المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَلَزِمَهُ. إعَادَةُ الْخُطْبَةِ وَأَنَّ جُلُوسَهُ الْأَوَّلَ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ أَيْضًا - الفتاوى الفقهية الكبرى - جـ ١

[ابن حجر الهيتمي]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَةُ الفاكهي جامع الفتاوى]

- ‌[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]

- ‌[بَابُ النَّجَاسَةِ]

- ‌[بَابُ الِاجْتِهَادِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ]

- ‌[بَابُ الْوُضُوءِ]

- ‌[بَابُ الْغُسْلِ]

- ‌[بَابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ]

- ‌[بَابُ التَّيَمُّمِ]

- ‌[بَابُ الْحَيْضِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

- ‌[كِتَابُ الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ الْمَوَاقِيتِ]

- ‌[بَابُ الْأَذَانِ]

- ‌[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ]

- ‌[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ]

- ‌[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]

- ‌[بَابٌ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ]

- ‌[بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ]

- ‌[كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]

- ‌[بَابُ شُرُوطِ الْإِمَامَة وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِر]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]

- ‌[بَابُ اللِّبَاسِ]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ]

- ‌[بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]

الفصل: وَلَزِمَهُ. إعَادَةُ الْخُطْبَةِ وَأَنَّ جُلُوسَهُ الْأَوَّلَ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ أَيْضًا

وَلَزِمَهُ. إعَادَةُ الْخُطْبَةِ وَأَنَّ جُلُوسَهُ الْأَوَّلَ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ أَيْضًا لِأَنَّ قِرَاءَتَهَا فِي الْأُولَى سُنَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ كَمَا تَقَرَّرَ.

(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ خَطِيبٍ يَتْرُكُ لُبْسَ الطَّيْلَسَانِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ هَلْ زَعْمُهُ صَوَابٌ أَمْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ مَا زَعَمَهُ بِصَوَابٍ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَلِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ رحمه الله مُؤَلَّفٌ مُسْتَقِلٌّ فِي سُنِّيَّةِ لُبْسِ الطَّيْلَسَانِ جَمَعَ فِيهِ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ وَبَيَّنَ مَا فِيهَا وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَشَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهُ. وَلَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَكْرِيُّ - سَقَى اللَّهُ ثَرَاهُ - يُدِيمُ لُبْسَهُ أَوَّلَ أَمْرِهِ فِي دُرُوسِهِ وَغَيْرِهَا فَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ مَنْ لَهُ اعْتِيَادٌ مَا بِالْحَدِيثِ فَبَالَغَ الشَّيْخُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نَدْبِ لُبْسِهِ ثُمَّ قَالَ لِلْمُنْكِرِ أَمَا تُنْكِرُ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ كَذَا وَكَذَا وَبَيَّنَ لَهُ أُمُورًا مُجْمَعًا عَلَى ذَمِّهَا فَكَانَ ذَلِكَ مَانِعًا لِلنَّاسِ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَى الْجَلَالِ فِي إدَامَةِ لُبْسِهِ فِي سَائِرِ الْمَوَاكِبِ وَغَيْرِهَا صَنَّفَ فِيهِ فَأَجَادَ وَأَفَادَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَرْحَمُنَا وَإِيَّاهُمَا وَسَائِرَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.

[بَابُ اللِّبَاسِ]

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ - عَنْ فَتْخَةِ الْفِضَّةِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَنَا بِالْحَلْقَةِ هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبْسُهَا أَمْ لَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حِينَئِذٍ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الْخَاتَمِ لُغَةً كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي الْعُمْدَةِ قَالَ وَلَمْ يُجَوِّزُوا لِلرَّجُلِ لُبْسَ شَيْءٍ مِنْ حُلِيِّ الْفِضَّةِ إلَّا الْخَاتَمَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ خَاتَمًا كَمَا تَقَدَّمَ. اهـ كَلَامُهُ بِمَعْنَاهُ لَكِنْ فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ أَنَّ الْحَلْقَةَ خَاتَمٌ بِلَا فَصٍّ فَسَمَّاهَا خَاتَمًا فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ أَفِيدُونَا مَتَّعَ اللَّهُ بِكُمْ الْمُسْلِمِينَ؟

(فَأَجَابَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِقَوْلِهِ: الَّذِي يُتَّجَهُ جَوَازُ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ. فَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ لُبْسِ الْخَاتَمِ بَلْ نَدْبُهُ لِلرَّجُلِ بَيْنَ مَا لَهُ فَصٌّ وَمَا لَا فَصَّ لَهُ فَأَفْهَمَ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِمَّا لَهُ فَصٌّ وَمَا لَا فَصَّ لَهُ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ خَاتَمًا وَإِنْ كَانَ الْخَاتَمُ لُغَةً لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى مَا لَهُ فَصٌّ فَقَدْ قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَالْفَتْخَةُ بِالتَّحْرِيكِ حَلْقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ لَا فَصَّ فِيهَا فَإِذَا كَانَ فِيهَا فَصٌّ فَهِيَ الْخَاتَمُ. اهـ. فَأَفْهَمَ أَنَّ الْحَلْقَةَ غَيْرُ الْخَاتَمِ لُغَةً فَعُلِمَ بِمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَاللُّغَوِيِّينَ أَنَّ الْخَاتَمَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْفَصُّ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ كَلَامُهُمْ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْته مِنْ جَوَازِ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ.

وَزَعْمُ ابْنِ الْمُلَقِّنِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ فِي السُّؤَالِ يَرُدُّهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ عَدَمَ دُخُولِهَا فِي مُسَمَّى الْخَاتَمِ لُغَةً لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ صَرَّحُوا بِحِلِّ مَا لَا فَصَّ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى خَاتَمًا لُغَةً فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِالْخَاتَمِ فِي كَلَامِهِمْ الْخَاتَمَ فِي اللُّغَةِ بَلْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ فَانْدَفَعَ نَظَرُهُ بِلَمْ يُسَمَّ خَاتَمًا لُغَةً وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُسَمُّونَهُ خَاتَمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَصٌّ وَاللُّغَوِيِّينَ يَخُصُّونَ اسْمَ الْخَاتَمِ بِمَا لَهُ فَصٌّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَا فَصَّ لَهُ اسْمُ الْخَاتَمِ أَيْضًا كَمَا يَدُلُّ لَهُ كَلَامُ ابْنِ الْأَثِيرِ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ.

فَإِنْ قُلْت يَنْبَغِي تَحْرِيمُهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ كَوْنُهَا مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ حَرَامٌ وَعَكْسُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَشَبِّهَات مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» قُلْت إنَّمَا يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِهِنَّ بِلُبْسِ زِيِّهِنَّ الْمُخْتَصِّ بِهِنَّ اللَّازِمِ فِي حَقِّهِنَّ كَلُبْسِ السِّوَارِ وَالْخَلْخَالِ وَنَحْوِهِمَا بِخِلَافِ لُبْسِ الْخَاتَمِ بِلَا فَصٍّ وَهُوَ الْحَلْقَةُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شِعَارِهِنَّ الْمُخْتَصِّ بِهِنَّ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي الْأُمِّ: وَلَا أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسَ اللُّؤْلُؤِ إلَّا لِلْأَدَبِ فَإِنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ لَا لِلتَّحْرِيمِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ رَدًّا عَلَى الرَّافِعِيِّ الْفَاهِمُ مِنْ هَذَا النَّصِّ تَبَعًا لِلشَّاشِيِّ أَنَّ التَّشَبُّهَ بِهِنَّ مَكْرُوهٌ فَقَطْ وَلَيْسَ كَمَا قَالَاهُ بَلْ الصَّوَابُ الْحُرْمَةُ وَأَمَّا نَصُّهُ فِي الْأُمِّ فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِهَذَا لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ زِيِّ النِّسَاءِ لَا أَنَّهُ زِيٌّ لَهُنَّ مُخْتَصٌّ بِهِنَّ لَازِمٌ فِي حَقِّهِنَّ. اهـ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ: الْحَلْقَةُ الْمَذْكُورَةِ إنْ سُلِّمَ أَنَّهَا زِيٌّ لَهُنَّ أَيْ مِنْ جِنْسِ زِيِّهِنَّ لَا أَنَّهَا بِهِنَّ لَازِمَةٌ فِي حَقِّهِنَّ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ

ص: 261

«أَنَّ فَصَّ خَاتَمِهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ حَبَشِيًّا» .

قَالَ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنْ الْعُلَمَاءِ يَعْنِي كَانَ حَجَرًا حَبَشِيًّا أَيْ فَصًّا مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ فَإِنَّ مَعْدِنَهُمَا بِالْحَبَشَةِ وَالْيَمَنِ. اهـ. وَلَا يُنَافِيهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي قَبْلَهَا بِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَهُ خَاتَمَانِ مِنْ فِضَّةٍ أَحَدُهُمَا فَصُّهُ مِنْهُ وَالْآخَرُ فَصُّهُ حَبَشِيٌّ أَيْ جَزْعٌ أَوْ عَقِيقٌ وَوَرَدَ فِي التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ أَحَادِيثُ مِنْهَا أَنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ وَأَنَّهُ مُبَارَكٌ وَأَنَّ مَنْ تَخَتَّمَ بِهِ لَمْ يَزَلْ يَرَ خَيْرًا وَكُلُّهَا لَمْ يَثْبُتْ مِنْهَا شَيْءٌ كَمَا قَالَهُ الْحُفَّاظُ وَوَرَدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْيَاقُوتِ الْأَصْفَرِ يَمْنَعُ الطَّاعُونَ» وَبِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْفَصَّ تَارَةً يَكُونُ مِنْ الْخَاتَمِ. وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ مَعَ قَوْلِهِمْ السَّابِقِ يَجُوزُ لُبْسُ الْخَاتَمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَصٌّ يَظْهَرُ مَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ لُبْسِ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ شَيْءٌ يُلْبَسُ فِي الْإِصْبَعِ مِنْ الْفِضَّةِ وَلُبْسُ فَصِّهِ مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ يُسَمَّى خَاتَمًا وَهُوَ غَيْرُ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ وَاضِحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ حِلِّ الْحَلْقَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ وَالْغَزَالِيَّ فِي الْفَتَاوَى شَذَّا فَقَالَا: لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ التَّحَلِّي بِغَيْرِ الْخَاتَمِ مِنْ حُلِيِّ الْفِضَّةِ كَالسِّوَارِ وَالدُّمْلُجِ وَالطَّوْقِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْفِضَّةِ إلَّا تَحْرِيمُ الْأَوَانِي وَتَحْرِيمُ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ. اهـ. وَمَا قَالَاهُ ضَعِيفٌ جِدًّا فَإِنَّ هَذَا مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ حِبَّانَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُلٍ رَآهُ لَابِسًا خَاتَمًا مِنْ شَبَهٍ مَا لِي أَجِدُ مِنْك رِيحَ الْأَصْنَامِ فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ مَا لِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ قَالَ اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ لَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا» هَلْ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَمَا حُكْمُ الْخَاتَمِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْحَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكَأَنَّهُ تَعَقَّبَ بِذَلِكَ قَوْلَ النَّوَوِيِّ إنَّهُ ضَعِيفٌ وَالشَّبَهُ بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ صِنْفٌ مِنْ النُّحَاسِ كَلَوْنِ الذَّهَبِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي كَرَاهَتِهِ وَلَيْسَ فِي سِيَاقِهِ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي خَاتَمِ الْحَدِيدِ وَجَوَازُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَاشْتِرَاطُ الْوَزْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَصَوَّبَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُخَالِفُهُ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ ضَبْطُهُ بِمَا لَا يُعَدُّ إسْرَافًا فِي الْعُرْفِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْخَلْخَالِ.

(وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - هَلْ يَجُوزُ التَّفَرُّجُ عَلَى الزِّينَةِ إذَا أَمَرَ بِهَا نُوَّابُ السُّلْطَانِ لِفَتْحِ بِلَادٍ حَصَلَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ تَزْيِينَ الْجُدْرَانِ بِالْحَرِيرِ مُنْكَرٌ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَحْرُمُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ قَالَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُعْمَلُ لَأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا وَهُوَ الْعِلَّةُ الْغَائِيَّةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْهَا فَفِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهَا حَمْلٌ عَلَى تَرْكِهَا وَنَقَلَهُ عَنْهُ السُّبْكِيّ وَارْتَضَاهُ بَلْ وَأَخَذَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ فَتَحَ بَابًا فِي جِدَارِ مَسْجِدٍ وَقُلْنَا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ أَكَانَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَمْ لَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ مِنْهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَتَبُهُ عَرِيضَةً أَمْ لَا فَإِنْ قُلْت مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَكُونُوا مُكْرَهِينَ عَلَى الزِّينَةِ بِخُصُوصِ الْحَرِيرِ وَإِلَّا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ الْآنَ فَلَا يَنْبَغِي حِينَئِذٍ حُرْمَةُ النَّظَرِ إلَيْهَا لِجَوَازِهَا قُلْت هَذَا مُحْتَمَلٌ إنْ وُجِدَتْ شُرُوطُ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْحَرِيرِ بِخُصُوصِهِ وَلَمْ يُكْتَفَ بِغَيْرِهِ.

وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْحُرْمَةُ وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْحَرِيرِ بِخُصُوصِهِ وَلَمْ يُكْتَفَ بِغَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْحُرْمَةُ وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْمُحَرَّمِ إنَّمَا يُبِيحُهُ لِلْمُكْرَهِ لَا لِغَيْرِهِ فَأَصْحَابُ الدَّكَاكِينِ وَإِنْ أُبِيحَ لَهُمْ الزِّينَةُ بِالْحَرِيرِ وَالْجُلُوسُ تَحْتَهُ لِأَجْلِ الْإِكْرَاهِ لَا يُبَاحُ لِغَيْرِهِمْ النَّظَرُ إلَى ذَلِكَ لِلتَّفَرُّجِ عَلَيْهِ وَلَا الْمُرُورِ فِي الْأَسْوَاق الْمُزَيَّنَةِ بِذَلِكَ بِلَا حَاجَةٍ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إغْرَاءَ الْعَوَامّ وَإِيهَامَهُمْ أَنَّهَا حَلَالٌ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ فَفِي تَوَاطُؤِ النَّاسِ عَلَى عَدَمِ التَّفَرُّجِ عَلَيْهَا حَمْلٌ لِنُوَّابِ الْإِمَامِ عَلَى عَدَمِ الْإِكْرَاهِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.

(وَسُئِلَ) - أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ - هَلْ يَحْرُمُ لُبْسُ اللُّؤْلُؤِ عَلَى الرِّجَالِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَلَفْظُهُ لَا أَكْرَهُ لُبْسَ اللُّؤْلُؤِ إلَّا لِلْأَدَبِ فَإِنَّهُ.

ص: 262

مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ لَا لِلتَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ لُبْسِهِ.

(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ قَوْلِ الْمَحَامِلِيِّ فِي الْمُقْنِعِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ مِنْ تَرْكِ الْمُرُوءَةِ هَلْ هُوَ وَإِطْلَاقُهُ مُعْتَمَدٌ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ إنْ لَمْ يَلِقْ بِهِ ذَلِكَ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه بِمَا صَوَّرْته مَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ رضي الله عنه وَغَيْرُهُ مِنْ حُرْمَةِ كَوْنِ وَثِيقَةِ الصَّدَاقِ حَرِيرًا إنْ أُرِيدَ كِتَابَةُ الرِّجَالِ فِيهِ فَهُوَ كَخِيَاطَةِ الْحَرِيرِ وَهُوَ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ أَوْ اتِّخَاذُ النِّسَاءِ لَهُ فَاِتِّخَاذُ الْمَرْأَةِ لِلْحَرِيرِ وَافْتِرَاشُهَا لَهُ جَائِزٌ فَمَا وَجْهُ الْحُرْمَةِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: رضي الله عنه الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَالْخِيَاطَةِ. لِأَنَّ الثَّوْبَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ لُبْسُهُ إلَّا بِهَا بِخِلَافِ كَوْنِ الْمَكْتُوبِ فِيهِ حَرِيرًا فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ أَصْلًا وَأَيْضًا فَالْكِتَابَةُ فِي شَيْءٍ اسْتِعْمَالٌ لَهُ عُرْفًا بِخِلَافِ خِيَاطَتِهِ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه هَلْ يَجُوزُ عَمَلُ عَصَائِبِ النِّسَاءِ مِنْ الْوَرَقِ الْبَيَاضِ وَيَجُوزُ دَوْسُهُ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِهِ أَوْ لَا لِتَعْظِيمِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ خُلِقَ لَأَنْ يُكْتَبَ فِيهِ نَحْوُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَكِتَابَةُ غَيْرِهَا فِيهِ لَمْ يُخْلَقْ لَهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السُّبْكِيّ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ جَوَازُ عَمَلِ الْعَصَائِبِ مِنْهُ قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ لَهُنَّ رُءُوسٌ كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَهَذَا مِنْ الزِّينَةِ الْمُبَاحَةِ وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْقَمُولِيِّ وَأَقَرَّهُ جَوَازُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْوَرَقِ الْكَاغَدِ إنْ كَانَ خَشِنًا مُزِيلًا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَنَقَلُوهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الدَّوْسِ بِالْأَوْلَى وَرُدَّ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ وَمِنْ حُرْمَةِ دَوْسِهِ وَلَوْ سَلَّمْنَا خَلْقَهُ لِذَلِكَ فَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ لَهُ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّهُ يَقْتَضِيهِ لَا يُقَالُ الْوَرَقُ فِيهِ النَّشَاءُ وَهُوَ مَطْعُومٌ لِأَنَّا نَقُولُ الْكَلَامُ فِي وَرَقٍ لَا نَشَاءَ فِيهِ عَلَى أَنَّ النَّشَاءَ مُسْتَهْلَكٌ فَلَا أَثَرَ لِوُجُودِهِ.

(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَنْ وَرَقَةٍ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى. هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ فِيهَا فِضَّةٌ وَنَحْوُهَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَقَلَ السُّبْكِيّ عَنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ الْقُرْآنَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الدِّرَاسَةَ أَوْ لَا وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ.

(وَسُئِلَ) - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ - بِمَا لَفْظُهُ: شُكَّ فِي تَسَاوِي الْحَرِيرِ وَغَلَبَتِهِ فَهَلْ يَجُوزُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي الضَّبَّةِ وَقَوْلُ الْأَنْوَارِ يَحْرُمُ، ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّ نُسَخَهُ مُخْتَلِفَةٌ.

(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - عَمَّنْ نَصَبَ ثَوْبَ حَرِيرٍ وَجَلَسَ تَحْتَهُ بِحَيْثُ يُسَامِتُ رَأْسُهُ بَعْضَ الثَّوْبِ الْمَنْصُوبِ. وَيَصِيرُ تَحْتَهُ كَمَا اعْتَادَهُ أَهْلُ مِصْرَ فِي نَصْبِ الْبَشَّاخِينَ وَالنَّوَامِيسِ عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ النَّاسَ إلَى وَلِيمَةٍ وَنَحْوِهَا فَهَلْ يَحِلُّ الْجُلُوسُ تَحْتَ مَا ذُكِرَ أَوْ لَا وَهَلْ يَجُوزُ نَصْبُ مَا ذُكِرَ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الَّذِي يَظْهَرُ حُرْمَةُ الْجُلُوسِ تَحْتَ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ عُرْفًا وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ نَحْوِ الْبُشْخَانَةِ إنَّمَا هُوَ بِالْجُلُوسِ دَاخِلَهَا فَقَدْ غَفَلَ عَنْ أَنَّ لَهَا فِي الْعَادَةِ اسْتِعْمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا مَعَ الْعِيَالِ وَهُوَ بِمَا ذُكِرَ وَالثَّانِي اسْتِعْمَالُ الْمَدْعُوِّينَ وَتَزَيُّنُهُمْ بِهَا وَلَيْسَ هُوَ إلَّا بِجُلُوسِهِمْ تَحْتَهَا وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ فَإِنْ قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجُلُوسُ الْمَذْكُورُ مُبَاحًا لِأَنَّا شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ اسْتِعْمَالًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَا يَحْرُمُ بِالشَّكِّ قُلْت الْعُرْفُ قَاضٍ بِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ بِلَا شَكٍّ وَعَلَى تَسْلِيمِ مَا ذُكِرَ فَالْأَصْلُ فِي الْحَرِيرِ الْحُرْمَةُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْوَجْهُ الْمُجَوِّزُ لِاسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ هُنَا أَنْ يُجْمِعَ أَهْلُ الْعُرْفِ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ اسْتِعْمَالًا وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَكَانَ الْبَقَاءُ مَعَ الْأَصْلِ أَوْلَى وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَصْلِ جَوَازُ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمَشْكُوكِ فِي كَوْنِ أَكْثَرِهِ حَرِيرًا أَوْ كَتَّانًا مَثَلًا خِلَافًا لِمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَنْوَارِ وَقِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الضَّبَّةِ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ فِي الْمُخْتَلَطِ عَدَمُ زِيَادَةِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.

وَجَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الْأَكْثَرَ هُوَ الْحَرِيرُ. وَلَمْ يُعْلَمْ فَغَلَّبْنَا هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ فِي صَرْفِ الْحَرِيرِ فَلَا تُرَدُّ مَسْأَلَةُ الْمُخْتَلَطِ أَصْلًا وَأَمَّا نَصْبُ مَا ذُكِرَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَزْيِينِ الْجُدْرَانِ بِالْحَرَائِرِ الَّذِي قَالُوا بِحُرْمَتِهِ إنْ قَصَدَتْ الْمَرْأَةُ بِنَصْبِهَا أَنَّهَا تَسْتَعْمِلُهَا وَحْدَهَا فَإِنْ قَصَدَتْ بِهِ جُلُوسَ الرِّجَالِ تَحْتَهَا أَوْ زِينَةَ الْجِدَارِ أَوْ الْبَيْتِ أَوْ اسْتِعْمَالَهَا بِجُلُوسِهَا هِيَ وَزَوْجُهَا فِيهَا حَرُمَ نَصْبُهَا.

ص: 263

وَكَانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فِي الْوَلِيمَةِ.

(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ الْأَفْضَلُ لُبْسُ الْخَاتَمِ فِي الْيَمِينِ أَوْ الْيَسَارِ وَمَا حُكْمُ نَقْشِهِ بِالذِّكْرِ أَوْ غَيْرِهِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ إيثَارُ الْيَمِينِ وَفِي أُخْرَى إيثَارُ الْيَسَارِ وَقَدْ بَيَّنْتُهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَنَا لُبْسُهُ فِي الْيَمِينِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» أَيْ مِمَّا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي التَّخَتُّمِ تَكْرِيمًا - أَيُّ تَكْرِيمٍ - فَيَكُونُ فِي الْيَمِينِ وَاعْتَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ قَوْلَ مَالِكٍ رضي الله عنه يُكْرَهُ فِي الْيَمِينِ. وَيَكُونُ فِي الْيَسَارِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْخَاتَمِ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْخَوَاتِيمِ فِيهَا نَقْشُ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ وَهُوَ اعْتِرَاضٌ وَاهٍ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ سَهْلٍ مِنْ أَنْ يَقْلَعَهُ مِنْ يَسَارِهِ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى فِي الْخَلَاءِ وَيَجْعَلَهُ فِي فَمِهِ، وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي كَرَاهِيَةِ جَعْلِهِ فِي الْيَمِينِ أَنَّهُ عِنْدَهُ لَيْسَ مِنْ التَّكْرِيمِ وَإِنَّمَا يُجْعَلُ فِي الْيَدِ لِلْخَتْمِ بِهِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ لَا يَقْبَلُونَ إلَّا كِتَابًا مَطْبُوعًا فَاتَّخَذَ عليه الصلاة والسلام خَاتَمًا وَنَقَشَ عَلَيْهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَإِذَا كَانَ مَوْضُوعًا فِي الْيَدِ فَيَتَنَاوَلُ لِلْخَتْمِ بِهِ فَالتَّنَاوُلُ إنَّمَا يُسَنُّ بِالْيَمِينِ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِالْيَسَارِ.

وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُتَّجَهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ سُنَّةُ لُبْسِهِ مُتَقَيِّدَةً بِالْخَتْمِ بِهِ أَمَّا إذَا لَمْ تَتَقَيَّدْ بِذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَهُ خَاتَمَانِ خَاتَمٌ يَخْتِمُ بِهِ وَخَاتَمٌ يَلْبَسُهُ دَائِمًا» فَلَا يُتَّجَهُ ذَلِكَ الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ الْتَزَمَ مَا فِي الِاعْتِرَاضِ فَقَالَ: إنْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ فَالْأَحْسَنُ إزَالَتُهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ وَإِلَّا فَالْأَمْرُ وَاسِعٌ وَرَأَيْت بَعْضَهُمْ ذَكَرَ مَا أَجَبْت بِهِ عَنْ احْتِجَاجِ مَالِكٍ فَقَالَ: الْخَاتَمُ زِينَةٌ مُرَخَّصٌ فِيهَا أَصْلُهَا الْحَاجَةُ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا اتَّخَذَهُ لِطَبْعِ الْكُتُبِ حِينَ قِيلَ لَهُ إنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ إلَّا الْكِتَابَ الْمَطْبُوعِ. وَلَكِنْ رُخِّصَ فِيهِ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ مَعَ أَنَّهُ يُثْقِلُهَا وَيَشْغَلُ الْبَالَ وَافْتَرَقَتْ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم إلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي الْيَمِينِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي الْيَسَارِ وَبَالَغَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْبَاجِيُّ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ فَقَالَ: الثَّانِي هُوَ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَكَرِهَ التَّخَتُّمَ فِي الْيَمِينِ قَالَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ الْخَاتَمَ فِي يَمِينِهِ لِلْحَاجَةِ يَتَذَكَّرَهَا أَوْ يَرْبِطَ خَيْطًا فِي أُصْبُعِهِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْخَاتَمِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ يَلْبَسُهُ فِي الشِّمَالِ وَيَسْتَنْجِي بِهِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أَرَادَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ» وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. اهـ.

وَفِيهِ مَا فِيهِ وَخَبَرُ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ عَشْرِ خِصَالٍ وَمِنْهَا وَعَنْ التَّخَتُّمِ إلَّا لِذِي سُلْطَانٍ» قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَفِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ أَفْتَى بِجَوَازِ لُبْسِ الْخَاتَمِ أَيْ مُطْلَقًا وَقَالَ لِمَنْ أَفْتَاهُ أَخْبِرْ النَّاسَ أَنِّي أُفْتِيك بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَرَادَ مَالِكٌ بِذَلِكَ الْإِنْكَارَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فِي إنْكَارِهِمْ لَهُ إلَّا لِذِي سُلْطَانٍ وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ أَلْبَسُهُ عَلَى الْجَنَابَةِ وَأَدْخُلُ بِهِ الْخَلَاءَ وَأَكْتُبُ فِيهِ ذِكْرَ اللَّهِ.

وَأَجَازَ الْحَسَنُ نَقْشَ الْآيَةِ فِيهِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَاتَمِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ خَاتَمًا وَزْنُهُ دِرْهَمَانِ وَفَصُّهُ مِنْهُ وَنُقِشَ عَلَيْهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَنَهَى أَنْ يَنْقُشَ أَحَدٌ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي يَدِهِ حَتَّى مَاتَ» وَنَقَشَ مَالِكٌ فِي خَاتَمِهِ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَلَبِسَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَكَرَّمَ وَجْهَهُ خَاتَمَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَهُ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ رضي الله عنه ثُمَّ سَقَطَ مِنْ غُلَامِهِ مُعَيْقِيبٍ أَوْ مِنْهُ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَتِهِ فِي بِئْرِ أَرِيسَ عِنْدَ قُبَاءَ فَالْتُمِسَ فَلَمْ يُوجَدْ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ فَتْحِ بَابِ الْفِتْنَةِ الَّتِي مَا زَالَتْ تَطْمُو إلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ رضي الله عنه ثُمَّ تَزَايَدَتْ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ، وَلَمَّا سَقَطَ مِنْ عُثْمَانَ اتَّخَذَ بَدَلَهُ مَنْ وَرِقٍ وَنَقَشَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَيْضًا قِيلَ: وَذَكَرَتْ الْهَوَاتِفُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ أَمَنَةً لِلصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَمِنْ حِينِ سُقُوطِهِ دَخَلَ بَيْنَهُمْ مَا دَخَلَ مِنْ الْخِلَافِ وَالْفِتَنِ وَتَغْيِيرِ الْقُلُوبِ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ثُمَّ نَبَذَهُ» فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ لِبَيَانِ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِلنِّسَاءِ وَرُوِيَ فِي كَرَاهَتِهِ لَهُنَّ مَا لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ.

ص: 264

وَتَمْوِيهُهُ بِالذَّهَبِ حَرَامٌ عِنْدَنَا مُطْلَقًا ثُمَّ إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَرُمَتْ اسْتِدَامَتُهُ وَحَرُمَ لُبْسُهُ وَإِلَّا فَلَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَكَرِهَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي خَاتَمِهِ مِنْ الْفِضَّةِ قَدْرَ الْحَبَّةِ مِنْ الذَّهَبِ لِئَلَّا يَصْدَأَ أَوْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ الْحَدِيدَ يُكْرَهُ التَّخَتُّمُ بِهِ وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِلرِّجَالِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيّ وَقَدْ جَاءَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ أَيْ: نُحَاسٍ فَقَالَ لَهُ: إنِّي لَأَجِدُ مِنْهُ رِيحَ الْأَصْنَامِ وَقَالَ لِآخَرَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ» لَكِنْ اسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ الصَّدَاقِ «اتَّخِذْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ.» وَجَاءَ «عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَكَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي هَذِهِ وَهَذِهِ يَعْنِي الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ»

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّخَتُّمَ فِي الْإِصْبَعَيْنِ وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّة فَقَالَ: إنَّمَا الْمَعْنَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يَتَشَبَّهُ الرَّجُلُ بِالنِّسَاءِ فِي التَّخَتُّمِ فِي الْأَصَابِعِ كُلِّهَا قِيلَ: وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّهُ يُجْعَلُ فِي الْخِنْصِرِ وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ وَزْنَهُ دِرْهَمَانِ مِنْ فِضَّةٍ وَأَنَّ فَصَّهُ مِنْهُ وَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ. اهـ. وَالْأَخِيرَانِ مُسْلِمَانِ وَالْأَوَّلُ فِيهِ نَظَرٌ فَفِي الْحَدِيثِ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ مِثْقَالًا.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه بِمَا لَفْظُهُ: مَا حُكْمُ لُبْسِ زِيِّ الصُّلَحَاءِ وَالْعُلَمَاءِ لَهُمْ. أَوْ لِغَيْرِهِمْ وَمَا الْعَمَلُ الَّذِي يَسُدُّ خَوْفَ الرِّيَاءِ وَكَيْفَ حَالُ سَنَدِهِمْ فِي لُبْسِ الْخِرْقَةِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَنْ تَزَيَّا زِيَّ صَالِحٍ أَوْ عَالِمٍ فَإِنْ قَوِيَ يَقِينُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَخْشَ عَلَى نَفْسِهِ رِيَاءً وَنَحْوَهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ، وَإِنْ خَشِيَ تَرَكَهُ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا أَوْ عَالِمًا ذَكَرَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: وَالْعَمَلُ إمَّا أَنْ يُشْرَعَ فِيهِ السِّرُّ وَالْخَفَاءُ كَقِيَامِ اللَّيْلِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فَهَذَا لَا يُظْهِرُهُ وَإِلَّا خَالَفَ السُّنَّةَ وَتَعَرَّضَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَإِمَّا أَنْ يُشْرَعَ فِيهِ الْجَهْرُ كَالْأَذَانِ وَتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ وَالْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْوِلَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْإِمَامَةِ. فَهَذَا لَا يُتْرَكُ خَوْفَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ بَلْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي دَفْعِهِمَا وَعَلَى هَذَا دَرَجَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَإِمَّا أَنْ يُخَيِّرَ الشَّرْعُ فِيهِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالسِّرِّ كَالصَّدَقَةِ قَالَ تَعَالَى {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271] الْآيَةَ فَهَذَا إخْفَاؤُهُ خَيْرٌ مِنْ إظْهَارِهِ لِلْأَمْنِ مِنْ الرِّيَاءِ نَعَمْ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فَإِظْهَارُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَفْضَلُ إذَا قَوِيَ عَلَى حِفْظِ نَفْسِهِ مِنْ شَوَائِبِ الْفِتْنَةِ وَالرِّيَاءِ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ فِي التَّوْسِعَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَمَثُوبَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا. اهـ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا الْإِفْرَاطَ فِي بَذَاذَةِ اللِّبَاسِ وَعُلُوِّهِ.

وَقَالَ النَّخَعِيُّ: الْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَا يُشْهِرُك عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُحَقِّرُك عِنْدَ السُّفَهَاءِ. وَأَغْرَاضُ السَّلَفِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي إيثَارِ الرَّفِيعِ وَالْخَسِيسِ فَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهم يَلْبَسُ الْخَزَّ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم يَلْبَسُ الصُّوفَ وَلَا يُنْكِرُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَكَانَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ لَا يَلْبَسُونَ الْخَزَّ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ الزُّهْدِ وَدَاعٍ إلَى الزَّهْوِ فَفِي الْمُوَطَّإِ كَانَ عُمَرُ رضي الله عنه وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَلْبَسُ ثَوْبًا قَدْ رَقَّعَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرِقَاعٍ ثَلَاثٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ قَالَ الْبَاجِيُّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَقَّعَهُ مَرَّةً وَتَخَرَّقَ ثُمَّ رَقَّعَهُ بَعْدُ مَرَّةً أُخْرَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِهِ وَيَلْبَسَ غَيْرَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ يَكُونَ لَيْسَ مِثْلُ ذَلِكَ فَاشِيًا بَيْنَ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ فَلَا يُشْتَهَرُ بِهِ مَنْ لَبِسَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخَذَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ اُشْتُهِرَ بِالتَّقَدُّمِ فِي الدِّينِ وَشُهِدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَالَهُ لَمْ يَتَّسِعْ لِأَكْثَرَ وَكَانَ يُحِبُّ التَّقْلِيلَ مِنْ الْأَخْذِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ فِي هَذِهِ بَعْدَ الْوِلَايَةِ أَقْوَى مِنْهُ قَبْلَهَا وَكَذَا كَانَ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَبِسَ أَبُو بَكْرٍ الْكِسَاءَ حَتَّى عُرِفَ بِهِ وَقَالَتْ غَطَفَانُ فِي الرِّدَّةِ مَا كُنَّا نُتَابِعُ صَاحِبَ الْكِسَاءِ وَكَانَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْخُشُونَةِ فِي لِبَاسِهِ وَمَطْعَمِهِ كَانَ قَمِيصُهُ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ وَكُمَّاهُ إلَى طَرَفِ يَدِهِ.

وَقَالَ هُوَ أَجْمَعُ لِلْقَلْبِ وَأَبْعَدُ مِنْ الْكِبْرِ وَأَحْرَى أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْمُؤْمِنُ وَكَانَ سَلْمَانُ وَأَبُو ذَرٍّ رضي الله عنهما فِي غَايَةٍ مِنْ الزُّهْدِ وَالرِّضَا بِالْيَسِيرِ وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ أَبَاهُ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَعَلَيْهِ إزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً بَعْضُهَا مِنْ أَدَمٍ وَكَتَبَ إلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ لِيَكُنْ طَعَامُكُمْ وَلِبَاسُكُمْ خَشِنًا خَلَقًا قِيلَ: وَمِنْ

ص: 265

هَذِهِ الْآثَارِ أَخَذَ الْمُتَصَوِّفَةُ لِبَاسَ الْخِرْقَةِ وَالتَّزَيِّي وَقَدْ رَوَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالشَّيْخِ يُوسُفَ الْعَجَمِيِّ الْمَدْفُونِ بِقَرَافَةِ مِصْرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَذَكَرَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ سَنَدَهُ فِي الْخِرْقَةِ وَالْمُرَقَّعَةِ إلَى أُوَيْسٍ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنهما وَإِلَى الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنهما وَإِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما فَلِمَنْ ثَبَتَتْ عَقِيدَتُهُ فِيهِمْ وَقَوِيَ يَقِينُهُ وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ بَاطِنِهِ أَنْ يَلْبَسَ زِيَّهُمْ وَهُوَ الْخِرْقَةُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ وَمَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمِ فَهُوَ مِنْهُمْ» وَذَكَرَ غَيْرُ سَيِّدِي يُوسُفَ الْعَجَمِيِّ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ فِي طَرِيقِ السَّائِرِينَ إلَى اللَّهِ أَنَّهُ إذَا صَحَّ لِلْمُرِيدِ مَقَامُ التَّوْبَةِ وَالْوَرَعِ وَشَرَعَ فِي مَقَامِ الزُّهْدِ فَقَدْ آنَ لَهُ لُبْسُ الْخِرْقَةِ إنْ رَغِبَ فِيهَا فَلْيُرَاعِ مَا يَلْزَمُهُ فِي لُبْسِهَا لَكِنْ قَدْ ارْتَفَعَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَانْحَلَّ النِّظَامُ وَوَقَعَ الرِّضَا مِنْ جِهَةِ الِاتِّبَاعِ بِالْأَوْفَقِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَتْبُوعِينَ بِالِابْتِدَاعِ وَمِنْ ذَلِكَ يَنْتَشِرُ الْفَسَادُ وَيَظْهَرُ الْعِنَادُ فَلَابِسُ الْمُرَقَّعَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدَّبَ نَفْسَهُ بِالْآدَابِ وَرَاضَهَا بِالْمُجَاهَدَاتِ وَالْمُكَابَدَاتِ وَتَحَمَّلَ الْمَشَاقَّ وَتَجَرَّعَ الْمَرَارَاتِ وَجَاوَزَ الْمَقَامَاتِ وَاقْتَدَى بِالْمَشَايِخِ أَهْلِ الِاتِّبَاعِ وَالِاقْتِدَاءِ وَصَحِبَ رِجَالَ الصِّدْقِ وَعَرَفَ أَحْكَامَ الدِّينِ وَحُدُودَ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَحَرَامٌ عَلَيْهِ التَّعَرُّضُ لِلْمَشْيَخَةِ وَالْإِرَادَةِ. اهـ.

قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ صَدَقَ الشَّيْخُ فِيمَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْخِرْقَةَ وَالْمُرَقَّعَةَ وَزِيَّ الصَّالِحِينَ الْيَوْمَ إلَّا كُلُّ مُدَّعٍ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ حِلْيَةِ الْقَوْمِ إلَّا الْقِشْرَةَ خَاصَّةً خَلِيٌّ مِنْ الْمَعْنَى لَا تَرَى إلَّا دَعَاوَى بَاطِلَةً وَأُصُولًا وَاهِيَةً وَاتِّبَاعَ الْآثَارِ بِالظَّوَاهِرِ خَاصَّةً لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْقَوْمِ وَرُبَّمَا لَبِسَهَا بَعْضُ الْعَوَامّ يُلْبِسُونَ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهَا وَلَيْسُوا كَذَلِكَ وَرُبَّمَا لَبِسَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ لُصُوصٍ وَنَحْوِهِمْ وَهَذَا لَهُ مَنْدُوحَةٌ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ مَنْ يَتَوَصَّلُ لِتَحْصِيلِ الدُّنْيَا بِطَرِيقَةِ الصَّلَاحِ أَشَرُّ مِنْ الظَّلَمَةِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصُّوفِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ وَحَالُهُمْ تَرْكُ الْكَدَرِ وَامْتِلَاءُ الْفِكَرِ وَاسْتِوَاءُ الْحَجَرِ وَالْمَدَرِ قِيلَ: هُوَ كَمَالُ الْمَعَانِي وَتَرْكُ الدَّعَاوَى وَهَؤُلَاءِ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ. وَصُوفِيَّةُ الْأَرْزَاقِ وَهُمْ الَّذِينَ وُقِفَتْ عَلَيْهِمْ الْخَوَانِكُ وَالرُّبَطُ وَشَرْطُهُمْ الْعَدَالَةُ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِ أَهْلِ الطَّرِيقِ وَهِيَ الْآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ وَأَنْ لَا يَتَمَسَّكُوا بِفُضُولِ الدُّنْيَا مِنْ التِّجَارَاتِ وَنَحْوِهَا. وَصُوفِيَّةُ الرُّسُومِ وَهُمْ الْمُقْتَصِرُونَ عَلَى لُبْسِ زِيِّ الْقَوْمِ فَلَيْسَ لَهُمْ هِمَّةٌ إلَّا فِي تَحْصِيلِهِ وَآدَابٌ وَضْعِيَّةٌ يَتَعَارَفُونَهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَمَنْزِلَةُ هَؤُلَاءِ مِنْ الصُّوفِيَّةِ مَنْزِلَةُ مَنْ يَلْبَسُ ثِيَابَ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْمُجَاهِدِينَ مُتَشَبِّهًا بِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ شَيْئًا مِنْ الْعِلْمِ أَوْ الْجِهَادِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ أَشَارَ إلَيْهِمْ - سَيِّدِي أَبُو مَدْيَنَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - بِقَوْلِهِ: وَاعْلَمْ بِأَنَّ طَرِيقَ الْقَوْمِ دَارِسَةٌ وَحَالُ مَنْ يَدَّعِيهَا الْيَوْمَ كَيْفَ تَرَى.

وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ سَنَدِهِ فِي الْخِرْقَةِ فَقَالَ: أَمَّا لُبْسُ الْقَلَنْسُوَةِ أَوْ الْعِمَامَةِ أَوْ الثَّوْبِ فَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ اسْتَحْسَنَهُ بِمَنْزِلَةِ خِلَعِ الْمُلُوكِ وَلَمْ يَرَهُ آخَرُونَ إذْ لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كُسِيَ ثَوْبًا قَالَ: وَقَدْ كُنْت لَبِسْت خِرْقَةَ التَّصَوُّفِ مِنْ طُرُقِ جَمَاعَةٍ أَبْيَنُهَا طَرِيقُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْقَادِرِ. وَهِيَ أَجَلُّ الطُّرُقِ الْمَشْهُورَةِ وَلَبِسَهَا مِنْ طَرِيقِ الشَّيْخِ الْعَارِفِ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ السُّهْرَوَرْدِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الرِّفَاعِيِّ وَالشَّيْخِ أَبِي الْبَيَانِ الدِّمَشْقِيِّ وَأَخَذْت سُلُوكَ الطَّرِيقِ عَنْ الشَّيْخِ عَدِيِّ بْنِ مُسَافِرٍ وَأَبِي مَدْيَنَ الْمَغْرِبِيِّ وَأَخَذْنَا عَنْ الشُّيُوخِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالْفُضَيْلِ وَالدَّارَانِيِّ وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ وَأَمَّا نَفْسُ لُبْسِ الْخِرْقَةِ فَاسْتَحْسَنَهُ جَمْعٌ مِنْ الشُّيُوخِ وَأَسْنَدُوهُ مِنْ طَرِيقٍ مَشْهُورَةٍ وَقَدْ يَحْصُلُ بِهَا مَنْفَعَةٌ وَاتِّصَالٌ وَانْضِمَامٌ إلَى أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ. اهـ. وَيَقَعُ لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أَنْ يَقْنَعَ مِنْ أَتْبَاعِهِ بِأَدْنَى عَمَلٍ لَعَلَّهُ يَنْجَرُّ إذَا تَشَبَّهَ بِالْقَوْمِ إلَى طَرِيقَتِهِمْ وَهَذَا قَصْدٌ حَسَنٌ رَأَيْنَا بَعْضَ مَشَايِخِنَا يَفْعَلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لُبْسُ الْخِرْقَةِ حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهُ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ احْتِيَاجُهُ إلَى أَصْلٍ مِنْ الْأَثَرِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ لِيُخْرِجَهُ مِنْ الْبِدْعَةِ أَوْ مِنْ مَقَاطِعِ الِاجْتِهَادِ، وَالرَّأْيُ الثَّانِي سَلَامَتُهُ مِنْ

ص: 266

اخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ وَالْمَيْلِ عَنْ السُّنَّةِ.

الثَّالِثُ اتِّصَالُ سَنَدِهَا وَهُوَ مُتَّصِلٌ إلَى أُوَيْسٍ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنهما وَإِلَى الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنهما وَهَذَا أَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَشْهَرُ طُرُقِهِ طَرِيقُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَهُوَ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي السَّعَادَاتِ الْحَرَمِيِّ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ الطَّرَسُوسِيِّ عَنْ أَبِي الْفَضْلِ التَّمِيمِيِّ وَهُوَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشِّبْلِيِّ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ عَنْ خَالِهِ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ عَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ عَنْ حَبِيبٍ الْعَجَمِيِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ إلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ السَّنَدَ إلَى مَعْرُوفٍ مُتَّصِلٌ وَمِنْ بَعْدِهِ مُنْقَطِعٌ إذْ لَا يُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ لِدَاوُدَ الطَّائِيِّ وَلَا لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا وَإِنَّمَا تُعْرَفُ صُحْبَتُهُ لِبَكْرِ بْنِ حُبَيْشٍ وَعَنْهُ يَرْوِي أَحَادِيثَ الزُّهْدِ وَمَا يَرْوِيهِ غَيْرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْخَطَأُ فِيهِ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانُوا ذَوِي فِعْلٍ وَصَلَاحٍ وَمِنْ ثَمَّ نَفَرَ مَالِكٌ عَنْ الْأَخْذِ عَنْهُمْ وَصُحْبَةُ دَاوُد لِحَبِيبِ الْعَجَمِيِّ فِيهَا نَظَرٌ وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الْحَسَنِ بِعَلِيٍّ فَبَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ وَمَا يُرْوَى أَنَّهُ سَأَلَهُ مَا صَلَاحُ الدِّينِ قَالَ الْوَرَعُ وَمَا فَسَادُهُ قَالَ الطَّمَعُ. كَذِبٌ مَوْضُوعٌ وَإِسْنَادُ أُوَيْسٍ أَكْثَرُ انْقِطَاعًا وَإِسْنَادُ جَابِرٍ أَشَدُّ انْقِطَاعًا مِنْ الْكُلِّ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ رَوَوْهَا أَعْلَامٌ كُلُّهُمْ لَقِيَ أَشْيَاخًا غَيْرَ هَؤُلَاءِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّوَاصِي عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَالِكَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الِانْقِطَاعِ بِأَنَّهُمْ حَفِظُوا وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ.

وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ الصَّحِيحِ قَبُولُهَا وَبِأَنَّ نَفْيَ صُحْبَةِ مَعْرُوفٍ لِدَاوُدَ شَهَادَةُ نَفْيٍ فَالْمُثْبَتُ أَوْلَى وَبِأَنَّ نَفْيَ لَقِيِّ الْحَسَنِ لِعَلِيٍّ رضي الله عنهما غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ لِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِهِ بِهِ فَإِنَّهُ كَانَ بِالْكُوفَةِ وَالْحَسَنُ بِالْبَصْرَةِ وَبَعِيدٌ أَنْ يَسْمَعَ بِعَلِيٍّ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَا يَجْتَمِعُ بِهِ. وَلَا يَجْتَمِعُ بِهِ وَمِثْلُ هَذَا الْإِمْكَانِ كَافٍ فِي الِاتِّصَالِ عِنْدَ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ وَبِأَنَّ الْمُنْقَطِعَ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ وَهَذَا مِثْلُهَا لِأَنَّ الْمَدَارَ فِيهِ عَلَى الزُّهْدِ وَالْفَضِيلَةِ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ اسْتِعْمَالِ الرَّجُلِ الْمُكْحُلَةَ الْمُغَشَّاةَ بِالْحَرِيرِ أَوْ الْمُطَرَّزَةَ بِالْقَصَبِ هَلْ يَحْرُمُ مُطْلَقًا أَوْ فِيهِ تَفْصِيلٌ؟

(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: الظَّاهِرُ فِي هَذَا تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَمْسَكَهَا وَاكْتَحَلَ مِنْهَا أَثِمَ لِأَنَّ هَذَا اسْتِعْمَالٌ لَهَا وَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا بِالْمِرْوَدِ. مَنْ يَحِلُّ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا كَامْرَأَةٍ وَأَعْطَتْهُ لَهُ لَمْ يَحْرُمْ وَإِنْ أَمَرَ بِعَمَلِهَا لَهُ بِخُصُوصِهِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَوْلَى بِالْحِلِّ مِنْ نَحْوِ كِيسِ الْمُصْحَفِ الَّذِي صَرَّحَ بِحِلِّهِ الْفُورَانِيُّ وَمِنْ كِيسِ الدَّرَاهِمِ أَوْ غِطَاءِ الْعِمَامَةِ وَالْكُوزِ الَّذِي بَحَثَ حِلَّهُ الْإِسْنَوِيُّ وَاعْتَرَضَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِمَا رَدَدْته عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ هَذَا وَتَجْوِيزُ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ خَيْطُ الْمِسْبَحَةِ تَجْوِيزُ غِشَاءِ الْمُكْحُلَةِ وَاسْتِعْمَالِهَا مُطْلَقًا فَمَا الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّفْصِيلِ السَّابِقِ فِيهَا دُونَ هَذِهِ النَّظَائِر؟

قُلْت الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَأَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ أَنَّ شَرْطَ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ. الْمُحَرَّمِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِبَدَنِهِ فَخَرَجَ كِيسُ الْمُصْحَفِ وَالدَّرَاهِمِ وَغِطَاءُ الْعِمَامَةِ وَالْكُوزُ وَدَخَلَتْ الْمُكْحُلَةُ إذَا تَكَحَّلَ مِنْهَا بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْحَرِيرَ الَّذِي عَلَيْهَا حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَحَّلَهُ غَيْرُهُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَيْطِ السُّبْحَةِ وَلُقْيَةِ الدَّوَاةِ بِأَنَّهُمَا مَسْتُورَانِ فَلَا خُيَلَاءَ فِيهِمَا غَالِبَةٌ بِخِلَافِ الْمُكْحُلَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ فَرْقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ غَيْرَ الْحَرِيرِ يَسْرُعُ تَقَطُّعُهُ مِنْ الْمِسْبَحَةِ وَالدَّوَاةِ بِخِلَافِ الْحَرِيرِ فَاحْتِيجَ إلَيْهِ كَالسِّجَافِ فَلَا زِينَةَ وَلَا خُيَلَاءَ بِخِلَافِ غِشَاءِ الْمُكْحُلَةِ فَإِنَّهُ لِمَحْضِ الزِّينَةِ وَالْخُيَلَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِيهِ. إلَى خُصُوصِ الْحَرِيرِ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ فَرْقٌ ظَاهِرٌ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.

(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ رُوِيَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَبِسَ عِمَامَةً صَفْرَاءَ» ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ «جَعْفَرٍ رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ بِزَعْفَرَانٍ رِدَاءً وَعِمَامَةً» وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ «كَانَ صلى الله عليه وسلم يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ قَمِيصَهُ وَرِدَاءَهُ وَعِمَامَتَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا بِالزَّعْفَرَانِ حَتَّى الْعِمَامَةَ» وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَصْفَرُ وَرِدَاءٌ أَصْفَرُ وَعِمَامَةٌ صَفْرَاءُ» وَالطَّبَرَانِيُّ «كَانَ أَحَبُّ الصِّبْغِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

ص: 267

الصُّفْرَةَ» .

(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ الْعِمَامَةُ الْكَبِيرَةُ وَاَلَّتِي بِلَا عَذْبَةٍ وَتَحْنِيكٍ مَكْرُوهَةٌ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ كَبَّرَهَا لِعُذْرِ بَرْدٍ وَنَحْوِهِ أَوْ لِكَوْنِ كِبَرِهَا مِنْ شِعَارِ عُلَمَاءِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَهُوَ مِنْهُمْ وَلَا يُعْرَفُ وَيُقْتَدَى بِقَوْلِهِ: وَيُمْتَثَلُ أَمْرُهُ إلَّا إنْ كَانَ عَلَيْهِ شِعَارُهُمْ فَلَا كَرَاهَةَ فِي كِبَرِهَا بَلْ هُوَ حِينَئِذٍ بِقَصْدِ الْعُذْرِ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ لِأَنَّ التَّوَقِّي عَنْ الْآفَاتِ وَالْمَهَالِكِ مَنْدُوبٌ بَلْ وَاجِبٌ إنْ انْحَصَرَ ذَلِكَ التَّوَقِّي فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَلِأَنَّ اتِّخَاذَ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ وَتَوَقَّفَتْ مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِنَشْرِ الْعِلْمِ وَهِدَايَةِ الضَّالِّينَ وَإِرْشَادِ الْمُسْتَرْشِدِينَ فَإِذَا تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى شِعَارِهِمْ تَعَيَّنَ لُبْسُهُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ الْحَسَنِ وَكَذَا يُقَالُ فِي لُبْسِ الطَّيْلَسَانِ وَالثِّيَابِ الْوَاسِعَةِ الْأَكْمَامِ إذَا عُرِفَتْ مِنْ شِعَارِهِمْ وَتَوَقَّفَتْ الْهِدَايَةُ وَالِامْتِثَالُ لِلْأَوَامِرِ عَلَيْهَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ سُلْطَانُ الْعُلَمَاءِ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ رحمه الله كُنْت فِي الْمَطَافِ وَلَيْسَ عَلَيَّ شِعَارُ الْعُلَمَاءِ فَأَمَرْت فَلَمْ يُمْتَثَلْ لِي فَذَهَبْت وَلَبِسْت شِعَارَهُمْ فَأَمَرْت فَامْتُثِلَ لِي وَوَقَعَ ذَلِكَ لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا فِي الْحَجِّ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ لُبْسُ ثِيَابِ السَّفَرِ فَأَمَرَ فَقِيلَ لَهُ مَا بَقِيَ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ إلَّا الْحَمَّالُونَ قَالَ فَلَمَّا تَحَلَّلْت وَلَبِسْت ثِيَابَ الْعُلَمَاءِ أَمَرْت فَامْتُثِلَ لِي فَوْرًا فَمَنْ لَبِسَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِهَذَا الْقَصْدِ الصَّالِحِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ.

وَالْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلَا نَظَرَ لِمَا قِيلَ: مَنْ صَدَقَ فِي أَمْرِهِ اُمْتُثِلَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَنْ كَانَ لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ وَقَعَ فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ صَلَاحِ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ وَأَمَّا عِنْدَ فَسَادِهِمَا وَاغْتِرَارِ النَّاسِ بِالصُّوَرِ وَمَا وَقَرَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِهَا وَتَعْظِيمِ أَهْلِهَا دُونَ غَيْرِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي صَارَ الِامْتِثَالُ وَالِاهْتِدَاءُ بِالْعَالِمِ مُتَوَقِّفًا عَلَيْهَا. وَهَذَا مِمَّا لَا مَسَاغَ لِإِنْكَارِهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ جَمِيعُ مَا أَطْلَقَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ فِي إنْكَارِهِ لِذَلِكَ وَفِيهِ عَنْ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ أَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِهِ وَكَذَا الْعِمَامَةُ وَالْعَذَبَةُ وَأَنَّ الرِّدَاءَ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا وَنَحْوَهَا وَالْعِمَامَةُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَنَحْوُهَا يُخْرِجُونَ مِنْهَا التَّلْحِيَةَ وَالْعَذَبَةَ وَالْبَاقِي عِمَامَةٌ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرِ «أَنَّ رِدَاءَهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا» .

وَعَنْ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّهُ قَالَ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ بِالتَّلَحِّي وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ» قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَعَطَ الرَّجُلُ عِمَامَتَهُ يَقْعَطُهَا اقْتِعَاطًا أَدَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ. وَلَمْ يَتَلَحَّ بِهَا وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ وَالْمُقْعَطَةُ الْعِمَامَةُ وَأَخَذَ مَالِكٌ رضي الله عنه مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ فِعْلِ السَّلَفِ لَهُ كَرَاهَةَ تَرْكِ التَّحْنِيكِ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ تَحْتَ ذَقَنِهِ شَيْءٌ مِنْهَا وَبَالَغَ الطُّرْطُوشِيُّ فَعَدَّ تَرْكَهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي شَاعَتْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ رَأَى مَنْ اعْتَمَّ وَلَمْ يَتَحَنَّك فَقَالَ تِلْكَ عِمَامَةُ الشَّيْطَانِ وَعَمَائِمُ قَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ الْمُؤْتَفِكَاتِ وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهَا مِنْ عَمَلِ الْقِبْطِ وَأَنْكَرَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ قَصِيرَةً لَا تَبْلُغُ وَهَذَا كُلُّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَنْ خَالَفَ مَالِكًا فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا صَحَّ مَا ذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَا أَنَّ هَذَا شِعَارُ الْقِبْطِ وَالْكَرَاهَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُسْتَنَدٍ وَلَا يُقْنَعُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ مَا ذُكِرَ كَمَا يُعْرَفُ مِنْ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ وَبِتَسْلِيمِ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَحْتَنِكُونَ وَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ لِمُدَّعِي ذَلِكَ أَنْ يُثْبِتَهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ فَمُخَالَفَتُهُ لَا تَكُونُ مَكْرُوهَةً هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّحْنِيكِ.

وَأَمَّا الْعَذَبَةُ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فِعْلُهَا وَصَحَّ عَنْهُ تَرْكُهَا فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهَا حَرَجٌ وَإِذَا فَعَلَهَا فَإِنْ شَاءَ أَسْدَلَهَا أَمَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ التَّحْنِيكِ وَالْعَذَبَةِ. بِأَنَّ اللُّبْسَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كَيْفِيَّاتِهِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَرِدَ مَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي تَرْكِ التَّلْحِيَةِ وَالْعَذَبَةِ شَيْءٌ يُحْتَجُّ بِهِ لِلْكَرَاهَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَانْدَفَعَ تَعَجُّبُ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ اللُّبْسُ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ مُطْلَقًا إذْ الْغَرَضُ مِنْهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالسُّنَّةُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِذَلِكَ.

ص: 268

لِأَجْلِ الِامْتِثَالِ ثُمَّ الْعِمَامَةُ عَلَى صِفَتِهَا فِي السُّنَّةِ وَالرِّدَاءُ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ دُونَ أَنْ يُغَطَّى بِهِ رَأْسُهُ.

وَكَذَلِكَ الْمَطْلُوبُ الْخُرُوجُ لِلْجُمَعِ بِثِيَابٍ غَيْرِ ثِيَابِ مِهْنَتِهِ فَأَيْنَ الْمُبَاحُ الْمُطْلَقُ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُبَاحٌ فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَدُخُولُ الْبَيْتِ كُلٌّ مِنْهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ وَمَعَ ذَلِكَ لَهَا سُنَنٌ كَثِيرَةٌ فَلُبْسُ الْعِمَامَةِ وَإِنْ أُبِيحَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سُنَنٍ كَتَنَاوُلِهَا بِالْيَمِينِ وَقَوْلِهِ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] ، وَالذِّكْرِ الْوَارِدِ إنْ كَانَ مَا لُبِسَ جَدِيدًا وَامْتِثَالُ السُّنَّةِ فِي لُبْسِ التَّعْمِيمِ مِنْ فِعْلِ التَّحْنِيكِ وَالْعَذَبَةِ وَتَصْغِيرهَا. اهـ. مُلَخَّصًا. وَكُلُّهُ مُنْدَفِعٌ بِقَوْلِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كَيْفِيَّاتِهِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَرِدَ مَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ. . . إلَخْ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ وَاضِحٌ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي التَّسَرْوُلِ أَنْ يَكُونَ قَاعِدًا.

وَفِي التَّعْمِيمِ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا. اهـ. ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الدَّخَلِ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَمَسُّكَ فِيهِ لِمَا قَدَّمْته فِيمَا مَرَّ أَوَّلَ هَذَا الْجَوَابِ فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ: وَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْوَقْتِ مِنْ اسْتِبَاحَةِ مَا يَلْبَسُونَهُ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ أَنَّ ذَلِكَ بِفَتْوَاهُ فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُمْ فِي ذَلِكَ لِفَتْوَاهُ فَهُوَ غَلَطٌ مَحْضٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ. هَلْ فِي لُبْسِ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُوسَعَةِ الْأَرْدَانِ أَيْ أُصُولِ الْأَكْمَامِ وَالْعَمَائِمِ الْمُكَبَّرَةِ بَأْسٌ أَوْ بِدْعَةٌ تَسْتَعْقِبُ تَوْبِيخًا فِي الْقِيَامَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَحْسِينِ الْخِيَاطَةِ وَالزِّيقِ وَالتَّضْرِيبِ مُضِرٌّ بِأَهْلِ الْوَرَعِ أَمْ لَا؟

فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْأَوْلَى بِالْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الِاقْتِصَادِ فِي اللِّبَاسِ، وَإِفْرَاطُ تَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ بِدْعَةٌ وَسَرَفٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ وَلَا تُجَاوِزُ الثِّيَابُ الْأَعْقَابَ فَمَا زَادَ عَلَى الْأَعْقَابِ فَفِي النَّارِ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ لِيُعْرَفُوا بِذَلِكَ فَيُسْأَلُوا فَإِنِّي كُنْت مُحْرِمًا فَأَنْكَرْت عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحْرِمِينَ لَا يَعْرِفُونَنِي مَا أَخَلُّوا بِهِ مِنْ آدَابِ الْمَطَافِ فَلَمْ يَقْبَلُوا فَلَمَّا لَبِسْتُ ثِيَابَ الْفُقَهَاءِ وَأَنْكَرْتُ عَلَى الطَّائِفِينَ مَا أَخَلُّوا بِهِ مِنْ آدَابِ الطَّوَافِ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا، فَإِذَا لَبِسَ شِعَارَ الْفُقَهَاءِ لِهَذَا الْغَرَضِ كَانَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ لِأَنَّهُ سَبَبٌ إلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.

وَأَمَّا الْمُبَالَغَةُ فِي تَحْسِينِ الْخِيَاطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمِنْ فِعْلِ أَهْلِ الرُّعُونَةِ وَالِالْتِفَاتِ إلَى الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. اهـ جَوَابُهُ وَلَا شَيْءَ فِيهِ يُبِيحُ مَا ذَكَرُوهُ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ كَلَامَهُ بِأَنَّ هَذَا سَرَفٌ وَبِدْعَةٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا التَّأْسِيس قَالَ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ. مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَقَيَّدَ الْعَالِمَ بِكَوْنِهِ ذَا دِينٍ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يُسَامِحُ نَفْسَهُ فِي ارْتِكَابِ مَكْرُوهٍ وَلَا فِي تَرْكِ مَنْدُوبٍ فَكَيْفَ بِالْمُحَرَّمِ وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ وَالسَّرَفَ مُحَرَّمَانِ فَكَيْفَ يُقْتَدَى بِعَالَمٍ وَقَعَ فِي مُحَرَّمَاتٍ ثَلَاثٍ: الْبِدْعَةُ وَالسَّرَفُ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ، فَالْحَاصِلُ مِنْ أَحْوَالِنَا أَنَّا لَبِسْنَا تِلْكَ الثِّيَابَ وَتَعَلَّقْنَا بِقَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَرَأَيْنَا بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ الْيَوْمَ لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ يَلْبَسُ تِلْكَ الثِّيَابَ فَقُلْنَا هَذِهِ هِيَ تِلْكَ الثِّيَابُ جَهْلًا مِنَّا بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْهُمْ وَبِصِفَتِهِمْ وَكَيْفَ يَتَعَلَّقُونَ بِفَتْوَاهُ وَهُوَ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ وَيَتَصَدَّقُ بِعِمَامَتِهِ فِي الطَّرِيقِ؟ وَقَوْلُهُ فِي تَحْسِينِ نَحْوِ الْخِيَاطَةِ مَا مَرَّ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَا خَطَرَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ يُبْطِلُ مَا تُوُهِّمَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ يُبِيحُ أَوْ يَسْتَحِبُّ الْمُحَرَّمَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ فَاتَّضَحَ بُطْلَانُ مَا نَسَبُوهُ لِهَذَا الْإِمَامِ. اهـ. حَاصِلُ كَلَامِهِ وَإِذَا تَأَمَّلْته التَّأَمُّلَ الصَّادِقَ وَجَدْت عَلَيْهِ مُؤَاخَذَاتٍ كَثِيرَةً فَإِنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مَرْدُودٌ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ فَتَحَفَّظَ أَوَّلًا بِذِكْرِ الْبِدْعَةِ وَالسَّرَفِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ثُمَّ تَحَفَّظَ قَوْلَهُ ثَانِيًا الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا تَحَفُّظَ إلَّا لَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ.

وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الثَّانِي مُسْتَثْنًى مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ قَدْ حَكَمَ أَوَّلًا بِأَنَّ فِي ذَلِكَ التَّوْسِيعِ تِلْكَ الْمَحْذُورَاتِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَقَالَ: وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ. . . إلَخْ فَبَيَّنَ أَنَّ لُبْسَ مَا فِيهِ ذَلِكَ التَّوْسِيعُ بِقَصْدِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ لَا بِدْعَةَ فِيهِ وَلَا سَرَفَ وَلَا إضَاعَةَ لِمَالٍ بَلْ فِيهِ الْأَجْرُ وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ شِعَارَ الْعُلَمَاءِ فِي كَلَامِهِ إنْ كَانَ عَلَى السُّنَّةِ فَلَا يُحْتَاجُ لِقَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ. . . إلَخْ وَلَا إلَى بَيَانِ انْتِفَاءِ

ص: 269

ذَلِكَ الْبَأْسِ بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ ثُمَّ قَبُولُهُ عِنْدَ لُبْسِ ذَلِكَ الشِّعَارِ وَلَا إلَى أَنَّ فِيهِ أَجْرًا لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، فَعُلِمَ قَطْعًا مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا الشِّعَارَ لَيْسَ عَلَى قَانُونِ السُّنَّةِ وَأَنَّهُ فِي أَصْلِهِ مَذْمُومٌ إلَّا إذَا لُبِسَ بِذَلِكَ الْقَصْدِ الصَّالِحِ فَحِينَئِذٍ لَا ذَمَّ فِيهِ بَلْ فِيهِ الْأَجْرُ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا بَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ تَحَفَّظَ أَوَّلًا وَثَانِيًا بِمَا ذُكِرَ وَقَوْلُهُ فَقَيَّدَ الْعَالِمَ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ لَا يُنَافِي لُبْسَهُ شِعَارَ أَهْلِ الدُّنْيَا بِقَصْدِ صَالِحٍ أُخْرَوِيٍّ وَهُوَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ.

وَمِنْ ثَمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا وَقَعَ لَهُ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ التَّقَشُّفَ فِي لِبَاسِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ بِبَلَدِهِ مِصْرَ لَمْ يَحْتَجْ لِلُبْسِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ فِيهَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ نَافِذُ الْكَلِمَةِ حَتَّى عَلَى الْمُلُوكِ لِأَنَّهُمْ فِي أَسْرِهِ وَتَحْتَ حُكْمِهِ فَلَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ لَمْ يُعْرَفْ بِهَا كَمَا هُوَ بِبَلَدِهِ فَأَمَرَ وَهُوَ بِتِلْكَ الثِّيَابِ فَلَمْ يُؤْبَهْ لَهُ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ حِينَئِذٍ مِنْ لُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ فَلَبِسَهُ حِينَئِذٍ لِتَنْفِيذِ أَمْرِهِ فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَمْ يُنْقِصْهُ لُبْسُ ذَلِكَ اللِّبَاسِ الْخَارِجِ عَنْ السُّنَّةِ فِي أَصْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ لِشَهْوَةِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا لَبِسَهُ لِقَصْدٍ صَالِحٍ فَأُجِرَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ. فَصَحَّ الِاسْتِدْلَالِ بِكَلَامِهِ هَذَا عَلَى مَا تَقَرَّرَ أَوَّلًا أَنَّ اللِّبَاسَ الْخَارِجَ عَنْ السُّنَّةِ إذَا لُبِسَ بِقَصْدِ صَالِحٍ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ.

وَقَوْلُهُ: وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ أَرَدْت إضَاعَةَ الْمَالِ فِيمَا لَا غَرَضَ لِعَاقِلٍ كَرَمْيِهِ فِي بَحْرٍ فَمُسَلَّمٌ لَك ذِكْرُ الْإِجْمَاعِ الَّذِي ادَّعَيْتُهُ وَلَكِنْ لَا حُجَّةَ لَك فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ كَلَامُك فِيهِ وَإِنْ أَرَدْت أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِك أَنَّهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَهَذَا تَجَاسُرٌ مِنْك عَلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّوْسِيعَ وَالتَّطْوِيلَ الَّذِي لَيْسَ بِقَصْدِ الْكِبْرِ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ بِخِلَافِهِ مَعَ قَصْدِ الْكِبْرِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ لَا لِلتَّوْسِيعِ وَالتَّطْوِيلِ. بَلْ لِقَصْدِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْكِبْرُ وَمَنْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِالسَّرَفِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مُرَادُهُ أَنَّ فِي ذَلِكَ شَبَهًا مَا بِإِضَاعَةِ الْمَالِ لِأَنَّ مَا يُصْرَفُ فِي زِيَادَةِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ.

وَأَمَّا حَقِيقَةُ إضَاعَةِ الْمَالِ فَلَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ أَغْرَاضًا لِلْعُقَلَاءِ مِنْهَا أَنَّ التَّوْسِيعَ لَا يُسْرِعُ التَّقَطُّعُ لَهُ وَأَنَّهُ إذَا خَلِقَ الثَّوْبُ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُرَقِّعُ فِي بَاقِيهِ وَأَنَّهُ رُبَّمَا يَضَعُ فِي كُمِّهِ مَا يَعْرِضُ لَهُ حَمْلُهُ وَلَا يَجِدُ لَهُ إنَاءً وَالْأَغْرَاضُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فَأَيُّ إضَاعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فَكَيْفَ يُقْتَدَى بِعَالِمٍ وَقَعَ فِي مُحَرَّمَاتٍ ثَلَاثٍ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ إطْلَاقُك تَحْرِيمَ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا قَدْ يَحْرُمُ وَقَدْ لَا يَحْرُمُ بِاتِّفَاقٍ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِك أَمَّا لِلْبِدْعَةِ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا السَّرَفُ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ فَالْكَلَامُ فِي سَرَفٍ وَإِضَاعَةِ مَالٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ الْمُوهِمَةِ وَقَوْلُهُ: وَكَيْفَ يَتَعَلَّقُونَ بِفَتْوَاهُ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ قَدْ بَيَّنَّا السَّبَبَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ كَانَ فِي بَلَدِهِ مَشْهُورًا لَا يَحْتَاجُ إلَى لُبْسُ شَيْءٍ فَلَمْ يَلْبَسْهُ ثُمَّ لَمَّا رَحَلَ لِمَا لَا يُعْرَفُ فِيهِ لُبْسُ شِعَارِ أَهْلِ الدُّنْيَا بِقَصْدِ صَالِحٍ جَمِيلٍ عَمَلًا بِقَضِيَّةِ الْكَمَالِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَكْمَلُ فِي إبْلَاغِ الْحَقِّ وَتَنْفِيذِهِ وَقَوْلُهُ: يُبْطِلُ مَا تُوُهِّمَ عَنْهُ. . . إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ شَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ.

إذْ تَحْسِينُ نَحْوِ الْخِيَاطَةِ لَمْ يُعْهَدْ شِعَارًا لِلْعُلَمَاءِ فَقَالَ فِيهِ الْعِزُّ مَا قَالَ إذْ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَالِحٌ غَالِبًا بِخِلَافِ لُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ لِلْقَصْدِ الصَّالِحِ وَقَوْلُهُ فَاتَّضَحَ بُطْلَانُ مَا نَسَبُوهُ لِهَذَا الْإِمَامِ يُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَتَّضِحْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اتَّضَحَ بُطْلَانُ مَا رَدَدْت عَلَيْهِمْ بِهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ قِيَامُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُعْرَفُ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ فَلَمَّا حَدَثَ تَطَابَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَصَارَ تَرْكُهُ لِإِنْسَانٍ قَطِيعَةً يَتَوَلَّدُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا لَا يَخْفَى اسْتَحَبَّهُ أَئِمَّتُنَا بَلْ أَوْجَبُوهُ لِذَلِكَ وَالْكَلَامُ فِي قِيَامِ لُبْسِ الْعَالِمِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يُسَنُّ الْقِيَامُ لَهُمْ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ خَيْطِ الْقَصَبِ الْمُسَمَّى بِالْكَرْكَرِ هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْكَوَافِي وَالْقَمِيصِ أَوْ لَا مَعَ أَنَّ أَهْلَ مِلِيبَارَ مُطْبِقُونَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي ذَلِكَ وَالْحَالُ أَنَّهُ تُخْرَجُ مِنْهُ الْفِضَّةُ إذَا سُبِكَ وَلَوْنُهُ يُشْبِهُ لَوْنَ الذَّهَبِ فَمَا حُكْمُهُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُهُ فِي خِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَلَا غَيْرِهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.

ص: 270