتِرَانِ مُحَرَّمٍ بِهِ أَوْ لُزُومِهِ لَهُ فَالصَّوَابُ الْقَطْعُ بِالتَّحْرِيمِ وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ فَقِيهٌ وَيَتَّضِحُ الْأَمْرُ بِذِكْرِ تِلْكَ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْخُرُوجِ فَمِنْهَا أَنَّ خُرُوجَهَا مُتَبَرِّجَة أَيْ: مُظْهِرَةً لِزِينَتِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالنَّصِّ قَالَ تَعَالَى {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 33] وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى سُرُجٍ كَأَشْبَاهِ الرِّجَالِ يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ عَلَى رُءُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ الْعَنُوهُنَّ. فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ وَفِيهِ فَإِنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا» وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الصِّفَات لَا تَحْصُلُ لِلْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي بَيْتِهَا بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ فِيهَا وَخَوْفِ الِافْتِتَان بِهَا وَلِذَلِكَ شَرَطَ الْعُلَمَاء لِخُرُوجِهَا أَنْ لَا تَكُونَ بِزِينَةٍ وَلَا ذَاتَ خَلَاخِل يُسْمَعُ صَوْتُهَا فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُرَخِّصَ فِي سَبَبِ اللَّعْنِ، وَحِرْمَانُ الْجَنَّةِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَذْهَب الْقَائِلُ بِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ يُخَافُ مِنْهَا الِافْتِتَان حَرَامٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّبَرُّج حَرَامٌ وَمِنْهَا تَحْرِيمُ نَظَرِ الْأَجَانِب إلَيْهَا وَنَظَرِهَا إلَيْهِمْ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَمِنْهَا مُزَاحَمَةُ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الطَّرِيقِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلنِّسَاءِ اسْتَأْخَرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تُحَفِّفْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ» قَالَ فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُلْصَقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى أَنَّ ثَوْبَهَا لَيَعْلَقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ فَهَذِهِ الْأَحَادِيث دَالَّةٌ عَلَى مَنْعِ الْمُزَاحَمَة بَيْنَ الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ وَالْمَرْأَةِ.

انْتَهَى كَلَامُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مُلَخَّصًا وَمَا أَحْسَنَهُ وَأَحَقَّهُ بِالصَّوَابِ وَفِي الْأَنْوَارِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ الْمُنْكَرَاتُ الْمَأْلُوفَةُ أَنْوَاعٌ؛ الْأَوَّلُ مُنْكَرَاتُ الْمَسَاجِد، قَالَ وَلَوْ كَانَ الْوَاعِظُ شَابًّا مُتَزَيِّنًا كَثِيرَ الْأَشْعَار وَالْحَرَكَات وَالْإِشَارَاتِ وَقَدْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ النِّسَاءُ وَجَبَ الْمَنْعُ فَإِنَّ فَسَادَهُ أَكْثَرُ مِنْ صَلَاحِهِ بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسَلَّمَ الْوَعْظُ إلَّا لِمَنْ ظَاهِرُهُ الْوَرَعُ وَهَيْئَتُهُ السَّكِينَة وَالْوَقَارُ وَزِيُّهُ زِيُّ الصَّالِحِينَ وَإِلَّا فَلَا يَزْدَادُ النَّاسُ بِهِ إلَّا تَمَادِيًا فِي الضَّلَالِ فَيَجِبُ أَنْ يُضْرَبَ بَيْنَ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءِ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ النَّظَرِ فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ. وَيَجِبُ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِد لِلصَّلَاةِ وَلِمَجَالِس الذِّكْرِ إذَا خِيفَتْ الْفِتْنَةُ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا أَيْضًا فِيمَا قَدَّمْته وَفِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلِأَنَّهَا أَيْ: الْمَرْأَةُ لَا تَخْتَلِطُ بِالرِّجَالِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِي حُرْمَةِ الِاخْتِلَاط وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ وَبِهِ يَتَأَيَّدُ مَا مَرَّ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْحِصْنِيِّ كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِهِ فِي شَرْحِ أَبِي شُجَاعٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ

ص: 203

أَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْقَطْعُ فِي زَمَانِنَا بِتَحْرِيمِ خُرُوجِ الشَّابَّات وَذَوَات الْهَيْئَات لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ وَالْمَعْنَى الْمُجَوِّزُ لِلْخُرُوجِ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ قَدْ زَالَ وَأَيْضًا فَكُنَّ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ وَيَغْضُضْنَ أَبْصَارهنَّ وَكَذَا الرِّجَالُ وَمَفَاسِدُ خُرُوجِهِنَّ الْآنَ مُحَقَّقَةٌ وَذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَنَقَلَهُ عَنْ غَيْرِهَا أَيْضًا مِمَّنْ مَرَّ ذِكْرُهُمْ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي مَنْعِهِنَّ إلَّا غَبِيٌّ جَاهِلٌ قَلِيلُ الْبِضَاعَة فِي مَعْرِفَةِ أَسْرَارِ الشَّرِيعَة قَدْ تَمَسَّك بِظَاهِرِ دَلِيلٍ حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ فَهْمِ مَعْنَاهُ مَعَ إهْمَالِهِمْ فَهْمَ عَائِشَةَ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهَا وَمَعَ إهْمَالِ الْآيَات الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ إظْهَارِ الزِّينَةِ وَعَلَى وُجُوبِ غَضِّ الْبَصَرِ فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ وَالْفَتْوَى بِهِ اهـ.

وَهَذَا حَاصِلُ مَذْهَبِنَا وَاحْذَرْ مِنْ إنْكَارِ شَيْءٍ مِمَّا مَرَّ قَبْلَ التَّثَبُّت فِيهِ وَلَا تَغْتَرّ بِمَنْ تَمَوَّهَ بِلِسَانِهِ وَتَفَوَّهَ بِمَا لَا خِبْرَةَ لَهُ بِهِ فَإِنَّ الْعِلْمَ أَمَانَةٌ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى وَلِيُّ التَّوْفِيق وَالْإِعَانَة

سُئِلَ رضي الله عنه بِمَا صُورَتُهُ مَا حَدُّ جَارِ الْمَسْجِدِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْقَفَّالِ جِوَارُهُ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. كَمَا فِي الْوَصِيَّة وَقَالَ غَيْرُهُ أَخْذًا مِنْ الْأَحَادِيث هُوَ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ أَيْ: إذَا كَانَ الْمُنَادِي فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ هُنَا لِتَسْمِيَةِ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ جَارًا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرِ نِدَاءٌ حَيْثُ يُؤَذِّنُ كَعَادَتِهِ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ فِي طَرَفِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِيهِمْ وَالْأَصْوَات هَادِيَةٌ وَالرِّيَاحُ رَاكِدَةٌ وَأَنْ يَكُونَ الْمُصْغِي لِلنِّدَاءِ مُعْتَدِلَ السَّمْعِ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ حَرُمَ عَلَى الْإِمَامِ الِانْتِظَارُ هَلْ هُوَ مُشْكِلٌ بِكَرَاهَةِ الِانْتِظَارِ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالِانْتِظَارِ فِي الصَّلَاةِ يَحْصُلُ لِلْمَأْمُومِينَ فِي مُقَابَلَةِ تَضَرُّرِهِمْ بِهِ عِبَادَةٌ بِخِلَافِ الِانْتِظَارِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ فِي مُقَابَلَته شَيْءٌ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ يُسَنُّ انْتِظَارُ الْمَأْمُوم فِي الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّد الْأَخِيرِ هَلْ يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ شَيْءٌ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُزَادُ عَلَيْهِ الْمَزْحُوم فَيُسَنُّ انْتِظَاره فِي الْقِرَاءَة وَالْمُوَافِق الْبَطِيءُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّ انْتِظَاره فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَة وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُلْحَقَ بِالْمَزْحُومِ الْمُوَافِق إذَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الرُّكْنِ الرَّابِعِ. ثُمَّ جَرَى هُوَ جَهْلًا عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ فَيُسَنُّ انْتِظَاره فِي الْقِيَامِ أَيْضًا.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه بِمَا لَفْظُهُ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا كَالْجَامِعِ عِنْدَنَا بِالشَّحْنِ وَلَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ مُتَوَلِّي وَظِيفَةَ الْإِمَامَة عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ فَهَلْ لِغَيْرِهِ أَنْ يُقِيمَ الْجَمَاعَة فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي الْإِمَامُ الْمَذْكُور وَعِبَارَةُ سَيِّدِنَا الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَإِنْ حَضَرُوا وَالْإِمَامُ لَمْ يَحْضُرْ فَإِنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ قَرِيبٌ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُبْعَثَ إلَيْهِ لِيَحْضُر؛ لِأَنَّ فِي تَفْوِيتِ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ افْتِيَاتًا وَإِفْسَادًا لِلْقُلُوبِ.

وَإِنْ خُشِيَ فَوَاتُ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَمْ يَنْتَظِرُوا؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ذَهَبَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه وَحَضَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُنْكِرْ» . قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله فِي شَرْحِهِ لِلْمُهَذَّبِ حَدِيثُ قِصَّةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَالْأَصْحَاب إذَا حَضَرَتْ الْجَمَاعَة وَلَمْ يَحْضُرْ إمَامٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ قَامَ وَاحِدٌ وَصَلَّى بِهِمْ وَإِنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا بَعَثُوا إلَيْهِ مَنْ يَسْتَعْلِمُ خَبَرَهُ لِيَحْضُر أَوْ يَأْذَنَ لِمَنْ يُصَلِّي بِهِمْ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا أَوْ لَمْ يُوجَدْ فِي مَوْضِعِهِ. فَإِنْ عَرَفُوا مِنْ حُسْنِ خُلُقِهِ أَنَّهُ لَا يَتَأَذَّى بِتَقَدُّمِ غَيْرِهِ وَلَا تَحْصُلُ بِسَبَبِهِ فِتْنَةٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ وَيُصَلِّي بِهِمْ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَيُحْفَظُ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ وَأَحَبُّهُمْ إلَى الْإِمَامِ فَإِنْ خَافُوا أَذَاهُ أَوْ فِتْنَةً انْتَظَرُوهُ وَإِنْ طَالَ الِانْتِظَارُ وَخَافُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ كُلِّهِ صَلَّوْا جَمَاعَةً هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَاب اهـ. كَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِحُرُوفِهِ.

وَقَالَ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَإِنْ حَضَرَ وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ كُرِهَ

ص: 204

لَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ فِيهِ الْجَمَاعَة؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ قَصَدَ الْكِيَادَ وَالْإِفْسَادَ فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي السُّوقِ أَوْ مَمَرِّ النَّاسِ لَمْ يُكْرَهْ أَنْ يَسْتَأْنِفَ فِيهِ الْجَمَاعَة؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرُ الْكِيَادَ وَالْإِفْسَادَ فَإِنْ حَضَرَ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا مَنْ صَلَّى اُسْتُحِبَّ لِمَنْ حَضَرَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ لِتَحْصُل لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة.

وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى» مَعَهُ اهـ. لَفْظُ الْمُهَذَّبِ بِحُرُوفِهِ قَالَ فِي شَرْحِهِ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ إنَّ الْمَسْجِدَ الْمَطْرُوق لَا تُكْرَهُ فِيهِ جَمَاعَةٌ بَعْدَ جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَة فَقَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ وَلَيْسَ هُوَ مَطْرُوقًا كُرِهَ لِغَيْرِهِ إقَامَةُ الْجَمَاعَة فِيهِ ابْتِدَاءً قَبْلَ فَوَاتِ مَجِيءِ إمَامِهِ وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ كُرِهَ أَيْضًا جَمَاعَةٌ أُخْرَى فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. إذًا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُور وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا أَوْ غَيْرَ مَطْرُوقٍ وَلَيْسَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ لَمْ يُكْرَهْ إقَامَةُ الْجَمَاعَة الثَّانِيَة فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ اهـ لَفْظُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِحُرُوفِهِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَلَوْ حَضَرَ قَوْمٌ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ. فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إمَامُهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُبْعَثَ إلَيْهِ لِيَحْضُر وَإِنْ خِيفَ فَوَاتُ أَوَّلِ الْوَقْتِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ غَيْرُهُ. قُلْت تَقَدُّمُ غَيْرِهِ مُسْتَحَبٌّ إنْ لَمْ يُخَفْ فِتْنَةٌ فَإِنْ خِيفَ صَلَّوْا فُرَادَى وَيُسْتَحَبّ لَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا مَعَهُ إذَا حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ فِي آخِرِ الْبَابِ وَلَوْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ كُرِهَ لِغَيْرِهِ إقَامَةُ الْجَمَاعَة فِيهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا فَلَا بَأْسَ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي بَابِ الْأَذَانِ اهـ لَفْظُهُ هُنَا بِحُرُوفِهِ وَكَلَامُهُ هُنَا فِي الرَّوْضَةِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَطْرُوقًا لَا تُكْرَهُ الْجَمَاعَة الْأُولَى فِيهِ.

وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ السَّابِقِ يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْجَمَاعَةِ الثَّانِيَة وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَابُ تَقْدِيمِ الْجَمَاعَة مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ إذَا تَأَخَّرَ الْإِمَامُ فِيهِ حَدِيثُ تَقَدُّمِ أَبِي بَكْرٍ وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنهما وَأَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَأَخَّرَ عَنْ الصَّلَاةِ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ إذَا لَمْ يُخَفْ فِتْنَةٌ وَإِنْكَارٌ مِنْ الْإِمَامِ اهـ وَهَذَا يُخَالِفُهُ أَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي الْمَطْرُوق وَفِي شَرْحِ التَّنْبِيه لِلْأَزْرَقِيِّ بَعْدَ قَوْلِ التَّنْبِيه إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ كُرِهَ لِغَيْرِهِ إقَامَةُ الْجَمَاعَة فِيهِ مَا لَفْظُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلْإِمَامِ حَالَيْنِ فَذَكَرَ الْحَالَ الْأَوَّلَ وَالْخِلَافَ فِيهِ ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالْمَطْرُوقِ.

ثُمَّ قَالَ الْحَالَةُ الثَّانِيَة إنْ كَانَ الْإِمَامُ لَمْ يَصِلْ وَذَكَرَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ إلَى آخِرِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْمَطْرُوقِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ الْحَالَةَ الْأُولَى وَأَمَّا الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَقَالَ فِيهِ فِي آخِرِ الْبَابِ بَعْدَ قَوْلِ الرَّوْضِ وَيُكْرَهُ أَنْ تُقَامَ جَمَاعَةٌ فِي مَسْجِدٍ بِغَيْرِ إذْنِ إمَامِهِ الرَّاتِبِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ إلَّا إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا فَلَا يُكْرَهُ إقَامَتُهَا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِ الرَّوْضِ وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ وَيُبْعَثُ لَهُ فَإِنْ خِيفَ فَوَاتُ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَأُمِنَتْ الْفِتْنَةُ أَمَّ غَيْرُهُ وَإِلَّا صَلَّوْا فُرَادَى قَالَ فِي شَرْحِهِ ثُمَّ مَحَلُّ ذَلِكَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ مَطْرُوقٍ. وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلُّوا أَوَّلَ الْوَقْتِ جَمَاعَةً كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ اهـ فَأَخَذَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِظَاهِرِ إطْلَاقِ الرَّوْضَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى مُخَالَفَةِ كَلَامِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِهَذَا الظَّاهِرِ وَلَا نَظَرَ أَيْضًا إلَى كَلَامِ شَرْحِ مُسْلِمٍ.

وَلَا شَكَّ أَنَّا إذَا اعْتَمَدْنَا هَذَا الظَّاهِرَ كَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِكَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمُهَذَّبِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ وَكَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَتَأَمَّلُوا حَفِظَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَهَلْ لِعِبَارَتِهِ هَذِهِ مَحْمَلٌ آخَرُ وَفِي الْمُنْتَقَى لِلنَّشَائِيِّ وَلَوْ حَضَرَ قَوْمٌ بِمَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ فَهُوَ أَوْلَى فَإِنْ غَابَ نُدِبَ طَلَبُهُ إنْ أُمِنَ وَقْتُ الْفَضِيلَة وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ غَيْرُهُ قُلْت بِأَمْنِ الْفِتْنَةِ وَإِلَّا صَلَّوْا فُرَادَى وَإِنْ حَضَرَ بَعْدَ إقَامَةِ الْجَمَاعَة لَمْ يُكْرَهْ لَهُمْ إقَامَتُهَا. إذَا لَمْ يَكُنْ رَاتِبٌ أَقُولُ وَفِيهِ وَجْهٌ وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ فِي الْأَذَانِ يُكْرَهُ قُلْت وَلَا كَرَاهَةَ بِالْمَطْرُوقِ كَيْفَ خُصِّصَ الْمَطْرُوق بِالصُّورَةِ الثَّانِيَة وَلَمْ يَذْكُرْهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ آخِرَ الْبَابِ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّعْلِيل بِأَنَّ فِي تَفْوِيتِ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ افْتِيَاتًا وَإِفْسَادًا لِلْقُلُوبِ يَشْمَلُ الْمَطْرُوق وَغَيْرَهُ ` فَتَأَمَّلُوا ذَلِكَ حَفِظَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى تَأَمُّلًا شَافِيًا وَأَوْضِحُوا الْجَوَابَ وَاذْكُرُوا النَّقْلَ فِي الْمَسْأَلَة إنْ كَانَ. وَإِنْ كَانَ

ص: 205

لِلْمُتَأَخِّرِينَ كَلَامٌ فِيهَا فَاسْتَوْعِبُوهُ مَأْجُورِينَ لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ؟

(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ بَلْ صَرَّحَتْ بِهِ وَأَقَرَّهَا الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْمَطْرُوق لَا تُكْرَهُ الْجَمَاعَة فِيهِ قَبْلَ الْإِمَامِ وَلَا بَعْدَهُ بَلْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ الْجَمَاعَة الثَّانِيَة وَجَزَمَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِأَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَة مَعَهُ كَذَلِكَ وَلَّى مُدَّة طَوِيلَة أَتَطْلُبُ لَهُ صَرِيحًا مِنْ كَلَامِهِمْ فَلَمْ أَجِدْهُ وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يُسْتَدَلُّ لَهُ بِهِ عُمُومُ إطْلَاقهمْ أَنَّ الْمَطْرُوق يُخَالِفُ غَيْرَهُ لَكِنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ بَحْثٍ وَوَجْهُ عَدَمِ كَرَاهَةِ مَا ذُكِرَ فِي الْمَطْرُوق. انْتِفَاءُ السَّبَبِ الَّذِي كُرِهَ لِأَجْلِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ يُورِثُ قَدْحًا فِي الْإِمَامِ وَطَعْنًا فِيهِ وَإِنَّمَا يَقْوَى ذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِ الْمَسْجِدِ غَيْرَ مَطْرُوقٍ بِخِلَافِ الْمَطْرُوق فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُ وُرُودُهُمْ عَلَيْهِ فَلَا يُتَخَيَّلُ فِي تَعَدُّدِ الْجَمَاعَاتِ حِينَئِذٍ قَدْحٌ فِي الْإِمَامِ نَعَمْ إنْ أَلِفَ ذَلِكَ إلَّا مِنْ مُتَصَدٍّ لَهُ بِحَيْثُ يُقْطَعُ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالِهِ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ مُضَادَّةَ الْإِمَامِ وَالطَّعْنَ فِيهِ فَلَا يَبْعُدُ حِينَئِذٍ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ وَإِنْ تُخُيِّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَيَّدُوا بِذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرِ الْمَطْرُوق لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ النَّصِّ.

وَاعْتَمَدُوهُ أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ إقَامَةِ الْجَمَاعَة بَعْدَهُ فِي غَيْرِ الْمَطْرُوق مَا إذَا كَانُوا يُعَادُونَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْعَدَاوَةِ وَالِاخْتِلَافِ فَيُفَوِّتُ مَقْصُودَ الْجَمَاعَة وَاعْتَمَدَ صَاحِبُ الْوَافِي أَيْضًا ذَلِكَ فَقَالَ مَحَلُّ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَطْرُوق فِي جَمْعِ مَخْصُوصِينَ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى إفْسَادهمْ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّفَقَ ذَلِكَ لِأَعْذَارٍ خَلَّفَتْهُمْ عَنْهُ فَلَا يُكْرَهُ وَكَذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ وَيُشْبِهُ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا أُقِيمَتْ الْجَمَاعَة بَعْدَهُ مُرَاغَمَةً لَهُ أَوْ إظْهَارًا لِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ مَعَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه وَالْأَصْحَاب مَا يُعَضِّدُهُ اهـ لَكِنْ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلهمْ الْكَرَاهَة بِمَا ذُكِرَ الْكَرَاهَة فِي مَسْأَلَتنَا أَيْضًا. وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ مَفْرُوضَةً فِي غَيْرِ الْمَطْرُوق وَمَسْأَلَتنَا مَفْرُوضَةٌ فِي الْمَطْرُوق وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُونَ تَعَارُضَ الْعِلَّةِ وَالْمُعَلَّلِ وَيَأْخُذُونَ بِقَضِيَّةِ الْعِلَّةِ تَارَةً وَالْمُعَلَّلِ أُخْرَى بِحَسَبِ الْمُدْرَكِ وَالْعَمَلُ هُنَا بِقَضِيَّةِ الْعِلَّةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَهُ مَزِيدُ اعْتِنَاءٍ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى وُقُوعِ الْأُلْفَةِ وَعَدَمِ التَّنَافُر وَإِظْهَارِ الْعَدَاوَة بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا مَا يَتَلَخَّصُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَبَعْدَ ذَلِكَ نَرْجِعُ إلَى مَا فِي السُّؤَالِ فَنَقُولُ قَوْلَ الْمَجْمُوع.

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَاب إذَا حَضَرَتْ الْجَمَاعَة وَلَمْ يَحْضُرْ إمَامٌ إلَخْ مَحَلُّهُ فِي الْمَطْرُوق لِمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ وَالتَّقْيِيدِ فِي قَوْلِهِ وَخَافُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ كُلِّهِ.

إنَّمَا هُوَ؛ لِأَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُسَنُّ لَهُمْ التَّجَمُّع وَإِنْ خَافُوا فِتْنَتَهُ كَمَا بَسَطْته فِي بُشْرَى الْكَرِيمِ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْجَمَاعَةِ الثَّانِيَة يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَلْ صَرَّحَ فِيهِ بِمَسْأَلَةِ الْجَمَاعَة الْأُولَى أَيْضًا حَيْثُ قَالَ كَمَا حَكَى فِي السُّؤَال قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ وَلَيْسَ هُوَ مَطْرُوقًا كُرِهَ لِغَيْرِهِ إقَامَةُ الْجَمَاعَة ابْتِدَاءً إلَخْ فَقَيَّدَ كَرَاهَةَ الْجَمَاعَة الْأُولَى قَبْلَ الْإِمَامِ بِغَيْرِ الْمَطْرُوق فَأَفْهَمَ أَنَّ الْمَطْرُوق لَا تُكْرَهُ فِيهِ الْجَمَاعَة الْأُولَى قَبْلَ الْإِمَامِ ثُمَّ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ فِيهِ الْجَمَاعَة الثَّانِيَة أَيْضًا. فَلَا مُخَالَفَةَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُكْرَهْ إقَامَةُ الْجَمَاعَة الثَّانِيَة فِيهِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الْأُولَى بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ وَلَك حَمْلُ قَوْلِهِ الثَّانِيَة عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنَّهَا ثَانِيَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ فَتَشْمَلُ الْمُتَقَدِّمَة عَلَيْهَا وَالْمُتَأَخِّرَة عَنْهَا فَحِينَئِذٍ لَا مُخَالَفَةَ أَيْضًا بَلْ يَكُونُ مُصَرِّحًا بِالْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ.

وَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ مُخَالَفَةِ مُسْلِمٍ لِمَا فِي الرَّوْضَةِ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمَطْرُوق عَلَى مَا فِيهِ لَا نُسَلِّمُ الْمُخَالَفَةَ فَإِنَّهُ قَيْدٌ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ بِمَا إذَا لَمْ تُخَفْ فِتْنَةٌ وَنَحْنُ نَلْتَزِمُ أَنَّهُ فِي الْمَطْرُوق لَوْ خُشِيَ مِنْ تَقَدُّمِ غَيْرِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ الْقَرِيبَة فِتْنَةٌ كُرِهَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا بَلْ قَدْ يَنْتَهِي الْأَمْرُ إلَى الْحُرْمَةِ بِحَسَبِ تَفَاقُمِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ وَعَدَمِهِ وَفَرْقٌ بَيْنَ الْفِتْنَةِ الَّتِي هِيَ نَحْوُ الضَّرْبِ وَمُجَرَّدِ تَشَاحُنٍ أَوْ تَقَاطُعٍ وَمَا ذُكِرَ عَنْ الْأَزْرَقِيِّ وَهُوَ كَوْنُهُ لَمْ يُقَيَّدْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مَعَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَقَوْلُ السَّائِلِ فَأَخَذَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِظَاهِرِ إطْلَاقِ الرَّوْضَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى مُخَالَفَةِ كَلَامِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَخْ عُلِمَ الْجَوَابُ عَنْهُ مِمَّا مَرَّ وَأَنَّ كَلَامَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مُوَافِقٌ لَا مُخَالِفٌ.

وَقَوْلُهُ

ص: 206

فَانْظُرْ كَيْفَ خَصَّ الْمَطْرُوق بِالصُّورَةِ الثَّانِيَة إلَخْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عِبَارَتَهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَا قَبْلُ قُلْت فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَة بَلْ عِبَارَتُهُ تَقْضِي بِإِطْلَاقِهَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي الْمَطْرُوق مُطْلَقًا وَعَلَى التَّنَزُّل فَهُوَ حَاكٍ لِعِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَعِبَارَتُهَا صَرِيحَةٌ فِي الْإِطْلَاق فَلَا نَظَرَ لِعِبَارَتِهِ وَقَوْلُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّعْلِيل أَنَّ فِي تَفْوِيتِ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ إلَخْ قَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ.

(سُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ مَسْبُوقٍ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ وَشَكَّ فِي رُكُوعِهِ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء هَلْ يَنْوِي فِيهِ الِاقْتِدَاء كَالْمُوَافِقِ أَوْ لَا حَتَّى يَعُودَ إلَى الْقِيَامِ وَإِذَا عَلَّقَ الْمَأْمُوم إبْطَالَ الْمُتَابَعَةِ بِشَيْءٍ هَلْ تَبْطُلُ بِهِ الْمُتَابَعَةُ أَوْ لَا حَتَّى يُوجَدَ الْمُعَلَّق عَلَيْهِ؟

(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَد كَمَا حَرَّرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء صَارَ كَالْمُنْفَرَدِ فَإِنْ تَابَعَهُ بَعْدَ أَنْ انْتَظَرَهُ كَثِيرًا لِذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا وَفَرَّقْت ثَمَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّكِّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا أَثَّرَ لِكَوْنِهِ فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ فِي صَلَاةٍ وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ قِصَرِ الزَّمَنِ لِكَثْرَةِ عُرُوض مِثْلِ ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يُغْتَفَرْ قَلِيلُهُ لَشَقَّ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ.

وَإِنْ شَكَّ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء هُوَ فِي الْحَقِيقَة فِي صَلَاةٍ فَهُوَ كَالْمُنْفَرِدِ. فَلَا فَرْقَ وَلَا بُدَّ مِنْ مُبْطِلٍ وَهُوَ مَا مَرَّ مِنْ الْمُتَابَعَةِ مَعَ الِانْتِظَارِ الْكَثِيرِ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ بِالشَّكِّ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء يَصِيرُ مُنْفَرِدًا فَإِذَا كَانَ مَسْبُوقًا وَعَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فِي رُكُوعِهِ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُتِمّ الْفَاتِحَة لَزِمَهُ بِمُجَرَّدِ عُرُوضِهِ لَهُ الْعَوْدُ إلَى الْقِيَامِ وَإِكْمَالِ الْفَاتِحَة؛ لِأَنَّ الْفَاتِحَة لَا تَسْقُطُ إلَّا عَنْ مَسْبُوقٍ مُتَحَقِّقٍ نِيَّة الْقُدْوَةِ لِيَتَحَمَّل عَنْهُ الْإِمَامُ حِينَئِذٍ وَأَمَّا مَعَ الشَّكِّ فَلَا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ بِالشَّكِّ صَارَ مُنْفَرِدًا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا ذَكَرَ الْعُبَابُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْرِنْ نِيَّةَ الِاقْتِدَاء بِالْإِحْرَامِ صَارَ مُنْفَرِدًا فَإِنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ فَوَاضِحٌ.

وَإِنْ تَابَعَهُ بِلَا تَجْدِيدِ نِيَّةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ انْتَظَرَهُ كَثِيرًا عُرْفًا وَإِلَّا فَلَا قُلْت فِي شَرْحِ ذَلِكَ تَقْيِيدًا لَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ نَقْلًا عَنْ الْمُعْتَمَد وَالذَّخَائِرِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُخِلَّ تَرْتِيبَ صَلَاةِ نَفْسِهِ وَيَقْرَأَ حَالَ قِيَامِهِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ بِحُكْمِ الِانْفِرَادِ فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَتَحَمَّلهُ الْإِمَامُ بَطَلَتْ قَطْعًا اهـ.

وَهُوَ وَاضِحٌ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا ذَكَرْته فِي مَسْأَلَتنَا أَنَّ الْمَسْبُوق بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ لِلْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الْفَاتِحَة ثُمَّ بَعْدَ إتْمَامِهَا إنْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ لَزِمَهُ مُوَافَقَته وَإِلَّا اسْتَمَرَّ عَلَى حُكْمِ الِانْفِرَادِ. وَبِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ فِي نِيَّةِ الِاقْتِدَاء يَصِيرُ مُنْفَرِدًا يُعْلَمُ أَنَّهُ إذَا عَلَّقَ نِيَّةَ قَطْعِهَا عَلَى شَيْءٍ يُحْتَمَلُ وُجُودُهُ وَلَوْ نَادِرًا بَطَلَتْ نِيَّةُ اقْتِدَائِهِ وَصَارَ مُنْفَرِدًا لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ التَّعْلِيق يُنَافِي الْجَزْمَ فَهُوَ بَعْدَهُ كَالشَّاكِّ بِجَامِعِ فَوَاتِ الْجَزْمِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.

وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ يَصِيرُ مُنْفَرِدًا لِفَوَاتِ الْجَزْمِ الْمُشْتَرَطِ فِي النِّيَّات فَكَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ التَّعْلِيق الْمَذْكُور يَصِيرُ مُنْفَرِدًا لِفَوَاتِ الْجَزْمِ الْمَذْكُور وَقَدْ ذَكَرُوا فِي تَعْلِيقِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ مَا يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْته.

(وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ إعَادَةِ الصَّلَاةِ مَعَ جَمَاعَةٍ هَلْ تَتَقَيَّدُ بِمَرَّةٍ كَمَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ أَوْ لَا كَمَا فِي التَّعَقُّبَاتِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا مَرَّةً ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً ثَالِثَةً فَاَلَّذِي يَظْهَرُ الِاسْتِحْبَابُ كَالثَّانِيَةِ وَهَكَذَا أَبَدًا اهـ.

فَإِنْ قُلْتُمْ تَتَقَيَّدُ بِمَرَّةٍ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَى مَنْ زَادَ عَلَى مَرَّةٍ بِالْكَرَاهَةِ أَوْ الْبُطْلَانِ وَالتَّحْرِيمِ وَظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيث الَّتِي رَأَيْنَاهَا مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِمَرَّةٍ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَكْرَارٍ وَلَا عَلَى مَرَّةٍ وَالْحُكْمُ الْمُرَتَّب عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِب يُشْعِرُ بِعِلِّيَّتِهِ فَيَتَكَرَّر الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ عِلَّتِهِ كَمَا لَا يَخْفَى فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَا وَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَة وَمَا وَجْهُ التَّقْيِيد بِالْمَرَّةِ وَهَلْ وَرَدَ شَيْءٌ بِالتَّقْيِيدِ. أَوْ بِالْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَة أَوْ لَا أَلَيْسَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «إذَا أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ» كَقَوْلِهِ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ. وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا»

إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى التَّكْرَار هُنَا وَالتَّقْيِيدِ ثَمَّ بِالْمَرَّةِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا رحمه الله تَعْلِيلًا وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِغْرَاق ذَلِكَ لِلْوَقْتِ اهـ فَلَوْ اسْتَغْرَقَهُ مُتَجَرِّدٌ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَ أَدَاءِ جَمِيعِ نَوَافِلِ الْوَقْتِ آدَابِهَا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فَهَلْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ وَهَلْ يُمْنَعُ فَاعِلُهُ أَوْ لَا مَعَ أَنَّ

ص: 207

الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَة وَالذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِمَا.

وَإِنَّمَا أَطَلْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا بِمَا لَا يَلِيقُ طَلَبًا لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ وَالتَّحْقِيقِ وَلِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا فَالْمَسْئُول كَشَفَ ذَلِكَ بِمَا هُوَ الْأَلْيَقُ لِلْمُتَجَرِّدِ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَ أَدَاءِ نَوَافِلِ الْوَقْتِ.

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَتِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَإِنَّمَا تُسَنُّ الْإِعَادَة مَرَّةً فَقَطْ فَفِي الْخَادِمِ كَالتَّوَسُّطِ أَنَّ الْإِمَامَ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْإِعَادَة إنَّمَا تُسَنُّ مَرَّةً وَاحِدَةً قَالَ يَعْنِي الْإِمَام وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِغْرَاق الْوَقْتِ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ قَالَ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ يُفْهَمُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه.

وَعِبَارَته وَيُصَلِّي الرَّجُلُ قَدْ صَلَّى مَرَّةً مَعَ الْجَمَاعَة كُلَّ صَلَاةٍ فَقَوْلُهُ رضي الله عنه مَرَّةً ظَاهِرٌ فِي الِاحْتِرَاز عَمَّنْ صَلَّى مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَبِهَذَا يُعْلَمُ تَزْيِيفُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ التَّقْيِيد بِمَرَّةٍ لَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَمْ يَعْتَمِدْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ سِوَى الْأَذْرَعِيِّ وَالْمُعْتَمَد اسْتِحْبَاب الْإِعَادَة مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّات اهـ. فَقَوْلُهُ لَمْ يُوجَدْ إلَخْ يَرُدُّهُ وُجُودُهُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ وَظُهُورُ النَّصِّ فِيهِ وَقَوْلُهُ لَمْ يَعْتَمِدْهُ إلَخْ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَهُ وَرَدَّهُ وَكَفَى بِاعْتِمَادِ الْأَذْرَعِيِّ لَهُ مَعَ قَوْلِهِ إنَّ قُوَّةَ كَلَامِ الْإِمَامِ يُرْشِدُ إلَيْهِ. عَلَى أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ حَكَى عَنْ الْأَصْحَاب مَا يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّقْيِيد بِالْمَرَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ لِلْوَجْهِ الْقَائِلِ بِمَنْعِ الْإِعَادَة لِمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ دَلِيلًا وَتَعْلِيلًا أَمَّا الدَّلِيلُ فَخَبَرُ أَبِي دَاوُد «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» وَأَمَّا التَّعْلِيل فَهُوَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْإِعَادَة لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَة وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ.

وَلَوْ قِيلَ بِالْإِعَادَةِ لَقِيلَ إنَّهُ يُعِيدُهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَرَابِعَةً وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ اهـ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمُلَازَمَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا قَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالْأَصَحِّ تَجِدْهَا مَعَ رِعَايَةِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ غَالِبًا إلَّا فِي مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ صَرِيحَةً فِي امْتِنَاعِ الْإِعَادَة أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَاب الْقَائِلِينَ بِالْأَصَحِّ وَمُقَابِله وَإِلَّا لَمْ تَحْسُنْ الْمُلَازَمَةُ الْمَذْكُورَةُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا حُجَّةٌ.

قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَتَصْوِيرُهُمْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ إنَّمَا تُسْتَحَبُّ إذَا حَضَرَ فِي الثَّانِيَة مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي الْأُولَى وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِغْرَاق ذَلِكَ لِلْوَقْتِ وَقَدْ يُقَالُ بِالِاسْتِحْبَابِ إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَئِمَّة اهـ وَقَدْ نُظِرَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَقُولَ تُسَنُّ الْإِعَادَة مَرَّةً فَقَطْ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ فَلَا مَعْنَى لِمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِغْرَاق وَإِنْ قَالَ بِالثَّانِي فَالِاسْتِغْرَاقُ لَازِمٌ لَهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَعَجِيبٌ مِنْ شَيْخِنَا حَيْثُ اعْتَمَدَ نَدْبَ الْإِعَادَة مَرَّةً فَقَطْ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَهُ عَقِبَ ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ.

قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ مَحَلَّ سَنِّهَا حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهَا مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا وَإِلَّا فَقَدْ تَحْرُمُ وَقَدْ تُكْرَهُ وَقَدْ تَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَمِنْهَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمَنْقُول الْمَنْصُوص عَلَيْهِ أَنَّ الْإِعَادَة لَا تُسَنُّ إلَّا مَرَّةً أَمَّا كَوْنُهُ الْمَنْقُول فَلِأَنَّ الْأَصْحَاب الْمَذْكُورِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ كَمَا قَرَّرْته وَأَمَّا كَوْنُهُ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ لِلشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فَلِقَوْلِهِ السَّابِقِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ قَدْ صَلَّى مَرَّةً مَعَ الْجَمَاعَة كُلَّ صَلَاةٍ فَقَوْلُهُ قَدْ صَلَّى مَرَّةً لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ وَإِلَّا كَانَ لَغْوًا.

وَالشَّافِعِيُّ مِنْ أَعْلَامِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِلُغَاتِهِمْ فَلَا يَقَعُ مِنْهُ هَذَا التَّقْيِيد وَهُوَ قَوْله مَرَّةً إلَّا لِفَائِدَةٍ هِيَ تَقْيِيدُ نَدْبِ الْإِعَادَة بِالْمَرَّةِ حَتَّى لَوْ صَلَّى مَرَّتَيْنِ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ الثَّالِثَة فَصَحَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ إنَّ التَّقْيِيد بِالْمَرَّةِ هُوَ الْمَنْقُول عَلَيْهِ وَيُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ أَيْضًا أَنَّ التَّعْلِيل بِاسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ لَا مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا رحمه الله خِلَافًا لِمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَلَكِنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدّ عَلَيْهِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ مِنْ اسْتِشْكَاله بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ ضَمِيمَةً تُوَضِّحُ الْمُرَادَ.

وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ أَيْ: مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ أَحْوَالهمْ الْعَلِيَّة وَهِمَمِهِمْ الزَّكِيَّة وَمُثَابَرَتِهِمْ عَلَى أَنْوَاعِ الْعِبَادَات سِيَّمَا الصَّلَوَات فَلَوْ كَانَتْ الْإِعَادَة أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ مَشْرُوعَةً لَبَادَرُوا إلَيْهَا وَلَفَعَلُوهَا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ فَلَمَّا أَعْرَضُوا عَنْهَا جُمْلَةً كَانَ فِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا فَحِينَئِذٍ مَعْنَى التَّعْلِيل بِاسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ أَنَّهُ لَوْ طُلِبَتْ إعَادَةٌ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ لَطُلِبَ مِنْ الشَّخْصِ اسْتِغْرَاق الْوَقْتِ بِهَا وَهَكَذَا فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّك إذَا فَرَضْته صَلَّى الظُّهْرَ أَوَّلَ وَقْتِهَا سُنَّ لَهُ إعَادَتُهَا إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ

ص: 208

فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ سُنَّ لَهُ الْمُبَادَرَةُ بِهَا ثُمَّ إعَادَتُهَا إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ فَعَلَ كَذَلِكَ فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ فَعَلَ كَذَلِكَ فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصُّبْحِ فَعَلَ كَذَلِكَ فَلَزِمَ اسْتِغْرَاق جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ وَفَاتَتْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَطْلُوبَاتِهِ وَمُهِمَّاتِهِ وَالْإِعَادَةُ لَيْسَتْ مِنْ السُّنَنِ الْمُتَأَكَّدَةِ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ الشَّهِيرِ فِي امْتِنَاعِهَا فَلَا يَفُوتُ لِأَجْلِهَا مَطْلُوبَاتٌ أَهَمُّ مِنْهَا وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ الْأَذْرَعِيُّ سَنَّ الْإِعَادَة مَعَ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِنَدْبِهَا إلَّا مَرَّةً بِمَا إذَا لَمْ يُعَارِضْهَا مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ تَحْرُمُ وَقَدْ تُكْرَهُ وَقَدْ تَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى اهـ.

فَإِنْ قُلْتَ ذَلِكَ الِاسْتِغْرَاقُ إنَّمَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلْمَنْعِ فِي حَقٍّ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ لِلْعِبَادَةِ لَا شُغْلَ لَهُ غَيْرُهَا أَمَّا هُوَ فَمَا وَجْهُ الْمَنْعِ فِيهِ قُلْتُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِعَادَةَ مِنْ السُّنَنِ الَّتِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَصْلِ جَوَازِهَا فَضْلًا عَنْ تَكْرِيرِهَا فَالْأَوْلَى بِالتَّعَبُّدِ الْمَذْكُورِ الْإِعْرَاض عَنْهَا وَالِاشْتِغَالُ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا حَتَّى مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَهِيَ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ إذْ الِاشْتِغَالُ بِهَا وَاسْتِغْرَاقُ غَيْرِ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَة بِهَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ بَلْ نَدْبِهِ فَكَانَ اللَّائِقُ بِهِ أَنْ يُمْنَعَ مِمَّا فِي جَوَازِهِ الْخِلَافُ الْقَوِيُّ وَيُؤْمَرُ بِالِاشْتِغَالِ بِمَا لَا خِلَافَ فِي فَضْلِهِ وَعَظِيمِ ثَوَابِهِ وَهُوَ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ وَنَحْوُهَا فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِأَحَدٍ إلَى أَنْ تُبَاحَ لَهُ الْإِعَادَة أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. فَتَأَمَّلْهُ لِيُفْهَمَ مِنْهُ حِكْمَةُ مَنْعِ الْإِعَادَة أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَى مَنْ زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ بِالْكَرَاهَةِ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّا حَيْثُ قَيَّدْنَا بِالْمَرَّةِ قُلْنَا إنَّ الزِّيَادَة عَلَيْهَا مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَتَى انْتَفَى الطَّلَبُ عَنْهَا لِذَاتِهَا كَانَتْ فَاسِدَةً فَيَحْرُمُ التَّلَبُّسُ بِهَا عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ التَّلَبُّسَ بِالْعِبَادَةِ الْفَاسِدَة حَرَامٌ بَلْ لَوْ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ كَانَتْ فَاسِدَةً أَيْضًا نَظِيرَ مَا قَالُوهُ فِي الصَّلَاة الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوه أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْكَرَاهَة لِلتَّنْزِيهِ وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ نَحْوَ ذَلِكَ. فَقُلْتُ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِل كَثِيرَةٍ أَبْدَيْتُهَا هُنَا لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا ثُمَّ رَأَيْتُ مَا يُوَافِقُ مَا أَبْدَيْتُهُ. سَادِسُهَا أَنَّهُ لَوْ أَعَادَ مُنْفَرِدًا لَمْ تَنْعَقِدْ إذْ لَا عُذْرَ لَهُ وَالْأَصْلُ مَنْعُ الْإِعَادَة إلَّا لِسَبَبٍ وَلَمْ يُوجَدْ.

وَأَمَّا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْمُزَنِيّ مِنْ إعَادَةِ الَّتِي تَفُوتُهُ مَعَ الْجَمَاعَة خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً فَهُوَ إنْ صَحَّ عَنْهُ اخْتِيَارٌ لَهُ وَهَلْ مِنْ السَّبَبِ وُجُودُ قَوْلٍ بِالْبُطْلَانِ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْإِسْنَوِيَّ قَالَ أَوَّلَ هَذَا الْكِتَابِ وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَرَائِضِ عَنْ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا بِسَبَبٍ مَا كَالشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْجَمَاعَة لَا تَجِبُ فِيهَا قَطْعًا.

وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَحَبُّ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي سَنِّ الْإِعَادَة وَحْدَهُ إذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى خَلَلٌ وَمِنْهُ جَرَيَانُ خِلَافٍ فِي بُطْلَانِهَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقَاضِي لَوْ تَلَبَّسَ بِحَاضِرَةٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَائِتَةً أَتَمَّهَا ثُمَّ يُصَلِّي الْفَائِتَة ثُمَّ يُعِيدُ الْحَاضِرَةَ اهـ. وَلَا مَلْحَظَ لِإِعَادَةِ الْحَاضِرَةِ حِينَئِذٍ إلَّا الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيب بَلْ صَرَّحَ الْأَصْحَاب بِذَلِكَ حَيْثُ حَمَلُوا أَمْرَهُ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ رَآهُ يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ بِالْإِعَادَةِ عَلَى النَّدْبِ وَهَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ أَحْمَدَ وَغَيْرَهُ يَقُولُونَ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ بَلْ عُمُومُ كَلَامِهِمْ رُبَّمَا يَقْتَضِي سَنَّ الْإِعَادَة وَلَوْ مُنْفَرِدًا لِكُلِّ مَنْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا.

وَإِنْ لَمْ يَجْرِ خِلَافٌ فِي الْبُطْلَانِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا اهـ. وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ الَّذِي جَاءَ فِي الْإِعَادَة مِنْ السُّنَّةِ إثْبَاتًا وَمَنْعًا «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ رَأَى فِي آخِرِ الْقَوْمِ رَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ فَقَالَ عَلَيَّ بِهِمَا فَأُتِيَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا أَيْ: جَمْعُ فَرِيصَةٍ وَهِيَ لَحْمَةٌ عِنْدَ الْقَلْبِ تَضْطَرِبُ لِلْخَوْفِ فَقَالَ مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا فَقَالَ إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَاهَا مَعَهُمْ. فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَنَّ مُعَاذًا رضي الله عنه كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ صَلَاتِهِ الْعَصْرَ رَجُلٌ إلَى الْمَسْجِدِ مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ فَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَهَذَا الْمُتَصَدِّقُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه كَمَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ

ص: 209

صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً فَلِيُصَلِّ إلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ» أُعِلَّ بِالْوَقْفِ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الَّذِي وَصَلَهُ ثِقَةٌ اهـ وَيُجَابُ بِأَنَّ خَبَرَيْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ السَّابِقِينَ أَصَحُّ فَقُدِّمَا وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد كَمَا مَرَّ لَكِنْ بِلَفْظِ «أَتَيْت ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما عَلَى الْبَلَاطِ أَيْ: مَحَلٍّ بِالْمَدِينَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَقُلْت أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ قَالَ قَدْ صَلَّيْت إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْعِ أَصْلِ الْإِعَادَة مُطْلَقًا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِمَنْعِ الْإِعَادَة مَعَ الْجَمَاعَة إلَّا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ. وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْمُصَرِّحَةِ بِنَدْبِهَا وَكَأَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ ابْنَ عُمَرَ وَمَنْ وَافَقَهُ فَأَخَذُوا بِالْعُمُومِ.

وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ «يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ جِئْت وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّلَاةِ فَجَلَسْت وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَانْصَرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَأَى يَزِيدَ جَالِسًا فَقَالَ أَلَمْ تُسْلِمْ يَا يَزِيدُ قُلْت بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَسْلَمْتُ قَالَ فَمَا مَنَعَك أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ قَالَ كُنْتُ صَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي وَأَنَا أَحْسَبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ فَقَالَ إذَا جِئْت إلَى الصَّلَاةِ فَوَجَدْت النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ وَإِنْ كُنْت قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَك نَافِلَةً وَهَذِهِ مَكْتُوبَةٌ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ» وَبِهَذَا كَالْأَحَادِيثِ السَّابِقَة يَتَّضِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَهَذِهِ مَكْتُوبَةٌ الْأُولَى لَا الثَّانِيَة خِلَافًا لِمَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْمُعَادَة هِيَ الْفَرْضُ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِعَادَة وَبَيَانِ الْحُجَّةِ فِيهَا وَالْجَوَابِ عَنْهَا وَأَمَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ مِنْ أَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ الْإِعَادَة؛ لِأَنَّهُ رَتَّبَهَا عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِب فَلْتَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِهِ وَقِيَاسًا عَلَى خَبَرِ إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ. وَعَلَى الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَجَوَابُهُ مَنْعُ مَا عَلَّلَ بِهِ وَمَنْعُ قِيَاسِهِ.

أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَحَلَّ تَكَرُّرِ الْمُسَبَّب بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ التَّكَرُّرِ مَانِعٌ وَهُنَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ الْإِعَادَة عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا سَبَبٌ يَتَكَرَّرُ كَمَا سَيَتَّضِحُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ الْإِعَادَة هُوَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ قَالُوا بِامْتِنَاعِهَا عَمَلًا بِذَلِكَ الْأَصْلِ الْمُوَافِقِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَيْضًا امْتِنَاعُ الْإِعَادَة مَعَ الِانْفِرَادِ كَمَا مَرَّ وَامْتِنَاعُهَا لِمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ عَلَى وَجْهٍ قَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا.

فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِعَادَة عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَأَنَّ الْأَصْلَ امْتِنَاعُهَا لَكِنْ لَمَّا وَرَدَ بِهَا النَّصُّ فِيمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً اسْتَنْبَطَ الْأَئِمَّةُ لِذَلِكَ سَبَبًا فَقَالُوا وَإِنَّمَا سُنَّتْ الْإِعَادَة فِيمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا لِتَحْصِيلِ الْجَمَاعَة فِي فَرِيضَةِ الْوَقْتِ حَتَّى كَأَنَّهَا فُعِلَتْ كَذَلِكَ لِشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا وَفِيمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لِاحْتِمَالِ اشْتِمَالِ الثَّانِيَة عَلَى فَضِيلَةٍ لَمْ تُوجَدْ فِي الْأُولَى وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَكْمَلُ فِي الظَّاهِرِ اهـ.

فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ دَالًّا عَلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي الْأَوَّلِ هُوَ تَحْصِيلُ الْجَمَاعَة فِي فَرْضِهِ وَفِي الثَّانِي هُوَ رَجَاءُ مَا ذُكِرَ وَهَذَا غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ.؛ لِأَنَّهُ بِإِعَادَتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ حَصَلَتْ لَهُ الْجَمَاعَة فِي فَرْضِهِ وَالرَّجَاءُ الْمَذْكُورُ فَإِذَا أَعَادَهَا مَرَّةً أُخْرَى كَانَتْ هَذِهِ الْإِعَادَة وَاقِعَةً بِلَا سَبَبٍ؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْجَمَاعَة فِي فَرْضِهِ وَالرَّجَاءَ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَتَكَرَّرَانِ وَقَدْ مَرَّ لَنَا أَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ الْإِعَادَة إلَّا لِسَبَبٍ وَلَا سَبَبَ هُنَا لِلْإِعَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فَامْتَنَعَتْ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ السَّابِقَةَ مُطْلِقَةٌ لِلْإِعَادَةِ وَمُرَتِّبَة لَهَا عَلَى الصَّلَاةِ الْأُولَى مَعَ الِانْفِرَادِ أَوْ الْجَمَاعَة وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ يَسْتَنْبِطُ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ أَوْ يُعَمِّمُهُ وَلَا يَسْتَنْبِطُ مِنْهُ نَصًّا يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ.

فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ تَشْمَلُ تَكَرُّرَ الْإِعَادَة بِطَرِيقِ الْعُمُومِ لِكَوْنِهَا وَقَائِعَ قَوْلِيَّةً لَكَانَتْ تِلْكَ الْعِلَلُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مُوجِبَةً لِتَخْصِيصِهَا بِالْمَرَّةِ الْأُولَى كَمَا بَيَّنْته قَرِيبًا بِقَوْلِي فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ إلَخْ فَاتَّضَحَ وَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَة وَوَجْهُ التَّقْيِيد بِالْمَرَّةِ وَأَمَّا الثَّانِي أَعْنِي مَنْعَ الْقِيَاسِ عَلَى الْخَبَرِ وَالْآيَةِ الْمَذْكُورَيْنِ فَلِأَنَّ الْأَدِلَّة فِي تِينِكَ قَامَتْ عَلَى التَّكَرُّرِ صَرِيحًا وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ بِخِلَافِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ الْإِذْعَانُ لِمَا قَالَهُ بِذِكْرِ مِثْلِهِ وَهَذَا لَا يَتَقَيَّدُ بِأَوَّلَ

ص: 210

وَلَا بِغَيْرِهِ فَسُنَّ مُطْلَقًا.

وَأَمَّا الْآيَةُ فَالْأَمْرُ فِيهَا مُعَلَّقٌ بِسَبَبٍ هُوَ الْجَنَابَةُ فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِهِ إجْمَاعًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ لَا يَقْتَضِي فَوْرًا وَلَا تَكْرَارًا لَكِنَّهُ إذَا عُلِّقَ بِسَبَبٍ فَتَارَةً يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِهِ بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ كَسَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ وَالْجَنَابَةِ فَيَتَكَرَّرُ الْمُسَبِّب وَهُوَ الْإِجَابَةُ وَالتَّطَهُّرُ لِشَهَادَةِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ لِلتَّكَرُّرِ وَتَارَةً يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَكَرُّرِ السَّبَبِ بِمُقْتَضَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا تَكَرُّرَ فَاتَّضَحَ فُرْقَانُ مَا بَيْنَ أَخْبَارِ الْإِعَادَة وَأَخْبَارِ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَنَحْوِهَا وَانْدَفَعَ مَا رَتَّبَ السَّائِلُ إشْكَالَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ تَكَرَّرَ فِي أَخْبَارِ الْإِعَادَة فَاقْتَصَرْنَا بِهَا عَلَى الْأَمْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فَقَطْ وَلَمْ نُجَوِّزْهَا فِي غَيْرِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ الَّذِي أَقَمْنَا عَلَيْهِ الدَّلَائِل السَّابِقَةِ فَلْيَتَأَمَّلْ السَّائِلُ وَفَّقَهُ اللَّهُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْجَوَابُ حَقَّ التَّأَمُّلِ فَإِنَّهُ يَتَّضِحُ لَهُ الصَّوَابُ وَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ وَرْطَةِ الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّنْ سَجَدَ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَتِهِ لِتِلَاوَةِ إمَامِهِ مَعَهُ فَلَمَّا عَادَ مِنْ السُّجُودِ اسْتَأْنَفَ الْفَاتِحَةَ مِنْ أَوَّلِهَا إمَّا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُوَسْوَسًا فَرَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ إتْمَامِهِ الْفَاتِحَةَ فَمَاذَا يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ. وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَعَمَّنْ انْتَظَرَ سَكْتَةَ الْإِمَامِ لِيَقْرَأ فِيهَا الْفَاتِحَةَ فَرَكَعَ الْإِمَامُ عَقِبَ فَاتِحَتِهِ فَمَاذَا يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ وَلَمْ يُصَحِّحْ شَيْئًا.

وَقَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ الْقِيَاسُ أَنَّهُ كَالنَّاسِي خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ فِي سُقُوطِ الْفَاتِحَةِ اهـ. هَلْ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ كَالنَّاسِي أَوْ لَا كَالْمُشْتَغِلِ بِسُنَّةٍ حَتَّى يَقْرَأَ قَدْرَ السَّكْتَةِ وَيُعْذَر؛ لِأَنَّ هَذِهِ السَّكْتَةَ سُنَّةٌ وَمَا مُرَادُ الزَّرْكَشِيّ بِسُقُوطِ الْفَاتِحَةِ أَهُوَ إذَا كَانَ مَسْبُوقًا أَوْ لَا وَمَا هُوَ الْأَصَحُّ الْمُعْتَمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعَلَى أَيِّ الْعَمَلِ.

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ أَدْرَكَ مِنْ قِيَامِ الْإِمَامِ قَبْلَ رُكُوعِهِ سَوَاءٌ مَا قَبْلَ السُّجُودِ وَمَا بَعْدَهُ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ بِالنِّسْبَةِ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي وَأَطَلْتُ الِاسْتِدْلَالَ لَهُ وَلِتَزْيِيفِ غَيْرِهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ مُوَافِقٌ فَيَتَخَلَّف وُجُوبًا وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَإِلَّا لَغَتْ رَكْعَتُهُ لِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ مَا لَمْ يَقُمْ الْإِمَامُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَة وَيَجْلِسُ إنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ أَوْ يَتِمُّ انْتِصَابُهُ قَائِمًا إنْ أَرَادَ الْقِيَامَ فَمَتَى وَصَلَ لِذَلِكَ قَبْلَ إتْمَامِهِ الْفَاتِحَةَ تَابَعَهُ وُجُوبًا وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ.

وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ كُلَّهَا. كَمَا ذُكِرَ فَهُوَ مَسْبُوقٌ فَمَتَى فَاتَهُ إدْرَاكُ الرُّكُوعِ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَمَتَى تَخَلَّفَ بَعْدَ قِيَامِ إمَامِهِ مِنْ الرُّكُوعِ لِإِتْمَامِ فَاتِحَتِهِ إلَى أَنْ هَوَى إمَامُهُ لِلسُّجُودِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ الشَّهِيرِ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا كُلُّهُ فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَأَمَّا الْمُوَسْوِسُ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَعَادَ الْفَاتِحَةَ لِمُوجِبٍ بِأَنْ شَكَّ فِي بَعْضِهَا فَكَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُتَخَلِّفٌ لِوَاجِبٍ إذْ الشَّكُّ فِي بَعْضِهَا قَبْلَ فَرَاغِهَا يُوجِبُ إعَادَةَ مَا مَضَى مِنْهَا.

وَإِنْ كَانَ يُكَرِّرُ أَلْفَاظَهَا أَوْ يُعِيدُهَا لِغَيْرِ مُوجِبٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّأَخُّرُ إلَّا لِتَمَامِ رُكْنَيْنِ الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ فَإِنْ فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ. قَبْلَ هُوِيِّهِ لِلسُّجُودِ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا رَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَلَحِقَهُ وَأَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَإِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ الْهُوِيَّ لِلسُّجُودِ وَهُوَ لَمْ يَفْرُغْ مِنْ الْفَاتِحَةِ لَزِمَتْهُ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِي حَقِّهِ وَاجِبَانِ إتْمَامُ الْفَاتِحَةِ وَمُتَابَعَة الْإِمَامِ وَقَدْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَلَزِمَهُ السَّعْيُ فِي تَصْحِيحِ صَلَاتِهِ وَهُوَ هُنَا لَا يُمْكِنُهُ إلَّا نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ فَلَزِمَتْهُ وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْرَأَ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَ فَإِنْ فَرَغَ مِنْهُ قَبْلَ فَوَاتِ الرُّكُوعِ رَكَعَ وَأَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَإِلَّا كَمَّلَ إلَى أَنْ يَهْوِيَ الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ الْمُفَارَقَةُ أَيْضًا لِمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِهِمْ. وَاطْرُدْهُ فِيمَا يُشَابِهُهُ كَالْمُشْتَغِلِ بِنَحْوِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذِ وَالْأَوْجَهُ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ.

وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْبَحِيُّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُنْتَظِرَ سَكْتَةَ الْإِمَامِ لِيَقْرَأ فِيهَا الْفَاتِحَةَ فَرَكَعَ إمَامُهُ عَقِبَهَا أَنَّهُ كَالنَّاسِي بِجَامِعِ عُذْرِهِمَا فَيَكُونُ كَبَطِيءِ الْقِرَاءَة حَتَّى يَتَخَلَّفَ لِقِرَاءَتِهَا مَا لَمْ يُتِمَّ انْتِصَابَهُ أَوْ جُلُوسَهُ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ بِسُقُوطِهَا عَنْهُ بَعِيدٌ إذْ غَايَةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ مَعْذُورٌ بِفِعْلِ السُّنَّةِ وَقَدْ صَرَّحُوا فِي الْمَعْذُور وَالْمُدْرِكِ لِزَمَنٍ يَسَعُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ أَنَّهُ يَتَخَلَّفُ لِقَرَاءَتِهَا مَا لَمْ يَقُمْ الْإِمَامُ أَوْ يَجْلِسْ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَعْذُور كَالْمُوَسْوِسِ السَّابِقِ وَكَمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا

ص: 211

حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فَيَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا كَمَا يُصَرِّحُ بِالْأَوَّلِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَكَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ عَنْ الْقَاضِي وَأَقَرُّوهُ أَنَّهُ يُفَارِقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْ: إنْ خُشِيَ التَّخَلُّف عَنْهُ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ فَحِينَئِذٍ الْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِقِرَاءَتِهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ بِهِمَا فَحِينَئِذٍ تَلْزَمُهُ مُفَارَقَته بِالنِّيَّةِ كَمَا مَرَّ هَذَا حَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا قَالَهُ السَّائِلُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوَّلًا كَالْمُشْتَغِلِ بِسُنَّةٍ إلَخْ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَافِقِ فَحَيْثُ رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَقْرَأْ لَزِمَهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ كُلِّهَا فَإِنْ فَرَغَ مِنْهَا قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ أَوْ جُلُوسِهِ وَإِلَّا وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ. وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ الْمُنْتَظِرُ السَّكْتَةَ مَسْبُوقًا تَخَلَّفَ لِقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا أَدْرَكَ فَإِنْ فَرَغَ مِنْهُ وَأَدْرَكَ الرُّكُوعَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَإِلَّا اسْتَمَرَّ حَتَّى يَهْوِيَ الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ فَحِينَئِذٍ يُفَارِقُهُ كَمَا مَرَّ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِي إنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِي الْمُوَافِقِ بِدَلِيلِ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ كَبَطِيءِ الْقِرَاءَة أَنَّ الزَّرْكَشِيّ يَقُولُ بِسُقُوطِهَا عَنْ الْمُوَافِقِ وَإِذَا قَالَ بِسُقُوطِهَا عَنْ الْمُوَافِقِ فَالْمَسْبُوقُ أَوْلَى.

(وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مُدَافَعَةِ الْحَدَثِ إذَا خِيفَ مَعَهَا فَوَاتُ الصَّلَاةِ الْمَسْنُونَةِ كَالرَّوَاتِبِ أَوْ فَوْتُ الْجَمَاعَة مَا الَّذِي يُقَدِّمُهُ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا رَجَا قَضَاءَهَا أَوْ لَا. وَبَيْنَ مَوْضِعٍ يَقِلُّ فِيهِ الْمَاءُ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ مَتَى خَافَ مِنْ الْمُدَافَعَةِ ضَرَرًا شَدِيدًا فَهِيَ عُذْرٌ فِي إخْرَاجِ النَّافِلَةِ بَلْ وَالْفَرِيضَةُ عَنْ وَقْتِهَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِهَا إلَّا مَا يَسَعُهَا وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ لَكِنَّهُ خَشِيَ مِنْ حَبْسِ نَحْوِ رِيحٍ دَافَعَهُ ضَرَرًا قُدِّمَ تَفْرِيغُ نَفْسِهِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ خَشْيَةً مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ ضَرَرًا فَالْأَوْلَى لَهُ تَفْرِيغُ نَفْسِهِ وَإِنْ خَشِيَ فَوْتَ الْجَمَاعَة خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ مَعَ مُدَافَعَةِ الْحَدَثِ وَإِذَا قُدِّمَ تَفْرِيغُ النَّفْسِ عَلَى الْجَمَاعَة مَعَ كَوْنِهَا فَرْضًا فَأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى النَّافِلَةِ وَإِنْ خَشِيَ خُرُوجَ وَقْتِهَا سَوَاءٌ أَرَجَا قَضَاءَهَا أَمْ لَا سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مَوْضِعٍ يَقِلُّ فِيهِ الْمَاءُ أَمْ لَا.

(وَسُئِلَ أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَتِهِ بِمَا صُورَتُهُ. نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْعُلَمَاء أَنَّ الْأَجْذَمَ وَالْأَبْرَصَ يُمْنَعَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَمِنْ الْجُمُعَةِ وَمِنْ اخْتِلَاطِهِمَا بِالنَّاسِ فَهَلْ الْمَنْعُ مِمَّا ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَهَلْ يَكُونُ مَا ذُكِرَ عُذْرًا لَهُمَا مُسْقِطًا عَنْهُمَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِاحْتِيَاجِهِمَا إلَى الْمَسْجِدِ وَالِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ أَمْ لَا أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِعَدَمِ تَكَرُّرِهِمَا دُونَ الْجُمُعَةِ وَهَلْ حَجُّ التَّطَوُّعِ كَالْفَرْضِ أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) رضي الله عنه بِقَوْلِهِ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء يَنْبَغِي إذَا عُرِفَ أَحَدٌ بِالْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ أَنَّهُ يُجْتَنَبُ لِيُحْتَرَز مِنْهُ وَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ مَنْعُهُ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَيَأْمُرُهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ وَيَرْزُقُهُ إنْ كَانَ فَقِيرًا. فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ رضي الله عنه وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ مِنْ الِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ صَحِيحٌ مُتَعَيَّنٌ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافٌ اهـ.

وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ فِي نَحْوِ الْمَجْذُومِ خَشْيَةَ ضَرَرِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمَنْعُ وَاجِبًا فِيهِ وَفِي الْعَائِنِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ بِالْأَوْلَى حَيْثُ أَوْجَبُوا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِيهِ عَلَى الْمُحْتَسِبِ الْأَمْرَ بِنَحْوِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَمَنْع الْخَوَنَةِ مِنْ مُعَامَلَةِ النِّسَاءِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِح الْعَامَّة وَأَنَّ الْمَدَارَ فِي الْمَنْع عَلَى الِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ فَلَا مَنْعَ مِنْ دُخُولِ مَسْجِدٍ وَحُضُورِ جُمُعَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ لَا اخْتِلَاطَ فِيهِ بِهِمْ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ عَدَمُ عَدِّ ذَلِكَ عُذْرًا فِي نَدْبٍ أَوْ وُجُوبِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَلَوْ كِفَايَةً لِإِمْكَانِ فِعْلِهِمَا مَعَ عَدَمِ الِاخْتِلَاطِ وَبِفَرْضِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا مَعَ ذَلِكَ يُجَابُ بِأَنَّ وُجُوبَ النُّسُكِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِّ ذَلِكَ عُذْرًا فِيهَا فَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا اعْتَمَدْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ خَبَثَ الرِّيحِ عُذْرٌ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِطْ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ اجْتَمَعُوا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِمَقْبَرَةٍ فَمَرُّوا بِآيَةِ سَجْدَةٍ وَفِيهِمْ كَثِيرٌ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ بَلْ مِنْ أَهْلِهِ. فَلَمْ يَسْجُدُوا ظَنًّا أَنَّ كَرَاهَةَ نَحْوِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ رَفَعَتْ عَنْهُمْ الْخِطَابَ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَهَلْ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوهُ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا ظَنُّوهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاء أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَنَحْوِهَا مَا لَمْ يُخَفْ خُرُوجُ الْوَقْتِ،

ص: 212

وَإِلَّا وَجَبَتْ فِيهَا إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً وَسُنَّتْ إنْ كَانَتْ سُنَّةً وَحِينَئِذٍ فَالْمُجْتَمِعُونَ عَلَى الْقِرَاءَة إنْ كَانَ فِي عَزْمِهِمْ عَدَمُ الْخُرُوجِ مِنْهَا فَوْرًا سُنَّ لَهُمْ السُّجُودُ وَيَكُونُ خَوْفُ خُرُوجِ وَقْتِ السُّجُودِ بِطُولِ الْفَصْلِ رَافِعًا لِكَرَاهَتِهِ فِي الْمَقْبَرَةِ كَمَا عَلِمْته مِنْ كَلَامِهِمْ وَإِنْ كَانَ فِي عَزْمِهِمْ الْخُرُوجُ مِنْهَا فَوْرًا سُنَّ لَهُمْ تَأْخِيرُ السُّجُودِ إلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا وَكُرِهَ لَهُمْ فِيهَا إذْ لَا عُذْرَ حِينَئِذٍ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ حَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» صَحِيحٌ أَوْ ضَعِيفٌ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ النَّفْيِ فِي خَبَرِ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ هَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بِمَعْنَى نَفْيِ الْكَمَالِ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ.

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَصِحُّ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ أَيْ: لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ حِينَئِذٍ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ أَوْ لَا تُصَلُّوا إلَّا الْمَكْتُوبَةَ وَمَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ هَذَا دُونَ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَبْعَدَ بَلْ وَهِمَ وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ صَلَاةَ غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مُنْعَقِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَة تَنْزِيهِيَّةٌ لَا لِذَاتِ الصَّلَاةِ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا وَهُوَ تَفْوِيتُ فَضِيلَةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَام وَغَيْرِهَا مَعَ الْإِمَامِ. فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ النَّفْيُ لِلْكَمَالِ تُؤْخَذُ الْكَرَاهَة الَّتِي ذَكَرُوهَا مِنْ أَيْنَ قُلْت تُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِنَفْيِ الْكَمَالِ إلَّا ذَلِكَ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ النَّاهِي لِمَنْ أَرَادُوا بَيْعَ دُورِهِمْ لِبُعْدِهَا عَنْ الْمَسْجِدِ مَعَ تَرْغِيبِهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةٌ وَحَدِيثِ الْأَبْعَدُ فَالْأَبْعَدُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا هَلْ يُعَارِضَانِ حَدِيثَ أَحْمَدَ فَضْلُ الدَّارِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَى الدَّارِ الشَّاسِعَةِ كَفَضْلِ الْغَازِي عَلَى الْقَاعِدِ.

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يُعَارِضَانِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مَفْرُوضٌ فِي حَالَةٍ تَخُصُّهُ فَالْأَوَّلَانِ فِيمَا إذَا اُحْتِيجَ لِلْبُعْدِ لِحِرَاسَةِ الْبَلَدِ. أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَالْأَخِيرُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي سُكْنَى الْبَعِيدِ حَاجَةٌ وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمَّا وَرَدَتْ فِي تَفْضِيلِ مَيَامِنِ الصُّفُوفِ رَغِبَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَعَطَّلُوا مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ قَدْ تَعَطَّلَتْ فَقَالَ مَنْ عَمَّرَ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ كُتِبَ لَهُ كِفْلَانِ مِنْ الْأَجْرِ فَأَعْطَى أَهْلَ الْمَيْسَرَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ضِعْفَ مَا لِأَهْلِ الْمَيْمَنَةِ مِنْ الْأَجْرِ وَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ.

وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لَمَّا تَعَطَّلَتْ تِلْكَ الْجِهَةُ فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ الْأَصْلُ تَفْضِيلُ الْقَرِيبَة مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَى الْبَعِيدَةِ مِنْهُ فَلَمَّا ثَبَتَ لَهَا هَذَا الْفَضْلُ رَغِبَ كُلٌّ مِنْ النَّاسِ فِي ذَلِكَ. حَتَّى «أَرَادَ بَنُو سَلَمَةَ أَنْ يُعَرُّوا ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ وَيَقْرُبُوا مِنْ الْمَسْجِدِ فَكَرِهَ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ وَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ الْفَضْلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَنَزَلَ فِيهِمْ {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] فَقَالَ صلى الله عليه وسلم حِينَ نَزَلَتْ الْآيَةُ يَا بَنِي سَلَمَةَ دِيَارُكُمْ تَكْتُبُ آثَارَكُمْ» وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذُ تَأْيِيدُ مَا كُنْتُ دَائِمًا أَبْحَثُهُ وَأُقْرِرْهُ أَنَّ مَحَلَّ أَفْضَلِيَّةِ أَيْمَنِ الصُّفُوفِ مَا إذَا جَاءَ الْمَأْمُومُ وَرَأَى الصُّفُوفَ قَدْ صُفَّتْ أَوْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى الْمُسَابَقَةِ لِذَلِكَ خُلُوُّ مَيَاسِرِ الصُّفُوفِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَفْضُولًا لِئَلَّا يَرْغَبَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنْهُ وَيُقَاسُ بِذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَيْضًا. أَنَّ صُفُوفَ الْجِنَازَةِ الثَّلَاثَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ مُتَسَاوِيَة فِي الْفَضْلِ لِئَلَّا يَرْغَبَ النَّاسُ عَنْ غَيْرِ الْأَوَّلِ فَيَفُوتَ عَلَى الْمَيِّتِ فَضِيلَةُ جَعْلِ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ وَلِمَا اسْتَدْرَكْتُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ مَا ذَكَرَهُ فِيمَنْ جَاءَ أَوَّلًا.

أَمَّا مَنْ جَاءَ وَقَدْ صُفَّتْ الثَّلَاثَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَحَرَّى أَوَّلُهَا لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ السَّابِقَةِ آنِفًا.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ شَخْصٍ يَكُونُ إمَامًا لَا مَأْمُومًا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ أَعْمَى أَصَمُّ لَيْسَ بِإِزَائِهِ أَحَدٌ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِغَيْرِهِ وَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْغَيْرِ بِهِ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ قَالَ التَّاجُ فِي أَلْغَازِهِ

وَقَائِلٍ لَا قِصَاصَ فِي الشُّعُورِ بَلَى

إنَّ الْقِصَاصَ لَفِي شَعْرٍ وَفِي ظُفْرٍ

؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوَّلُ فِي نَحْوِ الْجَائِفَةِ وَغَيْرِ الْمُوضِحَةِ وَالثَّانِي الْقِصَاصُ فِيهِ مِنْ قَصَّ الشَّعْرَ يَقُصُّهُ وَفِي الْحَدِيثِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْجُدُ عَلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ» وَهُوَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح مُنْتَهَى شَعْرِ الرَّأْسِ حَيْثُ يُؤْخَذُ بِالْمِقَصِّ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّا إذَا لَحِقَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ ثُمَّ خَرَجَ إمَامُهُ مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ لِمُلَاقَاةِ نَجَاسَةٍ لَهُ.

ص: 213

مَثَلًا حِينَئِذٍ هَلْ يَكُونُ الْمُقْتَدِي بِهِ الْمَذْكُورُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ لَا لِعَدَمِ حُسْبَانِ رُكُوعِهِ وَهَلْ يُقَالُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ رُكُوعُهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ وَهَلْ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَاقَى النَّجَاسَةَ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ أَوْ آخِرِهَا سَوَاءٌ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَكُونُ الْمُقْتَدِي مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ حَيْثُ طَرَأَ لِإِمَامِهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ كَحَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا أَمْ آخِرِهَا فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي سُجُودِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي إدْرَاكِ الْمَأْمُومِ الرَّكْعَةَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ رُكُوعًا مَحْسُوبًا لِلْإِمَامِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ. ثُمَّ قُلْت وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَدَثَهُ بَعْدَ أَنْ لَحِقَهُ الْمَأْمُومُ فِي الرُّكُوعِ وَاطْمَأَنَّ كَذَلِكَ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ: وَهُوَ كَوْنُهُ أَدْرَكَ رُكُوعًا مَحْسُوبًا لِلْإِمَامِ وَقْتَ إدْرَاكِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَاضِيَ الْحُسَيْنَ صَرَّحَ بِمَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ رَاكِعًا فَاقْتَدَى بِهِ ثُمَّ فَارَقَهُ عِنْدَ قِيَامِهِ حُسِبَتْ لَهُ الرَّكْعَةُ اهـ قَالَ غَيْرُهُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّحَمُّل بَقَاؤُهُ مَأْمُومًا بِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ التَّحَمُّل قَدْ وُجِدَ وَهُوَ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي الرُّكُوعِ كَمَا لَوْ بَطَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ صَلَاةُ الْإِمَامِ اهـ.

وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته اهـ. كَلَامُ شَرْحِ الْعُبَابِ وَذَكَرَ فِيهِ إثْرَ ذَلِكَ كَلَامًا لِابْنِ الْعِمَادِ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا فِي ذَلِكَ وَبَيَّنْتُ مَا فِيهِ بِكَلَامٍ مَبْسُوطٍ أَعْرَضْت عَنْهُ هُنَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.

(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّا إذَا قَامَ إمَامُهُ لِخَامِسَةٍ هَلْ الْأَوْلَى انْتِظَاره أَوْ فِرَاقُهُ وَفِيمَا إذَا كَانَ مَسْبُوقًا هَلْ هُوَ كَغَيْرِهِ أَوْ لَا حَتَّى تَجُوزَ مُفَارَقَته؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْلَى انْتِظَاره وَسَوَاءٌ الْمَسْبُوقُ وَغَيْرُهُ وَعِبَارَةُ شَرْحِي لِلْعُبَابِ لَوْ قَامَ الْإِمَامُ لِزِيَادَةٍ كَخَامِسَةٍ سَهْوًا لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَته وَإِنْ كَانَ شَاكًّا فِي فِعْلِ رَكْعَةٍ أَوْ مَسْبُوقًا عَلِمَ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّهُ فَإِنْ تَابَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَلَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ عَلِمَ الْحَالَ أَوْ ظَنَّهُ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مُوَافِقًا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ أَتَمَّ صَلَاتَهُ يَقِينًا أَوْ غَيْرَ مُوَافِقٍ فَهِيَ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ لِلْإِمَامِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ مُتَابَعَته فِي فِعْلِ السَّهْوِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَالْإِسْنَوِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمَجْمُوع فِي الْجَنَائِزِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ انْتِظَاره بَلْ يُسَلِّمُ فَإِنَّهُ فِي انْتِظَاره مُقِيمٌ عَلَى مُتَابَعَته فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مُخْطِئًا فِيهِ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُ مَا قَالَاهُ وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ فَفِي الْمَجْمُوع نَفْسِهِ لَوْ سَجَدَ إمَامُهُ الْحَنَفِيُّ مَثَلًا لص جَازَ لَهُ مُفَارَقَته وَانْتِظَاره كَمَا لَوْ قَامَ إمَامُهُ إلَى خَامِسَةٍ وَفِيهِ أَيْضًا لَوْ عَلِمَ الْمَسْبُوقُ بِقِيَامِ إمَامِهِ لِخَامِسَةٍ انْتَظَرَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ مَحْسُوبٌ لَهُ وَصَرَّحَ الزَّرْكَشِيُّ كَابْنِ الْعِمَادِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَرَكَ فَرْضًا جَازَ لِلْمَأْمُومِ انْتِظَاره حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمُنْتَظِمِ وَيُتَابِعهُ فِيهِ فَإِنَّ الْقُدْوَةَ إنَّمَا تَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِفِعْلِ السَّهْوِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ مُفَارَقَته اهـ.

وَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَدِّ قَوْلِهِ السَّابِقِ فَإِنَّهُ فِي انْتِظَاره مُقِيمٌ عَلَى مُتَابَعَته إلَخْ وَإِنَّمَا حَرَّمُوا عَلَيْهِ الْمُتَابَعَةَ هُنَا وَأَوْجَبُوهَا عَلَيْهِ فِيمَا إذَا سَجَدَ إمَامُهُ لِلسَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ سَبَبَهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ لِخَامِسَةٍ لَمْ يُعْهَدْ بِخِلَافِ سُجُودِهِ لِلسَّهْوِ فَإِنَّهُ مَعْهُودٌ لِسَهْوِ إمَامِهِ وَأَمَّا مُتَابَعَتُهُمْ لَهُ صلى الله عليه وسلم فِي قِيَامِهِ لِلْخَامِسَةِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فَهُوَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَتَحَقَّقُوا زِيَادَتَهَا؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ كَانَ زَمَنَ الْوَحْيِ وَإِمْكَانِ الزِّيَادَة وَالنَّقْصِ وَلِهَذَا قَالُوا فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَخَرَجَ بِتَقْيِيدِي الْمَسْبُوقَ بِمَا مَرَّ مَا لَوْ جَهِلَ ذَلِكَ فَتَابَعَهُ فَإِنَّ الرَّكْعَةَ تُحْسَبُ لَهُ لَكِنْ إنْ قَرَأَ فِيهَا الْفَاتِحَةَ كَمَا فِي الْمَجْمُوع؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَحَمَّلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مُصَلٍّ وَقْتَ تَرَائِي الْهِلَالِ هَلْ يَنْظُرُ إلَى مَحَلِّ سُجُودِهِ فِي صَلَاتِهِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِهِمْ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ أَوْ إلَى مَطْلَعِ الْهِلَالِ؛ لِأَنَّ تَرَائِيه فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْقِيَاسُ عَلَى رُؤْيَةِ الْمُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ إلَيْهَا عِنْدَ مَنْ اخْتَارَهُ قِيَاسُ أَوْلَى إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا؛ لِأَنَّ نَظَرَهَا سُنَّةٌ وَالتَّرَائِي فَرْضُ كِفَايَةٍ حَتَّى لَوْ قِيلَ بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ نَظَرِ الْمُصَلِّي مَحَلَّ السُّجُودِ وَلَوْ عِنْدَهَا لَمْ يَكُنْ يُعِيدُ الْفَرِيضَة التَّرَائِي أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ تَرَائِي الْهِلَالِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ تَفْرِقَةٌ لَيْسَتْ فِي نَظَرِ الْكَعْبَةِ وَيَزِيدُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَثْنُوا حَالَةَ التَّرَائِي.

ص: 214

فِي عُمُومِ قَوْلِهِمْ يَنْظُرُ إلَى مَحَلِّ السُّجُودِ مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لَا تَعْزُبُ عَنْهُمْ وَهُوَ الَّذِي يَتَبَادَرُ إلَى رَأْيِ الْفَقِيهِ بَلْ الْمُتَفَقِّهِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: النَّظَرُ لِلسَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ إلَّا لِحَاجَةٍ فَإِنْ فُرِضَ احْتِيَاجُهُ لِتَرَائِيِ الْهِلَالِ لِانْحِصَارِهِ فِيهِ مَثَلًا لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُ انْحِصَاره فِيهِ فَلَمْ تَعُمّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَلَوْ تَرَكَ هَذَا الْمُسْتَحَبَّ هَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا لَوْ سَاوَاهُ فِي الْمَوْقِفِ وَحِينَئِذٍ تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة كَمَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا أَمْ لَا تَفُوتُ كَمَا قَالَ بِهِ غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ صَفَّ صَفًّا ثَانِيًا قَبْلَ إكْمَالِ الْأَوَّلِ هَلْ يَكُونُ كَذَلِكَ مَكْرُوهًا تَفُوتُ بِهِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كُلُّ مَا ذُكِرَ مَكْرُوهٌ مُفَوِّتٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَة فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوع السُّنَّةُ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامِ وَمَنْ خَلْفَهُ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ تَقْرِيبًا كَمَا بَيْنَ كُلِّ صَفَّيْنِ أَمَّا النِّسَاءُ فَيُسَنُّ لَهُمْ التَّخَلُّف كَثِيرًا وَفِي الْمَجْمُوع اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى اسْتِحْبَاب الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ وَيَمِينِ الْإِمَامِ وَسَدِّ فُرَجِ الصُّفُوفِ وَإِتْمَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ مَا يَلِيه وَهَكَذَا وَلَا يُشْرَعُ فِي صَفٍّ حَتَّى يَتِمّ مَا قَبْلَهُ.

وَفِي شَرْحِي لِلْعُبَابِ كُلُّ مَا قِيلَ بِنَدْبِهِ فِي هَذَا الْبَابِ تُكْرَهُ مُخَالَفَته كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْمَجْمُوع فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْمَوْقِفِ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا كُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ وَمُخَالَفَتُهُ مَكْرُوهَةٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ أَحْكَامٍ أُخَرَ لِلْمَوْقِفِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَوَاقِف الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَإِنْ خَالَفَهَا كُرِهَ اهـ.

وَمِنْ هُنَا قَالَ السُّبْكِيّ تَكَرَّرَ مِنْ النَّوَوِيِّ إطْلَاقُ الْكَرَاهَة عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي جَمِيعِ مَا اُسْتُحِبَّ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَابْنِ الْعِمَادِ وَسَبَقَهُمَا الْأَحْنَفُ عَصْرِيٍّ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُسَاوَاةِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَحْصُلَ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَة كَمَا لَوْ قَارَنَهُ فِي الْأَفْعَال اهـ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُسَاوَاةِ بِذَلِكَ بَلْ سَائِرُ الْمَكْرُوهَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ كَذَلِكَ لِمَا يَأْتِي مَبْسُوطًا أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَكْرُوهًا مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَة يَمْنَعُ فَضْلَهَا انْتَهَتْ عِبَارَتُهُ وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَنَّ الْمُقَارَنَةَ أَوْ التَّقَدُّم الْغَيْرَ الْمُبْطِلِ مَكْرُوهٌ مُفَوِّتٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَة وَاعْتَرَضَهُ كَثِيرُونَ بِمَا رَدَّهُ آخَرُونَ مِنْهُمْ أَبُو زُرْعَةَ.

قَالَ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا فَاتَتْ الْجَمَاعَة بَلْ فَاتَ فَضْلُهَا فَهِيَ جَمَاعَةٌ صَحِيحَةٌ لَكِنْ لَا ثَوَابَ فِيهَا.

وَفَائِدَةُ صِحَّتِهَا مَعَ انْتِفَاءِ الثَّوَابِ فِيهَا سُقُوطُ الْإِثْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِفَرْضِيَّتِهَا عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً وَالْكَرَاهَةُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا لِقِيَامِ الشِّعَارِ الظَّاهِرِ وَمِنْهُمْ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ لِأَنَّ الصِّحَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الثَّوَابَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ حُصُولِهَا مَعَ انْتِفَاءِ فَضْلِهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَلَّى جَمَاعَةً فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَكَوْنِ الْمُدْرِكِ لَهَا فِي التَّشَهُّد فِي جَمَاعَةٍ قَطْعًا وَمَعَ ذَلِكَ قِيلَ لَا يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُهَا وَالْبَغَوِيُّ إنَّمَا نَفَى فَضْلَهَا وَلَمْ يَقُلْ بَطَلَتْ فَدَلَّ عَلَى بَقَائِهَا حَتَّى يَتَحَمَّلَ عَنْهُ السَّهْوَ وَغَيْرَهُ قَالَ

وَالْعَجَبُ مِنْ أُولَئِكَ الْمَشَايِخ أَيْ: الْمُعْتَرِضِينَ كَيْفَ غَفَلُوا عَنْ هَذَا وَتَتَابَعُوا عَلَى هَذَا الْفَسَادِ. وَأَنَّ فَوَاتَ الْفَضِيلَة يَسْتَلْزِمُ الْخُرُوجَ عَنْ الْمُتَابَعَةِ مَعَ وُضُوحِ عَدَمِ التَّلَازُم بَيْنَهُمَا وَجَزْمُ الْبَارِزِيِّ بِحُصُولِ ثَوَابِهَا أَعْجَبُ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوه لَا ثَوَابَ فِيهِ وَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ حُصُولُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ الْآتِيَةَ تُفَوِّتُ الْفَضِيلَة وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي مُسَاوَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَوْقِفِ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ.

وَالضَّابِطُ أَنَّهُ حَيْثُ فَعَلَ مَكْرُوهًا مَعَ الْجَمَاعَة أَيْ: بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ حَالَةَ الِانْفِرَادِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَأْمُور بِالْمُوَافَقَةِ وَالْمُتَابَعَةِ فَاتَهُ فَضْلُهَا إذْ الْمَكْرُوه لَا ثَوَابَ فِيهِ اهـ. الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ مُلَخَّصًا وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ مَنْ كَانَ مَسْبُوقًا. وَسَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ السَّجْدَةَ الْأُولَى وَلَمْ يَسْجُدْ الثَّانِيَة حَتَّى قَامَ الْإِمَامُ هَلْ يَسْجُدُهَا أَوْ يَقُومُ مُوَافِقًا لِلْإِمَامِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَقُمْ الْمَأْمُوم سَجَدَ الثَّانِيَة.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ الْمَأْمُوم إذَا أَطَالَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقَامَ فَرَكَعَ الْإِمَامُ هَلْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَة وَيُعْذَرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ أَوْ يُتَابِعُهُ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ أَوْ يُفَارِقُهُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا

ص: 215

فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ لِعُذْرِهِ بِالتَّخَلُّفِ فَقَالَ إنَّهُ كَمَنْ سَهَا فِي السُّجُودِ فَلَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَإِنَّهُ يَقُومُ وَيَرْكَعُ وَتَسْقُطُ الْفَاتِحَة عَنْهُ قَالَ فَكَذَا هَذَا لَمَّا نُدِبَ لَهُ التَّخَلُّف لِإِكْمَالِ التَّشَهُّد كَانَ مَعْذُورًا فَإِذَا أَكْمَلَهُ وَقَامَ فَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا رَكَعَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَة وَإِلَّا قَرَأَ بِقَدْرِ مَا لَحِقَ وَرَكَعَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْبَقِيَّة كَالْمَسْبُوقِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُنْدَبُ لَهُ التَّخَلُّف لِإِكْمَالِهِ ثُمَّ يَقُومُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَة فَإِنْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ فَذَاكَ وَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَهُوَ فِيهَا كَمَّلَهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ وَيُغْتَفَرُ لَهُ التَّخَلُّف بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِإِدْرَاكِهِ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَة كُلَّهَا مَعَ الْإِمَامِ بِالْقُوَّةِ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ تَخَلُّفُهُ لِإِتْمَامِ التَّشَهُّدِ وَهُوَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ بِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لَهُ، وَفَارَقَ الْمَسْبُوقَ إذَا تَخَلَّفَ لِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ لِكَوْنِهِ اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ وَهَذَانِ الِاثْنَانِ بَعِيدَانِ وَأَوَّلُهُمَا أَغْرَبُ وَأَبْعَدُ.

أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ السَّاهِيَ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ الْمُتَخَلِّفِ لِإِتْمَامِ التَّشَهُّد فَإِنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ نَوْعُ تَقْصِيرٍ فَلَمْ يَصِحّ لَهُ ذَلِكَ الْقِيَاسُ وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ أَنَّ مَا أَطْلَقَهُ مِنْ نَدْبِ التَّخَلُّف لِإِكْمَالِ التَّشَهُّد إنَّمَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ إنْ ظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ يُطِيلُ حَتَّى يُكْمِلَ وَيَلْحَقَهُ وَيُدْرِكَ كُلَّ الْفَاتِحَة قَبْلَ رُكُوعِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الْجَائِي بَعْدَ إحْرَامِ الْإِمَامِ.

فَقَالُوا وَلَا يَشْتَغِلُ الْمَسْبُوق بِسُنَّةٍ بَعْدَ التَّحَرُّم إلَّا إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُدْرِكُ الْفَاتِحَة قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِبُّوا لَهُ الْإِتْيَانَ بِالِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذ إلَّا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُور مَعَ أَنَّهُ فِي مَحَلِّهِمَا هُوَ وَالْإِمَامُ فَمَنْ فِي التَّشَهُّد يَكُونُ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ بِقِيَامِ الْإِمَامِ عَنْهُ وَمِنْ ثَمَّ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى تَقْصِيرِهِ بِإِكْمَالِ التَّشَهُّد مُطْلَقًا.

وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْمَسْبُوق يَشْتَغِلُ بِمَا ذُكِرَ بِشَرْطِهِ وَالْفَرْقُ مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ فَوَاتِ مَحَلِّ التَّشَهُّد هُنَا بِقِيَامِ الْإِمَامِ عَنْهُ بِخِلَافِهِ فِي الْمَسْبُوق وَبِهَذَا يَتَّضِحُ تَقْصِيرُ هَذَا الْمُتَخَلِّفِ لِإِكْمَالِ التَّشَهُّد وَأَمَّا ادِّعَاءُ أَنَّ هَذَا مُوَافِقٌ. وَالْمُوَافِقُ وَإِنْ قَصَّرَ يَتَخَلَّفُ لِإِكْمَالِ الْفَاتِحَة مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَر مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ فَمَمْنُوعٌ كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَسْبُوق هُوَ مَنْ يُدْرِكُ مِنْ قِيَامِ الْإِمَامِ مَا يَسَعُ الْفَاتِحَة وَالْمُتَخَلِّفُ لِلتَّشَهُّدِ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ فَهُوَ مَسْبُوقٌ لَا مُوَافِقٌ وَإِذَا كَانَ مَسْبُوقًا تَعَيَّنَ إلْحَاقُهُ بِالْمَسْبُوقِ إذَا اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ وَإِذَا اتَّضَحَ أَنَّهُ كَالْمَسْبُوقِ تَعَيَّنَ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ مَا قَالُوهُ فِيمَا إذَا اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ فَرَكَعَ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَلَّفَ وَقَرَأَ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُ مِنْ الْفَاتِحَة وَحِينَئِذٍ فَهَلْ يُعْذَرُ بِالتَّخَلُّفِ بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ كَالْمُوَافِقِ لِعُذْرِهِ.

بِوُجُوبِ التَّخَلُّف عَلَيْهِ أَوْ لَا يُعْذَرُ إلَّا بِرُكْنَيْنِ فِيهِ خِلَافٌ وَعَلَى كُلٍّ كَثِيرُونَ وَعَلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ جَمْعٍ مُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنْ فَرَغَ مِمَّا لَزِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَهْوِيَ الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ وَقَدْ آنَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَهْوِيَ فَقَدْ تَعَارَضَ فِي حَقِّهِ وَاجِبَانِ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بِأَكْثَر مِنْ رُكْنَيْنِ وَالتَّخَلُّفُ لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا فَوَّتَهُ وَلَا مُخَلِّصَ لَهُ عَنْ هَذَيْنِ الْوَاجِبَيْنِ إلَّا بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ فَيَلْزَمُهُ وَحِينَئِذٍ فَيُكْمِلُ الْفَاتِحَة وَيَمْشِي عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ فَإِنْ

قُلْت كَيْفَ يُنْسَبُ كُلٌّ مِنْ الْمُشْتَغِلِ بِإِكْمَالِ التَّشَهُّد وَبِالِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذ إلَى تَقْصِيرٍ مَعَ نَدْبِ تَخَلُّفِهِ وَاشْتِغَاله بِذَلِكَ وَوُجُوبِ تَخَلُّفِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا فَوَّتَهُ قُلْت النَّدْبُ لَهُ لَا يُنَافِي نِسْبَةً إلَى تَقْصِيرٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نُدِبَ مَشْرُوطًا بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَة أَيْ: فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْفَاتِحَة بَانَ أَنْ لَا تَقْصِيرَ وَإِلَّا بَانَ أَنَّ ثَمَّ تَقْصِيرًا أَوْجَبَ لَهُ احْتِيَاطًا فَهُوَ تَقْصِيرٌ عَادَ عَلَى عِبَادَتِهِ بِالِاحْتِيَاطِ لَا بِالتَّسَاهُلِ أَوْ الْإِبْطَال وَحِينَئِذٍ فَذَلِكَ التَّقْصِير مُنَاسِبٌ لِلنَّدْبِ لَا أَنَّهُ مُنَافٍ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ فَقَدْ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّا وَإِنْ أَوْجَبْنَا عَلَى الْمَسْبُوق الْمَذْكُور التَّخَلُّف لِقِرَاءَةِ كُلِّ الْفَاتِحَة هُوَ مُقَصِّرٌ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْإِيجَابَ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي نِسْبَتَهُ لِلتَّقْصِيرِ وَزَعْمُ أَنَّ هَذَا مِنْ تَفَرُّدِ الْمُتَوَلِّي مَمْنُوعٌ بَلْ لَوْ سَلِمَ كَانَ كَافِيًا فِي الْحُجَّةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ بِالْأَوْلَى مِنْ أَنَّ وُجُوبَ التَّخَلُّف لِنَقْصِ الْفَاتِحَة لَا يَمْنَعُ مِنْ نِسْبَةِ تَقْصِيرٍ إلَيْهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْمُشْتَغِلَ

ص: 216

بِإِكْمَالِ التَّشَهُّد كَالْمُشْتَغِلِ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذ فِي أَنَّهُ مَسْبُوقٌ وَفِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ لِقِرَاءَةِ قَدْرِ مَا فَوَّتَهُ.

وَفِي أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ إلَّا بِرُكْنَيْنِ وَفِي أَنَّ الرَّكْعَةَ تَفُوتُ بِفَوَاتِ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَفِي أَنَّهَا إذَا فَاتَتْهُ لَا يَأْتِي بِهَا وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ وَفِي أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ مَعَهُ الْوَاجِبَانِ السَّابِقَانِ لَزِمَتْهُ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا قَرَّرْته عَلِمْت الْجَوَابَ عَنْ جَمْعِ مَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى السَّمْهُودِيِّ رحمه الله مِمَّا يُؤَيِّدُ الْإِفْتَاء الثَّانِيَ السَّابِقَ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ.

(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَنْ تَقَارُنِ رَاءِ تَحَرَّمَ الْمَأْمُوم وَمِيمِ سَلَامِ الْإِمَامِ. فَهَلْ يَنَالُ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَة أَوْ لَا فَيَبْطُلُ اقْتِدَاؤُهُ بَلْ وَصَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَة لِإِطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ شَرْطَ حُصُولِهِ إدْرَاكُ جُزْءٍ مِنْ صَلَاة الْإِمَامِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَهَذَا لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا كَذَلِكَ وَأَمَّا بُطْلَانُ صَلَاتِهِ بِذَلِكَ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْبِطْ صَلَاتَهُ ابْتِدَاءً بِمَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ بَلْ بِمَنْ هُوَ فِيهَا لَكِنَّهُ لَمْ يَتِمّ لَهُ مَا ظَنَّهُ مِنْ إدْرَاكِ الرَّاءِ قَبْلَ الْمِيمِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ظَنُّ ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي تَجْوِيزُهُ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ مَعْذُورٌ وَمِنْ حَيْثُ عَدَمُ إدْرَاكِ الْجَمَاعَة غَيْرُ مَعْذُورٍ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْأَوَّلِ عَلَى التَّقْصِير وَلَمْ يُوجَد. وَمَدَارُ الثَّانِي عَلَى تَحَقُّقِ إدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَمْ يُوجَدْ فَظَهَرَ افْتِرَاقِهِمَا وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ حِيَازَةِ الْفَضِيلَة وَبُطْلَانِ الِاقْتِدَاءِ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ.

(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَحْرَمَ وَالْإِمَامُ فِي الْجِلْسَةِ الْأَخِيرَة فَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ فَهَلْ عَلَى الْمَأْمُوم أَنْ يَقْعُدَ ثُمَّ يَقُومَ أَوْ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ عَقِبَ إحْرَامِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقُعُودُ بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ لِانْقِضَاءِ الْمُتَابَعَةِ الْمُوجِبَة لِلْمُوَافَقَةِ فِيمَا لَمْ يُحْسَبْ لَهُ فَيَصِيرُ جُلُوسُهُ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ مُبْطَلَةٌ وَإِذَا أَحْرَمَ وَلَمْ يُسَلِّمْ الْإِمَامُ وَلَمْ يَجْلِسْ عَامِدًا عَالِمًا بَلْ اسْتَمَرَّ قَائِمًا. إلَى أَنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ الْفَاحِشَة نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ هُنَا التَّخَلُّف بِقَدْرِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَخْذًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ إمَامُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ تَشَهُّدِهِ فَتَخَلَّفَ وَلَمْ يَقُمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ زَادَ تَخَلُّفُهُ عَلَى قَدْرِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَإِلَّا فَلَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ بِهَا فِيمَا لَوْ تَرَكَهَا وَفَعَلَهَا الْمَأْمُوم مُخَالِفًا فَاحِشَةً فَكَذَا يُقَالُ بِنَظِيرِهِ هُنَا وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ جَلَسَ بَعْدَ الْهُوِيِّ مِنْ الِاعْتِدَالِ جَلْسَةً يَسِيرَةً لَمْ يَضُرّ مَعَ أَنَّ الْمَوْضِعَ لَيْسَ مَوْضِعَ جُلُوسٍ فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ. هَلْ تَجُوزُ صَلَاةُ الرَّغَائِب وَالْبَرَاءَةِ جَمَاعَةً أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَمَّا صَلَاةُ الرَّغَائِب فَإِنَّهَا كَالصَّلَاةِ الْمَعْرُوفَةِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانُ بِدْعَتَانِ قَبِيحَتَانِ مَذْمُومَتَانِ وَحَدِيثهمَا مَوْضُوعٌ فَيُكْرَهُ فِعْلُهُمَا فُرَادَى وَجَمَاعَةً وَأَمَّا صَلَاةُ الْبَرَاءَة فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا يُنْقَلُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ بَعْد آخِرِ جُمُعَةٍ فِي رَمَضَانَ مُعْتَقِدِينَ أَنَّهَا تُكَفِّرُ مَا وَقَعَ فِي جُمْلَةِ السَّنَةِ مِنْ التَّهَاوُن فِي صَلَاتِهَا فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ شَدِيدَةُ التَّحْرِيم يَجِبُ مَنْعُهُمْ مِنْهَا لِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّهُ تَحْرُمُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ وَكَذَا فِي وَقْتِهَا بِلَا جَمَاعَةٍ وَلَا سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ صَارَ سَبَبًا لِتَهَاوُنِ الْعَامَّةِ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِض لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ فِعْلَهَا عَلَى تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ يُكَفِّرُ عَنْهُمْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّا إذَا رَكَعَ الْمَأْمُوم قَبْلَ الْإِمَامِ عَمْدًا هَلْ يَنْتَظِرُهُ فِيهِ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلْمُتَابَعَةِ وَإِذَا كَانَ سَاهِيًا فَهَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ سُنَّ لَهُ الْعَوْدُ إلَى الْقِيَامِ وَإِنْ سَهَا تَخَيَّرَ بَيْنَ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَانْتِظَاره فِي الرُّكُوعِ وَفَارَقَ مَا لَوْ قَامَ عَنْ التَّشَهُّد الْأَوَّلِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ تَخَيَّرَ بَيْنَ الْبَقَاءِ وَالْعَوْدِ. وَإِنْ سَهَا لَزِمَهُ الْعَوْدُ بِأَنَّ هَذَا أَفْحَشُ فِي الْمُخَالَفَةِ فَلَزِمَ السَّاهِيَ الْعُودُ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ يُعْتَدُّ بِهِ بِخِلَافِ الْعَامِدِ فَإِنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ فَرْضِ الْمُتَابَعَةِ إلَى فَرْضٍ آخَرَ وَهُوَ الْقِيَامُ فَكَانَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ فَتَخَيَّرَ وَأَمَّا مَنْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِفْهُ مُخَالَفَةً فَاحِشَةً لِقُرْبِ الرُّكُوعِ مِنْ الْقِيَامِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْعَوْدُ مُطْلَقًا وَتَخَيَّرَ عِنْدَ السَّهْوِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ مَعَ عَدَمِ فُحْشِ الْمُخَالَفَةِ وَنُدِبَ لَهُ الْعَوْدُ عِنْدَ التَّعَمُّد؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ فِيهِ وَاجِبَانِ فَرْضُ الْقِيَامِ وَفَرْضُ الْمُتَابَعَةِ فَكَانَ

ص: 217