الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السادات:
وسادة القوم أشرافهم ورؤساؤهم، وذكر أن السيد الذي فاق غيره بالعقل والمال والدفع والنفع، المعطي ماله في حقوقه المعين بنفسه. وذكر أن السيد: الحليم لا يغلبه غضبه1.
والسيادة منزلة ودرجة، ولا تأتي أحدًا إلا باعتراف قومه له بسيادته عليهم وبتنصيبهم له سيّدًا عليهم. وكانوا إذا سوّدوا شخصًا عصبوه، والتعصيب التسويد، ولهذا كانوا يسمّون السيّد المطاع معصبًا. وذكر أن العصابة العمامة. وكانت عمائم سادة العرب هي العمائم الحمر2.
وتعدّ الأسر الحاكمة التي ينشأ فيها عدد كبير من الملوك والحاكم أسرًا عريقة في الشرف، وينظر إليها نظرة تقدير واحترام، لأنهم ورثوا المجد عن آبائهم أبًا بعد أب. وينطبق ذلك على سادات القبائل الذين يرثون سيادتهم قبائلهم أبًا عن جد، فإنهم يفتخرون بذلك على غيرهم، لأنهم ليسوا من أولئك الذين انتزعوا السيادة فصاروا سادة، على حين كان آباؤهم أو أجدادهم من الخاملين.
وقصد سادات القبائل وبعض الشعراء الكبار الملوك، ورحلوا إليهم من منازلهم، وتقربوا إليهم، وتوسطوا لديهم لبعض الناس. وقد عرف هؤلاء ب "الرحال". ولهذا نجد في الكتب، أنها إذا تعرضت لمثل هؤلاء قالت عنهم إنهم من "الرحال". فقد عرف "عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب" ب "عروة الرحال"، "وإنما سمّي الرحال لرحلته إلى الملوك"3. كما عرفوا ب "زوّار الملوك"، منهم "أبو زيد الطائي".
وأشراف الناس، هم الذي نالوا الشرف والسؤدد بين قومهم، فسادوهم. والسيد هو الرئيس، ويطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم وعلى من ساد قومه، مثل سادات القبائل. وقد نعت رسول الله "سعد بن معاذ" ب "سيد الأنصار". وتقول العرب "هذا سيدنا" و "فلان سيدنا"،
1 اللسان "3/ 228 وما بعدها".
2 تاج العروس "3/ 386""طبعة الكويت".
3 البلاذري "1/ 110".
أي رئيسنا والذي نعظمه. وتقول "ساد قومه"، أي صار سيدهم ورئيسهم1. ونعت "قيس بن عديّ" ب "سيد قريش"2. وكان يوم وفاة "سعد ب معاذ" بالمدينة يومًا مشهودًا. حتى حضر الرسول جنازته وكبر عليه تسعًا، كما كبر على حمزة، تعظيمًا لشأنه. وشهد دفنه3: وكان من عادة أهل مكة في الجاهلية أنه إذا مات لهم سيد كبير أغلقوا أسواقهم إعظاما لموته، وتعبيرًا عن تقديرهم له4. فغلق الأسواق عند الجاهليين عند وفاة رجل خطير من أمارات التقدير والتعظيم.
ومن أمارات تكريم الميت الشريف، تجمع الناس عند بيته، احتفالًا به لنقله إلى موضع دفنه. وإذا كان الميت خطير الشأن كان الجمع أكبر. وهو يتناسب في كثرته مع مكانة ودرجة الميت في المجتمع. وقد ذكر أنهم كانوا يقولون للرجل الشريف يقتل:"العقيرة"5.
والسادات هم الرءوس، رءوس الناس. أما من دونهم فأذناب. وعرفوا ب "أذناب الناس وذنباتهم"، أي أتباعهم وسفلتهم، والأتباع دون الرؤساء. ويقال: جاء فلان بذنبه، أي أتباعه. قال الحطيئة يمدح قومًا:
قوم هم الرأس والأذناب غيرهم
ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا6
والسادات "مصابيح الظلام" ومشاعله، بنورهم يهتدي الفقراء وأصحاب الحاجة والفاقة، فينالون منهم ما يخفف عن كربهم وفقرهم. يطعمون الناس في الحضر والسفر، فهم سادة الناس وملاذهم حين تغلق كل الأبواب بأوجه الأذناب التاعسين البائسين.
ويقال لأشراف قوم وللبارزين منهم وجوه القوم ووجهاء القوم، فورد "وكان من وجوه القرشيين"، و "كان من وجوه قريش". وأما "سروات" مثل
1 اللسان "3/ 229 وما بعدها"، "صادر"، "سود".
2 نسب قريش "400".
3 الثعالبي، ثمار "64".
4 البلاذري، أنساب "1/ 87".
5 تاج العروس "3/ 415"، "عقر".
6 تاج العروس "1/ 254"، "ذنب".
"سروات الأنصار" و "سروات قريش"، ففي هذا المعنى أيضا، وجوه الأنصار وأشرافهم ووجوه قريش وأشرافهم. و "السريّ"، هو الرئيس1. وتعني كلمة "النواصي" خيار العرب وأشرافهم. فيقال هو ناصية قومه، وهو من ناصيتهم ونواصيهم. و "النصية" من القوم الخيار الأشراف2.
ويعرف الأشراف المعرقون ب "النجوم"، وواحدهم "نجم". وقد أشار إليهم "حسان" في شعره، فذكر أن الذين يحملون "اللواء" أي "لواء الحرب"، هم النجوم3. ويقال لسادة الناس "الجحاجح" كذلك4. ويقال لهم:"العرى"، وهم سادات الناس الذين يعتصم بهم الضعفاء، ويعيشون بعُرفهم. شبهوا بعرى الشجر العاصمة الماشية في الجدب5.
وأما لفظة "رب" التي تعني بعلا أيضًا، وإلها، والتي تعبر عن معنى "إله" في الزمن الحاضر؛ فقد أطلقت في لغة المسند على السيد والشريف، لتعبر عن معاني التفخيم والاحترام، وأطلقت في معنى "إله" أيضا في النصوص المتأخرة في الغالب، وهي من الألفاظ السامية القديمة التي وردت في معظم لغات الساميين.
وقد وردت في عربيتنا بمعنى المالك والسيد والمدبر، وأطلقت بمعنى الملك كذلك. وقد كان أهل الجاهلية يطلقونها على الملك، قال الحارث بن حلزة:
وهو الرب والشهيد على يو
…
م الحيارين والبلاء بلاء6
هذا وللسنّ أهمية كبيرة عند العرب، لأن الإنسان إذا ما تقدم في السن ازدادت حكمته وتجاربه في الحياة ورجح عقله. لذلك يكون مرجعًا لمن هو دونه في العمر، وملاذًا في المشورات، ويعبر عنهم ب "ذوي الأسنان"7. وهم الطبقة الذكية
1 تاج العروس "10/ 176"، "سره".
2 تاج العروس "10/ 370"، "نصا".
3
لم تطق حمله العواتق منهم
…
إنما يحمل اللواء النجوم
البرقوقي "ص380"، ديوان حسان "هرشفلد""ص19".
4 ديوان حسان "ص36""هرشفلد".
5 اللسان "15/ 46"، "عرا".
6 تاج العروس "2/ 459""الكويت"، "رب""ربب".
7 اللسان "13/ 222"، "صادر"، "سنن".
الفطنة المجربة من ذوي المكانة في الناس بالطبع. ولهذا نجد القبائل تتمسك بأخذ الرأي والمشورة من ساداتها المسنين ومن حكمائها المعمّرين، لأنهم عركوا الحياة وخبروها وعرفوا ما فيها من مرّ وحلو. لذلك جعلوا في الطبقات العليا من الناس.
و"الربّ" الرئيس والمرجع ومن تكون إليه الطاعة. والأرباب، هم السادات "قال المنذر يومًا لخالد، وهم على الشراب، يا خالد، من ربك؟ فقال خالد: عمرو بن مسعود ربي وربك. فأمسك عليهما"1. و "المنذر" هو المنذر الأكبر اللخمي، وخالد، هو خالد بن نضلة. ولهذا كان يقول العبد لسيده: ربّي. وتقول حاشية السيّد والملك لسيدها وملكها: ربّنا.
قال الحارث بن حلزة:
ربُّنا وابننا وأفضل من يمـ
…
ـشي ومن دُون ما لديه الثناء
وقال لبيد حين ذكر حذيفة بن بدر:
وأهلكن يومًا ربّ كندة وابنه
…
وربّ معدّ بين خَبت وعرعر2
و"الخُطر"3 الأشراف من الرجال العظيمو القدر والمنزلة. والخطير الواحد. ويقال للرجال الشريف، هو عظيم الخطر. وقوم خطيرون: قوم أشراف4. ويقال "العبقري" للكامل والسيد من الرجال. وهو سيد القوم وكبيرهم والذي ليس فوقه شيء والشديد القوي5.
وقد عرف سادة قريش ووجوهها ب "خضراء قريش". ولما صعد الرسول "الصفا"، عام الفتح، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا وجاء "أبو سفيان"، فقال:"يا رسول الله أبيدت خضراء قريش! لا قريش بعد اليوم"6. يقصد
1 أسماء المغتالين، "ص133"، "نوادر المخطوطات"، "عبد السلام هارون".
2 الحيوان "1/ 328 وما بعدها"، "هارون".
3 بضم الخاء.
4 تاج العروس "3/ 184"، "خطر".
5 تاج العروس "3/ 379"، "عبقر".
6 صحيح مسلم "5/ 172"، "باب فتح مكة".