الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَاَلَّذِي يَعْدِلُ عَنْ الدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحْزَابِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ الْأَحْسَنُ لَهُ أَنْ لَا يَفُوتَهُ الْأَكْمَلُ الْأَفْضَلُ، وَهِيَ الْأَدْعِيَةُ النَّبَوِيَّةُ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ الَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَهَا بَعْضُ الشُّيُوخِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فِي عَيْنِ الْأَدْعِيَةِ مَا هُوَ خَطَأٌ أَوْ إثْمٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَمِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَيْبًا مَنْ يَتَّخِذُ حِزْبًا لَيْسَ بِمَأْثُورٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنْ كَانَ حِزْبًا لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَيَدَعُ الْأَحْزَابَ النَّبَوِيَّةَ الَّتِي كَانَ يَقُولُهَا سَيِّدُ بَنِي آدَمَ، وَإِمَامُ الْخَلْقِ، وَحُجَّةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
320 -
8 - مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، هَلْ يَقْرَأُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ مَرَّةً أَوْ ثَلَاثًا؟ وَمَا السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا كَمَا فِي الْمُصْحَفِ مَرَّةً وَاحِدَةً، هَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ، لِئَلَّا يُزَادَ عَلَى مَا فِي الْمُصْحَفِ. وَأَمَّا إذَا قَرَأَهَا وَحْدَهَا، أَوْ مَعَ بَعْضِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ إذَا قَرَأَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَدَلَتْ الْقُرْآنَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ تِلَاوَة الْقُرْآن لِمِنْ يحفظه]
321 -
9 - مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ لَهُ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّ النِّسْيَانَ أَوْ التَّسْبِيحُ وَمَا عَدَاهُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالْأَذْكَارِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، مَعَ عِلْمِهِ بِمَا وَرَدَ فِي الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَسَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. جَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَحْوِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: فَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ جِنْسَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الْأَذْكَارِ، كَمَا أَنَّ جِنْسَ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ النَّبِيِّ
- صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ، فِي الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي فِي صَلَاتِي، قَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» .
وَلِهَذَا كَانَتْ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبَةً، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ لَا تَعْدِلُ عَنْهَا إلَى الذِّكْرِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ، وَالْبَدَلُ دُونَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ.
وَأَيْضًا فَالْقِرَاءَةُ تُشْتَرَطُ لَهَا الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى دُونَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ. وَمَا لَمْ يُشْرَعْ إلَّا عَلَى الْحَالِ الْأَكْمَلِ فَهُوَ أَفْضَلُ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا اُشْتُرِطَ لَهَا الطَّهَارَتَانِ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ مُجَرَّدِ الْقِرَاءَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، اعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» وَلِهَذَا نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ.
وَأَيْضًا: فَمَا يُكْتَبُ فِيهِ الْقُرْآنُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا طَاهِرٌ، وَقَدْ حَكَى إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ، لَكِنْ طَائِفَةٌ مِنْ الشُّيُوخِ رَجَّحُوا الذِّكْرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرْجَحُ فِي حَقِّ الْمُنْتَهِي الْمُجْتَهِدِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو حَامِدٍ فِي كُتُبِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ أَرْجَحُ فِي حَقِّ الْمُبْتَدِئِ السَّالِكِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ.
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ يُذْكَرُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ الْعَمَلَ الْمَفْضُولَ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ مَا يُصَيِّرُهُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا مَا هُوَ مَشْرُوعٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ. وَالثَّانِي: مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَمِثْلُ أَنْ يَقْتَرِنَ إمَّا بِزَمَانٍ، أَوْ بِمَكَانٍ، أَوْ عَمَلٍ يَكُونُ أَفْضَلَ، مِثْلَ مَا
بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ أَفْضَلُ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا كَالْحَمَّامِ، وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ، وَالْمَقْبَرَةِ، فَالذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ فِيهَا أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ الذِّكْرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، فَإِذَا كُرِهَ الْأَفْضَلُ فِي حَالِ حُصُولِ مَفْسَدَةٍ كَانَ الْمَفْضُولُ هُنَاكَ أَفْضَلَ بَلْ هُوَ الْمَشْرُوعُ.
وَكَذَلِكَ حَالَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» .
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَتَنَازَعُوا فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَذَلِكَ تَشْرِيفًا لِلْقُرْآنِ، وَتَعْظِيمًا لَهُ أَنْ لَا يُقْرَأَ فِي حَالِ الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ، كَمَا كُرِهَ أَنْ يُقْرَأَ مَعَ الْجِنَازَةِ، وَكَمَا كَرِهَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ قِرَاءَتَهُ فِي الْحَمَّامِ.
وَمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ، هُوَ حَالُ الدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَمْرِهِ. وَالدُّعَاءُ فِيهِ هُوَ أَفْضَلُ بَلْ هُوَ الْمَشْرُوعُ دُونَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ، وَكَذَلِكَ بِالطَّوَافِ، وَبِعَرَفَةَ، وَمُزْدَلِفَةَ، وَعِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ. وَالْمَشْرُوعُ هُنَاكَ هُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الطَّوَافِ: هَلْ تُكْرَهُ أَمْ لَا تُكْرَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَاجِزًا عَنْ الْعَمَلِ الْأَفْضَلِ، إمَّا عَاجِزًا عَنْ أَصْلِهِ، كَمَنْ لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يَسْتَطِيعُ حِفْظَهُ، كَالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَوْ عَاجِزًا عَنْ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَفْضُولِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ. وَمِنْ هُنَا قَالَ مَنْ قَالَ: إنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ مِنْ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ يُخْبِرُ عَنْ حَالِهِ، وَأَكْثَرُ السَّالِكِينَ، بَلْ الْعَارِفِينَ مِنْهُمْ إنَّمَا يُخْبِرُ أَحَدُهُمْ عَمَّا ذَاقَهُ وَوَجَدَهُ، لَا يَذْكُرُ أَمْرًا عَامًا لِلْخَلْقِ، إذْ الْمَعْرِفَةُ تَقْتَضِي أُمُورًا مُعَيَّنَةً جُزْئِيَّةً.
وَالْعِلْمُ يَتَنَاوَلُ أَمْرًا عَامًّا كُلِّيًّا، فَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَجِدُ فِي الذِّكْرِ مِنْ اجْتِمَاعِ قَلْبِهِ، وَقُوَّةِ إيمَانِهِ، وَانْدِفَاعِ الْوَسْوَاسِ عَنْهُ، وَمَزِيدِ السَّكِينَةِ، وَالنُّورِ وَالْهُدَى، مَا لَا يَجِدُهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، بَلْ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَفْهَمُهُ، أَوْ