الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البيهقي: "حتى إذا رجعنا ونظرنا إلى الكوفة حضرت الصلاة. قالوا: يا أمير المؤمنين: هذه الكوفة أتم الصلاة قال: لا، حتى ندخلها"(1).
* مسائل في تقطع البيان وتجاور البنيان:
الأولى: إذا كان البنيان كله تابعا للبلد وينسب له عرفا، فإذا كان الانقطاع بين البنيان يسيرا أو كبيرا، فإن الترخص يبدأ بمفارقة آخر بنيان للبلد؛ لأن الحكم للخروج من البلد، وهذا ظاهر فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته.
الثانية: إذا كانت البلد بجوارها بلد آخر سواء كانت متصلة بها أو كان الانقطاع بينهما يسيرا، فيكون الترخص من مفارقته مدينته، ورجحه الإمام النووي والمرداوي والشيخ ابن عثيمين رحمهم الله (2).
ثالثا: أقسام الناس من حيث الاستيطان والسفر والإقامة:
أ- استيطان الإنسان بلده الأصلي، فمثلا الرسول صلى الله عليه وسلم وطنه الأصلي مكة وسكنها في بداية حياته.
حكمه: إذا خرج منه، وفي نيته العودة إليه، ولم يتخذ وطنا غيره، فإن حكمه حكم المسافر.
ب- استيطان الإنسان بلدا غير بلده الأصلي، واتخاذه بلدا
(1) فتح الباري 2/ 663.
(2)
المجموع 4/ 287، الإنصاف 2/ 321، الممتع 4/ 513.
له وليس من قصده الارتحال عنه، فمثلا الرسول صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة إلى المدينة واتخذ المدينة وطنا له.
حكمه: حكم وطنه الأصلي فإذا خرج منه كان مسافرا، فإذا رجع لوطنه الأصلي للزيارة وغيرها، وليس قصده الاستيطان فيه فحكمه حكم المسافر، كالرسول صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة واستوطن المدينة إذا رجع إلى مكة كان مسافرا.
ج- من سافر إلى بلد ونوى الإقامة به مطلقا فهذا حكمه حكم المستوطن.
د- مسافر أجبر على الإقامة يقصر الصلاة كالأسير وغيره.
هـ- المسافر على الطريق، وهذا يقصر الصلاة اتفاقا.
و- إذا دخل المسافر بلده ولو ليوم واحد لحاجة أو مرور ثم أراد السفر مرة أخرى فإنه يتم لأنه دخل بلده (1).
ز- أصحاب السفر الدائم كسائقي سيارات الأجرة وملاحي الطائرات والسفن لهم حالتان:
1 -
إن كان معهم أهلهم في تنقلهم فتعتبر مراكبهم أوطانهم، فلا يترخصون بأحكام السفر لأنهم غير مسافرين.
2 -
إن كان لهم أهل ولكنهم لا يحملونهم فلهم الترخص بأحكام السفر فيقصرون الصلاة، وأما صيام رمضان إن كان يشق عليهم أثناء السفر فإنهم يفطرونه ويقضونه في
(1) كشاف القناع 3/ 272.
أيام الشتاء لأنها أيام قصيرة وباردة، وأما إذا قدموا بلدهم في رمضان فإنهم يلزمهم الصوم وهو قول في مذهب الحنابلة ورجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله (1).
ح- إذا سافر الإنسان من بلده وفي الطريق أراد الرجوع إليه لحاجة وغيرها فهل يقصر؟ له حالتان:
1 -
إن بلغ مسافة القصر له القصر.
2 -
إن لم يبلغ مسافة القصر فلا يقصر (2).
ط- من سافر لبلد للعمل أو الدراسة وغيرها سواء مقيدا سفره بزمن أو عمل فهذه محل خلاف:
قيل: حكمه حكم المسافر في قصر الصلاة، وعليه حضور الجماعة في المسجد، وله المسح على الخفين، والجمع عند المشقة، والصوم في حقه أفضل إن لم يشق عليه، ولا ينبغي أن يؤخر القضاء إلى رمضان آخر لأن ذلك يوجب تراكم الشهور، فيثقل القضاء عليه أو يعجز عنه، ورجحه شيخ الإسلام وابن القيم وابن سعدي وابن عثيمين رحمهم الله والدليل أن الإقامة غير محددة في الشرع لا بزمن ولا عمل، وما ورد فيها إما دليل صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح، والناس في الشرع إما مسافر أو مستوطن (3) وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وأنس، وإن كانت تعددت الروايات عن ابن عمر.
(1) الإنصاف 5/ 82، الممتع 4/ 539.
(2)
كشاف القناع 3/ 270.
(3)
الممتع 4/ 512.
وقيل: إن نوى إقامة أربعة أيام فأكثر فيتم، ولهم أدلة لكنها غير صريحة في التقييد، وهو مذهب الحنابلة ورجحه ابن باز قال: وهو الأحوط وذهب لهذا القول كثير من العلماء المعاصرين.
ي- إذا سافر الإنسان إلى بلد وأقام فيها لحاجة لا يدري متى تنقضي، جاز له القصر والترخص بأحكام السفر، سواء طالت المدة أم قصرت. بل حكى شيخ الإسلام رحمه الله الاتفاق على ذلك ورجحه الشيخان ـ رحمهما الله ـ (1) والدليل "أنه صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يوما يصلي ركعتين" رواه البخاري.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يُجْمع إقامة ولو أتى عليه سنون. وقال أنس: أقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برامهرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة، رواه البيهقي وصححه النووي وابن حجر الخلاصة 2/ 734 الدراية 1/ 212. وعن أبي جمرة نصر بن عمران قال لابن عباس: إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان فكيف ترى، فقال: صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين، رواه ابن أبي شيبة. وهذه الأدلة هي أدلة المسألة السابقة، وقد ذكرها ابن حجر في الدراية.
ك- من له دار في وطنه الأصلي ودار في البلد الذي انتقل إليه وتأهل واستقر فيه، إذا انتقل إلى وطنه الأصلي للإقامة في الإجازات والأعياد وغيرها فإنه يقصر لأنه يعتبر
(1) مجموع فتاوى ومقالات ابن باز 12/ 274، الممتع 4/ 545، موسوعة الإجماع عند شيخ الإسلام للبوصي، الإنصاف مع الشرح الكبير 5/ 75.
مسافرا، وتملك الدار ليس موجبا للإتمام على الصحيح كما هو مذهب الجمهور (1)، وكذلك إذا مر ببلدة له فيها زوجة أو ولد أو مال فإنه يقصر على الصحيح ما لم ينو الإقامة المطلقة.
ل- إذا استقر الإنسان في بلد وعزم على الإقامة فيه، ثم رجع إلى وطن والديه لزيارتهما وغير ذلك فإنه يترخص بأحكام السفر في مقر إقامة والديه، وهو قول عند الحنابلة ورجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله (2).
م- من سافر مسافة تعتبر سفرا ولو ليوم واحد ثم رجع إلى بلده فإنه يقصر ما دام يعد مسافرا عرفا، كمن سافر من مكة إلى المدينة ورجع من يومه، ورجحه الشيخان ـ رحمهما الله. وورد عند ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي رضي الله عنه أنه خرج إلى النخيلة فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم (3).
ن- من يتردد يومياً مسافة قصر كبعض العاملين والمدرسين الدارسين لا يقصر ويجوز الجمع عند المشقة بلا قصر لحديث ابن عباس رضي الله عنه: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، فسئل ابن عباس عن ذلك فقال: أراد ألا يحرج أمته" رواه مسلم، وفي
(1) إقامة المسافر وسفر المقيم للفالح ص92، الإنصاف مع الشرح 5/ 77.
(2)
كشاف القناع 1/ 509، فتاوى ابن عثيمين 15/ 346.
(3)
مجموع فتاوى ومقالات ابن باز 12/ 264، فتاوى ابن عثيمين 15/ 258، 263.