المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(714) - (3) (والسادس عشر منها باب فضائل عبد الله بن سلام وحسان بن ثابت رضي الله عنهما - الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - جـ ٢٤

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌712 - (1) والرابع عشر منها باب فضائل جليبيب رضي الله عنه وأبي ذر الغفاري رضي الله عنه

- ‌713 - (2) والخامس عشر منها باب فضائل جرير وابن عباس وابن عمرو وابن مالك رضي الله تعالى عنهم أجمعين

- ‌(714) - (3) (والسادس عشر منها باب فضائل عبد الله بن سلام وحسَّان بن ثابت رضي الله عنهما

- ‌715 - (4) والسابع عشر منها باب فضائل أبي هريرة وقصة حاطب بن أبي بلتعة مع بيان فضله وفضل أهل بدر وفضائل أهل بيعة الرضوان

- ‌فضائل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه

- ‌716 - (5) والثامن عشر منها باب فضائل الأشعريين وأبي سفيان بن حرب وفضائل أهل السفينة من جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم وفضائل سلمان وصهيب وبلال رضي الله عنهم

- ‌فضائل أبي سفيان بن حرب

- ‌فضائل جعفر بن أبي طالب

- ‌فضائل أسماء زوجة جعفر

- ‌فضائل سلمان رضي الله عنه

- ‌فضائل صهيب رضي الله عنه

- ‌717 - (6) والتاسع عشر منها باب فضائل الأنصار والتخيير بين دُورهم وحسن صحبتهم ودعائه لغفار وأسلم رضي الله عنهم ودعائه على بعض القبائل من العرب

- ‌718 - (7) "والعشرون منها باب فضائل بعض قبائل العرب وبيان خيار الناس وفضائل نساء قريش ومؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه رضي الله عنهم

- ‌719 - (8) والحادي والعشرون منها باب قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا أمنة لأصحابي وأصحابي أمنة لأمتي وخير القرون أصحابي ثم الذين يلونهم إلخ وقوله صلى الله عليه وسلم لا تمضي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم

- ‌720 - (9) الباب الثاني والعشرون منها باب وجوب احترام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عن سبهم وفضل أويس القرني رضي الله عنه وما ذُكر في مصر وأهلها وفي فضل عمان

- ‌حكم سبّ الصحابة رضي الله عنهم

- ‌فضل: أويس القرني رضي الله تعالى عنه

- ‌وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر

- ‌721 - (10) الباب الثالث والعشرون منها بابُ ذكر كذّاب ثقيف ومُبيرها وفضل فارس وقوله صلى الله عليه وسلم الناس كمائة إبل لا تجد فيها راحلةً

- ‌ كتاب البر والصلة

- ‌722 - (11) باب برّ الوالدين وتقديمه على التطوع بالصلاة

- ‌723 - (12) باب المبالغة في بر الوالدين عند الكبر وبرّ أهل وُدّهما وتفسير البرّ والإثم ووجوب صلة الرحم وثوابها والنهي عن التحاسد والتدابر والتباغض وإلى كم يجوز الهجران

- ‌724 - (13) باب النهي عن الظن السيِّيء والتجسس ونحوهما وما يحرم على المسلم من المسلم والنهي عن الشحناء وفضْل الحبّ في الله وفضْل عيادة المرضى

- ‌725 - (14) باب ثواب المؤمن على ما يصيبه من مرض أو غيره وتحريم الظلم والتحذير منه وأخذ الظالم بظلمه

- ‌726 - (15) بابُ نصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا وكون المؤمنين كالبنيان وتراحمهم والنهي عن السباب واستحباب التواضع وتحريم الغيبة وبشارة من ستره الله في الدنيا بستره في الآخرة ومداراة من يتقى فحشه وفضل الرفق

- ‌727 - (16) بابُ النهي عن لعن الدَّواب وغيرها ومن لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبَّه أو دعا عليه وذمّ ذي الوجهين وتحريم فعله وتحريم الكذب وبيان المباح منه وتحريم النميمة وقبح الكذب وحسن الصدق وفضله

- ‌728 - (17) باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وخَلْق الإنسان خلقًا لا يتمالك والنهي عن ضرب الوجه والوعيد الشديد لمن عذَّب الناس بغير حقٍّ وأمر منْ يمرُّ بسلاحٍ في مجامع الناس بإمساك نصالها والنهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح

- ‌729 - (18) باب فضل إزالة الأذى من الطريق وحرمة تعذيب الهرَّة ونحوها وحُرمة الكبر والنهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله

- ‌730 - (19) باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه وإذا أحبّ الله عبدًا حببّه لعباده والأرواح جنود مجنّدة والمرء مع من أحبّ وإذا أُثني على الصالح فهي بشرى فلا تضرّه

- ‌ كتاب القدر

- ‌731 - (20) باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته وكل إنسان ميسر لما خلق له

- ‌732 - (21) باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام وأنّ الله كتب المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض وتصريف الله القلوب كيف شاء وأن كل شيء بقدر وأن الله قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره

- ‌733 - (22) باب معنى كل مولود يُولد على الفطرة وما جاء في أولاد المشركين وغيرهم وبيان أن الآجال والأرزاق لا يزيدان ولا ينقصان عمَّا سبق به القدر وبيان الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله تعالى

- ‌كتاب العلم

- ‌734 - (23) باب النهي عن اتباع متشابه القرآن وعن الاختلاف فيه وكون الألدّ الخصم أبغض الناس إلى الله واتباع سنن اليهود والنصارى وقوله صلى الله عليه وسلم هلك المتنطِّعون

- ‌735 - (24) باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان ومنْ سَنَّ سنّةً حسنةً أو سيئة إلخ

الفصل: ‌(714) - (3) (والسادس عشر منها باب فضائل عبد الله بن سلام وحسان بن ثابت رضي الله عنهما

(714) - (3) (والسادس عشر منها باب فضائل عبد الله بن سلام وحسَّان بن ثابت رضي الله عنهما

6225 -

(2468)(24) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى. حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ. قَال: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، لِحَيٍّ يَمْشِي، إِنَّهُ فِي الْجَنَّةِ، إلا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ

ــ

714 -

(3) (والسادس عشر منها باب فضائل عبد الله بن سلام وحسَّان بن ثابت رضي الله عنهما

(أما عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام فهو عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي اليوسفي ثم الأنصاري أبو يوسف حليف بني الخزرج فهو من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق عليهم السلام لأنه من بني قينقاع وهم من ذرية يوسف وكان اسمه في الجاهلية الحصين فسمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله أسلم إذ قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وغلط من قال إنه أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين وشهد فتح بيت المقدس مع عمر رضي الله عنهما وزعم الداودي أنه كان من أهل بدر ولا يثبت وتوفي في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ونزل فيه قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} وجملة ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرون حديثًا أُخرج له في الصحيحين حديثان.

6225 -

(2468)(24)(حدثني زهير بن حرب حدثنا إسحاق بن عيسى) بن نجيح الطَّباع البغدادي صدوق من (9) روى عنه في (6) أبواب (حدثني مالك) بن أنس الأصبحي المدني الإمام في الفروع (عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية التيمي مولاهم المدني ثقة من (5) روى عنه في (9) أبواب (عن عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني ثقة من (3) روى عنه في (9) أبواب (قال) عامر (سمعت أبي) سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري المدني رضي الله عنه وهذا السند من سداسياته (يقول) سعد (ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحيٍّ) من المسلمين (يمشي) على الأرض (إنه) أي إن ذلك الحي (في الجنة إلا لعبد الله بن سلام)

ص: 58

6226 -

(2469)(25) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ قَيسِ بْنِ عُبَادٍ قَال:

ــ

رضي الله عنه وهذا الحديث يعارض ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم بشَّر جماعة من الصحابة غير عبد الله بن سلام بالجنة وأجاب عنه النووي بأن سعدًا إنما نفى سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينافي البشارات الأخرى التي لم يسمعها سعد من النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يبعد من مثل سعد أن لا يكون عارفًا بهذه البشارات وهو من جملة العشرة المبشرة لهم فالأحسن في الجواب ما حققه الحافظ في الفتح [7/ 130] من أنه قال هذا الكلام بعد موت المبشرين لأن عبد الله بن سلام عاش بعدهم ولم يتأخر معه من العشرة غير سعد وسعيد ويؤخذ هذا من قوله لحيٍّ يمشي وقد أخرج ابن حبان من طريق مصعب بن سعد عن أبيه سبب هذا الحديث ولفظه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يدخل عليكم رجل من أهل الجنة فدخل عبد الله بن سلام اهـ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [1/ 169] والبخاري في مناقب الصحابة باب مناقب عبد الله بن سلام [3812] ثم استشهد المؤلف لحديث سعد بحديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال:

6226 -

(2469)(25)(حدثنا محمد بن المثنى العنزي) البصري. (حدثنا معاذ بن معاذ) العنبري البصري (حدثنا عبد الله بن عون) بن أرطبان المزني البصري ثقة ثبت من (6) روى عنه في (11)(عن محمد بن سيرين) الأنصاري البصري ثقة من (3) روى عنه في (16) بابا (عن قيس بن عُباد) بضم أوله مخففًا القيسي الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة من بني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة أبي عبد الله البصري روى عن عبد الله بن سلام في الفضائل وعمار بن ياسر في النفاق وأبي ذر في التفسير آخر الكتاب وعمر وعلي بن أبي طالب ويروي عنه (خ م د س ق) ومحمد بن سيرين وأبو نضرة والحسن البصري قدم المدينة في خلافة عمر رضي الله عنه وابنه عبد الله قال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال العجلي كان ثقة من كبار الصالحين وقال النسائي وابن خراش ثقة وكانت له مناقب وحلم وعبادة وقال في التقريب ثقة مخضرم من الثانية مات بعد الثمانين ووهم من عدّه من الصحابة وذكر أبو مخنف من شيوخه في من قتله الحجاج ممن خرج مع ابن الأشعث روى عن عبد الله بن سلام القصة الآتية وهذا السند من سداسياته (قال)

ص: 59

كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ. فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ. فَقَال بَعْضُ الْقَوْمِ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَصَلَّى رَكْعَتَينِ يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا. ثُمَّ خَرَجَ فَاتَّبَعْتُهُ. فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. وَدَخَلْتُ فَتَحَدَّثْنَا. فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ، قَال رَجُلٌ كَذَا وَكَذَا. قَال: سُبْحَانَ اللهِ، مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ

ــ

قيس (كنت بالمدينة) في المسجد النبوي (في ناس) أي مع ناس (فيهم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم سعد بن مالك وابن عمر كما سيأتي في الرواية الآتية (فجاء رجل) من خارج المسجد (في وجهه) أي في وجه ذلك الرجل (أثر) أي علامة (من الخشوع) والتواضع لله تعالى (فقال بعض القوم) الجالسين في الحلقة بعضهم لبعض (هذا) الرجل الداخل علينا (رجل من أهل الجنة هذا رجل من أهل الجنة) بالتكرار مرتين للتأكيد (فصلّى) ذلك الرجل الداخل (ركعتين) تحتية المسجد حالة كونه (يتجوَّز) ويخفف (فيهما) أي في الركعتين (ثم خرج) من المسجد ذلك الرجل قال قيس (فاتبعته) أي صحبته حتى وصل إلى بيته (فدخل منزله) وسكنه (ودخلت) معه في سكنه (فتحدثنا) أي تحدثت أنا وهو ليحصل الإنس بيننا (فلما استأنس) ذلك الرجل بي أي حصلت مؤانسته بي (قلت له) أي لذلك الرجل (إنك لما دخلت) المسجد النبوي (من قبل) أي من قبل رجوعك إلى منزلك (قال رجل) من الجالسين في الحلقة في شأنك (كذا وكذا) أي قال فيك هذا الداخل رجل من أهل الجنة (قال) عبد الله بن سلام تعجبًا من مقالتهم فيه (سبحان الله) أي تنزيهًا لله من كل النقائص (ما ينبغي) ولا يليق (لأحد) من الناس (أن يقول ما لا يعلم) حقيقته أي قال عبد الله بن سلام ذلك إنكارًا لمقالتهم هذه فيه حيث قطعو له بالجنة فيحمل على أن هؤلاء بلغهم خبر سعد بن أبي وقاص بأن ابن سلام من أهل الجنة ولم يسمع هو ويحتمل أنه كره الثناء عليه بذلك تواضعًا وإيثارًا للخمول وكراهية للشهرة كذا في شرح النووي.

وذكر الحافظ احتمالًا ثالثًا وهو أنه لم ينكر على من عدّه من أهل الجنة وإنما أنكر على تعجب قيس بن عباد من قولهم فذكر أن مثل ذلك لا يبعد ولكن هذا التوجيه بعيد عن القلب ويظهر لي وجه رابع وهو أن القوم حين ذكروا كونه من أهل الجنة لم يستندوا في ذلك إلى نص وإنما ذكروا ذلك ككلام مبتدإ من عند أنفسهم فأنكر عليهم عبد الله بن

ص: 60

وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ؟ رَأَيتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَصَصْتُهَا عَلَيهِ. رَأَيتُنِي فِي رَوْضَةٍ -ذَكَرَ سَعَتَهَا وَعُشْبَهَا وَخُضْرَتَهَا- وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ. أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلاهُ فِي السَّمَاءِ. فِي أَعْلاهُ عُرْوَةٌ. فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ. فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ (قَال ابْنُ عَوْنٍ: وَالْمِنْصَفُ الْخَادِمُ) فَقَال بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي -وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ- فَرَقِيتُ

ــ

سلام من هذه الجهة ونبه على أن مثل هذا الكلام لا يقال إلا بعد ثبوت النص في ذلك فكان من الواجب عليهم أن يذكروا مستندًا لقولهم لئلا يكون تحكمًا على الله تعالى ومن أجل ذلك ذكر قصة رؤياه التي يمكن أن يستند إليها في ذلك والله أعلم اهـ من التكملة.

(و) لكن (سأحدثك لم) قالوا (ذاك) الكلام أي سأخبرك جواب لم قالوا ذلك الكلام أي أبين مستندهم في ذلك وذلك أني (رأيت رؤيا) أي منامًا (على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في زمن حياته (نقصصتها) أي عرضتها (عليه) صلى الله عليه وسلم ليعبرها لي وتلك الرؤيا أني (رأيتني) أي رأيت نفسي في المنام (في روضة) أي في مكان كثير الأشجار والنبات قال قيس بن عباد (ذكر) عبد الله بن سلام الرائي للمنام (سعتها) أي بعد سعتها ومساحتها (و) كثرة (عشبها) ونباتها (و) شدة (خضرتها و) ذكر ابن سلام أيضًا أن (وسط) تلك (الروضة) بفتح السكون وسكونها أي أن في وسطها (عمود) أي إسطوانة (من حديد) يجمع على عمد وأعمدة (أسفله) أي أسفل ذلك العمود مركز (في الأرض وأعلاه) داخل (في السماء في أعلاه) أي في أعلى ذلك العمود (عروة) أي حلقة كما في بعض الروايات بسكون اللام وفتحها أي سلسلة (فقيل لي ارقه) أي ارق هذا العمود ويحتمل كون الهاء للسكت (فقلت له) أي للقائل ذلك (لا أستطيع) أي لا أقدر الرقي والصعود عليه (فجاءني منصف) بكسر الميم وسكون النون وفتح الصاد أي خادم كما (قال ابن عون) وفسّره بقوله (والمنصف الخادم فقال) أي أخذ المنصف (بثيابي من خلفي) أي ورائي ليطلعني على العمود وفي الكلام التعبير بالقول عن الفعل قال قيس بن عباد (وصف) عبد الله بن سلام أي ذكر وبيّن بقوله فقال بثيابي إلخ (أنه) أي أن ذلك المنصف (رفعه) أي رفع عبد الله مع ثيابه (من خلفه) وورائه (بيده) ليطلعه ويصعده على العمود (فرقيت) أي صعدت على العمود وهو بكسر القاف من باب رضي يرضى على اللغة المشهورة وحُكي فتحها من باب رمى قال القاضي وقد جاء بالروايتين

ص: 61

حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ، فَأَخَذتُ بِالْعُرْوَةِ. فَقِيلَ لِي: اسْتَمْسِكْ.

فَلَقَدِ اسْتَيقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَال:"تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلامُ. وَذلِكَ العَمُودُ عَمُودُ الإِسْلامِ. وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى. وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلامِ حَتَّى تَمُوتَ". قَال: وَالرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ

ــ

في مسلم والموطأ وغيرهما في غير هذا الموضع اهـ نووي أي صعدت على العمود (حتى كنت في أعلى العمود فأخذت) أي أمسكت (بالعروة) أي بالحلقة التي في أعلى العمود.

(فقيل لي استمسك) هذه العروة ولازمها ولا تتركها (فلقد) أي فأقسم بالإله الذي لا إله غيره لقد (استيقظت) وانتبهت من نومي (وإنها) أي والحال أن تلك العروة (في يدي) أي قبل أن أتركها وليس المراد أنه استيقظ وهي باقية في يده مرئية له وإن كانت قدرة الله صالحة لذلك اهـ قسطلاني قال العيني معناه أنه بعد الأخذ استيقظت وهي مأخوذة له في يده من غير فاصلة بينهما ولم يرد أنها بقيت في يده بعد يقظته ولو حمل على ظاهره لم يمتنع في قدرة الله تعالى ولكن الذي يظهر خلاف ذلك ويحتمل أن يريد أثر قبضها بقي في يده بعد الاستيقاظ يعني كانت مقبوضة أصابعها كانها تستمسك شيئًا كان يصبح فيرى يديه مقبوضة كذا في فتح الباري [7/ 131](فقصصتها) أي فقصصت تلك الرؤيا وأخبرتها وعرضتها (على النبي صلى الله عليه وسلم فقال) لي النبي صلى الله عليه وسلم (تلك الروضة) التي رأيتها (الإسلام) أي روضة الإسلام وأحكامه وشرائعه (وذلك العمود) الذي رأيته في وسط الروضة (عمودُ الإسلام) أي أركان الإسلام الخمسة الشهادتان والصلاة والزكاة إلخ (وتلك العروة) التي تعلقت بها هي (عروة الوثقى) من إضافة الموصوف إلى صفته أي هي العروة الوثقى أي الموثوقة القوية التي لا تنقطع بيد من أمسكها يعني بها أركان الإيمان الستة قال العيني قوله الإسلام يريد به جميع ما يتعلق بالدين ويريد بالعمود الأركان الخمسة أو كلمة الشهادة وحدها ويريد بالعروة الوثقى الإيمان قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله (وأنت) يا عبد الله مستمر (على الإسلام حتى تموت) عليه (قال) قيس بن عباد (والرجل) الرائي هو (عبد الله بن سلام) قال الدهني قوله (والرجل عبد الله بن سلام" فيحتمل أن يكون هو قوله ولا مانع أن يخبر بذلك ويريد نفسه ويحتمل أن يكون من كلام الراوي اهـ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث

ص: 62

6227 -

(0)(0) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ. حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ. حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. قَال: قَال قَيسُ بْنُ عُبَادٍ: كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عُمَرَ. فَمَرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ. فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَقُمْتُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا. قَال: سُبْحَانَ اللهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا ليسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ. إِنَّمَا رَأَيتُ كَأَنَّ عَمُودًا وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ. فَنُصِبَ فِيهَا. وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ

ــ

البخاري في مواضع منها في كتاب مناقب الأنصار في مناقب عبد الله بن سلام [3813] وفي التعبير باب الخضر في المنام والروضة الخضراء [7010] وفي باب التعلق بالعروة الوثقى [7014] اهـ تحفة الأشراف.

ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال:

6227 -

(0)(0)(حدثنا محمد بن عمرو بن عبّاد بن جبلة بن أبي روّاد) العتكي بفتحتين مولاهم أبو جعفر البصري صدوق من (11) روى عنه في (11) بابا (حدثنا حرمي بن عمارة) بن أبي حفصة نابت العتكي البصري صدوق من (9) روى عنه في (3) أبواب (حدثنا قرة بن خالد) السدوسي البصري ثقة من (6) روى عنه في (13) بابا (عن محمد بن سيرين قال) محمد بن سيرين (قال قيس بن عباد كنت في حلقة) وقد تقدم اختلاف اللغويين في حلقة هل يقال بسكون اللام أو بفتحها اهـ مفهم. (فيها) أي في تلك الحلقة (سعد بن مالك) أبو سعيد الخدري (و) عبد الله (بن عمر) رضي الله عنهما وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة قرة بن خالد لعبد الله بن عون (فمرّ عبد الله بن سلام) رضي الله عنه على أصحاب الحلقة (فقالوا) أي فقال بعض القوم لبعض آخر (هذا) الرجل المار علينا (رجل من أهل الجنة) قال قيس بن عباد (فقمت) إلى ذلك الرجل المار على القوم (فقلت له إنهم) أي إن القوم الجالسين في الحلقة (قالوا) في شأنك (كذا وكذا) أي إنه رجل من أهل الجنة (قال) عبد الله بن سلام (ما كان ينبغي) أي يليق (لهم) أي بهم (أن يقولوا ما ليس لهم به علم) لأن مآل كل أحد لا يعلمه إلا الله (إنما) سبب قولهم ذلك أني (رأيت) في المنام (كأنَّ عمودًا وضع في روضة خضراء فنصب فيها) أي نصب وأقيم ذلك العمود في روضة خضراء (وفي رأسها) والصواب "وفي رأسه" أي في رأس ذلك العمود بتذكير الضمير كلما في الرواية السابقة (عروة) أي حلقة تمسك ويعلق

ص: 63

وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ -وَالْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ- فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ. فَرَقِيتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ. فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَمُوتُ عَبدُ اللهِ وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى".

6228 -

(0)(0) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (وَاللَّفْظُ لِقُتَيبَةَ)، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ

ــ

به قوله (وفي أسفلها منصف) والصواب أيضًا "وفي أسفله" بتذكير الضمير أي وفي أسفل ذلك العمود "منصف" أي خادم كما فسّره بقوله (والمنصف الوصيف) أي الخادم ومعناهما واحد قالوا الوصيف هو الوصيف الذي أدرك الخدمة اهـ أبي (فقيل لي) لعل القائل ملك الرؤيا (ارقه) بهاء السكت أو الضمير أي اصعد هذا العمود (فرقيت) أي صعدت عليه (حنى أخذت بالعروة) وأمسكتها بيدي والعروة على وزان الغرفة هو الشيء الذي يتعلق به حبلًا كان أو غيره ومنه عروة القميص والدلو وقال بعضهم أصله من عروته إذا ألممت به متعلقًا واعتراه الهم تعلق به وقيل من العروة وهي شجرة تبقى على الجدب سميت بذلك لأن الإبل تتعلق بها إلى زمان الخصب وتجمع العروة على عرى و"الوثقى" بوزن الفضلى الوثيقة أي القوية التي لا انقطاع فيها ولا ضعف وقد أضاف العروة هنا إلى صفتها فقال عروة الوثقى كما قالوا مسجد الجامع وصلاة الأولى اهـ من المفهم.

(فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت عبد الله) بن سلام (وهو آخذ بالعروة الوثقى) ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال:

6228 -

(0)(0)(حدثنا قتيبة بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لقتيبة) قالا (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي (عن الأعمش عن سليمان بن مسهر) الفزاري الكوفي ثقة من (4) روى عنه في (2) بابين الإيمان والفضائل (عن خرشة) بفتحات (بن الحر) بضم المهملة وتشديد الراء الفزاري الكوفي كان يتيمًا في حجر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال الآجري عن أبي داود له صحبة وأخته سلامة بنت الحر لها صحبة وذكره ابن عبد البر وأبو نعيم وابن منده في الصحابة وذكره ابن حبان والعجلي في ثقات التابعين وقال ابن سعد مات في ولاية بشر على العراق وقال خليفة مات سنة أربع وسبعين كذا في الإصابة [1/ 422] والتهذيب [3/ 138] روى عن أبي ذر في الإيمان وعبد الله بن سلام في الفضائل ويروي عنه (ع) وأبو زرعة بن عمرو

ص: 64

قَال كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. قَال: وَفِيهَا شَيخٌ حَسَنُ الْهَيئَةِ. وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ. قَال: فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا. قَال: فَلَمَّا قَامَ قَال الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. قَال: فَقُلْتُ: وَاللهِ لأَتْبَعَنَّهُ فَلأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيتِهِ. قَال: فَتَبِعْتُهُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ. ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ. قَال: فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيهِ فَأَذِنَ لِي. فَقَال: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَال: فَقُلْتُ لَهُ:

ــ

ابن جرير وسليمان بن مسهر ثقة من كبار التابعين من (2) روى عنه في (2) بابين كما مرّ في كتاب الإيمان.

(عن عبد الله بن سلام) رضي الله عنه وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة خرشة بن الحر لقيس بن عباد في رواية هذا الحديث عن عبد الله بن سلام (قال) خرشة (كنت جالسًا في حلقة في مسجد المدينة) يعني المسجد النبوي (قال) خرشة (وفيها) أي وفي تلك الحلقة (شيخ حسن الهيئة) أي اللبسة والعمة والجلسة وقوله (وهو) أي ذلك الشيخ (عبد الله بن سلام) رضي الله عنه تفسير مدرج من الراوي أو ممن دونه (قال) خرشة (فجعل) أي شرع ذلك الشيخ (يحدثهم) أي يحدث أصحاب الحلقة (حديثًا حسنًا) أي مرققًا للقلوب باشتماله على الترغيب والترهيب (قال) خرشة (فلما قام) ذلك الشيخ من بين الناس (قال القوم) بعضهم لبعض (من سرّه) وبشره (أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا) الشيخ (قال) خرشة (فقلت) لنفسي (والله لأتبعنه) بفتح الهمزة وسكون التاء ونون التوكيد الثقيلة من تبع الثلاثي من باب سمع أي أقسم بالله العظيم لأصحبنه إلى منزله (فلأعلمن مكان بيته قال) هرشة (فتبعته فانطلق) أي ذهب ذلك الشيخ (حتى كاد) وقرب (أن يخرج من) عمران (المدينة) المنورة لبعد منزله عن المسجد (ثم) بعدما وصل إلى منزله (دخل منزله) وبيته (قال) خرشة (فاستأذنت) أي طلبت الإذن منه في الدخول (عليه فأذن لي) في الدخول عليه وقد تقدم مثل هذه الواقعة لقيس بن عباد والظاهر أنهما واقعتان فقصة قيس بن عباد رواها ابن سيرين وقصة خرشة رواها سليمان بن مسهر وهذا يدل على أن كون عبد الله بن سلام من أهل الجنة كان معروفًا بين الناس حتى إن خرشة بن الحر سمع من الناس عين ما سمعه من قيس بن عباد (فقال) لي عبد الله بن سلام (ما حاجتك يا ابن أخي) التي جاءت بك (قال) الخرشة (فقلت له) أي لعبد

ص: 65

سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ، لَمَّا قُمْتَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذا. فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ. قَال: اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُحَدِّثُكَ مِمّ قَالُوا ذَاكَ، إِنِّي بَينَمَا أَنَا نَائِمٌ، إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَال لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. قَال: فَإِذَا أَلا بِجَوَاد عَنْ شِمَالِي. قَال: فَأَخَذْتُ لآخُذَ فِيهَا. فَقَال لِي: لَا تَأْخُذْ فِيهَا فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ. قَال: فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَلَى يَمِينِي. فَقَال لِي: خُذْ

ــ

الله بن سلام (سمعت القوم) الذين اجتمعوا عندك في الحلقة (يقولون لك) أي في شأنك (لما قمت) من بينهم (من سرّه) وبشره (أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا) الشيخ فإنه من أهل الجنة (فأعجبني) أي فأحبّني (أن أكون معك) في الدنيا والآخرة.

(قال) عبد الله بن سلام (الله أعلم بأهل الجنة وسأحدثك ممّ قالوا) أي جواب استفهام لأجل ما قالوا (ذاك) الكلام يعني إنه من أهل الجنة (إني بينما أنا نائم) أي بينما أوقات نومي (إذ أتاني رجل) في النوم (فقال لي) ذلك الآتي (قم) من النوم (فأخذ بيدي) أي أمسكها (فانطلقت معه) أي مع ذلك الرجل الآتي (قال) الخرشة (فإذا أنا) راءٍ (بجواد) بوزن دواب أي بطرق واضحة مسلوكة للناس (عن) جهة (شمال) والجواد جمع جادّة مشدد الدال وهي الطريقة البينة المسلوكة غير المهجورة والمشهور فيها جواد بتشديد الدال قال القاضي وقد تُخفف قاله صاحب العين اهـ نووي (قال) الخرشة (فأخذت) أي شرعت وقصدت (لآخذ) وأشرع وأمشي (فيها) أي في تلك الطريق الجادة (فقال لي) ذلك الرجل الذي يمشي بي (لا تأخذ) ولا تشرع ولا تمش (فيها) أي في هذه الطرق الشمالية (فإنها طرق أصحاب الشمال) التي توصلهم إلى جهنم (قال) الخرشة (فإذا) الفاء عاطفة على محذوف وإذا فجائية والتقدير فأعرضت عن الطرق الشمالية ففاجأتني (جواد) أي طرق مسلوكة (منهج) بالرفع صفة لجواد أي مستقيمة لا اعوجاج فيها قال القرطبي الجواد جمع جادة مشدد الدال وهي الطريق المسلوكة ومنهج مرفوع على الصفة أي جواد ذوات منهج أي استقامة ووضوح، والمنهج الطريق الواضح وكذلك المنهاج والنهج وأنهج الطريق أي استبان ووضح ونهجته أنا أوضحته ويقال أيضًا نهجت الطريق إذا سلكته ونهج الأمر وأنهج إذا وضُح أي ففاجأتني طرق واضحة بينة مستقيمة موصلة إلى المقصد كائنة (على) جهة (يميني فقال لي) الرجل يعني الملك (خد) أي

ص: 66

فهُنَا. فَأَتَى بِي جَبَلًا. فَقَال لِيَ: اصْعَدْ. قَال: فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى اسْتِي. قَال: حَتَّى فَعَلْتُ ذلِكَ مِرَارًا. قَال: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى بِي عَمودًا. رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ وَأَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ. فِي أَعْلاهُ حَلْقَةٌ. فَقَال لِيَ: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا. قَال: قُلْتُ: كَيفَ أَصْعَدُ هَذَا؟ وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ. قَال: فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي. قَال: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ. قَال: ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ فَخَرَّ، قَال: وَبَقِيتُ مُتَعَلَّقًا بِالْحَلْقَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ. قَال: فَأَتَيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم

ــ

اشرع وامش (ها هنا) أي في هذه الطريقة اليمينية فشرعت في تلك الطريق اليمينية (فأتى بي) ذلك الرجل (جبلًا) طويلًا لا ترى قنته (فقال لي) الرجل (اصعد) واطلع هذا الجبل (قال) عبد الله بن سلام (فجعلت) أي فكنت (إذا أردت) وقصدت (أن اصعد) عليه (خررت) أي سقطت (على استي) أي على دُبُري (قال) عبد الله فحاولت الصعود على الجبل (حتى فعلت ذلك) الخرور على الاست (مرارًا) أي مرات كثيرة (قال) عبد الله (ثم) بعدما عجزت عن صعود الجبل (انطلق بي) الرجل أي ذهب بي (حتى أتى) أي جاء (بي عمودًا رأسه في السماء وأسفله في الأرض في أعلاه) أي في أعلى ذلك العمود وعلى رأسه (حلقة) أي سلسلة يتعلق بها كما مر البحث عنها (فقال) الرجل (لي أصعد) أي اطلع وارق (فوق هذا) العمود (قال) عبد الله فـ (ـقلت) للرجل (كيف أصعد) وأرقى (هذا) العمود الطويل (و) الحال أن (رأسه في السماء قال) عبد الله (فأخذ) الرجل (بيدي فزجل) أي رمى (بي) إلى فوق العمود وزجل بالجيم بمعنى رمى وأكثر ما يستعمل في الشيء الرخو الخفيف وزحل بالحاء المهملة قريب منه يقال زحلت الشيء نحيته وأبعدته ورُوي بالوجهين ورواية الجيم أصح وأولى اهـ من الأبي وقال القرطبي (قوله فزجل بي) يروى بالجيم وبالحاء المهملة فبالجيم معناه رمى يقال لعن الله أما زجلت به والزجل إرسال الحمام والمزجل المزراق والمزراق الرمح القصير لأنه يرمى به فأما زحل بالحاء المهملة فمعناه تنحى وتباعد يقال زحل عن مكانه حولًا وتزحل تنحى وتباعد فهو زحل وزحيل ورواية الجيم أولى وأشهر اهـ من المفهم.

(قال) عبد الله (فإذا أنا متعلق بالحلقة) التي على رأس العمود (قال) عبد الله (ثم ضرب) الرجل (العمود) بيده (فخرّ) وسقط على الأرض (قال) عبد الله (وبقيت متعلقًا بالحلقة حتى أصبحت) أي دخلت في الصباح (فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم

ص: 67

فَقَصَصْتُهَا عَلَيهِ. فَقَال: "أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيتَ عَنْ يَسَارِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ. قَال: وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيتَ عَنْ يَمِينِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ. وَلَنْ تَنَالهُ. وَأَمَّا الْعَمُودُ فَهُوَ عَمُودُ الإِسْلامِ. وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الإِسْلامِ. وَلَنْ تَزَال مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ"

ــ

فقصصتها) أي فقصصت تلك الرؤيا وأخبرتها (عليه) أي للنبي صلى الله عليه وسلم ليعبّرها لي (فقال) لي النبي صلى الله عليه وسلم في تعبيرها (أمَّا الطرق التي رأيت عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال) يعني الكفرة والمنافقين ثم (قال) النبي صلى الله عليه وسلم (وأما الطرق التي رأيت عن يمينك فهي طرق أصحاب اليمين وأما الجبل) الذي عجزت عن صعوده (فهو منزل الشهداء ولن تناله) أي لن تعطى منزل الشهداء لأنك تموت في بيتك لأنه رأى أنه لم يستطع صعود الجبل بل خرّ منه على استه (وأمّا العمود) الذي رأيته (فهو عمود الإسلام) وأركانه الخمسة (وأمَّا العروة) التي تعلقت بها (فهي عروة الإسلام) وعقائده وأركان الإيمان (ولن تزال) يا عبد الله (متمسكًا بها) أي بعروة الإسلام وعقائده وأركانه (حتى تموت) وإخباره صلى الله عليه وسلم عن عبد الله أنه لا ينال الشهادة وأنه لا يزال على الإسلام حتى يموت خبران عن غيب وقعا على نحو ما أخبر فإن عبد الله مات بالمدينة ملازمًا للأحوال المستقيمة فكان ذلك من دلائل صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى أعلم.

"أما حسَّان" فهو حسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري يكنى أبا الوليد وقيل أبا عبد الرحمن وقيل أبا الحسام ويقال له شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم روى عن عائشة رضي الله عنها أنها وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان والله كما قال شاعره:

متى يبدُ في الدَّاجي البهيم جبينه

يلح مثل مصباح الدجى المتوقد

فمن كان أو من قد يكون كأحمد

نظام لحقَّ أو نكال لملحد

انظر أسد الغابة [2/ 5] وديوان حسان [1/ 465] قال أبو عبيد فضل حسَّان بن ثابت الشعراء بثلاث كان شاعر الأنصار في الجاهلية وشاعر النبي صلى الله عليه وسلم في النبوة وشاعر اليمن كلها في الإسلام وقال أيضًا أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر حسان بن ثابت وقال أبو عبيد وأبو عمرو بن العلاء حسان أشعر أهل الحضر وقال

ص: 68

6229 -

(2470)(26) حدَّثنا عَمْرُو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ. قَال عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ. فَلَحَظَ إِلَيهِ

ــ

الأصمعي حسان أحد فحول الشعراء فقال له أبو حاتم تأتي له أشعار لينة فقال الأصمعي نسبت له وليست له ولا تصح عنه ورُوي عنه أنه قال الشعر نكد يقوي في الشر ويسهل فإذا دخل في الخير ضعف هذا حسان فحل من فحول الجاهلية فلما جاء الإسلام سقط وقيل لحسان لان شعرك أو هرم شعرك في الإسلام يا أبا الحسام فقال إن الإسلام يحجز عن الكذب يعني أن الشعر لا يجوده إلا الإفراط والتزين في الكذب والإسلام قد منع ذلك فقلما يجود شعر من يتقي الكذب وتوفي حسان قبل الأربعين في خلافة علي رضي الله عنه وقيل سنة خمسين وقيل سنة أربع وحمسين ولم يختلفوا أنه عاش مائة وعشرين سنة منها ستون في الجاهلية وستون في الإسلام وكذلك عاش أبوه وجدّه وأدرك النابغة الذبياني والأعشى وأنشدهما من شعره فكلاهما استجاد شعره وقال إنك شاعر اهـ من المفهم.

واستدل المؤلف على فضائل حسان بحديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال:

6229 -

(2470)(26)(حدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي (وإسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (كلهم عن سفيان) بن عيينة (قال عمرو حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد) بن المسيب المخزومي المدني (عن أبي هريرة) رضي الله عنه وهذا السند من خماسياته (أن عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (مرَّ) في زمن خلافته (بحسّان) بن ثابت (وهو) أي والحال أن حسّان (ينشد) أي يقرأ (الشعر) المنظوم أولًا (في المسجد) النبوي (فلحظ) أي أومأ (إليه) عمر بن الخطاب وأشار إليه بلحاظه بأن اسكت واللحاظ بفتح اللام ما يلي الأذن من العين والموق ما يلي الأنف من العين اهـ موهبة ذي الفضل للترمسي على بافضل في فقه الشافعية.

قال القرطبي (قوله إن عمر مرّ بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه) أي أومأ إليه بعينيه أن اسكت عن إنشاد الشعر يدل على أن عمر رضي الله عنه كان يكره

ص: 69

فَقَال: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيرٌ مِنْكَ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيرَةَ. فَقَال: أَنْشُدُكَ اللهَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"أَجِبْ عَنِّي. اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ"؟

ــ

إنشاد الشعر في المسجد وكان قد بنى رحبة خارج المسجد وقال من أراد أن يلغط أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة.

وقد اختلف في ذلك فمن مانع مطلقًا ومن مجيز مطلقًا والأولى التفصيل وهو أن ينظر إلى الشعر فإن كان مما يقتضي الثناء على الله تعالى أو على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الذب عنهما كما كان شعر حسان كذلك أو يتضمن الحضّ على الخير فهو حسن في المساجد وغيرها وما لم يكن كذلك لم يجز لأن الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزين بالباطل ولو سلم من ذلك فأقلّ ما فيه اللغو والهذر والمساجد منزهة عن ذلك لقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن" رواه أحمد [3/ 191] ومسلم [285] بلفظ إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر الحديث.

(فقال) حسان لعمر (قد كنت أنشد) الشعر وأقرؤه بضم الهمزة وكسر الشين من الإنشاد.

"فائدة" والفرق بين الإنشاد والإنشاء عند العروضيِّين أن الانشاد قراءة الشعر الذي وضع أولًا سواء كانت لك أو لغيرك والإنشاء ابتداؤه واختراعه من عندك من غير سابقية له (وفيه) أي والحال أن في هذا المسجد (من هو خير) وأفضل (منك) يا عمر أراد بذلك الأفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثم التفت) حسان (إلى أبي هريرة) وهو في المسجد (فقال) حسان لأبي هريرة (أنشدك الله) أي أسألك يا أبا هريرة بالله الذي لا إله غيره (أسمعت) أي هل سمعت يا أبا هريرة (رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول) لي في هذا المسجد (أجب عنِّي) الكفار يا حسان فيما انتقدوا وتقوّلوا به علي ويقول أيضًا (اللهم أيِّده) وقوّه على الإجابة عني (بـ) ـتلقين من (روح القدس) أي بالروح المقدس أي المطهر عن صفات النقص ككتمان ما أُوحي به إلى الأنبياء ومخالفة ما أُمر به يعني به جبريل عليه السلام كما صرح به في الرواية الأخرى اهجهم أو هاجهم وجبريل معك أي

ص: 70

قَال: اللَّهُمَّ نَعَمْ

ــ

بالإلهام والتذكير والمعونة اهـ من المفهم (قال) أبو هريرة (اللهم) والغرض منه التعجيب أي أستعينك يا إلهي على توفيق الإقرار بما سمعت بقولي (نعم) سمعته صلى الله عليه وسلم يقول لك ذلك قال الأبي والحجة من الحديث إنما هي في إقراره رضي الله عنه لحسان على الإنشاد في المسجد لا في قوله أجب عنّي لأنه أعم من كونه في المسجد أو غيره وبالجملة فإنما يجوز أو يستحب إذا تضمن مصلحة دينية كما تقدم اهـ.

قال الأبي ذكر ابن رشيق من حديث هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى لحسان منبرًا في المسجد ينشد عليه اهـ وقوله "أجب عني" قال القرطبي إنما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأن نفرًا من قريش كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم كابن الزبعرى وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعمرو بن العاص وضرار بن الخطاب فقيل لعلي اهج عنا القوم الذين يهجوننا فقال إن أذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلت فأعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن عليًّا ليس عنده ما يراد من ذلك ثم قال ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم فقال حسان أنا لها وأخذ بطرف لسانه وقال والله ما يسرني به مقول "لسان" ما بين بصرى وصنعاء ذكره الأصبهاني في الأغاني [4/ 137] وكان طويل اللسان يضرب بلسانه أرنبة أنفه وكان له ناصية يسدلها بين عينيه فقال رسول الله كيف تهجوهم وأنا منهم وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي فقال والله لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين فقال أئت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك فكان يمضي لأبي بكر ليقفه على أنسابهم وكان يقول كف عن فلان وفلانة واذكر فلانًا وفلانة فجعل حسان يهجوهم فلما سمعت قريش شعر حسان قالوا إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة فقال حسان رضي الله عنه من بحر الطويل:

ألا أبلغ أبا سفيان أن محمدًا

هو الغصن ذو الأفنان لا الواحد الوغد

ومالك فيهم محتد يعرفونه

فدونك فالصق مثل ما لصق القرد

وإن سنام المجد من آل هاشم

بنو بنت مخزوم ووالدك العبد

ومن ولدت أبناء زهرة منهم

كرام ولم يقرب عجائزك المجد

ص: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ولست كعباس ولا كابن أمه

ولكن لئيم ليس يورى له زند

وإن امرؤ كانت سمية أمه

وسمراء مغموز إذا بلغ الجهد

وأنت هجين نيط في آل هاشم

ما نيط خلف الراكب القدح الفرد

"الأفنان" الأغصان واحدها فنن "والوغد" الدنيء من الرجال "والمحتد" الأصل "ودونك" ظرف قصد به الإغراء والمغرى به محذوف تقديره فدونك محتدك فالصق به والعرب تغري بـ (عليك وإليك ودونك)"وسنام المجد" أرفعه والمجد الشرف قال أبو عمر "بنت مخزوم" هي فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم وهي أم أبي طالب وعبد الله والزبير بني عبد المطلب وقوله "ومن ولدت أبناء زهرة" يعني حمزة وصفية أُمهما هالة ابنة أهيب بن عبد مناف بن زهرة والعباس هو ابن عبد المطلب وابن أمه شقيقه ضرار بن عبد المطلب أمهما نسيبة امرأة من النمر بن قاسط وسمية أم أبي سفيان وسمراء أم أبيه واللؤم اسم للبخل ودناءة الأفعال والأباء والمغموز المعيب المطعون فيه والهجين من كانت أمه دنية والمقرف من كان أبوه دنيًا "ونيط" ألصق وعلق "والقدح" يعني به قدح الراكب الذي يكون تعليقه بعد إكمال وقر البعير لأنه لا يحفل به ومنه الحديث إلا تجعلوني كقدح الراكب" رواه عبد بن حميد والبزار في مسنديهما وعبد الرزاق في جامعه وابن أبي عاصم في الصلاة والتيمي في الترغيب والبيهقي في الشعب والضياء وأبو نعيم في الحلية كلهم من طريق موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف والحديث غريب.

قال الأبي بعث كعب بن زهير إلى أخيه يحيى ينهاه عن الإسلام وتكلم في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه أخوه يحيى ويحك يا كعب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوعدك لما بلغه عنك وكان أوعد رجالًا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه فقتل منهم ابن قطن وابن صبابة وغيرهما وهرب ابن الزبعرى وابن أبي وهب كل في وجه فإن كان لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل من جاء تائبًا وإلا فانح إلى نجائك فإنه والله قاتلك فضاقت بكعب الأرض فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متنكرًا فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وضع كعب يده في يده وقال يا رسول الله إن كعب بن زهير أتى تائبًا مستامنًا أفأُؤمنه فآتيك به فقال هو آمن فحسر كعب عن وجهه وقال

ص: 72

6230 -

(0)(0) حدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ حَسَّانَ قَال، فِي حَلْقَةِ فِيهِمْ أَبُو هُرَيرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ، يَا أَبَا هُرَيرَةَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: فَذَكَرَ مِثْلَهُ

ــ

مكان العائذ بك أنا كعب فأمنه وأنشده قصيدته المشهورة التي أوَّلها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيم إثرها لم يفد مكبول

حتى قال في وسطها:

فقد أتيت رسول الله معتذرًا

والعذر عند رسول الله مقبولُ

فتجاوز عنه ولم ينكر عليه إنشادها ووهب له بردته فاشتراها منه معاوية بثلاثين ألف درهم وهي التي يتوارثها الخلفاء فيلبسونها في الجمع والأعياد تبركًا وذكر جماعة أنه وهبه معها مائة من الإبل اهـ من الأبي.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [5/ 222] والبخاري في مواضع منها في الأدب باب هجاء المشركين [6152] وأبو داود في الأدب باب ما جاء في الشعر [5513] والنسائي في كتاب المساجد باب الرخصة في إنشاد الشعر في المسجد [715] اهـ تحفة الأشراف ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال:

6230 -

(0)(0)(حدثناه إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (ومحمد بن رافع) بن الفرافصة القشيري النيسابوري ثقة من (11)(وعبد بن حميد) بن نصر الكسي ثقة من (11) كلهم رووا (عن عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني ثقة من (9)(أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري ثقة من (7)(عن الزهري عن) سعيد (بن المسيب) المخزومي المدني وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة معمر لسفيان بن عيينة (أن حسان) بن ثابت (قال) لأبي هريرة (في حلقة) كان (فيهم أبو هريرة أنشدك الله يا أبا هريرة أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث (فذكر) معمر (مثله) أي مثل حديث سفيان بن عيينة.

ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال:

ص: 73

6231 -

(0)(0) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ يَسْتَشهِدُ أَبَا هُرَيرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ، هَل سَمِعْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ". قَال أَبُو هُرَيرَةَ: نَعَمْ.

6232 -

(2471)(27) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، (وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ)،

ــ

6231 -

(0)(0)(حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن بهرام (الدارمي) السمرقندي ثقة متقن من (11) روى عنه في (14) بابا (أخبرنا أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي الحمصي ثقة من (15) روى عنه في (6) أبواب (أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة دينار الأموي مولاهم الحمصي ثقة ثبت من (7) روى عنه في (5) أبواب (عن الزهري) قال الزهري (أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ثقة من (3)(أنه) أي أن أبا سلمة (سمع حسان بن ثابت الأنصاري) المدني رضي الله عنه (يستشهد أبا هريرة) رضي الله عنه أي يطلب منه الشهادة له على قول النبي صلى الله عليه وسلم له أجب يا حسان حالة كون حسان يقول في استشهاده (أنشدك الله) أي أسألك بالله يا أبا هريرة (هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول) لي (يا حسان أجب) الكفار في الدفاع (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجوهم له وللمسلمين ثم يقول (اللهم أيده) أي أيد حسان وقوه وأعنه في دفاع الكفار (بروح القدس) أي بالروح المقدس والملك المقرّب والأمين المؤتمن يعني به جبريل الأمين عليه السلام (قال أبو هريرة) لحسان (نعم) سمعته صلى الله عليه وسلم يقول ذلك وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة أبي سلمة لسعيد بن المسيب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة فالمتابعة تامّة أو بيان متابعة شعيب لسفيان ومعمر فالمتابعة ناقصة ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث البراء رضي الله عنهما فقال:

6232 -

(2471)(27)(حدثنا عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري البصري ثقة من (9)(حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري ثقة إمام من (7) روى عنه في (30) بابًا تقريبًا (عن عدي وهو ابن ثابت)

ص: 74

قَال: سَمِعْتُ الْبَراءَ بْنَ عَازِبٍ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: "اهْجُهُمْ، أَوْ هَاجِهِمْ، وَجِبْرِيلُ مَعَكَ".

6233 -

(0)(0) حَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكرِ بْنُ نَافِعٍ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثلَهُ

ــ

الأنصاري الكوفي ثقة من (4) روى عنه في (9) أبواب (قال) عدي (سمعت البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الكوفي رضي الله عنه وهذا السند من خماسياته (قال) البراء (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت اهجهم) أي اهج المشركين أي اشتمهم وسبّهم من هجا يهجو من باب دعا (أو) سمعته قال (هاجهم) أي دافع هجوهم عني وعن المسلمين من هاجى يهاجي مهاجاة من المفاعلة تفيد المشاركة من الجانبين والشك من الراوي أو ممن دونه (وجبريل) عليه السلام (معك) بالإلهام والتلقين والمعونة وهذا الحديث مفسر للحديث السابق في بيان أن المراد من روح القدس جبريل عليه السلام وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [4/ 302] والبخاري في مواضع منها في المغازي باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب [4123 و 4124]، ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث البراء رضي الله عنه فقال:

6233 -

(0)(0)(حدثنيه زهير بن حرب حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي البصري (ح وحدثني أبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع) العبدي البصري صدوق من (10) روى عنه في (9) أبواب (حدثنا غندر) محمد بن جعفر الهذلي البصري (ح وحدثنا) محمد (بن بشار حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن) بن مهدي وقوله كلهم) تحريف من النساخ والصواب "كلاهما" أي كل من عبد الرحمن ومحمد بن جعفر رويا (عن شعبة بهذا الإسناد) يعني عن عدي عن البراء وساقا (مثله) أي مثل ما روى معاذ بن معاذ غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي لمعاذ بن معاذ.

ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث عائشة رضي الله عنهما فقال:

ص: 75

6234 -

(2472)(28) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَن حَسَّانَ بْنَ ثَابِتِ كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَى عَائِشَةَ. فَسَبَبْتُهُ. فَقَالتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، دَعْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

6235 -

(0)(0) حدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ

ــ

6234 -

(2472)(28)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني (قالا حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي (عن هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (أن حسان بن ثابت) رضي الله عنه (كان ممن كثَّر) أي أكثر الكلام في الإفك (على عائشة) رضي الله عنها قال عروة (فسببته) أي فسببت حسان وشتمته عند عائشة (فقالت) لي عائشة (يا ابن أختي) أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه (دعه) أي اتركه على حاله ولا تسبّه (فإنه) أي فإن حسان (كان ينافح) أي يدافع ويناضل الكفار (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هجوهم له وللمسلمين وهذا السند من خماسياته وقوله "ممن كثر" بتشديد المثلثة من التكثير أي أكثر في الطعن عليها في قصة الإفك على ما هو المشهور وسيأتي ما فيه قوله "ينافح" أي يدافع ويُرامي يقال نفحت الدابة إذا رمت بحوافرها ونفحه بالسيف إذا تناوله من بعد وأصل النفح الضرب وقيل للعطاء نفح لأن المعطي يضرب السائل به وهذا الحديث أخرجه البخاري في المناقب باب من أحبّ أن لا يسبّ نسبه [3531] وفي المغازي باب حديث الإفك [4145] وفي الأدب باب هجاء المشركين [6150].

ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة هذا رضي الله عنها فقال:

6235 -

(0)(0)(حدثناه عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفي ثقة من (8) روى عنه في (12) بابا (عن هشام) بن عروة (بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن عائشة غرضه بيان متابعة عبدة بن سليمان لأبي أسامة.

ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر لعائشة رضي الله عنها فقال:

ص: 76

6236 -

(0)(0) حدّثني بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ. قَال: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا. يُشَبِّبُ، بِأَبْيَاتٍ لَهُ. فَقَال:

ــ

6236 -

(0)(0)(حدثني بشر بن خالد) الفرضي نسبة إلى علم الفرائض البصري ثقة من (10) روى عنه في (4) أبواب (أخبرنا محمد يعني ابن جعفر) الهذلي البصري غندر (عن شعبة عن سليمان) بن مهران الكاهلي الأعمش الكوفي ثقة من (5) روى عنه في (13) بابا (عن أبي الضحى) مسلم بن صُبيح الهمداني الكوفي ثقة من (4) روى عنه في (5) أبواب (عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني أبي عائشة الكوفي ثقة مخضرم من (2) روى عنه في (11) بابا (قال دخلت على عائشة) رضي الله عنها وهذا السند من سباعياته (وعندها) أي دخل مسروق على عائشة والحال أن عندها (حسان بن ثابت ينشدها) أي ينشد حسان ويقرأ عليها (شعرًا) حالة كونه (يشبب) ويتغزّل ويذكر (بأبيات له) أي من الشعر واللام بمعنى من والتشبب والتغزل بمعنى واحد وهو ذكر محاسن النساء مرادًا بهن محبوبه إذا كانت غير معينة كما فعله كعب بن زهير في قصيدته (بانت سعاد) اهـ من شرحنا نيل المراد على بانت سعاد.

والتشبب وإن كان أصل معناه التغزل بامرأة وذكر حسنها وشبابها لكنه قد يتوسع فيه باستعماله في مطلق إنشاد الشعر وإن لم يكن فيه تغزل وهو المراد هنا والمقصود هنا مدح عائشة رضي الله عنها والمعنى حينئذ هنا أي يقرأ عليها شعرًا حالة كونه يشببها ويمدحها بأبيات له من بحر الطويل الذي أجزاؤه (فعولن مفاعيلن) أربع مرات قال في المصباح يقال شبب الشاعر بفلانة تشبيبًا قال فيها الغزل وعزض بحبها وشبب قصيدته حسنها وزينها بذكر أوصاف النساء قال النووي معناه يتغزل كذا فسره في المشارق (فقال) حسان في مدحها بقصيدة مطلعها على ما ذكره السهيلي في الروض الأنف [4/ 23 و 24].

لقد ذاق عبد الله ما كان أهله

وحمنة إذ قالوا هجيرًا ومسطح

حصان رزان ما تزن بريبة

وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

ص: 77

حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ

وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ

فَقَالت لَهُ عَائِشَةُ: لكِنَّكَ لَسْتَ كَذلِكَ

ــ

قوله (حصان) بفتح الحاء والصاد من الإحصان وهو الامتناع من الرجال من نظرهم إليها والعفة وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي أي عائشة حصان أي محصنة عفيفة محفوظة من الأنظار السيئة وقوله (رزان) خبر ثان أو معطوف على حصان بعاطف مقدر أي وهي رزان بتقديم الراء على الزاي أي كاملة العقل ثقيلة الدين من الرزانة وهو كمال العقل يقال رزن الرجل رزانة فهو رزين إذا كان وقورًا ورزنت المرأة رزانة فهي رزان إذا كانت كاملة العقل وقوله (ما تزن) بالبناء للمجهول خبر ثالث أي ما تتهم (بريبة) أي بفاحشة وسيئة من الزن وهو الرمي والقذف والريبة السيئة والفاحشة (وتصبح) أي وتكون عائشة (غرثى) أي عطشى جائعة (من) أكل (لحوم) المؤمنات (الغوافل) جمع غافلة جمع تكسير أي من أكل لحوم المؤمنات الغافلات عن الفواحش العفيفات من الزنا والمعنى أنها لا تغتاب واحدة من النساء العفائف لأن الله تعالى وصف الغيبة بأكل لحم الأخ الميت وفيه تعريض لحمنة بنت جحش.

وقوله غرثى وصف مؤنث من الغرث وهو الجوع يقال رجل غرثان وامرأة غرثى كعطشان وعطشى ويعني حسان بهذا البيت أن عائشة رضي الله عنها في غاية العفة والنزاهة عن أن تزن وتتهم بريبة وفاحشة ثم وصفها بكمال العقل والوقار والورع المانع له من أن تتكلم بعرض غافلة عفيفة وشبّهها بالغرثى لأن بعض الغوافل قد كان هو آذاها فما تكلمت فيها وهي حمنة بنت جحش فكأنها كانت بحيث تنتصر ممن آذاها بأن تقابلها بما يؤذيها لكن حجزها عن ذلك دينها وعقلها وورعها اهـ من المفهم.

وقوله (فقالت له) أي لحسان (عائشة) رضي الله عنها معطوف على قال الأولى (لكنك) يا حسان (لست كذلك) أي غرثان عن لحوم الغوافل لأنك كنت مع أصحاب الإفك تعني أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل وظاهر هذا الحديث أن حسان كان ممن تكلم بالإفك وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الإفك الطويل الذي يأتي فيه أن الذين تكلموا بالإفك مسطح وحسان وحمنة وعبد الله بن أبي ابن سلول غير أنه قد حكى أبو عمر أن عائشة رضي الله عنها قد برأت حسان من الفرية وقالت إنه لم يقل شيئًا وقد أنكر حسان أن يكون قد قال من ذلك شيئًا في البيت المذكور فيما بعد هذا البيت المذكور آنفًا من القصيدة حيث قال:

ص: 78

قَال مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ يَدْخُلُ عَلَيكِ؟ وَقَدْ قَال اللهُ: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]. فَقَالت: فَايُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ، أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

6237 -

(0)(0) حدّثناه ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، فِي هذَا الإِسْنَادِ

ــ

فإن كان ما قد قيل عني قلته

فلا رفعت سوطي إلى أناملي

فيحتمل أن يقال إن حسان يعني أن يكون قال ذلك نصًّا وتصريحًا ويكون قد عرض ذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه والله أعلم وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا وهل جلد الحد أم لا فالله أعلم أي ذلك كان اهـ من المفهم.

(قال مسروق) بالسند (فقلت لها) أي لعائشة (لم تأذنين له) أي لحسان أن (يدخل عليك و) الحال أنه (قد قال الله) عز وجل في كتابه الكريم: ({وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ})[النور: 11] أي كبر الإفك وأشده {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]، فقالت) عائشة لمسروق إنه عذب في الدنيا بفقد البصر (فأي عذاب أشد من العمى) أي من فقد البصر وظاهر هذا الكلام يدل على أن حسان كان ممن تولى كبره وهذا بخلاف ما قاله عروة عن عائشة رضي الله عنها إن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول وأنه هو الذي كان يستوشيه ويجمعه ويجاب عنه بأن الذي تولى كبره صريحًا هو عبد الله بن أبي وحسان كان ممن صدقه ولم يكذبه في ذلك فلذلك تلا مسروق هذه الآية في معرض ذكر حسان رضي الله عنه ثم عللت الإذن له في الدخول عليها بقولها (إنه كان ينافح أو يُهاجي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وإنما أذنت له في الدخول علي لأنه كان ينافح ويدافع هجو الكفار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أو" قالت عائشة إنه كان يهاجي أي يدفع هجو الكفار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهجوهم والمعنى واحد وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في تفسير سورة النور بابٌ ويبين الله لكم الآيات [4756] ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث فقال:

6237 -

(0)(0)(حدثناه) محمد (بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) محمد السلمي وقيل هو نفس إبراهيم وكنيته البصري ثقة من (9) روى عنه في (7) أبواب (عن شعبة) بن الحجاج (في هذا الإسناد) المذكور أي بهذا

ص: 79

وَقَال: قَالتْ: كَانَ يَذُبُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَلَمْ يَذكُرْ: حَصَانٌ رَزَانٌ.

6238 -

(2474)(30) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَّامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ

ــ

السند السابق يعني عن سليمان عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة غرضه بيان متابعة ابن أبي عدي لمحمد بن جعفر (و) لكن (قال) ابن أبي عدي في روايته لفظة (قالت) عائشة (كان) حسان (يذبُّ) ويدفع (عن رسول الله صلى الة عليه وسلم ولم يذكر) ابن أبي عدي البيت السابق يعني (حصان رزان) وتمام هذه الأبيات التي أنشدها حسَّان على عائشة رضي الله عنها:

حصان رزان ما تزن بريبة

وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

عقيلة حي من لؤي بن غالب

كرام المساعي مجدهم غير زائل

مهذبة قد طيّب الله خيمها

وطهّرها من كل سوء وباطل

فإن كنت قد قلت الذي زعموا لكم

فلا رفعت سوطي إلي أناملي

وكيف وودِّي ما حييت ونصرتي

لآل رسول الله زين المحافل

له رتب عال على الناس كلهم

تقاصر عنه سورة المتطاول

فإن الذي قد قيل ليس بلائط

ولكنه قول امرئ بي ماحل

وزاد الحاكم في رواية له من غير رواية ابن إسحاق:

حليلة خير الخلق دينًا ومنصبًا

نبي الهدى والمكرمات الفواضل

رأيتك وليغفر لك الله حرة

من المحصنات غير ذات الغوائل

ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر لعائشة رضي الله عنها فقال:

6238 -

(2474)(30)(حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا يحيى بن زكرياء) بن أبي زائدة خالد بن ميمون الهمداني الكوفي ثقة من (9) روى عنه في (12) بابا (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله عنها وهذا السند

ص: 80

قَالتْ: قَال حَسَّانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ. قَال:"كَيفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ " قَال: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِيرِ. فَقَال حَسَّانُ:

وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ

بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ. وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ

ــ

من خماسياته (قالت) عائشة (قال حسان) بن ثابت (يا رسول الله ائذن لي في) هجو (أبي سفيان) المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وقيل اسمه كنيته اهـ من الإصابة القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخيه من الرضاعة أرضعتهما حليمة السعدية وكان ممن يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ من الإصابة. وذلك قبل أن يتشرَّف أبو سفيان بالإسلام وكان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في ذلك الوقت ثم أسلم وحسن إسلامه.

(قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (كيف) تفعل (بقرابتي) ونسبي (منه) أي من أبي سفيان هل تسبني معه أو تخرجني من سبه يعني أن من عادة الشعراء أنهم حين يهجون رجلًا فإنما يعيبون نسبه وإنك إن هجوت أبا سفيان وعيبت نسبه فإن ذلك يرجع إلى نسبي لما لي من العلاقة القريبة بآبائه (قال) حسان (والذي) أي أقسمت بالإله الذي (كرمك) وشرفك بالحق (لأسلَّنك) أي لأخرجنَّ نسبك (منهم) أي من هجو قريش بحيث لا يصدق عليك الهجو سلًّ (كما تسل الشعرة) أي إخراجًا كإخراج الشعرة الساقطة في العجين (من الخمير) أي من العجين والخمير في الأصل الشيء الذي يخلط بالعجين فيصلح بسببه للخبز كما هو معروف عند الخبازين ولكن المراد هنا نفس العجين قال القرطبي ومعناه لأتلطفنَّ في تخليص نسبك من هجوهم بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو كما أن الشعرة إذا سلت من العجين لا يبقى منها شيء بخلاف ما لو سلت من شيء صلب فإنها ربما انقطعت فبقيت فيه منها بقية (فقال حسَّان) أي أنشد القصيدة التي منها هذا البيت وهي قوله:

ألا أبلغ أبا سفيان أن محمدًا

هو الغصن ذو الأفنان لا الواحد الوغدُ

وما لك فيهم محتد يعرفونه

فدونك فالصق مثل ما لصق القُردُ

وإن سنام المجد من آل هاشم

بنو بنت مخزوم ووالدك العبدُ

ومن ولدت أبناء زهرة منهم

كرام ولم يقرب عجائزك المجدُ

ص: 81

قَصِيدَتَهُ هذِهِ.

6239 -

(00)(00) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذا الإِسْنَادِ. قَالتِ: اسْتَأذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي هِجَاءِ الْمُشرِكِينَ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سُفْيَانَ. وَقَال بَدَلَ -الْخَمِيرِ- الْعَجِينِ.

6240 -

(2475)(31) حدَّثنا عَبدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيبِ بْنِ اللَّيثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلالٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ،

ــ

أي قال حسان في هجوهم هذا البيت حتى أكمل (قصيدته هذه) التي منها هذا البيت والأبيات السبعة التي ذكرناها سابقًا وهذه القصيدة مثال لما فعله حسان من هجو نسب أبي سفيان وإخراج نسب رسول الله منه وراجع لهذه القصيدة وشرحها ديوان حسان بن ثابت وشرحه للبرقوقي وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث فقال:

6239 -

(00)(00)(حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفي (حدثنا هشام بن عروة بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن عائشة وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة عبدة بن سليمان ليحيى بن زكرياء (قالت) عائشة (استأذن حسان بن ثابت النبي صلى الله عليه وسلم في هجاء المشركين) أي مشركي مكة يعني قريشًا (ولم يذكر) عبدة (أبا سفيان) بن الحارث بخصوصه كما ذكره يحيى بن زكرياء (وقال) عبدة في روايته (بدل الخمير) لفظة (العجين) والعجين دقيق يعجن فيخبز.

ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر لعائشة رضي الله عنها فقال:

6240 -

(2475)(31)(حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري ثقة من (11)(حدثني أبي) شعيب ثقة من (10)(عن جدي) ليث بن سعد ثقة من (7)(حدثني خالد بن يزيد) الجمحي أبو عبد الرحيم المصري الإسكندراني ثقة من (6) روى عنه في (8) أبواب (حدثني سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم المصري صدوق من (6) روى عنه في (11) بابا (عن عمارة بن غزية) بن

ص: 82

عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال:"اهْجُوا قُرَيشًا. فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيهَا مِنْ رَشقٍ بِالنَّبْلِ" فَأرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَال: "اهْجُهُمْ" فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ

ــ

الحارث بن عمرو الأنصاري المازني المدني ثقة من (6) روى عنه في (8) أبواب (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي المدني ثقة من (4) روى عنه في (11) بابا (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ثقة من (3) روى عنه في (14) بابا (عن عائشة) رضي الله عنها وهذا السند من تساعياته كما ذكرناه في البويطية (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اهجوا) أيها الشعراء من المسلمين (قريشًا) أي مشركيها (فإنه) أي فإن هجوهم (أشدّ عليها) أي أضرّ على قبيلة قريش وأشد تأثيرًا في قلوبهم بانكسارها (من رشق) أي من رمي لهم (بالنبل) أي بالسهام والرشق بفتح الراء هو الرمي بالنبل وهي السهام وأما الرشق بكسر الراء فهو اسم للنبل التي ترمى دفعةً لا يتقدم منها شيء قال القاضي عياض وفيه جواز هجو المشركين وإذايتهم بكل ما يقدر عليه وجواز سبهم في وجوههم وأنه لا غيبة في كافر ولا فاسق معلن بفسقه وأما أمره صلى الله عليه وسلم بهجائهم مع أنه لم يكن فاحشًا ولا يأمر بالفحشاء وطلبه لنفر من أصحابه واحدًا بعد واحد ولم يرض بقول الأول والثاني حتى أمر حسان فإنما المقصود نكايتهم وكف إذايتهم بهجوهم المسلمين لأنهم إذا علموا أنهم يجابون عن قولهم كفوا وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية وكذلك يجب أن لا يبدأ المشركون بالسب والهجاء خوف هذا أي خوف سبهم لله تعالى وتنزيهًا لألسنة المسلمين عن الفحشاء إلا أن تدعو ضرورة لابتدائهم ككف أذاهم اهـ من الأبي وكان الشعر في ذلك الزمان من أقوى وسائل الدعاية والإعلام فاستعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم للانتصار للإسلام فيؤخذ منه أن تستخدم مثل هذه الوسائل المباحة لنشر دعوة المسلمين وللرد على الكفار المعاندين للإسلام وأهله بما فيه نكاية لهم ومدافعة لشرهم (فأرسل) رسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا (إلى) عبد الله (بن رواحة) الأنصاري فجاء ابن رواحة (فقال) له رسول الله صلى الله عليه وسلم (اهجهم) أي اهج المشركين يا عبد الله واشتمهم دفاعًا عن المسلمين (فهجاهم) ابن رواحة (فلم يُرض) النبي صلى الله عليه وسلم هجاؤه إياهم أي لم يعجبه ولم يشفه بضم الياء من أرضى

ص: 83

فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ، قَال حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ. ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ. فَقَال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لأَفْرِيَنَّهمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الأدِيمِ

ــ

الرباعي (فأرسل) رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيًا (إلى كعب بن مالك) الأنصاري فجاء فقال له اهجهم فهجاهم فلم يرض يشف النبي صلى الله عليه وسلم هجاؤه إياهم (ثم أرسل) ثالثًا (إلى حسان بن ثابت) الأنصاري فجاء (فلما دخل) حسان (عليه) أي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد.

(قال حسان) لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن معه من الصحابة (قد آن) أي قد حان وقرب وظهر (لكم) الآن (أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب) جنبيه (بذنبه) لاغتياظه وغضبه قال العلماء المراد بذنبه هنا لسانه شبه حسان نفسه بالأسد في انتقامه وبطشه إذا اغتاظ وحينئذ يضرب بذنبه جنبيه كما فعل حسان بلسانه حين أدلعه فجعل يحرِّكه فشبه نفسه بالأسد ولسانه بذنبه اهـ نووي.

قال القرطبي: (وقول حسان قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه) هذا القولُ منه مدح لنفسه شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب فحمي وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبي صلى الله عليه وسلم واحتدَّ لذلك واستحضر في ذهنه هجو قريش فتصوره وأحس أنه قد أعين على ذلك ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فقال تلك الكلمات مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه وأنه قد أجيب فيه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك وتنزل هذا الافتخارُ في هذا الموطن منزلةَ افتخار الأبطال في حال القتال فإنهم يمدحون أنفسهم ويذكرون مآثرهم ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا وذلك يدل على ثبوت الجأش وشجاعة النفس وقوة العقل والصبر وإظهار كل ذلك للعدو إغلاظ عليهم وإرهاب لهم وكل هذا الافتخار يوصل إلى رضا الغفار فلا عتب ولا إنكار اهـ من المفهم.

(ثم أدلع) حسان (لسانه) أي أخرجه عن الشفتين يقال دلع لسانه وأدلعه ودلع اللسان بنفسه أخرجه وحركه كأنه بعده للإنشاد (فجعل يحرّكه فقال والذي بعثك) وأرسلك (بالحق لأفرينّهم بلساني فري الأديم) أي لأمزقنهم بالهجو كما يمزق الجلد بعد الدباغ فإنه يقطع خفافًا ونعالًا وغير ذلك وتشبيه حسان نفسه بالأسد الضارب بذنبه

ص: 84

فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَعْجَلْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيشٍ بِأنْسَابِهَا. وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا. حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي" فَأَتَاهُ حَسَّانُ. ثُمَّ رَجَعَ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ.

قَالتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ، مَا نَافَحْتَ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ"

ــ

بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وإقرار الكل عليه دليل على بطلان قول من نسب حسان إلى الجبن ويتأيد هذا بأن حسان لم يزل يهاجي قريشًا وغيرهم من خيار العرب ويهاجونه ولم يعيره أحدٌ منهم بالجبن ولا نسبه إليه والحكايات المنسوبة إليه في ذلك أنكرها كثير من أهل الأخبار وقيل إن حسان أصابه الجبن عندما ضربه صفوان بن المعطّل بالسيف فكأنه اختل في إدراكه والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.

والمعنى لأمزقن أعراضهم تمزيق الجلد المدبوغ اهـ نووي من الفري والفري في الأصل القطع (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان رضي الله عنه (لا تعجل) يا حسان في هجوهم حتى تستخبر أبا بكر عن نسبي فيهم (فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وانّ لي فيهم) أي في قريش (نسبًا) أي قرابة أي فاذهب إلى أبي بكر (حتى يلخص لك نسبي) فيهم أي حتى يبين لك خلاصة نسبي فيهم وقرابتي منهم (فأتاه) أي فأتى أبا بكر (حسان) بن ثابت فذكر أبو بكر له خلاصة نسبه صلى الله عليه وسلم فيهم (ثم رجع) حسان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(فقال) حسان له صلى الله عليه وسلم (يا رسول الله قد لخص لي نسبك) فيهم أي قد ذكر لي أبو بكر خلاصة نسبك منهم (والذي بعثك بالحق لأسلنَّك) أي لأخرجنَّ نسبك (منهم) أي من نسبهم (كما تسل) وتخرج (الشعرة من العجين) بلا بقاء شيء منها في العجين ويقال إنه لما بلغ أبا سفيان بن الحارث قصيدة حسان المذكورة قال هذا شعر لم يغب عنه ابن أبي قحافة كذا في ديوان حسان (قالت عائشة) رضي الله عنها بالسند السابق (فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان إن روح القدس) جبريل الأمين (لا يزال يؤيدك) أي يقويك ويساعدك ويلهمك (ما نافحت) ودافعت به (عن الله) سبحانه (و) عن (رسوله) صلى الله عليه وسلم أو مدة منافحتك على أن ما مصدرية ظرفية والمنافحة

ص: 85

وَقَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "هَجَاهُم حَسَّانُ فَشَفَى وَاشتَفَى".

قَال حَسَّانُ:

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ

وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ

ــ

المخاصمة والمجادلة والمدافعة من النفح وهو الدفع يقال نفحت الناقة الحالب برجلها أي دفعته وركضته ونفحه بسيفه أي ضربه به من بعيد اهـ من المفهم (وقالت) عائشة أيضًا (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هجاهم) بصيغة الماضي فاعله (حسان) أي هجا حسان المشركين أي دافع هجوهم عن الإسلام والمسلمين (فشفى) حسان الألم الذي أحدثه هجوهم في الإسلام والمسلمين وعالجه بهجوه إياهم (واشتفى) هو في نفسه أي أصاب شفاء بثأره منهم بما ناله من أعراضهم.

(قال حسان) أي أنشد حسان بن ثابت رضي الله عنه قصيدته في هجو المشركين لم يرو مسلم أولها وقد ذكرها بكمالها ابن إسحاق وقد ذكرها القرطبي والأبي والسنوسي في شروحهم فراجعها إن شئت واقتصر مسلم منها على ثلاثة عشر بيتًا واقتصرنا نحن على شرح ما ذكره الإمام مسلم رحمه الله تعالى خوفًا من الإطالة لأن شرحنا هذا مختصر إنما وضعناه تحنيكًا للأطفال باصطلاحات مسلم وتنبيهًا للرجال على دقائقه ولطائفه أي أنشد حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطبًا لأبي سفيان بن الحارث المبتلى بهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه فذكر الأول منها بقوله:

(هجوتَ محمدًا فأجبت عنه

وعند الله في ذاك الجزاء)

(هجوت) أي شتمت يا أبا سفيان (محمدًا) صلى الله عليه وسلم (فأجبت عنه) أي عن هجائك إياه (وعند الله) خبر مقدم (في ذاك) أي على ذاك الجواب متعلق بقوله (الجزاه) وهو مبتدأ مؤخر أي والجزاء الحسن على ذاك الجواب عنه مدخر لي عند الله تعالى والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله فأجبت عنه أو حال من فاعل أجبت والتقدير فأجبت عنه حالة كوني راجيًا ادخار الجزاء الحسن لي عند الله سبحانه وتعالى على ذاك الجواب ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنشده هذا البيت قال له

ص: 86

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تَقِيًّا

رَسُولَ اللهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ

فَإِنَّ أبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي

لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وقَاءُ

ــ

"جزاؤك عند الله الجنة" انظر الأغاني [4/ 163] للشيخ الأصبهاني اهـ من المفهم.

(هجوت) أي سببت (محمدًا) صلى الله عليه وسلم (برًا) أي فاعل البر والخير لعباد الله الذي من أجله الدعوة إلى التوحيد (تقيًّا) أي ممتثلًا لأوامر الله تعالى ومجتنبًا عن نواهيه وفي رواية بدله (حنيفًا) أي مائلًا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق قال الأبي ويُروى بدل هذا الشطر "هجوت مباركًا برًّا تقيًّا" والبر الواسع الخير والنفع من البر بالكسر وهو الاتساع بالإحسان وهو اسم يجمع الخير كله ويكون البر أيضًا بمعنى المنزه عن المآثم ومنه بيع مبرور إذا لم يخالطه كذب وحج مبرور لا يخالطه ذنب ولا مأثم ومعنى "حنيفًا" في الرواية الأخرى مستقيمًا من الحنف وهو الاستقامة وسُمي الرجل المائل أحنف تفاؤلًا وقيل بل أصل الحنف الميل والحنيف المائل إلى الشيء والمسلم حنيف وسميت ملة إبراهيم الحنيفية لميلها إلى الرشد والخير والحنيف أيضًا الذي على ملة إبراهيم عليه السلام ودينه وقوله (برًّا تقيًّا) صفتان لمحمد وقوله (رسول الله) عطف بيان منه وقوله: (شيمته الوفاء) مبتدأ وخبر والجملة الاسمية صفة ثالثة لمحمد ومعنى "شيمته" أي خُلقه (الوفاء) للوعد ضد الغدر والخديعة وقال القرطبي والشيمة والسجية والسليقة والخليقة والجبلة كلها بمعنى وهو الطبيعة وقال غيره والشيمة بكسر الشين الخُلقُ بضمتين يجمع على شيم بكسر الشين وفتح الياء وذكر الثالث منها بقوله:

(فإن أبي ووالده وعرضي

لعرض محمد منكم وقاءُ)

والفاء في قوله (فإن أبي) تعليلية لأنه عقل بها قوله فأجبت عنه وإنما قلت فأجبت عنه لأن أبي وكذا أمي (ووالده) بالنصب معطوف على اسم إن أي وإن والد أبي وهو جده (وعرضي) وعرض الإنسان موضع المدح والذم منه قال ابن قتيبة يعني بالعرض هنا النفس وهو معطوف على اسم إن أيضًا والجار في قوله (لعرض محمد) أي لنفس محمد وكذا قوله (منكم) متعلق بقوله (وفاء) وهو خبر إن والمعنى عليه على ما قاله ابن قتيبة فإن أبي وأبا أبي ونفسي وقاية وستارة لنفس محمد منكم وفداء لها وقال غيره والعرض هنا هو الحرمة التي تنتهك بالسب والغيبة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم "إن دماءكم

ص: 87

ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا

تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَي كَدَاءِ

ــ

وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا" رواه مسلم وأصحاب السنن إلا الترمذي والوقاء بكسر الواو وبالقاف وبالمد وكذا الوقاية ما وقيت به الشيء وسترته عما يصيبه وذكر الرابع منها بقوله:

(ثكلت بنيَّتي إن لم تروها

تثير النقع من كنفي كداء)

(ثكلت) بضم التاء للمتكلم من باب فرح قال السنوسي الثكل فقد الولد (بُنيَّتي) بضم الباء وتشديد الياء تصغير بنت أي فقدت بنتي وهو دعاء على ابنته بالموت وعند النووي بكسر الباء وتخفيف الياء أي فقدت نفسي لأن البنية بمعنى النفس المركبة من أجزاء كثيرة والضمير في (إن لم تروها) عائد على الخيل وإن لم يجر لها ذكر لكنها تفسرها الحال والمشاهدة (تثير) بضم التاء من الإثارة وجملة (النقع) أي ترفع الغبار وتهيجه وتحرّكه حال من ضمير المفعول في تروها لأن الرؤية هنا بصرية وقوله: (من كنفي كداءُ) متعلق بتثير والكنفان بفتحتين تثنية كنف الجانبان وكداء بفتح الكاف وبالمد ثنية بأعلى مكة بين مقبرة الحجون والعتيبية وكدى بضم الكاف والقصر ثنية في أسفل مكة على طريق إبراهيم الخليل عليه السلام وكداء هنا مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة في آخره وحينئذ يدخل في القافية عيب الإقواء وهو مخالفة حركة الروي لحركة ما قبلها وما بعدها لأن حركة ما قبلها وما بعدها الضم وحركته الكسرة وفي هامش المفهم الإقواء هو اختلاف حركة الإعراب في القوافي اهـ خزانة الأدب [4/ 200] ولكن وقع هذا الشعر في بعض الروايات بلفظ "موعدها كداء" وفي بعضها "غايتها كداءُ" وهو أوفق بقوافي القصيدة وأبعد عن عيب الإقواء وجاء هذا الشعر في ديوان حسان هكذا:

عدمنا خيلنا إن لم تروها

تثير النقع موعدها كداء

وهو حينئذ سليم عن عيب الإقواء وعن الإضمار للخيل قبل ذكرها ومعنى البيت فقدت ابنتي بموتها إن لم تروا أيها المشركون خيول المسلمين حالة كونها مثيرة الغبار في حوالي مكة للإغارة عليكم والمراد أنكم سوف ترون خيول المسلمين تغير عليكم في جوانب مكة وإن لم تفعل فإني أدعو على ابنتي بالموت.

ص: 88

يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ

عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ

تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ

تُلَطِّمُهُنَ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ

ــ

ثم ذكر الخامس منها بقوله:

(يبارين الأعنَّة مصعدات

على كتافها الأسل الظماءُ)

وقوله (يبارين) أي يأكلن بأضراسهن (الأعنة) أي ألجمة الحديد في محل النصب معطوفة على جملة قوله تثير النقع على كونها حالًا من مفعول ترون مأخوذ من برى القلم إذا صلحه بالسكين ويُروى (يبارعن الأعنة) أي يفقنها في الصلابة وقال القاضي الأول هو رواية الأكثرين ومعناه أنها لصرامتها وقوة نفوسها تضاهي أعنتها بقوة جبذها لها وهي منازعتها لها وقال الأبي نقلًا عن القاضي يعني أن الخيول لقوتها في نفسها وصلابة أضراسها تُضاهي أعنتها الحديد في القوة وقد يكون ذلك في مضغها الحديد في الشدة ويجوز أن يكون المعنى كما في اللسان يعارضنها في الجذب لقوة نفوسها وقوة رؤوسها وعلك حدائدها قال القاضي ووقع في رواية ابن الحذاء "يبارين الأسنة" وهي الرماح قال فإن صحت هذه الرواية فمعناها أنهن يضاهين قوامها واعتدالها وقال البرقوقي مباراتها الأسنة أن يضجع الفارس رمحه فيركض الفرس ليسبق السنان "والأعنَّة" جمع عنان بكسر العين كلجام وزنًا ومعنىً وهو سير اللجام الذي تمسك به الدابة وقوله (مصعدات) حال من فاعل يبارين أي حالة كونها مقبلات إليكم ومتوجهات من أصعد في الأرض إذا ذهب فيها مبتدئًا ولا يقال للراجع (على أكتافها) جمع كتف وهو ما بين العنق والعضد (الأسل) بفتحتين الرماح (الظماءُ) جمع ظمئ أي العطاش لدماء الأعداء وفي بعض الروايات "الأسد الظماء" جمع أسد شبه راكبيها بالأسد لشجاعتهم وصولتهم.

ومعنى البيت عدمنا خيلنا إن لم تروها أيها المشركون حالة كونها ترفع الغبار بحوافرها إلى السماء وحالة كونها يأكلن ألجمتها بأضراسها حالة كونها متوجهات إليكم على أكتافها الرماح العطاش لدماء الأعداء. ثم ذكر السادس منها بقوله:

(تظل جيادنا متمطرات

تلطمهن بالخمر النساءُ)

(تظل جيادنا متمطرات) أي تكون خيولنا طول النهار مسرعات يسبق بعضها بعضًا وجملة تظل مستأنفة وجملة قوله: (تلطمهن بالخمر النساء) حال من الضمير المستكن في خبر تظل أي حالة كون تلك الجياد تمسح النساء العرق والغبار بخمرهن عن وجوههن أو

ص: 89

فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا

وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ

وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ

يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ

ــ

المعنى تظل جيادنا متمطرات للعرق لشدة جريها وعدوها حالة كونها تمسح النساء العرق عنها بخمرهن قال السنوسي الجياد جمع جواد الخيل ومتمطرات أي سائلات بالعرق لشدة الجري يعني أن هذه الخيول لكرمها على أهلها تبادرها النساء فتمسح وجوه هذه الخيل بخمرهن اهـ والخمر جمع خمار وهو ما تستر به المرأة رأسها قال القرطبي: الجياد الخيل متمطرات يعني بالعرق من شدة الجري والرواية المشهورة "يلطمهن" من اللطم وهو الضرب في الخد يعني أن هذه الخيل لكرمهن في أنفسهن ولعزتهن عليهم تبادر النساء إليها فيمسحن وجوه هذه الخيل بالخمر وكان الخليل يروي هذه اللفظة يُطلّمهن بتقديم الطاء على اللام ويجعله بمعنى ينفض وقال ابن دريد اللطم ضربك خبز الملة بيدك لينتفض ما به من الرماد.

ثم ذكر السابع منها بقوله:

(فإن أعرضتموا عنَّا اعتمرنا

وكان الفتحُ وانكشف الغطاءُ)

قال الأبي ظاهر هذا كما قال ابن هشام أن حسَّان قال هذه القصيدة قبل الفتح في عمرة الحديبية حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت وقال ابن إسحاق إن حسّان قاله في فتح مكة وفيه بعد والمعنى فإن أعرضتم أيها المشركون عن قتالنا وخليتم بيننا وبين بيت الله تعالى (اعتمرنا) أي أدينا العمرة وأتممنا عملها وهي في الشرع زيارة البيت الحرام بالأعمال المخصوصة المعروفة والفرق بينها وبين الحج أن العمرة تكون للإنسان في جميع السنة كلها والحج في وقت واحد من السنة ولا يكون إلا مع الوقوف بعرفة يوم عرفة وهي مأخوذة من الاعتمار وهو الزيارة "وكان الفتحُ" أي وحصل فتح مكة لنا (وانكشف الغطاءُ) أي زال الحجاب عما وعد الله به نبيه من فتح مكة عليه صلوات الله وسلامه. ثم ذكر الثامن منها بقوله:

(والا فاصبروا لضراب يوم

يعز الله فيه من يشاءُ)

(وإلا) أي وإن لم تعرضوا (عنا) أي عن صدنا من بيت الله تعالى ودمتم على صدكم إيانا. (فاصبروا لضراب يوم) أي فاصبروا على شدة بطشنا وضراب سيوفنا في يوم (يعز الله فيه) وينصر (من يشاءُ) نصره وعزه قال القرطبي هذا من باب إلهام العالم

ص: 90

وَقَال اللهُ: قَدْ أرْسَلْتُ عَبْدًا

يَقُولُ الْحَقَّ لَيسَ بِهِ خَفَاءُ

وَقَال اللهُ: قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا

هُمُ الأنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ

ــ

لأن حسان قد علم أن الله قد أعز نبيه وقد قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} إلى غير ذلك من الآيات قوله: "لضراب" بكسر الضاد مصدر قياسي لضارب الرباعي بمعنى المضاربة والقتال يفيد المشاركة من الجانبين وقوله: "يعز الله فيه من يشاء" فيه من المحسنات البديعية تجاهل العارف والمقصود منه أن الله يعز المسلمين ولكنه لم يصرح بذلك تجاهلًا.

وقد ذكر التاسع منها بقوله:

(وقال الله: قد أرسلت عبدًا

يقول الحق ليس به خفاءُ)

(وقال الله) جل وعز في كتابه (قد أرسلت عبدًا) من عبادي إلى المكلفين كافة (يقول) ذلك العبد الدين (الحق) أي القويم (ليس به) أي ليس في ذلك الدين أي في حقيته (خفاءُ) أي إشكال حيث قال في القرآن الكريم: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)} إلى غير ذلك.

وقد ذكر العاشر منها بقوله:

(وقال الله: قد يسرت جندًا

هم الأنصارُ عرضتها اللِّقاءُ)

أي (وقال الله) سبحانه وتعالى أيضًا في كتابه (قد يسرت) وسخرت مع ذلك العبد المرسل (جندًا) لنا (هم الأنصار) والمهاجرون (عرضتها) بضم العين أي مقصدها ومطلبها (اللقاء) أي لقاء قوم المشركين وصناديدهم وقتالهم لإعزاز دين الله ونصرته مع نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر: 8 - 9]، إلى غير ذلك من الآيات قوله:"عرضتها" قال القاضي عياض عرضتها بضم العين قصدها فيقال اعترضت عرضه أي قصدت قصده وقد يكون عرضتها بمعنى صولتها وقوتها في اللقاء يقال فلان عرضة لكذا أي قوي عليه والمعنى عرضتها أي قصدها وهمتها لقاؤكم أيها المشركون يعني أنهم لما عاندوا نصر الله سبحانه نبيه صلَّى الله عليه وسلم

ص: 91

لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ

سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ

فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ

وَيمْدَحُهُ وَينْصُرُهُ سَوَاءُ

وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا

ــ

بالأنصار ولم يذكر المهاجرين لأنهم لم يظهر لهم أمر إلا عند اجتماعهم مع الأنصار أو تركهم لضيق النظم.

ثم ذكر الحادي عشر منها بقوله:

(لنا في كل يوم من معد

سباب أو قتال أو هجاء)

قال البرقوقي (لنا) يعني معشر الأنصار وقوله "من معد" يعني قريشًا لأنهم عدنانيون أي (لنا) معاشر الأنصار (في كل يوم) من أيام المعارك (من معد) أي مع بني معد بن عدنان يعني قريشًا لأنهم من نسل معد بن عدنان بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام (سباب) بالنثر (أو قتال) بالسيف (أو هجاء) بالنظم وأوفي الموضعين للتنويع.

ثم ذكر الثاني عشر منها بقوله:

(فمن يهجو رسول الله منكم

ويمدحه وينصره سواءُ)

والفاء في قوله (فمن يهجو) للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفتم أن الله تعالى يسر له جندًا عرضتها اللقاء وأردتم بيان ما جرى بينه وبينكم فأقول لكم يا معشر قريش إن من يهجو ويشتم (رسول الله) صلى الله عليه وسلم (منكم) كأبي سفيان بن الحارث ومشركي مكة (و) من (يمدحه) منكم بلسانه (وينصره) بسيفه كالمهاجرين (سواء) عنده لأن هجو من هجاه لا يلحقه به ضرر ومدح من مدحه ونصر من نصره لا يزيده منزلة عند الله تعالى بل هو غني عن مدحكم ونصركم بنصر الله تعالى له ومدحه له في كتابه يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من العزة والشرف بمكان لا يضره هجاؤكم ولا ينفعه مدحكم ونصركم لأنكم من الهوان بحيث لا يعبأ بكم وهو من العزة والشرف والمنعة والوجاهة بحيث لا ينال منه ولا يرتقى إليه. ثم ذكر الثالث عشر منها بقوله:

(وجبريل رسول الله فينا

قوله (وجبريل) مبتدأ (رسول الله) عطف بيان له (فينا) خبر المبتدإ أي معنا بالنصر والتأييد (وروح القدس) معطوف على رسول الله وقوله (ليس له كفاء) خبر ثان للمبتدأ

ص: 92

وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيسَ لَهُ كِفَاءُ

ــ

وروح القدس ليس له كفاءُ)

ويحتمل كون روح القدس مبتدأ خبره قوله "ليس له كفاء" والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله وجبريل فينا (وروح القدس) بضمتين وبإسكان الثاني للتخفيف من القدس بمعنى الطهارة فيكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول وإضافة الروح بمعنى الملك إليه من إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع أي والروح المقدس من النقائص والخيانة لأنه أمين وحي الله تعالى وسفيره إلى أنبيائه وهو جبريل (ليس له كفاء) بكسر الكاف هو الكفء وهو المثل أي ليس له نظير ولا مثيل يكافئه ويقاومه عند النصر ويدافعه عند المقاومة والمقاتلة.

وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى كما في تحفة الأشراف وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثمانية أحاديث الأول حديث سعد بن أبي وقاص ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة. والثاني حديث عبد الله بن سلام ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين والثالث حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين والرابع حديث البراء ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والخامس حديث عائشة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والسادس حديث عائشة الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والسابع حديث عائشة الثالث ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والثامن حديث عائشة الأخير ذكره للاستشهاد.

"تتمّةٌ" طبقات الشعراء أربعة جاهلي وإسلامي ومخضرم ومحدث فالجاهلي من لم يدرك الإسلام والإسلامي من حدث في صدر الإسلام والمخضرم من أدرك الإسلام والجاهلية قال الأخفش من قولهم ماءُ خضرم بكسر الخاء والراء وسكون الضاد بينهما إذا تناهى في الكثرة والسعة فسمي الرجل بذلك كأه استوفى الأمرين وزعم بعضهم أنه لا يكون مخضرمًا حتى يكون إسلامه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أدركه كبيرًا ورده ابن رشد بأن النابغة الجعدي ولبيدًا وقع عليهما هذا الاسم وليسا كذلك فحسّان مخضرم على الأول لا على ما زعم هذا البعض وكذلك سماه ابن رشيق يعني أنه سماه مخضرما والمحدث من حدث بعد الطبقة الأولى من الإسلاميين ثم المحدثون طبقات بعضهم دون بعض في البراعة وأما أن حسان شاعر الأنصار فقال ابن رشيق كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيهم شاعر أتت القبائل تهنئهم ويصنعون الأطعمة وتقبل النساء يلعبن

ص: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس ويتفاخر الرجال بذلك لأنه حماية لأعراضهم ويذب عن أحسابهم وتخليد لمآثرهم وإشادة لذكرهم وكانوا لا يهنئون إلا بغلام وُلد أو شاعر نبغ وكان حسان شاعر الأنصار لهذا الوجه وأما أنه شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن رشيق في باب من رفعه الشعر وممن رفعه الشعر من المخضرمين حسان بن ثابت فإنه لم تكن له في الجاهلية والإسلام إلا شعره وقد بلغ من رضا الله تعالى ما أوجب له الجنة وأما أنه شاعر العرب كلها في الإسلام فلولا أنه قيده بقوله في الإسلام لم يصح لأن امرأ القيس كندي وكندة يَمَنِيٌّ وهو أشعر منه لقوله صلى الله عليه وسلم في امرئ القيس إنه أشعر الشعراء وقائدهم إلى النار يعني شعراء الجاهلية قال دعبل الخزاعي ولا يقود قومًا إلا أميرهم وقال عمر حين سأله العباس عن الشعراء امرؤ القيس سائقهم وفي حديث آخر امرؤ القيس بيده لواء الشعراء قال من فضل الأعشى على امرئ القيس من هذا الحديث صح للأعشى ما قلت لأنهم لا يحملون اللواء إلا على رأس الأمير فامرؤ القيس حامل اللواء والأعشى الأمير وقد اختلف في أيّ الناس أشعر اختلافًا كثيرًا وتعصبت كل طائفة لمن فضلت ومن جملة ما قيل إن أشعر الناس في الجاهلية امرؤ القيس وفي الإسلام حسان وعلى هذا يصح ما ذكر اهـ من الأبي [6/ 316 - 317].

***

ص: 94