الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فالإنسان بطبعه يحب الترحال والانتقال من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال بل أصبح ذلك عند الكثير متعة وراحة وأنسا فتجده كل شهر في بلد وكل صيف على أرض، طلبا لمرغوب كعبادة أو حج أو علم أو دعوة أو رزق أو سياحة أو صيد أو حاجة، أو فرارا من مرهوب كمرض أو قتال أو خوف فتنة من ظلم أو طغيان، وحري بالجميع أن يكونوا على علم وبصيرة ودراية بأحكام عبادتهم في ظعنهم وإقامتهم وحلهم وترحالهم.
ومما يفرح القلب ويثلج الصدر ما يشاهد من حرص الكثير على السؤال عما يشكل عبر الدرس واللقاء ووسائل الاتصال، بحثا عن الحلال والحرام والواجب والمندوب، ليفعل أو يترك في جميع المجالات من جميع الفئات، وهذا كله جاء بعد فضل الله نتيجة لدور العلماء والدعاة والمربين وأثرهم على الناس. بل نرى إحياء السنن قولا وفعلا ونشر العلم في شباب الأمة وشيبها ونسائها ظاهرا بعد غياب بعضها أو ضعفها وإقبالهم على دين الله سؤالا وتعلما فلك اللهم الحمد والمنة.
ومما لا شك فيه أن في إجابتهم تجنيبًا للسائل عن الوقوع في الزلل والخلل وعبادة الله وفق شرع الله.
وفي إجابتهم كشف لكربة السائلين وتفريج لهمهم وقضاء لحوائجهم ونيل للأجر وبذل للمعروف وكل ذلك صدقة.
ومما لا شك فيه أن في إجابتهم وتعليمهم عونًا للمفتي وطالب العلم على البحث والجمع والتأليف ومراجعة العلم ومدارسته مع العلماء وتزكيته وتبليغه.
ولقد شاهدت من يلقي بنفسه على العالم فيقبل رأسه ويده بحرارة بعد جوابه له وتفريج همه عنه.
لقد شاهدت من يبكي فرحا بعد جواب العالم له وكأنما ولد من جديد.
لقد شاهدت من يحتضن زوجته ويقبلها عند العالم وقد فقد شعوره لأنه أفتي بعدم وقوع الطلاق.
لقد رأيت من أهدى أحد طلبة العلم سيارة فاخرة لأنه دخل صلحًا في مشكلة له.
لقد رأيت من أصبح بارًا وفيًا لعالم وداعية لأنه كان سببًا في هدايته واستقامته وطلبه العلم.
لقد رأيت أسرًا متهاجرة وقبائل متقاطعة جمع الله شملها بسبب عالم وداعية.
لقد رأينا شرورًا دفنت ومنكرات رفعت وخيرات وقعت بسبب العلماء والدعاة بعد الله.
لقد رأينا أصحاب انحراف ومخدرات وضياع وقلق واضطراب كانت هدايتهم بسبب العلماء والدعاة بعد الله.
لقد رأينا من حكم عليهم بالقتل، فكان العلماء سببا في رفع القتل عنهم بإقناع الورثة بالتنازل عنهم.
لقد رأينا وسمعنا كيف يلهج الناس للعلماء ومن أفتاهم بالدعوات، وعظيم الجلال، والتقدير لهم.
لقد رأينا وشاهدنا رحمة العلماء والدعاة بالمستفتين، وكان محمد صلى الله عليه وسلم أعظمهم رحمة بالمستفتين وشفقة بالسائلين قال الله:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
لقد رأيت ورأيتم الكثير والكثير مما لا يسع المقام ذكره.
وهكذا العلماء والدعاة؛ هم ورثة الأنبياء، هم مصابيح الدجى وشموس الهدى، فلهم منا البر والوفاء والثناء والدعاء والتأدب معهم والذب عنهم وعدم الوقوع فيهم وعدم الفري في أعراضهم وعدم اتهامهم بما هم منه براء، كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، فلا ندع لحاقد وحاسد وعدو وكافر مجالا للمزهم وهمزهم وإسقاطهم والتشكيك في دعوتهم وآرائهم وعلمهم وعدم مشورتهم، ولنعلم أن العصمة من الله للأنبياء عليهم السلام، والعلماء بشر يعتريهم ما يعتري البشر من الخطأ والزلل، فاللهم احفظ العلماء وثبتهم على الحق وأيدهم واغفر لميتهم إنك سميع الدعاء.
قال ابن حجر: لا يزال الناس بخير ما كان فيهم أهل
فضل وصلاح وخوف من الله نلجأ إليهم عند الشدائد ويستهدى بآرائهم ويتوسل إلى الله بدعائهم ويؤخذ بتقويمهم وآرائهم (1).
وعلى السائل والمستفتي ألا يتتبع الرخص، فيسأل العلماء مرارا في المسألة الواحدة، ليختار ما يحلو له وتهواه نفسه، واتفق الفقهاء على أن من تتبع رخص العلماء فقد تزندق، وقيل: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على عدم جواز تتبع الرخص، ويعتبر فاسقا عند الإمام أحمد. وقد يسأل المستفتي من ظاهره الاستقامة وهو لا يعرفه أو لا يعرف أنه من طلبة العلم، فيتساهل في ذلك كله ويظن بهذا أن ذمته قد برئت، ولو مرض في بدنه لذهب إلى أفضل المستشفيات وأحسن الأطباء والله المستعان.
ما أشد تساهل الناس في أمر دينهم وأشدهم في أمر دنياهم؟!
ما أرخص دين الله في قلوب كثير من الناس.
وعلى السائل أن يختار الأوقات المناسبة للاتصال للاستفتاء إلا إذا كان الأمر ضرورة؛ لأنه وللأسف البعض يتصل بعد منتصف الليل أو قريبا منه أو وقت القيلولة لغير ضرورة.
وعلى العالم وطالب العلم ألا يعوقه ذلك التجاوز، وألا يضجر من السؤال وكثرة السائلين وجفائهم فإن على من منَّ الله
(1) الفتح 13/ 16.
عليه بالعلم أن يجعل وقتًا ولو يسيرًا في كل أسبوع، يفتح هاتفه فيجيب السائلين فينال خيرا كثيرا وأجرا عظيما بإذن رب العالمين ومع هذا فلا بد أن يكون صبورا، رفيقا، حليما، فما كان الرفق في شيء إلا زانه، منبسطا، موجها، داعيا، لا مقتصرا على الجواب، منتهزا الفرصة في ذلك.
لذلك كله أقدم هذا المختصر في أحكام السفر، جمعته من كتب أهل العلم (1)، اقتصرت فيه على ما يحتاجه الناس غالبا في أسفارهم، ضمنته بعض الآداب والفوائد والمسائل المعاصرة، جردته من التفريع والخلاف إلا في مواضع يسيرة، فيه ما يزيد على مائة وخمسين مسألة وأدب وتوجيه وتنبيه وخطأ وفائدة، والتزمت فيه منهج الاختصار، ذكرت ما ترجح لدى الشيخين العالمين الفقيهين: الشيخ أبي عبد الله عبد العزيز بن باز والشيخ أبي عبد الله محمد بن عثيمين أو أحدهما عليهما سوابغ الرحمة والغفران، ليس تعصبا لهما أو ادعاء العصمة لهما، إنما لما حظي به علمهما من قبول في الأرض وصدقهما مع الله وتحريهما الدليل والقول الصحيح الموافق لسماحة الإسلام ومقاصد الشريعة، وإظهارا لعلمهما واختياراتهما رحمهما الله رحمة واسعة، مع ترجيحات اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في كثير من المسائل.
حاولت جاهدا أن يجد
(1) أحكام السفر أفردت برسائل كثيرة وتنوعت الكتابة فيه: فمنهم من جعله كتابا فقهيا، وهذا كثير جدا، ومنهم من جعله كتابا حديثيا، ومنهم من جعله كتابا في آداب السفر وهكذا.
القارئ فيه بغيته وما قد يخطر بباله أو يسنح في خياله وحذفت ما لا يحتاجه إلا القليل من الناس، فأرجو الله أن ينفع به من كتبه وقرأه ونظر فيه، وأن يؤتي أكله كل حين بإذن ربه، فيكون زادًا للمسافر، مذكرًا للغافل، معلمًا للجاهل، هداية للمبتدئ وبلغة للمقتصد، خفيف المحمل، سهل المتناول، مفيدًا في الرحلات والأسفار، دافعًا للنقاش والتذاكر بين طلاب العلم في أسفارهم ومجالسهم، حتى يحيا العلم ويرسخ في الذهن وتحقق المسائل، فالعلم يحيا بالتذاكر والفكرة والدرس والمناقشة.
حاولت أن آتي ولو ببعض ما قال الأول:
في سبعة حصروا مقاصد العقلا
…
من التأليف فاحفظها تنل أملا
أبدع تمام بيان، لاختصارك في
…
جمع ورتب وأصلح يا أخي الخللا
وأشكر الشيخ: عبد الرحمن العجلان رئيس محاكم القصيم سابقا والمدرس حالا بالمسجد الحرام على قراءته الكتاب وغيره من طلبة العلم، وما قدموه من اقتراحات.
أيها الجيل: أحييكم والتحايا مفاتيح القلوب، وأهديكم والهدايا طريق القلوب، ونعم الوصال بالعلم والذكر والكتاب، فنعم الحداء ونعم المسير.
ما أهدى المرء المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى أو يرده بها عن ردى.
سلام من الأعماق أزكى من الورد
…
وأزكى من الريحان أحلى من الشهد
لئن كان جل الوصل بيني وبينكم
…
مدارسة للعلم والنصح والرشد
فذاك الوصال الحق لا وصل بعده
…
عساه يدوم الوصل في جنة الخلد
* * * * *
لا خيل عندك تهديها ولا مال
…
فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
* * * * *
فيا أيها الناظر فيه بعين الرضا: أحسن بجامعه الظن، وإن لم يكن من أهل هذا الفن، فاصفح عما به من زلل وصحح ما طغى به القلم، جعله الله مباركا ونافعا على الدوام وخالصا لوجهه الكريم، وأن يلهمنا الصواب في النية والقول والعمل (1).
أقدم هذا المختصر في طبعة مزيدة، والعلم يتجدد بتجدد الأحوال والأزمان، شاكرا كل من أفاد وأجاد وأضاف وزاد، سائلا الله أن يكون من خير الزاد في الحياة وبعد الممات، ومن
(1) اكتفيت في العزو في كثير من المسائل بكتب وفتاوى الشيخين، بل أهم المسائل والمراجع هي: مجموع فتاوى ومقالات ابن باز، والشرح الممتع لابن عثيمين، وفتاوى ابن عثيمين، وفتاوى اللجنة الدائمة، والشرح الكبير والإنصاف، أما سائر المسائل فهي منثورة في أي كتاب فقهي ولا تخفى مواضعها على طالب العلم.
درجت على لفظ الشيخين في هذا الكتاب وقصدي بهما الشيخ ابن باز وابن عثيمين، فإذا اتفقا على ترجيح مسألة قلت: رجحه الشيخان. وذكر أحدهما لا يعني عدم الموافقة أو الموافقة من الآخر وإنما هذا ما استطعت جمعه لهمها من مراجع بين يدي ولم أتقص ترجيحاتهما في كل مسألة.
اللجنة الدائمة هي لجنة دائمة، فرع من هيئة كبار العلماء، متفرغة للبحوث والفتوى، يرأسها رئيس هيئة كبار العلماء، وأعضاؤها خمسة من الهيئة وكان رئيسها الشيخ، عبد العزيز بن باز رحمه الله والآن الشيخ: عبد العزيز آل الشيخ، وأعضاؤها أصحاب الفضيلة كل من: عبد الله بن غديان وصالح الفوزان وبكر أبو زيد في وقت ترؤس ابن باز لها.
الباقيات الصالحات ليوم تعز فيه الحسنات، وأن يعفو عما فيه من الزلات والهفوات، وأن يكون كتابا مباركا على مر الأزمان والعصور.
فأقول والله خير معين:
فسهل يا إلهي كل صعب
…
فمن غير الرؤوف لنا يسهل
ويسر إلهي مقالي وسهل مهماتي
…
واجعل مقالي في أعلى المقامات
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.
يا عاشق الترحال والأسفار
…
أنخ المطية واستمع أخباري
إن كنت في سفر فكل مسافر
…
يحتاج زادا بلغة للدار
والزاد علم قد جمعت أصوله
…
آي الكتاب وسنة المختار
وجمعت فيه فوائدا وفرائدا
…
ومسائلا غابت عن الأنظار
وذكرت في الترجيح قول أئمة
…
هم في الظلام كواكب ودراري
وهما ابن باز والعثيمين وقد
…
شدا رحالهما إلى الغفار
يا ليتني أخطو بدربهم خطى
…
لأنال رفقتهم بدار قرار
والله أسأل أن يكون كنجمة
…
وسط السماء هداية للساري
قال شيخ الإسلام: " وقد يقول كثير من علماء المسلمين أهل العلم والدين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم أقوالا باجتهادهم، فهذه يسوغ القول بها، فهذا شرع دخل فيه التأويل والاجتهاد، وقد يكون في نفس الأمر موافقا للشرع المنزل فيكون لصاحبه أجران، وقد لا يكون موافقا له لكن لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فإذا اتقى العبد الله
ما استطاع آجره الله على ذلك وغفر له خطأه، ومن كان هكذا لم يكن لأحد أن يذمه ولا يعيبه ولا يعاقبه، ولكن إذا عرف الحق بخلاف قوله لم يجز ترك الحق الذي بعث الله به رسوله لقول أحد من الخلق، وذلك هو الشرع المنزل من عند الله وهو الكتاب والسنة، وهو دين الله ورسوله لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، لا يجاهدون على قول عالم ولا شيخ ولا متأول بل يجاهدون ليعبد الله وحده ويكون الدين لله (1).
- السفر موطن للتأمل والتفكير والاعتبار في ملكوت الله في جو أو بر أو بحر.
- السفر موطن للتفكير في النفس ومحاسبتها.
- السفر موطن تذكر السفر للدار الآخرة، فمن دار إلى دار حتى نصل دار القرار، إما نعيم وإما نار، أجارنا الله وإياكم من النار وبئس القرار.
- السفر موطن التفكر في نعمة الأمن في هذه البلاد زادها الإله أمنا ورخاء وسلاما وعزا ونصرا وتمسكا بالإسلام.
- السفر عبادة وسياحة، صلة للأرحام وزيارة للإخوان.
- السفر للبلد الحرام رحلة إيمانية ودورة تربوية للنفس والسلوك.
- السفر موطن للتعرف على البلدان وحضاراتها وأنسابها وأخلاقها وأعلامها.
(1) الفتاوى 35/ 366.
- السفر موطن لتربية النفس على الصبر والتجلد والبعد عن كثير من الكماليات.
- السفر موطن لاكتشاف النفوس وتحملها وقدراتها ومعدنها وهذه للآباء والمربين.
- السفر رياضة قلبية ومتعة بدنية، يوصي بها الأطباء لمن ثقلت عليه نفسه وأطبقت عليه الهموم والأحزان وعلاج ناجع لأصحاب الأمراض النفسية.
لا يصلح النفس إن كانت مولية
…
إلا التنقل من حال إلى حال
كان بشر يقول: سيحوا تطيبوا، فإن الماء إذا ساح طاب، وإذا طال مقامه في موضع تغير.
إذا ما ضاق صدرك من بلاد
…
ترحل طالبا أرضا سواها
عجبت لمن يقيم بدار ذل
…
وأرض الله واسعة فضاها
فذاك من الرجال قليل عقل
…
بليد ليس يعلم ما طحاها
فنفسك فر بها إن خفت ضيما
…
وخل الدار تنعى من بناها
فإنك واجد أرضا بأرض
…
ونفسك لم تجد نفسا سواها
ومن كانت منيته بأرض
…
فليس يموت في أرض سواها
* عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رجلا زار أخا له في قريبة أخرى، فأرصد الله على مدرجته ـ أي طريقه ـ ملكا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال: هل لك من نعمة تربها عليه. قال: لا، غير أني أحببته في الله قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه» رواه مسلم.