الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال تلميذه الصفدي: وكان صحيح القراءة سريعها، كأنها السيل اذا انحدر، سريع الكتابة، كتب خِتْمة في جُمعة
…
جيد الذهن، يفهم به النكت العقلية، ويسارع إليها (1)، وقال أيضًا: كان حسن الخط جدًّا، حسن المحاورة، لطيف العبارة، وكان صحيح القراءة سريعًا، ولم أسمع أفصح منه ولا أسرع، وكان يكتب المصحف في جمعة واحدة (2).
وقال أيضًا: خَطهُ أبهج من حدائق الأزهار،
…
حسن المحاورة، لطيف العبارة، فصيح الألفاظ، كامل الأدوات، جيد الفكرة، صحيح الذهن، جميل المعاشرة، لا تُمَل محاضرته
…
كريم الأخلاق، كثير الحياء، زائد الاحتمال، حسن الشكل والعِمَّة قل أن ترى العيونُ مثلَه (3)، وبنحو ذلك وصفه ابن شاكر أيضًا، وهو من معاصريه (4).
(ج) الانتقادات الموجهة إليه، والجواب عنها:
هذا وقد وجهت إلى ابن سيد الناس بعض انتقادات، معظمها صادر من نفس الذين أثنوا عليه بما تقدم، وجمعوا بين تلك الانتقادات والتوثيق والثناء في سياق متتابع؛ فالصفدي مع وصفه لشيخه بجودة الذهن، وتوقده، قال: ولكن جَمَّد ذهَنه، لاقتصاره به على النقل (5)، وقال: أيضًا: ولو كان اشتغاله بقدر ذهَنه، كان بلغ الغاية القُصوى، ولكنه كان فيه لَعِب، ثم استدرك قائلًا: على أنه ما خَلَّف مثلَه، لأنه كان متناسب الفضائل (6).
وقال أيضًا: ولو كان اشتغاله على قدر ذهنه، لبلغ الغاية القصوى، لكنه كان يَتلهَّى عن ذلك بمعاشرة الكبار (7).
(1) الوافي 1/ 291.
(2)
الدرر الكامنة 4/ 331.
(3)
الوافي بالوفيات 1/ 290.
(4)
فوات الوفيات 3/ 278.
(5)
الوافي بالوفيات 1/ 291.
(6)
المصدر السابق 1/ 291.
(7)
الدرر 4/ 333، 334.
وقال الذهبي -بعد الثناء عليه-: وعليه مآخذ في دينه، وهديه، والله يصلحه وإيانا (1).
وقال أيضًا: ولو أكب على العِلْم كما ينبغي، لشُدَّت إليه الرحال، ولكنه كان يتلهى عن ذلك بمباشرة الكِتْبة (2).
وقال ابن كثير -بعد الثناء على عقيدته وخُلقه وعلمه كما تقدم-: ولم يَسْلَم من بعض الانتقاد،
…
ويُذكَر عنه سوء أدب، في أشياء أخر، سامحه الله فيها (3).
وقال الكمال الإِدْفَوِي -قرين المؤلف- في كتابه البدر السافر: وخالط أهل السفَهِ وشَراب المُدام، فوقع في المَلام، ورُشِق بسهام الكلام، والناس مَقارِن، والقرين يُكرم ويُهان باعتبار المُقارِن (4).
والجواب عن كل ذلك من وجهين:
أولًا: أن الذين ذكروا هذه الأمور، قد سبقوها أو أتبعوها بذكر محاسن له تكفي في دفع تأثير تلكم الانتقادات في علمه ودينه، وخلقه، وكأنهم يشيرون إلى أنه مع رفعة مكانته، وشهرته بالعلم والخلق، لم يَسْلَم من بعض الانتقادات التي وجهت إليه وإن كانت غير قادحة في مقابل محاسنه الكثيرة. ويتضح ذلك في مثل قول الصفدي مثلًا؛ فإنه بعد أن قال:(ولكنه كان فيه لعِب) استدرك قائلًا: على أنه ما خَلَف مثلَه؛ لأنه كان متناسب الفضائل.
وأيضًا ابن كثير، والإِدفوي قد عَقَّبا على انتقادهما السابق بأنه مع ذلك لم يَخلُف بعدَه في مجموعه مثلَه علمًا ومعرفة، كما سيأتي في بيان مكانته العلمية (5).
(1) الدرر الكامنة 4/ 331.
(2)
طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 2/ 391.
(3)
البداية والنهاية 14/ 147 وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 2/ 391.
(4)
طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 2/ 392.
(5)
انظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 2/ 392. والبداية والنهاية 14/ 147.
وقال الذهبي بعد وصفه بالدُّعابة واللعب: إنه كان صدوقًا في الحديث، وإن محاسنه جمة (1).
ثانيًا: وصفُه بجمود الذهن؛ لاقتصاره على النقل، يرده ما سيأتي في دراسة شرحه للترمذي، من أنه جعل من منهجه ابداء آرائه وترجيحاته، وردوده وتعقباته على من سبقه من العلماء، وقد ذكرت هناك أمثلة تؤيد ذلك.
كما ردَدْتُ في دراسة الكتاب أيضًا على قول الإدفوي قرين المؤلف: إنه قَصد أن يتبع شيخه ابن دقيق العيد، فوقف دون ما يريد.
وأما نقد الذهبي له بأنه: كان يتلهى عن الاشتغال بالعلم بمباشرة الكِتْبة، فيجاب عنه بما ذكره الصفدي: أن الشيخ لما عُين في جملة الموقِّعِين بديوان الإِنشاء -كما سيأتي- تقديرًا لموهبته في حسن الخط والأسلوب، صَعُب عليه الاستمرار في المنصب واستعفى منه فاُعفي (2).
وكذلك نقد الصفدي له بأنه لم يشتغل بالعلم على قدر ذهنه، لأنه كان فيه لعب، ذكر الصفدي أنه رآه في المنام في سنة 744 هـ، أي بعد وفاته بنحو عشر سنوات، وقال له: رأيتُ الترجمة التي عَمِلَتها، وما كنتَ تحتاج إلى تَينِك اللفظتين، أو ما هذا معناه. قال الصفدي: فَفَطِنت في النوم لِمَا قال، وكشطتُهما؛ لأنهما لم يكونا من كلامي في حقه (3) أقول: ولم يحدد الصفدي اللفظتين، ولكن ابن حجر حددهما بأنهما قول الصفدي:"كان يَتلَعب"(4) وعلى ذلك فهما باقيتان في ترجمته لشيخه كماسبق نقلهما بلفظ "كان فيه لعب"(5)، فلعله كشطهما من نسخته فقط، ثم بقيتا في نسخ غيره -وعلى كل فإن إقراره بكشطهما، وبراءته من نسبتهما إلى شيخه ابتداء، يكفي في رجوعه عن ذلك، ثم إن ابن فضل الله
(1) الوافي 1/ 291.
(2)
انظر الوافي بالوفيات 1/ 292 والدرر الكامنة 4/ 334.
(3)
الوافي 1/ 305.
(4)
الدرر الكامنة 4/ 335.
(5)
وانظر الوافي 1/ 291.