الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
استراحة مسافر:
رسالة كتبها شيخ الإسلام لأمه وهو مسافر:
من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقر الله عينيها بنعمه، وأسبغ عليها جزيل كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخدمه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين، محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.
كتابي إليكم عن نعم من الله عظيمة، ومنن كريمة، وآلاء جسيمة، نشكر الله عليها، ونسأله المزيد من فضله، ونعم الله كما جاءت في نمو وازدياد، جلت عن التعداد.
وتعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنما هو لأمور ضرورية متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا، ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنكم ولله الحمد ما تختارون الساعة إلا ذلك، ولم نعزم على المقام والاستيطان شهرا واحدا، بل كل يوم نستخير لنا ولكم، وادعوا لنا بالخيرة، فنسأل الله العظيم أن يخير لنا ولكم وللمسلمين ما فيه الخيرة في خير وعافية.
ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، ونحن
في كل وقت مهمومون بالسفر، مستخيرون الله سبحانه وتعالى فلا يظن الظان أنا نؤثر على قربكم شيئا من أمور الدنيا قط، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثم أمور كبار نخاف الضرر الخاص والعام من أهمها، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
والمطلوب كثرة الدعاء بالخيرة فإن الله يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علام الغيوب، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:«من سعادة ابن آدم استخارته الله ورضاه بما يقسم الله له، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته الله وسخطه بما يقسم الله له» (1) والتاجر يكون مسافرا فيخاف ضياع بعض ماله فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيه وما نحن فيه أمر يجل عن الوصف، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرا كثيرا وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدا واحدا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما (2).
وهذه الرسالة من هذا العالم الذي يعجز القلم عن وصفه، فيها من الفوائد الشيء الكثير وأدع للقراء والمسافرين استنباطها والوقوف معها طردا للملل وتحريكا للأذهان ومعرفة واقتداء بهذا الترجمان.
(1) رواه الترمذي وأحمد وضعفه الألباني في سلسلته برقم 1906.
(2)
الفتاوى 28/ 48.