الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإذا كان الدعاء مما يسن الجهر فيه فالتأمين على الدعاء تابع له، وجار مجراه وهذا بين (1).
النظرة الثانية والثلاثون
كيف يصل المسلم إلى أعلى درجات التقرب:
إن المسلم مأمور باستشعار عظمة الله عز وجل، وقدرته سبحانه على الخلق والإحياء، والإماتة والبعث والجزاء، سيما في حال أداء العبادات، ومعروف أن الصلاة عليها مدار العبادات، وفيها مناجاة متكررة في كل وقت أوجب الله عز وجل أداء هذه الفريضة العظيمة فيه، قال الله عز وجل:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (2)، ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال:(أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)(3)، وهنا يلزم العبد تدبر ما يقرأ حتى يحصل الاستشعار، ويتم الخشوع، ويتحقق له قول الله عز وجل:{كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} (4)، فإذا ما قرأ الفاتحة متدبرا ظهر له من صفات الربوبية في قوله
(1) انظر (الجامع لأحكام القرآن 1/ 120) بتصرف.
(2)
الآيتان (1، 2) من سورة المؤمنون.
(3)
جزء من حديث أبى هريرة عند البخاري، حديث (4777).
(4)
الآية (19) من سورة العلق ..
تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ومن صفات الرحمة في قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} والملك في قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وإخلاص العبادة في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ما يجعل المسلم مستشعرا عظمة الله عز وجل، كأنه يراه، فيكون قلبه ولسانه يثنيان على الله عز وجل بجميع المحامد، وتكون الجوارح في سكون وخشوع كامل، إذ أنه من خلال النصف الأول من الفاتحة استشعر عظمة الله عز وجل، من خلال ثنائه وحمده
…
الله تعالى، وذكره بالغيبة بأسمائه وصفاته، فلما
…
كمل الاستشعار في قلبه وفكره، صارت تلك
…
الصفات والمعاني في ذهنه في حكم المشاهد على حد قوله صلى الله عليه وسلم: (كأنك تراه) فالتفت عن الغيبة إلى الخطاب
…
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وبهذا الاستشعار وذلك التصور الذهني، والخشوع والتذلل الظاهر بين الجوارح، وصل قارئ الفاتحة إلى أعلى درجات التقرب والعبودية لله وحده لا شريك له، ولم يبق بعد هذا الوصول إلا الطلب من المعبود سبحانه،
{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
الاستعانه هنا لها جانبان:
الأول: يخص الاستعانه به سبحانه وتعالى على القيام بما فرض الله عز وجل، على عباده من العبادات ومن العون عليها هدايتهم وتوفيقهم لها، ومدهم بالصبر والثبات عليها، قال تعالى:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (1)، وقال تعالى:{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (2)، وفي ذلك حبس للنفس عما حرم الله.
الثاني: يخص الاستعانة به سبحانه على ما أباح للعباد من الطيبات من أمور الدنيا البحتة، كحفظ الصحة والكسب الحلال، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (3)، وقال عز وجل: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
(1) الآية (45) من سورة البقرة.
(2)
الآية (35) من سورة فصلت.
(3)
الآية (15) من سورة الملك.
الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (1)، وقال الله سبحانه وتعالى:{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (2)، وقال تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (3)، وجميع مهام الحياة، وهي تختلف باختلاف الناس، وما خوّلهم الله فيه من التمكين في الأرض، ابتداء من تهذيب النفس وإدارة أمور الأسرة الصغيرة، وانتهاء برعاية الأمة وحفظ حقوقها، وفيه تدخل جميع الحرف والصناعات، من صناعة الإبرة إلى بناء المفاعلات الذرية، لا يتم للمسلم شيء منها إذا لم يستعن بالله عز وجل، وإن حصل لغير المسلمين شيء من ذلك، فهو من المتاع الذي وعد الله به {وَإِذْ
(1) الآية (32) من سورة الأعراف.
(2)
الآية (20) من سورة المزمل.
(3)
الآية (10) من سورة الجمعة.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (1)،
فكونهم يصلون إلى شيء من ذلك المتاع في الصحة والمال والبنين والقوة في شتّى مناحي الحياة دون استعانة منهم بالله، فقد أخبر تعالى أنهم:{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (2)، وقد أمدهم الله بأسباب ذلك متاعا لهم، وهو استدراج لهم من الله، قال تعالى:{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} (3).
أما المسلمون فقد جمع الله لهم بين الدنيا والآخرة، إذا ما تمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم، ومن هنا وجب على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها، وفي كل شبر منها، شعوبا وحكاما، جماعات
(1) الآية (126) من سورة البقرة ..
(2)
الآية (7) من سورة الروم.
(3)
الآية (17) من سورة الطارق.
وأفراداً، يجب عليهم العودة إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، والعمل بهما نصا وروحا، سالكين المنهج النبوي، والخلافة الراشدة، حذو القذة بالقذة (1)، آخذين بأسباب وحدتهم، وقوتهم وعزتهم كما فعل أسلافهم، من الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم من الصالحين، من الملوك والقادة الفاتحين، إنهم إذا فعلوا ذلك يستطيع مبعوث المسلمين إلى غيرهم، أن يقول مثلما قال مبعوث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، الصحابي الجليل، النعمان بن مقرن، إلى يزدجرد ملك الفرس أيام حرب القادسية، في زمن الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه: قال: "إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا، يدلنا على الخير ويأمرنا به ــ إلى قوله ــ: وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين الإسلام، دين حسَّن الحسن، وقبّح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر، هو أهون من آخر شرٌ منه: الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، وعلى أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم
…
. الخ" (2)،
ولاستطاع أن يفعل مفاوض المسلمين مثلما فعل ربعي بن عامر رضي الله عنه حينما دخل على رستم بثياب صفيقة، وسيف وترس وفرس
(1) ريش السهم واحدتها: قذّة: أي: كما تقدر كل واحدة على قدر صاحبتها وتقطع، يضرب مثلاً للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان. (النهاية 4/ 28).
(2)
البداية والنهاية (7/ 51، 52) ..
قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض الوسائد وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال:"إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، قال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ ، فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. الخ"(1).
ولَوَقَف موقف المغيرة بن شعبة رضي الله عنه من رستم أيضا حينما هدد، واستشاط غضبا من المسلمين وأزبد وأرعد، وقال: أمرت لكم بكسوة ولأميركم ألف دينار وكسوة ومركوب.
فقال المغيرة رضي الله عنه: "أبعد أن أوهنا ملككم، وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم، ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم"(2).
وهذا غيض من فيض من مواقف المسلمين وقادتهم العظام، حينما كانوا مع الله ورسوله قلبا وقالبا.
إن العالم الإسلامي متخم بالدول الإسلامية، الواسعة الأرجاء، المالكة لكثير من الثروات، ذات الدور الفعال في قلب الموازين السياسية والعسكرية في العالم، يلقي
(1) البداية والنهاية (7/ 49).
(2)
البداية والنهاية (7/ 50).
بثقل المسؤولية العظمى على الحكام والعلماء، والأعيان والحكماء تجاه دينهم ووحدتهم، وقوتهم وحضارتهم، ويوجب عليهم استغلال الثروات، ومعرفة العلوم والصناعات، ليحفظوا دينهم وحضارتهم، ويقيموا الوزن بالقسطاس المستقيم في شعوبهم، ويكونوا خلفاء الله في الأرض، محققين قول الله عز وجل:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (1)، وقوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (2)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى)(3)، بهذا يكونون أولياء الله عز وجل، وخلفاؤه في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، ولمثل هذا فليعمل العاملون.
(1) الآية (103) من سورة آل عمران.
(2)
الآية (10) من سورة الحجرات.
(3)
أخرجه مسلم، حديث (66) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.