الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الحج
والبيت زاده الله تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا له الشرف من وجوه كثيرة.
منها: نفس البقعة شرفها الله على غيرها، كما شرف في بقية الأنواع بعض أشخاصها وكما خص بعض الناس بنوع من الفضل.
ومنها: أن الله بوأه لخليله إبراهيم خير البرية، فليس بعد محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم الذي بناه ودعا الناس إليه.
ومنها: أنه جعل على الناس حج البيت، حتى حجه الأنبياء كموسى ويونس وغيرهما.
وفيه آيات كثيرة: مثل مقام إبراهيم، ومثل الأمان الذي جعله للناس والطير والوحش.
ومثل إهلاك الجبابرة الذين قصدوا انتهاكه، إلى غير ذلك من العلامات والدلالات على حرمته وعظمته.
{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [97/3] فلا يقتل الجاني فيه عند أحمد وأبي حنيفة، وكان الكفار يعظمونه حتى ليلقى الرجل قاتل أبيه فلا يقتله.
والإسلام زاده حرمة.
وأما أن يظن أن من دخله كان آمنا من عذاب الله مع تركه الفرائض واتخاذه الأنداد من دون الله فخلاف إجماع المسلمين (1) .
ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب، وإلا فلا، ولم يقيده أبو عبد الله لسقوط الفرائض بالضرر، وتحرم الطاعة في المعصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
فحينئذ ليس للأبوين منع ولدهما من الحج الواجب؛ لكن يستطيب أنفسهما فإن أذنا وإلا حج.
وليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب مع ذي محرم، وعليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك، حتى إن كثيرا من العلماء أو أكثرهم يوجبون لها النفقة (2) .
والحج واجب على الفور عند أكثر العلماء.
ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله وخلف مالاً حج عنه في أظهر قولي العلماء.
وإذا وجب الحج على المحجور عليه لم يكن لوليه منعه منه على الوجه الشرعي، والتجارة ليست محرمة؛ لكن ليس للإنسان أن يفعل ما يشغله عن الحج.
ومن أراد سلوك طريق يستوي فيها السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها، فإن لم يكف فيكون قد أعان على هلاك نفسه فلا يكون شهيدًا.
(1) مختصر الفتاوى (301) ف (2/ 116) .
(2)
اختيارات (115) ف (2/ 116) .
وتجوز الخفارة عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر، ولا يجوز مع عدمها، كما يأخذ السلطان من الرعايا.
وتحج كل امرأة آمنة مع عدم محرم، قال أبو العباس: وهذا متوجه في سفر كل طاعة.
وأما إماء المرأة فيسافرون معها ولا يفتقرن إلى المحرم، لأنه لا محرم لهن في العادة الغالبة، فأما عتقاؤها من الإماء فقد بيض لذلك أبو العباس.
وصحح أبو العباس في الفتاوى المصرية أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع زوج أو ذي محرم. والمحرم زوج المرأة أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب، ولو كان النسب وطء شبهة لا زنا، وهو قول أكثر العلماء واختاره ابن عقيل (1) .
وعند شيخنا تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، وقال: إن هذا متوجه في كل سفر طاعة، ونقله الكرابيسي عن الشافعي في حجة التطوع، وقاله بعض أصحابه فيه وفي كل سفر غير واجب كزيارة وتجارة، وقاله الباجي المالكي في كبيرة غير مشتهاة، وذكر أبو الخطاب رواية المروذي ثم قال: وظاهره جواز خروجها بغير محرم ذكره شيخنا في مسألة العجوز تحضر الجماعة هذا كلامه (2) .
وذكر صاحب المحرر عن نقل أسماء النوى على رأسها للزبير نحو ثلثي فرسخ من المدينة أنه حجة في سفر المرأة السفر القصير بغير محرم، ورعي جارية معاوية بن الحكم في معناه وأولى، فيتوجه على هذا الخلاف، وأما كلام شيخنا ومعناه لغيره فيجوز مثل هذا قولاً.
(1) الاختيارات (115، 116) ف (2/ 117) .
(2)
الفروع (3/ 236) ف (2/ 117) .
واحدا لأنه ليس بسفر شرعا ولا عرفا ولا يتأهب له أهبته (1) .
قال شيخنا: ويحرم سفره بأخت زوجته ولو معها، قال في ميت عن امرأة شهد قوم بطلاقه ثلاثا مع علمهم عادة بخلوته بها، لا يقبل؛ لأن إقرارهم يقدح فيهم (2) .
ولا يجوز تكليف الأمة بالرعي، لأن السفر مظنة الطمع [وقد لا يوجد من يذب عنها](3) .
الحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست بواجبة، وأما إن كان له أقارب محاويج، أو هناك فقراء تضطرهم الحاجة إلى نفقة فالصدقة عليهم أفضل.
أما إذا كان كلاهما تطوعا فالحج أفضل، لأنه عبادة بدنية ومالية، وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك لكن بشرط أن يقيم الواجب في الطريق (4) ، ويترك المحرمات، ويصلي الصلوات ويصدق الحديث ويؤدي الأمانة، ولا يتعدى على أحد، فمن فعل شيئا من تلك المحرمات فقد يكون إثمه أعظم من أجره، فأي فضيلة في هذا؟ قال تعالى:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [197/2] فيه قراءتان {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} بالرفع {وَلَا جِدَالَ} بالفتح: والقراءة الثانية التسوية بين الكل بالفتح.
(1) فروع (5/ 603) ف (2/ 117) .
(2)
فروع (5/ 558) ف (2/ 117) .
(3)
فروع (5/ 602، 603) .
(4)
لأنه عبادة بدنية ومالية وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك، زيادة في الاختيارات عما في مختصر الفتاوى وكذلك قوله في الطريق.
فالقراءة الأولى توافق الحديث الذي في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» جعل الوعد بالمغفرة لمن لم يرفث ولم يفسق.
فالمنهي عنه المحرم في الآية: هو «الرفث» ، وهو الجماع ودواعيه قولا وفعلا، و «الفسوق» ، هو المعاصي كلها، هذا الذي نهى عنه المحرم.
وقوله: {وَلَا جِدَالَ} نهى المحرم عن الجدال مطلقا، بل الجدال بالتي هي أحسن قد يؤمر به المحرم وغيره.
والمعنى أنه أمر الحج قد بينه الله وأوضحه فلم يكن فيه جدال.
وأما القراءة الأخرى، فقالوا في أحد القولين: نهي المحرم عن الثلاثة: الرفث والجماع وذكره، و «الفسوق» ، وهو السباب والجدال.
والتحقيق: أن الفسوق أعم من السباب، والجدال المكروه المحرم هو المراد.
والخصومة من الجدال لقوله صلى الله عليه وسلم «من ترك المراء وهو محق بني الله له بيتا في أعلى الجنة، ومن تركه وهو مبطل بنى الله له بيتا في ربض الجنة» .
وقالوا في القول الآخر: حكم هذه القراءة حكم الأولى في أن المراد نهي المحرم عن الرفث والفسوق وهي المعاصي كلها.
وبين الله بعد ذلك أن الحج قد اتضح أمره، فلا جدال بالباطل أي لا تجادلوا فيه بغير حق، فقد ظهر وبان، وهذا القول أصح لموافقته الحديث المتقدم، فإن فيه «من حج فلم يرفث ولم يفسق» فقط.
وبكل حال فالحاج مأمور بالبر والتقوى.
و"البر" إطعام الطعام، وإفشاء السلام، كذا روي في الحديث، وهو يتضمن الإحسان إلى الناس بالنفس والمال.
وإذا حصل من الحاج المشاجرة والخصومة والسب فكفارته الاستغفار وفعل الحسنات الماحية إلى من جهل عليه وغيره، فيحسن إليه ويستغفر له ويدعو له ويداريه ويلاينه، وإن اغتاب غائبا وهو لم يعلم دعا له ولا يحتاج إلى إعلامه في أصح قولي العلماء (1) .
قال شيخنا: قوله عليه السلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» يدخل فيه بإحرام العمرة ولهذا أنكر أحمد على من قال: إن حجة التمتع حجة مكية، نقله الأثرم وهي عند أحمد بعض حجة الكامل بدليل صومها (2) .
وعنه العمرة سنة (وهـ م ق) اختاره شيخنا (3) .
ومن استطاع الحج بالزاد والراحلة وجب عليه الحج بالإجماع، فإن خرج عقيب ذلك بحسب الإمكان ومات في الطريق وقع أجره على الله ومات غير عاص، وإن كان فرط ثم خرج بعد ذلك ومات قبل الحج مات عاصيا، وله أجر ما فعله، ولم يسقط عنه الفرض؛ بل يحج عنه من حيث بلغ (4) .
ويجوز حجه عنها (المرأة) اتفاقا، وفي جواز حجها عنه نزاع (5) .
ومن جرد مع الحاج أو غيره وجمع له من الجند المقطعين ما
(1) مختصر الفتاوى (293، 294) ف (2/ 116، 124) .
(2)
فروع (3/ 529) ف (2/ 116، 124) .
(3)
الفروع (3/ 204) ف (2/ 116، 124)
(4)
مختصر الفتاوى (317) ف (2/ 116) .
(5)
مختصر الفتاوى (172) ف (2/ 117) .