الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضلال النصارى لتحكيمهم أهواء أحبارهم ورهبانهم، وبذلك اتخذوهم أربابا (1)، من دون الله.
وقد حدد الدواء في: الهداية وأركانها التي أسلفنا الكلام عليها، وهي: معرفة المعبود، ومعرفة المتبوع، ومعرفة المنهج، ثم الاستقامة على ذلك.
ومن ذلك نعلم أن صلاح القلوب لا يكون إلا بترسيخ العقيدة الصحيحة، وتحديد مسار العبد وفق ما تضمنته سورة الفاتحة.
النظرة الثانية عشرة
وجوب قراءتها في كل ركعة:
قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)(2)، وأنه قال:(من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام)(3)، فأي بيان أوضح من هذا.
وهذا ما ذهب إليه الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وداوود بن علي الظاهري، وجمهور أهل العلم قالوا: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.
(1) انظر الآية (31) من سورة التوبة، وحديث عدي بن حاتم.
(2)
أخرجه الإمام مسلم، حديث (34) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(3)
أخرجه الإمام مسلم، حديث (41) من حديث أبي هريرة وفيه (بفاتحة الكتاب) وانظر التمهيد (20/ 192).
قال ابن خويز منداد المالكي البصري: وهي عندنا متعينة في كل ركعة، قال: ولم يختلف قول مالك فيمن نسيها في ركعة، من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل (1)، ونقل هذا القول القرطبي رحمه الله في تفسيره (2) ونقل عن ابن عبد البر قوله: الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة ــ يعني الركعة التي لم يقرأ فيها بالفاتحة ــ ويأتي بركعة بدلا منها كمن أسقط سجدة سهوا (3).
وقال القرطبي رحمه الله: الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي، وأحمد، ومالك في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم، لقوله صلى الله عليه وسلم:(لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب)(4)، وقوله:(من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج)(5) ثلاثا، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أنادي أنه (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد)(6).
كما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى، فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها، ثم عدّد
(1) التمهيد (20/ 192).
(2)
الجامع لأحكام القرآن (1/ 117).
(3)
الجامع لأحكام القرآن (1/ 117).
(4)
أخرجه الإمام مسلم، حديث (41).
(5)
سنن أبي داوود، حديث (818، 820) بألفاظ متقاربة.
(6)
سنن أبي داوود، حديث (821) ولفظه (من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن
…
.).
جمعا من الصحابة والأئمة قالوا بهذا (1)، وقال: وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه، ما يرفع الخلاف ويزيل كل احتمال ــ فذكر بسنده ــ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها)(2).
وحيث إن مقصدنا بيان الأصح من أقوال العلماء، وما أيده الدليل، ولزوم الاختصار نكتفي بما ذكرنا، وإلا فالنصوص الدالة على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة كثيرة، سواء في حق المأموم أو المنفرد، ومنها ما ثبت في صحيح الإمام مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم قال للذي علمه الصلاة: (وافعل ذلك في صلاتك كلها)(3)، وأخرج أبو داوود رحمه الله، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال: "أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، أقام أبو نعيم المؤذن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ أم القرآن، فلما انصرفت قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر؟ ، قال: أجل، صلى بنا رسول
(1) الجامع لأحكام القرآن (1/ 119).
(2)
سنن ابن ماجة، حديث (839) في إسناده أبو سفيان السعدي طريف ابن شهاب، ضعيف لكن تابعه قتادة، أخرجه ابن حبان، انظر (3/ 140) من الإحسان بترتيب صحيح بن حبان.
(3)
صحيح الإمام مسلم، حديث (45).
الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال: هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة؟ ، فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: فلا، ــ وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن ــ فلا تقرءوا بشئ من القرآن إذا جهرت إلاّ بأمِّ القرآن" (1)، وقال أبو داود: وهذا أصح، والعمل على هذا الحديث في القراءة خلف الإمام، عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول مالك بن أنس، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (2).
وقال الدارقطني بعد أن أخرج الحديث من طريق محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود: هذا إسناد حسن، وقال بعد أن أخرجه من طريق زيد بن واقد، عن مكحول به: كلهم ثقات ــ يعني رجال إسناده ــ وقال عن محمود بن الربيع الأنصاري: وكان يسكن إيليا (3)، وعن أبي نعيم: وكان أبو نعيم أول من أذن في بيت المقدس (4)، واعتقد أنه من كلام الدارقطني وإلا لما حكم على الإسناد بأن رجاله ثقات.
(1) سنن أبي داوود، حديث (824).
(2)
سنن الترمذي، حديث (311).
(3)
بكسر أوله واللام، وياء وألف ممدودة، إسم مدينة بيت المقدس، قيل: معناه بيت الله (معجم البلدان 1/ 293).
(4)
سنن الدارقطني، حديث (5، 6) وانظر الجامع لأحكام القرآن (1/ 120).
وهذا يرد كلام أبي عمر بن عبد البر في أبي نعيم أنه مجهول (1)، فالذي أراه راجحا ومنصورا دليله بإذن الله تعالى، وجوب القراءة لما أوردنا من نصوص؛ ولأنه أحوط في دين العبد، وأتقى لله تعالى.
ومن أراد العودة إلى أقوال العلماء في هذه المسألة فإن الخلاف فيها على ثلاثة أقوال كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر رحمه الله قال: وهذا موضوع اختلفت فيه الآثار، عن النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف فيه العلماء، من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، على ثلاثة أقوال، ثم قال: منهم قائلون: "لا يقرأ لا فيما أسر ولا فيما جهر" وقال آخرون: "يقرأ معه فيما أسر فيه، ولا يقرأ فيما جهر فيه إلا بأم القرآن، خاصة دون غيرها" والثالث سقط ولم يتنبه المحقق إلى إلحاقه، وهو:"يقرأ فيما أسر الإمام ولا يقرأ فيما جهر"(2)، وقد ناقش رحمه الله الآثار والأقوال وأفاض في ذلك (3)، وقد أبنّا القول الراجح (4)، وأن قراءة أم الكتاب في كل ركعة لا تسقط إلا عند العجز عن قراءتها عجزا شرعيا. وبالله التوفيق.
(1) التمهيد (11/ 46).
(2)
التمهيد (11/ 27 ـ 28).
(3)
التمهيد (11/ 23 ـ 55).
(4)
وانظر الرازي (1/ 214 - 218، وللعلم بما قيل في مطلق القراءة 1/ 188 - 214).