الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ فِي السَّلَفِ إلَّا إذَا كَانَ مُدْرِكًا لِمَسْجِدٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ إمَامَانِ رَاتِبَانِ، وَكَانَتْ الْجَمَاعَةُ تَتَوَفَّرُ مَعَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ صَلَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً وَلَوْ رَكْعَةً خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَلَوْ كَانَ جَمَاعَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ صَلَّى فَرْضَهُ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَ]
235 -
151 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ صَلَّى فَرْضَهُ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّوا، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْفَائِتِ؟ .
الْجَوَابُ: إذَا صَلَّى الرَّجُلُ الْفَرِيضَةَ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدًا تُقَامُ فِيهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّهَا مَعَهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ لِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَ النَّاسِ: فَقَالَ: «مَا لَكُمَا لَمْ تُصَلِّيَا؟ أَلَسْتُمَا مُسْلِمَيْنِ؟ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» .
وَمَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إلَى قَضَائِهَا عَلَى الْفَوْرِ، سَوَاءٌ فَاتَتْهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَكَذَلِكَ الرَّاجِحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا إذَا فَاتَتْ عَمْدًا كَانَ قَضَاؤُهَا وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ.
وَإِذَا صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ نَوَى بِالثَّانِيَةِ مُعَادَةً، وَكَانَتْ الْأُولَى فَرْضًا وَالثَّانِيَةُ نَفْلًا عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ.
وَقِيلَ: الْفَرْضُ أَكْمَلُهُمَا، وَقِيلَ: ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ إعَادَة الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ]
236 -
152 - مَسْأَلَةٌ:
فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: «شَهِدْت حَجَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخِيفِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْحَرَفَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِمَا، فَإِذَا بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا،
فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا كُنَّا صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: فَلَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» .
وَالثَّانِي: عَنْ «سُلَيْمَانَ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ جَالِسًا عَلَى الْبَلَاطِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، فَقُلْت: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَالَك لَا تُصَلِّي؟ فَقَالَ: إنِّي قَدْ صَلَّيْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَا تُعَادُ صَلَاةٌ مَرَّتَيْنِ» فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا، وَهَذَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ فِي الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ إعَادَةَ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي الْإِعَادَةَ، إذْ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لِلصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، كَانَ يُمْكِنُ الْإِنْسَانَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مَرَّاتٍ، وَالْعَصْرَ مَرَّاتٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا رَيْبَ فِي كَرَاهَتِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ الْأَسْوَدِ: فَهُوَ إعَادَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِسَبَبٍ اقْتَضَى الْإِعَادَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ: «إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» فَسَبَبُ الْإِعَادَةِ هُنَا حُضُورُ الْجَمَاعَةِ الرَّاتِبَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى ثُمَّ حَضَرَ جَمَاعَةً رَاتِبَةً أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ.
لَكِنْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَحِبُّ الْإِعَادَةَ مُطْلَقًا، كَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّهَا إذَا كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَكْمَلَ، كَمَالِكٍ.
فَإِذَا أَعَادَهَا فَالْأُولَى هِيَ الْفَرِيضَةُ، عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّهُ سَيَكُونُ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً» وَهَذَا أَيْضًا يَتَضَمَّنُ إعَادَتَهَا لِسَبَبٍ، وَيَتَضَمَّنُ أَنَّ الثَّانِيَةَ نَافِلَةٌ.
وَقِيلَ الْفَرِيضَةُ أَكْمَلُهُمَا. وَقِيلَ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ.
وَمِمَّا جَاءَ فِي الْإِعَادَةِ لِسَبَبٍ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ
- صلى الله عليه وسلم: «أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا يُصَلِّي مَعَهُ» .
فَهُنَا هَذَا الْمُتَصَدِّقُ قَدْ أَعَادَ الصَّلَاةَ لِيَحْصُلَ لِذَلِكَ الْمُصَلِّي فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ الْإِعَادَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَقْتَ النَّهْيِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُشْرَعُ وَقْتَ النَّهْيِ.
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ: فَهَلْ تُعَادُ عَلَى صِفَتِهَا؟ أَمْ تُشْفَعُ بِرَكْعَةٍ؟ أَمْ لَا تُعَادُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ لِلْفُقَهَاءِ.
وَمِمَّا جَاءَ فِيهِ الْإِعَادَةُ لِسَبَبٍ مَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ صَلَوَاتِ الْخَوْفِ صَلَّى بِهِمْ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ، صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِطَائِفَةٍ أُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ لَمَّا كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَهُنَا إعَادَةٌ أَيْضًا، وَصَلَاةٌ مَرَّتَيْنِ.
وَالْعُلَمَاءُ الْمُتَنَازِعُونَ فِي مِثْلِ هَذَا: وَهِيَ مَسْأَلَةُ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ. وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ مِثْلَ حَالِ الْخَوْفِ، وَالْحَاجَةِ إلَى الِائْتِمَامِ بِالْمُتَطَوِّعِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهَا كَرِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ عَنْ أَحْمَدَ.
وَيُشْبِهُ هَذَا إعَادَةُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُشْرَعُ بِغَيْرِ سَبَبٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، بَلْ لَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَرَّةً ثَانِيَةً ثُمَّ حَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهَلْ يُصَلِّي عَلَيْهَا
؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ: قِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَيُصَلِّي عِنْدَهُمَا عَلَى الْقَبْرِ، لِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، أَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَ مَا صَلَّى عَلَيْهَا غَيْرُهُمْ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ، كَمَا يَنْهَيَانِ عَنْ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، قَالُوا: لِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِالصَّلَاةِ الْأُولَى، فَتَكُونُ الثَّانِيَةُ نَافِلَةً، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ لَا يُتَطَوَّعُ بِهَا.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ يُجِيبُونَ بِجَوَابَيْنِ: