الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جانب لخصائصها، وببقية القرآن لما فيه من العظمة والخير والبركة والإعجاز؛ والله أعلم.
النظرة الثالثة
نزول جبريل عليه السلام بالفاتحة:
الصحيح أن الفاتحة نزل بها جبريل عليه السلام استنادا إلى قول الله عز وجل: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (1)، وقد أجمع العلماء على أن المراد بالروح الأمين جبريل عليه السلام.
والقراءتان لقوله: (نزل) بالتخفيف أو بتشديد الزاي صحيحتان، ولا يحصل الخلاف إطلاقا في أن ذلك من عند الله عز وجل على الوجهين المذكورين في (نزل)(2)، ومن فهم من العلماء أن جبريل عليه عليه السلام لم ينزل بسورة الحمد استنادا إلى حديث ابن عباس صلى الله عليه وسلم قال:(بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم، سمع نقيضا (3)، من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، ولم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل
(1) الآيات (193 - 195) من سورة الشعراء.
(2)
انظر: (جامع البيان 19/ 68).
(3)
قال في الصحاح (2/ 603): النقيض: صوت المحامل والرحال. وانظر: (النهاية 5/ 107).
إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة (1)،
لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته) (2)، من فهم من هذا عدم نزول جبريل عليه السلام بالفاتحة فقد أخطأ، لأن نزول سورة الفاتحة كان بمكة لآية الشعراء وهي مكية صريحة في نزول جبريل عليه عليه السلام بجميع القرآن.
قال القرطبي: فيكون جبريل عليه السلام نزل بتلاوتها بمكة، ونزل الملك بثوابها بالمدينة، فإنه جمع بين القرآن والسنة، ولله الحمد والمنة (3).
قلت: وانقدح في ذهني وجه آخر، وهو أن يكون جبريل عليه السلام نزل بها تلاوة وبخواتيم البقرة أيضا، ونزل
(1) المراد الآيات من قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله
…
) الآيات إلى آخر السورة.
(2)
أخرجه الإمام مسلم، حديث (254) وانظر:(تفسير ابن عطية 1/ 14) وعنه نقل القرطبي في: (الجامع لأحكام القرآن 1/ 116) وسيأتي في ص 21، والذي وقفت عليه عند ابن عطية (اتلوا هذا القرآن فإن الله يأجركم بالحرف منه عشر حسنات
…
) أخرجه الدارمي (2/ 308) موقوفا على ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ (تعلموا هذا القرآن) وأخرجه الترمذي (5/ 175) مرفوعا بلفظ (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها
…
) وقال: حسن صحيح غريب، وذكره المنذري في الترغيب (2/ 342).
(3)
الجامع لأحكام القرآن (1/ 116).
الملك بالبشارة بنوريهما وأنهما أعطيتا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون الأنبياء.
فيحصل الجمع الذي ذكره القرطبي رحمه الله من وجه آخر، وقد سمعت شيخنا أبو بكر جابر (1)، الجزائري عظّم الله أجره يقول: نزلت الفاتحة مرتين: مرة بمكة وآياتها سبع، بسم الله الرحمن الرحيم الآية الاولى.
ونزلت مرة أخرى في المدينة، ليس فيها بسم الله الرحمن الرحيم.
قلت: ما ذكر فضيلته فيه نظر: فلم تنزل السورة مرتين، بل نزلت تلاوة مرة واحدة في مكة، ونزل في المدينة البشارة بالنورين الذين أوتيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أقف على ما يؤيد قول شيخنا هذا، أثابه الله، وهو في نظري توجيه حسن، وقد يقول قائل: نزلت مرتين والحكمة من ذلك تعظيمها، فأقول تعظيمها في البشارة بها وأنها نور أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعظم في بيان فضلها، سيما وتعظيمها ورد في نصوص من السنة كثيرة، والله أعلم.
(1) هذا اسمه مركّب، فلا يقال: أبابكر.