الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال شيخنا: يحرم خروجه لشكه في النية للعلم بأنه ما دخل إلا بنية، وكشكه هل أحدث (1) .
ولو سمى إماما أو جنازة فأخطأ صحت صلاته إن كان قصده خلف من حضر وعلى من حضر وإلا فلا (2) .
ولا يتنفل منفرد مأموما على الأصح (وهـ م ر) ولا إماما اختاره الأكثر، وعنه يصح اختاره الشيخ وشيخنا (3) .
باب صفة الصلاة
ويتوجه: يجب تسوية الصفوف وهو ظاهر كلام شيخنا (4) .
ولا تنعقد إلا بقوله قائما في فرض: الله أكبر وهي ركن بقدر ما يسمع نفسه، ومع عذر بحيث يحصل السماع مع عدمه، واختار شيخنا الاكتفاء بالحروف وإن لم يسمعها وذكره وجها (وم) وكذا ذكر واجب (5) .
وإذا قدر المصلي أن يقول: الله أكبر لزمه ولا يجزئه غيرها وهو قول مالك وأحمد (6) .
قال شيخنا: ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة كقوله في التحيات: أت، أت، ألتحي، ألتحي،
وفي السلام: أس، أس. وقوله في التكبير: أكككبر ونحو ذلك فهذا
(1) الفروع (1/ 397) والاختيارات (49) وللفهارس العامة والتقريب (2/ 56) .
(2)
الاختيارات (49) والفروع (1/ 400) وللفهارس (2/ 57) .
(3)
الفروع (1/ 400) ف (2/ 57) .
(4)
الفروع (1/ 408) وللفهارس (2/ 58) .
(5)
الفروع (1/ 410) وللفهارس (2/ 48) .
(6)
الاختيارات (50) وللفهارس (2/ 58) .
الظاهر بطلان صلاته به، وربما كان إماما فأفسد صلاة المأمومين، وصارت الصلاة التي هي أكبر الطاعات أعظم إبعادا له عن الله من الكبائر، وما لم تبطل به الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة ورغبة عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه وما كان عليه أصحابه، وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه، وأغرى الناس بذمه والوقيعة فيه، فجمع على نفسه طاعة إبليس ومخالفة السنة، وارتكاب شر الأمور، ومحدثاتها، وتعذيب نفسه، وإضاعة الوقت، والاشتغال بما ينقص أجره، وفوات ما هو الأنفع له، وتعريض نفسه لطعن الناس فيه، وتغرير الجاهل بالاقتداء به فإنه يقول: لولا أن ذلك فضل لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه لا يكفي وحده، وانفعال النفس وذلها للشيطان حتى يشتد طمعه فيه، وتعريضه نفسه للتشديد عليه بالقدر عقوبة له، وإقامته على الجهل، ورضاه بالخبل في العقل كما قال أبو حامد الغزالي وغيره، الوسوسة: إما جهل بالشرع، وإما خبل في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب (1) .
ويستحب التعوذ أول كل قراءة ويجهر في الصلاة بالتعوذ وبالبسملة وبالفاتحة في الجنازة ونحو ذلك أحيانا فإنه المنصوص عن أحمد تعليما للسنة (2) .
قال شيخنا: وتكتب البسملة أوائل الكتب، كما كتبها سليمان، وكتبها النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية وإلى قيصر وغير (3) .
ولا يشترط أن يسمع المصلي نفسه القراءة الواجبة، بل يكفيه الإتيان بالحروف وإن لم يسمعها وهو وجه في مذهب أحمد واختاره
(1) إغاثة (1/ 139) ف (2/ 58) .
(2)
الاختيارات (50) ف (2/ 59) .
(3)
الفروع (1/ 414) والاختيارات (51) ف (2/ 59) .
الكرخي من الحنفية وكذا كل ذكر واجب (1) .
والفاتحة أعظم سورة في القرآن قال عليه الصلاة والسلام فيها: «أعظم سورة في القرآن» رواه البخاري، وذكر معناه ابن شهاب الزهري وغيره (2) .
وعند شيخنا ترتيب الآيات واجب، لأن ترتيبها بالنص (ع) وترتيب السور بالاجتهاد لا بالنص في قول جمهور العلماء منهم المالكية والشافعية، قال شيخنا: فيجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة؛ ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة رضي الله عنهم في كتابتها، لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سنه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها (3) .
ووقوف القارئ على رءوس الآيات سنة وإن كانت الآية الثانية متعلقة بالأولى تعلق الصفة بالموصوف أو غير ذلك.
والقراءة القليلة بتفكر أفضل من الكثيرة بلا تفكر، وهو المنصوص عن الصحابة رضي الله عنهم صريحا، ونقل عن أحمد ما يدل عليه، نقل عنه مثنى بن جامع: رجل أكل فشبع وأكثر الصلاة والصيام، ورجل أقل الأكل فقلت نوافله وكان أكثر فكرة فأيهما أفضل؟ فذكر ما جاء في الفكر «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» قال: فرأيت هذا عندنا أفضل للتفكر (4) .
ويكره أن يقول مع إمامه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ونحوه (5) .
(1) الاختيارات (50) قلت: وتقدم النقل عن الفروع وهنا صرح بالقراءة.
(2)
الفروع (1/ 415) ف (2/ 60) .
(3)
الفروع (1/ 415) ف (2/ 60) .
(4)
الاختيارات (53) ف (2/ 60) . وف (1/ 247) .
(5)
الاختيارات (53) والفروع (1/ 425) ف (2/ 60) .
ومن لم يحسن القراءة ولا الذكر، أو الأخرس لا يحرك لسانه حركة مجردة.
ولو قيل: إن الصلاة تبطل بذلك كان أقرب؛ لأنه عبث ينافي الخشوع وزيادة على غير المشروع (1) .
وسمعته يقول في نهيه صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود: أن القرآن هو أشرف الكلام، وهو كلام الله، وحالة الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد فمن الأدب مع كلام الله أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، ويكون حال القيام والانتصاب أولى به (2) .
وقول القائل: إن طوَّل القيام على الركوع والجلوس بين السجدتين تبطل صلاته قول ضعيف باطل (3) .
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه:
فصل
الصلاة مؤلفة من أقوال وأفعال، فأعظم أقوالها القرآن، وأعظم أفعالها الركوع والسجود وأول ما أنزل من القرآن {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [1/96] وختمها بقوله {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [19/96] فافتتحها بالأمر بالقراءة وختمها بالأمر بالسجود وكل منهما يكون عبادة مستقلة.
فالقراءة في نفسها عبادة مطلقا إلا في مواضع، والسجود عبادة
(1) الاختيارات (55) وتحفة الودود (156) ولفظها: وزيادة عمل غير مشروع، ف (2/ 60) .
(2)
مدارج (2/ 285) واختيارات (58) زيادة إيضاح.
(3)
مختصر الفتاوى (62) ف (2/ 61) .
بسبب السهو والتلاوة وسجود الشكر، وعند الآيات على قول. فالتلاوة الخاصة سبب السجود.
وقد ذكر الله الركوع والسجود في مواضع فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [77/22] فهذا أمر بهما وقال تعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [29/48] فهذا ثناء عليهم بهما، وإن كان ذكرهما منتظما لبقية أفعال الصلاة كما في القراءة والقيام والتسبيح والسجود المجرد وهو من باب التعبير بالبعض عن الجميع، وهو دليل على وجوبه فيه، وقال تعالى لبني إسرائيل {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [43/2] فأفرد الركوع بالتخصيص بعد الأمر بإقامة الصلاة، ويشبه والله أعلم أن يكون فيه معنيان:
أحدهما: أنهم لا يركعون في صلاتهم فأمرهم بالركوع إذا كانوا لا يفهمون ذلك في نفس الصلاة.
الثاني: أن قوله: {مَعَ الرَّاكِعِينَ} أمر بصلاة الجماعة، ودل بذلك على وجوبها، وأمر بالركوع معهم؛ لأنه بالركوع يكون مدركا للركعة، فإذا ركع معهم فقد فعل بقية الأفعال معهم، وما قبل الركوع من القيام لا يجب فعله معهم فما بعده لازم؛ بخلاف ما لو قال: قوموا، أو: اسجدوا لم يدل على ذلك.
وقال لمريم: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [43/3] قد يكون أمرا لها بصلاة الجماعة وإن كانت امرأة لأنها كانت محررة منذورة لله عاكفة في المسجد، وقال تعالى:{وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [24/38] قد قيل: إنه السجود، وقال تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [48/77] وذكر السجود والقيام في
قوله: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [64/25] وفي قوله: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [9/39] وذكر السجود في قوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [19/96] وفي قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [42-43/68] وقوله: {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [154/4] وقوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [98/15] وقوله: {وَمِنَ الليْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [40/50] وقوله: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [102/4] .
وآيات سجود التلاوة {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [206/7] .
وقوله: {وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [49، 50/16] .
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} الآية: [107/17]، وقوله:{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [58/19] وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} الآية: [18/22] وقوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [77/22] وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [60/25] وقوله: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [25/27] وقوله: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ
إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [32/15] .
وقوله: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [37/41] .
وقوله: {فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا} [62/53] .
وقوله: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [21/84] .
وقوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [19/84] .
فآية الأعراف والرعد والنحل والحج فيها الخبر عن سجود المخلوقات، لكن في الأعراف سجود الملائكة وفي الحج سجود المخلوقات طوعية، وهذا لم يعم بني آدم، وسجود الكائنات مطلق ليس مقيدا بركوع فشرع السجود عند ذكره، لأن المؤمن داخل في ذلك، أو متشبه بصاحبه.
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} الآية: [107/17] وقوله: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [58/19] خبر عن سجود بسبب التلاوة، فأمر بالسجود عند التلاوة.
ونظيره: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [21/84] وقوله: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ} [24/27] وقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ الليْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [37/41] نهي عن السجود لغير الله مطلقا وأمر بالسجود له فشرع السجود المقابل للمنهي عنه.
وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا
تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [60/25] فأخبر عن امتناع الكافر عن السجود مطلقا فيشرع السجود المقابل له، وهو مطلق السجود هناك في مقابلة المعبود الباطل وهنا في مقابلة الكافر الممتنع عن الحق.
وأما قوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [77/22] فلا ريب أن هذا أمر بسجود الصلاة فلذلك جرى فيه النزاع فقيل: هو أمر به كما في قوله: {اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} [43/3] .
وقيل: هذا لا يمنع أن يكون سببا لذلك، كما أن آيات التلاوة والسجود تتضمن السجود في الصلاة عقب سماع القرآن.
فصل
ولما كثر ذكر السجود في القرآن، تارة أمرا به، وتارة ذما لمن تركه، وتارة: ثناء على فاعله، وتارة إخبارا عن سجود عظماء الخليقة وعمومهم كان ذلك دليلا على فضيلة السجود، وهذا ظاهر فإن السجود فيه غاية الخضوع والتواضع، وهو أفضل أركان الصلاة الفعلية وأكثرها حتى إن مواضع الصلاة سميت به فقيل: مسجد ولم يقل: مقام، ولا مركع لوجهين:
أحدهما: أنه أفضل وأشرف وأكثر.
والثاني: أن نصيب الأرض منه أكثر من نصيبها من جميع الأفعال، فإن العبد يسجد على سبعة أعضاء وإنما يقوم على رجلين، وأما الركوع فسيان نسبة الأرض إليه وإلى القيام، فلهذا قيل: مسجد وهو موضع السجود دون موضع الركوع، والركوع نصف
سجود، والسجود شرع مثنى مثنى في كل ركعة سجدتان ولم
يشرع من الأركان مثنى إلا هو، حتى سجود الجبران جعل أيضا مثنى وهو سجدتا السهو، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسميهما المرغمتين وقال في
الشك «إن كانت صلاته وترا شفعتا له صلاته، وإن كانت تامة
كانت ترغيمًا للشيطان» فأقام السجدتين مقام ركعة في تكميل الصلاة؛ لأن الركن الأعم في كل ركعة هما السجدتان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«أعني على نفسك بكثرة السجود» ، وقال:«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» .
ولما كانت الصلاة مثنى مثنى، جعل في كل ركعة السجود مثنى مثنى، فكل سجدتين معقودتان بركعة، فتصير وترا سجدتين وركوع، والركوع مقدمة أمامهما كتقدمة الوقوف على طواف الزيارة قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا أدركتمونا ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ومن أدرك الركعة فقد أدرك» كما قال: «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج» ومن فاته التعريف فإنه يفعل الطواف والسعي ولكن لا يكون مدركا للحج، لكن يكون متحللا بعمرة، أو عمل عمرة ولهذا قيل:{وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [43/2] فالركوع مع السجود تقدمة وتوطئه وباب إليه، وهو مشترك بين القيام والسجود وبرزخ بينهما، فالقيام قيام القراءة بعده، وأما القيام بعده فهو -والله أعلم- لأجل السجود بعده ليكون السجود عن قيام وهو السجود الكامل، فالرفع منه تكميل للركوع، والخفض من القيام تكميل للسجود، ولهذا هو ركن تام كما جاءت به السنة، وليس معادلا لبقية الأركان كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:«لا تقبل الله صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود» لعدم تكميلهما فإنه أيضا إذا لم يقم صلبه بين السجدتين لا يكون قد أكمل الأولى برفعها ولا الثانية بخفضها، فالسجود إذا شرع في الانحناء وهو قاعد، أما إذا كان وجهه قريبًا من الأرض وألصقه فليس هذا بسجود.
ومن هنا غلط من غلط وقال: إن الاعتدالين ليس بركنين طويلين لما ظنوا أن المقصود مجرد الفصل، والصواب ما جاءت به السنة إيجابًا
للاعتدال واستحبابًا لإتمامه وتسويته بسائر الأركان، لأن هذا القيام والقعود إن كان تابعا من بعض الوجوه فالقعود في آخر الصلاة أيضا تابع للصلاة وهم يطردون أصلهم في عدم إيجابه عند بعضهم، والركوع أيضا تابع من بعض الوجوه للسجود الذي هو غاية الخضوع، كما قال:{سَاجِدًا وَقَائِمًا} [9/39] .
فإذا كان بعض أركان الصلاة الفعلية أفضل من بعض وأبلغ في كونه مقصودا لم يمنع إيجاب التابع المفضول كالركعتين الأخريين مع الأوليين وكإيجاب الطمأنينة.
وحرف المسألة: أن إتمام الأركان فرض ولا يتم إلا بذلك، وإتمام الصلاة من إقامتها، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، فإن قوله في الخوف والسفر {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [101/4] فالخوف يبيح قصر الأفعال والسفر قصر الأعداد دليل على وجوب الإتمام في الأمن والطمأنينة لقوله:{فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [103/4] وإتمامها من إقامتها كما جاءت به السنة حيث قال للمسيء في صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ، وقال:«فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك» فجعل من لم يتمها لم يصل، والله سبحانه أعلم (1) .
ما يكره في الصلاة
ومن الأدب نهي النبي صلى الله عليه وسلم المصلي أن يرفع بصره إلى السماء، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا من كمال
(1) من «الكلام على مسألة السماع» لابن القيم (219-229) دار العاصمة الرياض، عن مخطوطة مكتبة اسكوريال بأسبانيا رقم 1593 وهي موجودة في مكتبة الجامعة الإسلامية مصورة.
أدب الصلاة أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقا خافضا طرفه إلى الأرض ولا يرفع بصره إلى فوق (1) .
فصل
آل محمد فيه قولان:
أحدهما: أنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة، نص عليه أحمد والشافعي، وهو أصح.
وعلى هذا فتحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته: روايتان الأصح: دخولهن دون مواليهن كبريرة، بخلاف موالي الرجال.
وعلى هذا: أهل بيته هم بنو هاشم من ذرية أبي طالب والعباس والحارث أبناء عبد المطلب أعمام النبي صلى الله عليه وسلم فذرية هؤلاء الثلاثة أهل بيته، وكذلك ذرية أبي لهب عند الجمهور، وليس من أعمامه من له نسل غير هؤلاء الأربعة.
وأفضل أهل بيته علي وفاطمة وحسن وحسين الذين أدار عليهم الكساء وخصهم بالدعاء.
وظاهر كلام أبي العباس في موضع آخر، أن حمزة أفضل من حسن وحسين واختاره بعض العلماء (2) .
(1) مدارج (2/ 385) ف (2/ 65) .
(2)
هذا النقل عن الاختيارات (55) من قوله وظاهر كلام أبي العباس إلى قوله بعض العلماء بحث معترض في هذا الفصل يناسب وضعه هنا.
وأما بنو المطلب هل هم من أهل بيته الذين تحرم عليهم الصدقة؟. على روايتين.
والقول الثاني: آل محمد هم أمته، أو الأتقياء من أمته، روي ذلك عن مالك وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم.
ولفظ آل فلان، إذا أطلق دخل فيه فلان وآله، وقد يقال: محمد وآل محمد، فلا يدخل فيهم محمد، وكذلك أهل البيت.
وأصل آل أول، فحركة الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا.
ومن قال: إن أصله أهل فقد غلط، لأن الأهل يضاف إلى الجماد وغيره.
وأما آل فإنما يضاف إلى شخص معظم من شأنه أن يئول إليه غيره أي يسوسه فيكون مآله إليه فيتناول نفسه ومن يئول إليه.
ولهذا جاء في أكثر الألفاظ، «كما صليت على إبراهيم» جاء في بعضها «على إبراهيم» لأنه هو الأصل في الصلاة وسائر أهل بيته تبع له.
ولم يأت «على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» بل روي ولكنه غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن المتأخرين من يرى الجمع بين ألفاظ الأدعية التي رويت بألفاظ متنوعة مثل قوله: «ظلما كثيرا كبيرا» وهي طريقة محدثة بل فاسدة عقلا، لأنه لم يستحب أحد من المسلمين للقارئ أن يجمع بين حروف القراءة.
فإن قيل: فلم جاء «على محمد وعلى آل محمد» فذكر محمد وآله بخلاف إبراهيم؟
قيل: لأن الصلاة على محمد وآله ذكرت في مقام الطلب والدعاء،
وفي إبراهيم في مقام الخبر، والجملة الطلبية إذا بسطت كان بسطها مناسبا لأن المطلوب يزيد بزيادة الطلب وينقص بنقصانه، فأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع لا يحتمل الزيادة ولا النقصان فلم يكن في زيادة اللفظ زيادة معنى فكان الإيجاز أحسن ولهذا جاء بلفظ «إبراهيم» ، تارة وبلفظ «آل إبراهيم» أخرى لأن كلا من اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر، وهو الصلاة التي وقعت ومضت، إذ قد علم أن الذي وقع هو الصلاة عليه وعلى آله بخلاف ما لو طلب صلاة على محمد فإنه يدل على طلب الصلاة على آل محمد، إذ هو طلب ودعاء ينشأ بيننا بهذا اللفظ لم يعلم ما يريد به.
ولو قيل: «صل على محمد» ، لكان إنما يصلي عليه في العموم، فقيل: على محمد وآل محمد ليخص بالدعاء.
ثم إن قيل: إنه داخل في آله مع الاقتران، كما هو داخل مع الإطلاق فقد صُلي عليه مرتين خصوصا وعموما.
ولو قيل: إنه لم يدخل ففي ذلك بيان أن الصلاة على آله إنما طلبت تبعا له وأنه هو الأصل الذي بسببه طلبت الصلاة على آله.
فإن قيل: قوله «صليت على آل إبراهيم» يشعر بفضيلة إبراهيم، لأن المشبه دون المشبه به؟
قيل: الجواب: أن محمدا داخل في آل إبراهيم، لأنه في الأصح أحق من غيره من الأنبياء بالدخول فيدخل عموما في آل إبراهيم، ثم أمرنا أن نصلي على محمد على آله خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموما، ثم لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم، والباقي له، فيطلب له من الصلاة هذا القدر العظيم فيحصل له به أعظم ما لإبراهيم وغيره، ويظهر به من فضيلته على كل من النبيين ما هو اللائق به صلى الله عليه وسلم.
وجواب ثان وهو أن «آل إبراهيم» فيهم الأنبياء الذين ليس مثلهم في آل محمد، فإذا طلب له من الصلاة مثل ما صلي على هؤلاء حصل لآله ما يليق بهم، فإنهم دون الأنبياء وبقيت الزيادة لمحمد فحصل له بذلك مزية ليست لإبراهيم ولا لغيره، وهذا حسن أيضا.
وجواب ثالث: منع أن يكون المشبه دون المشبه به.
وجواب رابع: أن التشبيه عائد إلى الصلاة على الآل فقط فعند قوله «على محمد» انقطع الكلام وقوله «على آل محمد» مبتدأ وهذا نقل عن الشافعي وهو ضعيف كالذي قبله، لأن الفعل العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، وهو العامل في أداة التشبيه، والحذف إنما يجوز مع قيام الدليل، كما لو قال: اضرب زيدا وعمرو مثل ضربك خالدا وجعل التشبيه للمعطوف كان تلبيسا.
ومحمد أفضل الرسل باتفاق المسلمين، لكن وقع نزاع، هل هو أفضل من جملتهم؟ قطع طائفة بأن أفضل، كما أن صديقه أبا بكر وزن إيمانه بإيمان جميع الأمة فرجح.
فعلى هذا يكون آل محمد الذين هو فيهم أفضل من آل إبراهيم الذين ليس فيهم محمد وإن كان فيهم عدد من الأنبياء، وإن لم يكن محمد من آل نفسه فيكون آل محمد ليس فيهم نبي دون آل إبراهيم ففيهم أنبياء.
وإن قلنا: إنه داخل في آل إبراهيم كان آل إبراهيم فيهم محمد وأنبياء غيره وآل محمد فيهم محمد ولا نبي معه فتكون الجملة التي هو وغيره فيها من الأنبياء أفضل من الآخرين.
واتفق المسلمون على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء كله سرا أفضل، بل الجهر ورفع الصوت بالصلاة بدعة، ورفع الصوت بذلك أو
بالترضي قدام الخطيب في الجمعة مكروه أو محرم بالاتفاق، ومنهم من يقول: سرا، ومنهم من يسكت.
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بلفظ الحديث أفضل من كل لفظ، ولا يزاد عليه كما في الأذان والتشهد قاله الأئمة الأربعة وغيرهم، وهي في الصلاة واجبة في أشهر الروايتين وقول للشافعي، ولا تجب في غيرها، والرواية الأخرى: لا تجب في الصلاة، وهو قول مالك وأبي حنيفة.
ثم منهم من قال: تجب في العمر مرة، ومنهم من قال: تجب في المجلس الذي يذكر فيه صلى الله عليه وسلم (1) .
ولا تجوز الصلاة على غير الأنبياء إذا اتخذت شعارا، وهو قول متوسط بين من قال بالمنع مطلقا وهو قول طائفة من أصحابنا، ومنهم من قال بالجواز مطلقًا وهو منصوص أحمد (2) .
وقوله في حديث أبي بكر رضي الله عنه: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (3) .
ثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» .
وهذا موافق لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [31/4] وكذلك
(1) مختصر الفتاوى المصرية (88-92) هذا فيه زيادات كثيرة عما في (22/ 460-464) ف (2/ 62) .
(2)
اختيارات (55) هذا لفظ مختصر في الموضوع ف (2/ 62) .
(3)
تقدم هذا الحديث وشرحه في المجلد الأول قسم الحديث المرتب على حروف الهجاء.
قوله {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللمَمَ} [33/35] فقد فسر اللمم: بأنه غير الوطء من النظر واللمس والسمع والمشي ونحوه، كما ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما رأيت أشبه باللم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي الفرج يصدق ذلك أو يكذبه» وسماه الله لمما لأن العبد المؤمن يلم بالكبيرة ولا يأتيها قال:
متى تأتنا تلمم بنا في دارنا
…
تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
وقال
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
…
تجد خير نار عندها خير موقد
فإن الطارق يلم بأهل المنزل قبل أن يدخل إلى منزلهم.
ويقال: اللمم أن يلم بالذنب الصغير مرة من غير إصرار، لأن من أصر على الصغيرة صارت كبيرة، كما في الترمذي:«لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» ، فقد جاء الكتاب والسنة بتكفير الصغائر لمن اجتنب الكبائر وهذا لا ريب فيه.
ثم قال قائلون: مفهوم هذا أنه لا يكفر الصغائر إلا بهذا الشرط، فمن لم يجتنب الكبائر كلها لا يكفر عنه صغيرة، وخالف الخوارج والمعتزلة فقالوا: إن من أتى كبيرة استحق العقوبة حتما، فتحبط جميع حسناته بتلك الكبيرة ويستحق التخليد في النار لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها، وهذا قول باطل باتفاق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وسائر أهل السنة.
والمرجئة من الشيعة والأشعرية قابلوا المعتزلة بنقيض قولهم فقالوا: لا نجزم بتعذيب أحد من أهل التوحيد، وهذا أيضا باطل، بل تواترت السنن بدخول أهل الكبائر النار، وخروجهم منها بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة وأئمتها متفقون على ما جاءت به السنن.
وقد يفعل العبد من الحسنات ما يمحو الله به بعض الكبائر كما غفر للبغي بسقي الكلب، وقوله لأهل بدر:«اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ولكن هذا يختلف باختلاف الحسنات ومقاديرها وبصفات الكبائر ومقاديرها، فلا يمكن لنا أن نعين حسنة تكفر بها الكبائر كلها غير التوبة فمن أتى كبيرة ولم يتب منها ولكن أتى معها بحسنات أخر فهذا يتوقف أمره على الموازنة والمقابلة، {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [6-9/101] فلهذا كان صاحب الكبيرة تحت الخطر ما لم يتب منها، فإذا أتى بحسنات يرجى له محو الكبيرة، وكان بين الخوف والرجاء.
والحسنة الواحدة قد يقترن بها من الصدق واليقين ما يجعلها تكفر الكبائر، كالحديث الذي في صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، ويؤتى ببطاقة فيها كلمة لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلات وذلك لعظم ما في قلبه من الإيمان واليقين، وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين بل والمنافقين أحد، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن، وكذلك حديث البغي، وإلا فليس كل من سقى كلبا عطشانا يغفر له، كما أنه قد يقترن بالسيئة من الاستخفاف والإصرار ما يعظمها فلهذا وجب التوقف في المعين، فلا يقطع بجنة ولا نار إلا ببيان من الله، لكن يرجى للمحسن ويخاف على المسيء.
وأما من شهد له النص فنقطع له، ومن له لسان صدق ففيه نزاع (1) .
والمصافحة أدبار الصلوات بدعة باتفاق المسلمين، لكن عند اللقاء فيها آثار حسنة، وقد اعتقد بعضهم أنها في أدبار الصلاة تندرج في عموم الاستحباب وبعضهم أنها مباحة.
والتحقيق أنها بدعة إذا فعلت على أنها عبادة، أما إذا كانت أحيانا لكونه لقيه عقيب الصلاة - لا لأجل الصلاة - فهذا حسن كما أن الناس لو اعتادوا سلاما غير المشروع عقيب الصلاة كره.
وأما المعانقة ففي الحديث النهي عنها، ويحمل النهي على فعلها دائما، وأما عند اللقاء فقد جاء فيها حديث جعفر، «أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه فالتزمه وقبل بين عينيه» (2) .
الذكر بعد الصلاة
وما جاء في خبر ثوبان «من أن الإمام إذا خص نفسه بالدعاء فقد خان المأمومين» المراد به الدعاء الذي يؤمن المأموم عليه كدعاء القنوت فإن المأموم إذا أمن كان داعيا، قال تعالى لموسى وهارون:{قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [89/10] وكان أحدهما يدعو والآخر يؤمن والمأموم يؤمن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما، فإن لم يفعل فقد خان الإمام المأموم (3) .
(1) مختصر الفتاوى (575-577) ف (2/ 63) فيها زيادة إيضاح عما في المجموع.
(2)
مختصر الفتاوى (67) فيها زيادات عما في المجموع ف (2/63) .
(3)
الوابل الصيب (229) وزاد المعاد (1/ 78) ف (2/ 64) الاختيارات (56) والفروع
(1/ 456) .
ويحرم الاعتداء في الدعاء لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [55/7] والاعتداء قد يكون في نفس الطلب، وقد يكون في نفس المطلوب (1) .
ويكره رفع بصره إلى السماء في الدعاء ذكره في الغنية من الأدب، وهو قول شريح وآخرين وظاهر كلام جماعة واختاره شيخنا في الأجوبة المصرية الأصولية لفعله عليه السلام (وم ش) قال: وذكر بعض أصحابنا خلافا بيننا في كراهته، قال شيخنا: وما علمت أحد استحبه (2) .
وإذا لم يخلص الداعي الدعاء ولم يجتنب الحرام تبعد إجابته إلا مضطرا أو مظلوما (3) .
وفي النسائي الكبير عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» وبلغني عن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ما تركته عقيب كل صلاة إلا نسيانا أو نحوه (4) .
ولا يستحب الدعاء عقب الصلوات لغير عارض كالاستسقاء أو تعليم المأموم ولم يستحبه الأئمة الأربعة (5) .
ويسن للداعي رفع يديه والابتداء بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأن يختمه بذلك كله وبالتأمين (6) .
(1) الاختيارات (56) والفروع (1/ 458) .
(2)
فروع (1/ 460) ف (2)
(3)
اختيارات (57) والفروع (1/ 460) ف (2/ 64) .
(4)
الوابل الصيب (229) وزاد المعاد (1/ 78) ف (2/ 64) .
(5)
الاختيارات (57) .
(6)
اختيارات (56) والفروع (1/ 456) ف (2/ 64) .
ما يكره في الصلاة
وكره شيخنا السجود عليها -الصورة- وسبق في اللباس من سترة العورة (1) .
والصواب أن مرور المرأة والكلب الأسود والحمار بين يدي المصلي دون سترته يقطع الصلاة (2)، وقال: هو مذهب أحمد رحمه الله (3) .
أركان الصلاة وواجباتها
يجب تحريك لسانه بالذكر الواجب في الصلاة من القراءة وغيرها مع القدرة.
ومن قال: إنها تصح بدونه يستتاب، ويستحب ذلك في الذكر المستحب.
والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد أن يكون بحيث يسمع نفسه إذا لم يكن مانع، وفيه وجه أن تكون الحركة بالحرف.
وأكمل الذكر بالقلب واللسان، ثم بالقلب، ثم باللسان، والمأمور به في الصلاة القلب واللسان جميعًا، لكن ذكر اللسان مقدور، والقلب قد لا يقدر عليه للوسواس، فلو قدررجلان أحدهما ذكر الذكر الواجب بالقلب فقط، والثاني بلسانه فقط فإن الأول لا يجزئه في صلاته بلا نزاع وإن قدر ذكر القلب أفضل، لأنه ترك الواجب المقدور عليه، كما أن الخشوع لله بالقلب والبدن أكمل منه بالقلب وحده، وهو بالقلب وحده أكمل منه بالبدن وحده.
(1) الفروع (1/ 485) ف (2/ 65) .
(2)
مختصر الفتاوى المصرية (56) ف (2/ 65) .
(3)
الاختيارات (59) .
ثم إن المصلي لو اقتصر على خشوع القلب لم يجزئه بلا نزاع، ولو غلب الوسواس على قلبه في أكثر الصلاة لم تصح صلاته عند أبي حامد الغزالي وأبي الفرج ابن الجوزي، لكن المشهور عند الأئمة أن الفرض يسقط بذلك.
والتحقيق أن كل عمل في الظاهر من مؤمن لا بد أن يصحبه عمل القلب، بخلاف العكس فلا يتصور عمل البدن منفردا إلا من المنافق الذي يصلي رياء وكان عمله باطلا حابطا، ففرق بين المنافق والمؤمن، فيظهر الفرق بين المؤمن الذي يقصد عبادة الله بقلبه مع الوسواس، وبين المنافق الذي لا يصلي إلا رياء الناس.
وأما أبو حامد ونحوه فسووا بين النوعين، فإن كلاهما إنما تسقط عنه الصلاة القتل في الدنيا من غير أن يبرأ ذمته ولا ترفع عنه عقوبة الآخرة، والتسوية بين المؤمن والمنافق في الصلاة خطأ.
نعم قد يكون بعض الناس فيه إيمان ونفاق مثل أن يصلي لله ويحسنها لأجل الناس فيثاب على ما أخلصه لله دون عمله للناس: {ولا يظلم ربك أحدا} (1) .
وقال أيضا: لا يمكن أن يقال: لم لا يأخذ نصيبه منه؟ لأنه مع الإشراك يمتنع أن يكون له شيء، كما أنه بتقدير الإشراك في الربوبية يمتنع أن يصدر عنه شيء، فإن الغير لا وجود له، وهو لم يستقل بالفعل وكذا هنا هو
لم يستقل بالقصد، والغير لا ينفع قصده، ولهذا نظائر كثيرة، في الشرعيات والحسيات إذا خلط بالنافع الضار أفسده، كخلط الماء بالخمر.
يبين هذا أنه لو سأل الله شيئا فقال: اللهم افعل كذا أنت وغيرك،
(1) مختصر الفتاوى (43، 44) والاختيارات بمعناه (59) ف (2/ 65) .
أو دعا الله وغيره فقال: افعلا كذا، لكان هذا طلبا ممتنعا، فإن غيره لا يشاركه وهو على هذا التقدير لا يكون فاعلا له، لأن تقدير وجود الشريك يمنع أن يكون هو أيضا فاعلا فإذا كان هذا يمتنع في الدعاء والسؤال فكذلك يمتنع في العبادة والعمل أن يكون له ولغيره (1) .
والمسبوق إذا لم يتسع وقت قيامه لقراءة الفاتحة فإنه يركع مع إمامه ولا يتم الفاتحة باتفاق الأئمة، وإن كان فيه خلاف فهو شاذ، وأما إذا أخر في الصلاة مع إمكانه حتى قصر القيام أو كان القيام متسعا ولم يقرأها فهذا تجوز صلاته عند الجماهير، وعند الشافعي عليه أن يقرأها وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده على المسبوق خاصة (2) .
وذكر الأصحاب أن ترك ركن وشرط كتركها كلها، قال جماعة: لأن الصلاة مع ذلك وجودها كعدمها؛ لأنه لا يثاب على قراءة وذكر ونحو ذلك.
وقال شيخنا في رده على الرافضي: جاءت السنة بثوابه على فعله وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلا كعدمه لم يجبر بالنوافل شيء، والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح في عرفهم وهو ما أبرأ الذمة فقولهم: بطلت صلاته وصومه وحجه لمن ترك ركنا بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليها بشيء في الآخرة، إلى أن قال: فنفي الشارع الإيمان عمن ترك واجبا منه أو فعل محرما فيه كنفي غيره، كقوله:«لا صلاة إلا بأم القرآن» وقوله للمسيء «فإنك لم تصل» «ولا صلاة لفذ» .
(1) الفروع (1/ 496) ف (2/ 65) .
(2)
مختصر الفتاوى (59، 60) ف (2/ 65) .