الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تائبون عابدون لربنا حامدون فلم يزل يقولها حتى دخل المدينة» رواه البخاري. وورد أنها تقال عند الرجوع كما تقدم.
* قال ابن حجر: قوله تائبون: فيه إشارة إلى التقصير في العبادة.
* قال ابن علان: قوله: استعاذ من الحور بعد الكور ودعوة المظلوم: وخص ذلك في دعاء السفر لكونه مظنة البلايا والمصائب والمشقة فيه أكثر، أو لأن دعوة المظلوم المسافر الذي لا يلقى الإعانة ولا الإغاثة أقرب إلى الإجابة. اهـ (1). وهذا مشاهد وملموس فإن بعض المسافرين يتعرض للفتن فيتأثر ويرجع إلى بلده منتكسا أو زاد انحرافا أو يظلم وغير ذلك نسأل الله العافية والثبات. فعلى الآباء والمربين ملاحظة ذلك وأخذ أسباب الحيطة والحذر والمتابعة.
فرع: إذا سافر الإنسان من بلده قد يتنقل من بلد إلى بلد أثناء سفره فهل يشرع دعاء السفر كلما انتقل من بلد إلى بلد؟
الظاهر أنه يكتفي بالدعاء الأول وحين الرجوع إلى بلده لأنه ما بين ذلك يعتبر مسافرا والله تعالى أعلم.
وقفة تأمل:
دعاء السفر برواياته يحتاج إلى رسالة مستقلة لما اشتمل عليه من معان عظيمة في ترابط رائع وتناسق بديع فهو يحوي إشراقات نبوية ولفتات إيمانية وتنبيهات تربوية فكيف بأحكام
(1) الشرح 3/ 133.
وأحاديث السفر؟ فحري بكل مسلم ومسلمة أن يقف عندها متأملا متدبرا، فلا تكون عبارات تردد وألفاظ تقال من غير قلب متأمل وعقل متدبر، فيستخرج المسافر منها ومن معه دررا وغررا أعرج على يسير منها، وأدع للقارئ الإكمال والغوص في بحور النبوة وألفاظ السنة ومنها:
1 -
مشروعية أذكار مخصوصة في مواطن عدة من السفر والدعاء المطلق، فلا يغفل المرء عن ذكر الله حتى في سفره وترحاله من خروجه حتى عودته، فيرتبط الإنسان بربه حتى في السفر، والسفر موطن ضعف وزلل.
2 -
الدعاء بملازمة البر والتقوى والعمل الصالح في البر والبحر والجو، في الجبال والقفار، فلا يتجرد المرء في سفره من البر والتقوى، ويمتطي كل معصية وبلوى بل يحفظ دينه في كل حال وهذا كسابقه.
3 -
الدعاء بحفظ البدن والمال والولد من الشرور والهلاك.
4 -
الدعاء بالثبات على دين الله وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
5 -
الدعاء بالتوبة وطلب المغفرة حين العودة من السفر ودخول المنزل وتأمل دعاء المسافر حين الخروج من المنزل وحين العودة، ويذكرنا بمسألة الدفع أولا ثم الرفع ثانيا.
* يستحب كثرة الدعاء والاستغفار فيه: فهو موطن إجابة ودعاء وانكسار وتذلل وشعث قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات
مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده ودعوة المسافر ودعوة المظلوم» (1).
قال القرطبي: فالمسافر مستجاب الدعوة؛ لأنه كالمضطر منقطع عن الأهل والوطن منفرد عن الصديق والحميم، لا يسكن قلبه إلى مسعد ولا معين لغربته؛ فتصدق ضرورته إلى المولى فيخلص إليه في اللجوء، وهو المجيب المضطر إذا دعاه (2).
فليحرص المسافر على الدعاء لنفسه وأهله وإخوانه، وجميع المسلمين والمنكوبين والمأسورين والمستضعفين والمهمومين.
* يستحب إذا نزل منزلا أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» فمن قالها لم يضره شيء حتى يرحل من منزله. رواه مسلم.
قال ابن علان: نفعها وشفاؤها من كل ما يتعوذ منه بشرط صحة النية وحسن الاعتقاد.
* فائدة: قيل لبعض العلماء: إن فلانا قال هذا الدعاء وقد لدغ، فقال: الحديث، قال: لم يضره، ولم يقل لم يصبه، وفرق بين الأمرين، وإذا بالرجل لم يضره اللدغ بإذن الله.
* يستحب إذا نزل منزلا أن يسبح الله، عن أنس رضي الله عنه
(1) حديث صحيح، رواه أبو داود وأحمد وحسنه الألباني في الجامع برقم 3031.
(2)
الجامع لأحكام القرآن 13/ 200.
قال: «إذا نزلنا منزلا سبحنا حتى نحل الرحال» قال شعبة: تسبيحا باللسان. رواه الطبراني والهيثمي وقال: سنده جيد.
قال ابن السني وهذا دعاء آخر عند النزول. عمل اليوم والليلة 1/ 476.
* أمر الرسول المسافر إذا أراد أن ينام أو ينزل للراحة أن يجتنب الطريق: قال: «وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب، ومأوى الهوام بالليل» رواه مسلم.
ومعنى التعريس: النزول للنوم أو الراحة.
وهذا نوع من عناية الإسلام بحفظ الأبدان والإرشاد لذلك حتى في أدق الأشياء وأصغرها فأين أعداؤه؟!
* يستحب للمسافر إذا صعد علوا أن يكبر وإذا نزل هبوطا أن يسبح الله: كما في صحيح البخاري من حديث جابر رضي الله عنه قال: «كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا» .
* يستحب للمسافر إذا دخل بلدا أن يقول: «الله رب السماوات السبع وما أظللن والأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها» حديث حسنه ابن حجر وابن باز (1).
* يستحب للمسافر إذا كان في وقت السحر أن يقول: «سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذا بالله من النار» رواه مسلم.
(1) رواه النسائي في عمل اليوم والليلة وابن خزيمة والبيهقي، تخريج الأذكار 5/ 154، تحفة الأخيار 37.
* يستحب إذا خاف قوما أن يقول: «اللهم اكفنيهم بما شئت» رواه مسلم. ويقول: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم» رواه أبو داود وصححه النووي في الأذكار.
* يستحب للرفقة في السفر أن ينزلوا مجتمعين ويكره تفرقهم لغير حاجة لحديث: " كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية فقال صلى الله عليه وسلم: «إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان» " حديث حسن (1). فالتفرق في الظاهر يولد التفرق في الباطن، والشيطان يحرص على التفريق وإيغال الصدور ولكن بالتحريش بينهم، والتفرق والانعزال عن الرفقة قد يؤدي إلى الهلاك والتعرض للمخاطر ووسواس النفس والانحراف، والذئب أقرب ما يكون من الغنم القاصية، وليحذر المربون والآباء حين سفرهم من تفرق الرفقة وتشعبهم في الأودية وغيرها، بل يكون ذهابهم وإيابهم ونزولهم مجتمعين غير متفرقين إلا عند الحاجة، وأمن الفتنة والمفسدة، والإنسان ضعيف بنفسه قوي بإخوانه.
* السفر موطن للاجتماع وكثرة الاختلاط والزحام: حين الصعود والنزول وفي المنام وفي السيارة وكل ذلك يستوجب الصبر والحلم وسعة الصدر وإدخال السرور والترويح بشيء من النكت والطرف والألغاز والملح وفق الضوابط الشرعية فلا
(1) رواه أبو داود وابن حبان والحاكم وأحمد والبيهقي وغيرهم. قال النووي في المجموع: إسناده حسن 4/ 340.
يكثر منه الإنسان أو يكذب أو يغتاب أو يؤذي ويخاصم ويجادل، فيقسو القلب، وتضيع الأوقات، ويشغل عن ذكر الله، وتركه يقبض المؤانس ويمل الراكب والمسافر وينفر الطباع، ورد عند ابن أبي الشيخ في أخلاقه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أمزح إلا حقا» . وورد عن سفينة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان إذا أعيا بعض القوم يلقي علي سيفه وترسه ويقول عليه الصلاة والسلام: «أنت سفينة» (1)، يمازحهم ويداعبهم وهو الإمام الأعظم وسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم.
* يكره سفر الإنسان لوحده إذا وجد الصاحب أو لغير حاجة؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده» رواه البخاري، ولما فيه من الوحشة وتسلط اللصوص عليه وعدم وجود المعين بعد الله عند حدوث الضرر. قال الإمام أحمد عن الرجل يسافر وحده:" ما أحب ذلك إلا أن يضطر مضطر"(2). قال الحافظ ابن حجر: "جواز السفر منفردا للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالانفراد والكراهة لماعدا ذلك"(3). ويستحب أن يطلب رفيقا تقيا، نقيا، راغبا في الخير، كارها للشر يحرص على إرضاء رفيقه وموافقته لا مخالفته، صبورا على ما يقع منه ويحتمل كل واحد منهما الآخر ويرى لصاحبه عليه فضلا وحرمة وكما قيل:
(1) رواه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 295.
(2)
الآداب الشرعية لابن مفلح 1/ 457.
(3)
فتح الباري 6/ 161.
"الصديق قبل الطريق وليس كل صديق يناسب الطريق" وورد: "يا خفاف ابتغ الرفيق قبل الطريق فإن عرض لك أمر نصرك وإن احتجت إليه ردفك"(1)، وقد قيل:"المروءة في السفر بذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير مساخط الله وإذا فارقتهم أن تنشر عنهم الجميل" وقيل: "من حسن المرافقة الموافقة"(2) لكن فيما لا يخالف الشرع.
فرع: إذا كان الإنسان في سفر في سيارته لوحده وكان الطريق مليئا بالمسافرين والمحطات فهذا لا يدخل في النهي واختاره ابن عثيمين.
تنبيه وتحذير: إن المتأمل لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن سفر الإنسان لوحده يعرف حكما وأسرارا عظيمة وقد سمعنا وشاهدنا من يسافرون لوحدهم وما يتعرضون إليه من مخاطر وقتل واعتداء والوقوع في حبال الرذيلة والفساد والانحراف، حتى وإن كان إنسانا سويا فتجد النفس تراوده بحجج واهية، والإنسان الذي معه آخرون قد يستحي منهم فلا يذهب لبعض أماكن الفساد أو النظر لبعض القنوات المنحرفة أو غير ذلك إن كان معه عقلاء لاسيما حين السفر للخارج، وفوق هذا رأي الاثنين أعقل وأسلم من الواحد في الغالب.
* على قدر نيتكم وعملكم تؤجرون: فنفقتك في السفر إما أجر وإما وزر فسفرك للعبادة ونفقتك فيه تؤجر عليها، وإن
(1) ضعفه العجلوني في كشف الخفاء 1/ 205.
(2)
المجموع للنووي بتصرف 4/ 325.