المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الأصل السابع: ضرورة العمل وقيمته - المجتمع والأسرة في الإسلام

[محمد طاهر الجوابي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌القسم الأول:‌‌ المجتمعالمسلم

- ‌ المجتمع

- ‌منهج بناء المجتمع المسلم

- ‌الأصل الأول من الأصول التي ترتكز عليها عقيدة المسلم: عقيدة التوحيد وصلتها بالسلوك الإنساني

- ‌الأصل الثاني: العبادة وأثرها في الفرد والمجتمع

- ‌الأصل الثالث: تنظيم المعاملات حسب أحكام الشريعة الإسلامية

- ‌الأصل الرابع: الأخلاق الإسلامية وأثرها في العلاقات الاجتماعية

- ‌الأصل الخامس: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ودوره التربوي

- ‌الأصل السادس: طلب العلم ودوره في وعي المجتمع

- ‌الأصل السابع: ضرورة العمل وقيمته

- ‌الأصل الثامن: الدعوى إلى الاعتزاز بالإسلام

- ‌وسائل تقوية الروابط الاجتماعية

- ‌معاجلة بعض المشكلات الاجتماعية

- ‌خصائص المجتمع المسلم

- ‌القسم الثاني:‌‌ الأسرةفي الإسلام

- ‌ الأسرة

- ‌الزواج:

- ‌أسس الزواج

- ‌عقد الزواج

- ‌المهر

- ‌الولاية في الزواج

- ‌الشهادة

- ‌النسوة المحرمات

- ‌تعدد الزوجات

- ‌دعائم الأسرة

- ‌المشكلات العائلية الناشئة عن الزواج وحلولها - المشكلة الأولى: الطلاق

- ‌المشكلة الثانية: الخلع

- ‌المشكلة الثالثة: الظهار

- ‌المشكلة الرابعة: الإيلاء

- ‌المشكلة الخامسة: اللعان

- ‌الخاتمة

- ‌فهارس

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌فهرس الموضوعات

- ‌التعريف بالمؤلف

الفصل: ‌الأصل السابع: ضرورة العمل وقيمته

‌الأصل السابع: ضرورة العمل وقيمته

وأثره في عزة النفس وفي ثواب الآخرة

ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في عمل اليد:

عن المقدام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل أحد من طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده"1.

روى هذ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المقدام بن معديكرب الصحابي المتوفى سنة سبع وثمانين للهجرة، وله في صحيح البخاري حديث في الأطعمة، وهذا الحديث في كتاب البيوع "باب كسب الرجل وعمله بيده" وقد تضمن ترغيبه عليه الصلاة والسلام في عمل اليد، وتفضيله هذا العمل على طرق الكسب الأخرى. وسنشير إلى هذه الطرق، ثم نبين المراد بعمل اليد، وأسباب الترغيب فيه، ومقاصد هذا الحديث.

- طرق الكسب:

الكسب هو السعي في طلب الرزق، ولنيل الثواب في الآخرة. قال تعالى:{مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} 2 وقال: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} 3.

1 صحيح البخاري 34، والبيوع 15، باب كسب الرجل وعمله بيده ج 2:6.

2 سورة المسد: 2.

3 سورة المدثر: 38.

ص: 48

والمرء محاسب على جهده الذي يبذله بالنسبة لميدان البذل، ووسيلته، والدافع، والغاية. وكل يختار الطريقة التي تتيسر له، وعن الماوردي أن أصول المكاسب ثلاثة: الزراعة، والتجارة، والصناعة، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال الماوردي: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة لانها إقرب إلى التوكل1. والأفضل عند النووي حسب الحديث المتقدم أن أفضلها عمل اليد، ومنه الزراعة، وميزتها أنها عمل اليد، وأن فيها التوكل، والنفع العام للآدمي والدواب، وأنه يؤكل منها بغير عوض2.

ومهما كان الأفضل فإن الثلاثة من ركائز الاقتصاد، على أنه لا يمكن إغفال بقية النشاطات الإنسانية كالعمل الإداري، والعمل الفكري، والله تعالى يجازي أصحابها حسب نياتهم وغاياتهم.

ومقتضى الحديث الذي بين أيدينا تفضيل عمل اليد، فما المراد به؟

- المراد بعمل اليد:

إن كل الأعمال تنتج باليد، ويراعي في تصنيفها الصفة الغالبة عليها في إعدادها، فإن كان الجهد البدني هو الغالب، والوسيلة هي اليد نعت العمل باليدوي، وإن كانت الآلة هي المعتمدة لم يضف إلى اليد، رغم أنها هي التي استخدمت الآلة.

وإن كان الفكر هو المهيئ مع عناء في التفكير، والقول هو وسيلة التنفيذ كالعلم نسب إلى الفكر، رغم أن اليد شاركت في التفيذ، وإجمالًا فإن كل عمل هو إنتاج مشترك بين الفكر واليد مع تفاوت في نسبة التأثير.

وإن بعض الأعمال الفكرية كالطب والهندسة والتعليم يمكن أن تدخل تحت الصناعة في مفهومها الإبداعي الشامل لاعتمادها على الفكر من ناحية، وعلى الخبرة المكتسبة من الممارسة من ناحية ثانية.

1 2 ابن حجر، فتح الباري ج4:304.

ص: 49

وبالتأمل في الحديث منطلق هذا المبحث يمكن القول أن لعمل اليد الوارد فيه معنيين:

الأول عام، وهو كسب الشخص رزقه بنفسه بقطع النظر عن نوع العمل ووسيلته.

والثاني تقتضيه الإضافة إلى اليد، وهي تصرفه إلى المعنى الخاص الذي يحصره في العمل الذي ينتج باليد.

ويبدو أن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- رجح المعنى الثاني لأنه عطف عمل اليد على الكسب، وهو من عطف الخاص على العام، ولأنه أتبعه بأبواب تتعلق بالأعمال اليدوية فترجم للقصابة بقوله باب ما قيل في اللحام 1 أعني القصاب، وبعده بخمسة أبواب ترجم للصياغة بقوله باب ما قيل في الصوّاغ 2 وإثرها ترجم للحدادة بقوله باب ذكر القين والحداد 3، وللخياطة بقوله: باب الخياط 4، وللنساجة بقوله باب النساج 5. وللنجارة بقوله: باب النجار 6، وأورد في هذه الأبواب أحاديث بينت أن لأصحاب هذه الحرف علاقات مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو مع الصحابة رضي الله عنهم مما يدل على أنه أقرهم عليها، فيكون ذلك كالنص على الجواز، وما لم يذكره من الصناعات الأخرى يؤخذ بالقياس 7.

وبهذه الأمثلة يتضح المراد بعمل اليد، فما هي أسباب الترغيب فيه؟

1 صحيح البخاري 34، البيوع 21، باب ما قيل في اللحام والجزار ج 7:1.

2 صحيح البخاري 34، البيوع 28.

3 صحيح البخاري 34، البيوع، الباب 29.

4 صحيح البخاري 34، البيوع باب 30.

5 صحيح البخاري 34، البيوع الباب 31.

6 صحيح البخاري 34، البيوع باب 32.

7 انظر ابن حجر: فتح الباري ج 4: 317.

ص: 50

- أسباب الترغيب فيه:

إذا ما نظرنا إلى الأعمال اليدوية ما ذكر منها، وما لم يذكر، نجد أصحابها هم الذين يوفرون حاجات الناس، فالسكن يبنيه البنَّاء بتعاون مع النجَّار والحدَّاد والكهربائي وغيرهم.

واللباس ينجزه النسَّاج، والخيَّاط.

والأكل يبدأ من الفلَّاح، ويمر بالفرَّان، والبقَّال، والقصَّاب، وسواهم. وكذلك بقية الحاجات من تنقل وتعليم وعلاج، وغيرها.

ولهذه الضرورة إلى العمل اليدوي حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورغب فيه. وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم تعاطاه، رغم أنه في غنى عنه لأنه خليفة الله تعالى في أرضه قال تعالى:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} 1.

وهو إنما تعاطاه ابتغاء الأكل من طريق الأفضل، ولهذا أورد النبي صلى الله عليه وسلم قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد. وهذا بعد تقرير أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم ينسخ، ولا سيما إذا ورد في شرعنا مدحه وتحسينه مع عموم قوله تعالى:{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ} 2 3.

- مقاصد هذا الحديث:

لهذا الحديث عدة مقاصد، منها:

- محو ما علق ببعض الأذهان من احتقار الحرف اليدوية، والتقليل من أهميتها في المجتمع في حين أنها محرك نشاطه.

1 سورة ص: 26.

2 سورة الأنعام: 90.

3 ابن حجر، فتح الباري 4:304.

ص: 51

توفير مواطن الشغل لكثير من فاقديه، فيقبلون على العمل، ولو كان متعبًا، صونًا للنفس عن ذل السؤال، ولهذا أورد الإمام البخاري في الباب نفسه، وفي غيره، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه"1.

وخير هنا ليست فعل تفضيل إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذي يعطاه خيرًا 2.

اجتهاد البعض في أعمالهم فيحققون ابتكارات في المصنوعات، وفي طريقة العمل. والمسلمون اليوم أينما كانوا، وكيفما كانت حالهم الاجتماعية ثراءً أو فقرًا هم في حاجة للعناية بالأعمال اليدوية وتطويرها، ليوفروا حاجاتهم بأنفسهم، وليتخلصوا من تبعية غيرهم في أشياء بسيطة في إمكانهم إنتاجها.

على أن هذه الحرف، وكل عمل لا يحقق قصده المتمثل في تحقيق النفع لصاحبه والمجتمع إلا إذا صحبه الإخلاص، والنصح، والقناعة في الربح، والتعامل الحسن مع الحرفاء، واتقاء كل الشبهات حتى يتأكد العامل أن كسبه حلال محض، فينوي به التقرب إلى الله تعالى، ويعتقد أن العمل واسطة، والرزق من الله تعالى فيتوكل عليه.

1 صحيح البخاري 34، البيوع 15، باب كسب الرجل وعمله بيده ج1: 6، والزكاة 50، باب الاستعفاف في المسألة ج 1:252.

سنن النسائي 23، الزكاة 85، باب المسألة ج 5: 93- 94.

2 ابن حجر، فتح الباري ج3:336.

ص: 52