الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا العنصر نجد أن المؤلف متوسع في التخريج أكثر من ابن العربي في العارضة، وخاصة بالنسبة لما يشير إليه الترمذي بقوله: وفي الباب، حيث إن تخريج ابن العربي له قليل، وأقل منه تخريجه لما لم يذكره الترمذي ولم يشر إليه، أما من جاء بعد المؤلف فقد شاركه في العناية بعنصر التخريج هذا بجوانبه الثلاثة الماضية، بل الذي لاحظته بالاطلاع والمقارنة، أن العراقي وابن رجب قد توسعا في ذلك أكثر من المؤلف بصفة عامة، وكذلك توسع الحافظ ابن حجر كما يفهم من إحالته بجمع طرق الأحاديث على ما شرحه من جامع الترمذي، كما قدمت ذكره.
(د) بيان درجة الحديث وغيره من الصناعة الحديثية:
وهذا العنصر قد أورده المؤلف أيضًا مع التخريج، تحت عنوان (الإسناد) وأشبه في هذا ابن العربي في شرحه، وقد عني المؤلف في كثير من الأحيان بجانب تخريجه للأحاديث، أن يبين درجة ما لم يُبَيَّن درجته من الأحاديث في مصادرها، سواء بالنقل عن غيره وإقراره، أو بذكر ذلك من جانبه هو، وبيانه للدرجة إما بعبارة صريحة كقوله:(صحيح) أو (ضعيف) وإما بذكر حال راوي الحديث من الثقة أو الضعف، أو حال السند من الاتصال أو الانقطاع أو الاضطراب وغير ذلك، فيدل هذا على درجة الحديث المروي بهذا السند (1) وقد لاحظ الشوكاني انتهاج المؤلف بيان درجة الحديث؛ حيث ذكر حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالمضمضة والاستنشاق، ثم قال: في الرد على من أعله: وقد ذكر هذا الحديث ابن سيد الناس في شرح الترمذي منسوبًا إلى أبي هريرة، ولم يتكلم عليه، وعادته التكلم على ما فيه وهن (2).
أقول: وما قرره الشوكاني من اعتياد المؤلف لذلك، مُعارَض بذكره أحاديث دون الكلام عن درجتها، في حين أعلها غيره (3)، ولكن ذلك قليل بالنسبة لما بين درجته.
(1) انظر الشرح/ ق 14 أ، 14 أ، 26 أ، ب، 27 أ.
(2)
نيل الأوطار للشوكاني، باب المضمضة والاستنشاق 1/ 177، 178.
(3)
انظر الشرح/ ق 14 ب مع التعليق، 23 ب مع التعليق.
وعند مقارنة منهج المؤلف في بيان درجة الحديث الذي يخرجه في شرحه، بمنهج غيره، نجده أكثر عناية من ابن العربي، ونجده مقاربًا لمنهج العراقي في تكملته لهذا الشرح.
أما باقي الصناعة الحديثية، فالمقصود بها تناول المؤلف لكلام الترمذي وغيره مما يتعلق بسند الحديث، عند الترمذي وبيانه لدرجته، فالترمذي كما هو معروف قد عني ببيان درجة أحاديث جامعه غالبًا بالإِفراد أو التركيب، مثل: حسن صحيح، وكذلك أودع فيه قدرًا كبيرًا من الصنعة الحديثية، مثل بيان اتصال السند أو انقطاعه، والتنبيه على بعض العلل الخفية، وبيان أحوال الرواة، والتعريف بهم، وذكر اصطلاحات وقواعد تتعلق بذلك؛ لهذا صار توضيح تلك الجوانب من مطالب الشرح، وصار التصدي لها عنصرًا هامًا من مناهج الشراح، كل على قدر طاقته، ومبلغ علمه، ومنهم المؤلف ابن سيد الناس، وقد تصدى لذلك تحت مبحث (الإِسناد) أيضًا، كما فعل ابن العربي. فإذا تكلم الترمذي عن بعض الرواة جرحًا أو تعديلًا، أو بيانًا للصحبة من عدمها، أو بيّن اسم الكُنى أو كنية المُسَمى، أوتعرض لتمييز المشتبه ونحو ذلك من مباحث علم الرجال، فإن المؤلف يعلق على ما يتيسر له مما ذكره الترمذي، سواء بترجمة للراوي كاملة، أو بتوضيح للجانب الذي ذكره الترمذي فقط، وقد يؤيده أو يعارضه (1).
وقد يفعل ذلك بالنسبة للأحاديث التي يوردها هو في الشرح، ويكون في سندها من يحتاج إلى التعريف به أو بيان حاله لتحديد درجة حديثه، كما أشرت لذلك قبل قليل (2).
ومن فوائد بيانه لحال الرواة أنه قد يُحدد درجة حديث الراوي بما لا نجده
(1) انظر الشرح/ ق 16 ب، 17 أ، ب مع التعليق، 19 أ، ب، 22 أ، ب، 29 ب، 30 أ.
(2)
وانظر الشرح/ ق 14 ب، 22 أ، 24 أ.
مصرحًا به في مصادر ترجمته مثل قوله: وقد تبين من حال أبان -يعني ابن صالح- أن أقصى ما ينفرد به أن يكون حسنًا (1).
وقد يوجز المؤلف في ترجمة الراوي وبيان حاله، وهذا هو الأكثر (2).
وقد يتوسع في تراجم بعض الرواة؛ لما يراه من أهمية بيان حالهم، أو لكثرة كلام النقاد واختلافهم فيهم، أو لكونهم سيتكرر تخريج الترمذي لهم في مواضع آتية وكان المؤلف يأمل الوصول في شرحه إليها، وممن أطال في ترجمته في هذا القسم الذي حققته سماك بن حرب (3) وسهيل بن أبي صالح (4) ومحمد بن شهاب الزهري (5) وعبد الله بن لهيعة (6)، وقد يكون الراوي يحتاج إلى بسط ترجمته لأجل بيان حاله وتمحيص الأقوال المتعددة فيه؛ ولكن المؤلف يوجز ترجمته لكونه توسع في ترجمته في موضع آخر، فيحيل عليها، مثلما فعل في ترجمة محمد بن اسحق، فقد أوجز ترجمته ثم أحال ببسط ترجمته على كتابه (عيون الأثر) في السيرة (7).
وتوسُّع المؤلف في عدد غير قليل من التراجم لم أجد من شراح الترمذي من انتهجه سواء ابن العربي السابق عليه، أو العراقي وابن رجب وغيرهما ممن تأخر عنه، فجميعهم مشوِا على الإِيجاز في التعريف بالرواة، وفي بيان خلاصة حالهم، وأقلهم تعرضًا للتراجم هو أبو بكر بن العربي، هذا وسيأتي انتقادي للمؤلف في بعض جوانب التوسع في التراجم، ضمن ملحوظاتي على الكتاب.
(1) الشرح / ق 33 ب.
(2)
انظر الشرح/ ق 18 أ، 32 ب.
(3)
الشرح/ ق 12 ب وما بعدها.
(4)
الشرح/ ق 16 ب وما بعدها.
(5)
الشرح/ ق 27 ب وما بعدها.
(6)
الشرح/ ق 33 ب وما بعدها.
(7)
انظر الشرح/ ق 33 أ، ب مع التعليق عليها وق/ 64 أ.
ومن عناية المؤلف بالصناعة الحديثية أيضًا أنه إذا تكلم الترمذي عن علة حديث أو ذكر حكمًا على الراوي أو على الحديث، مفردًا كقوله: حسن، أو مركبًا كقوله: حسن صحيح أو حسن غريب من هذا الوجه، ونحو ذلك؛ فإن المؤلف يتناول ذلك بالشرح ويبين مراد الترمذي بذلك، ويوضح آراء غير الترمذي أيضًا من العلماء في ذلك وقد يرجح ما يراه راجحًا، وستأتي بعض النماذج لهذا في عنصر بيان آراء المؤلف.
ومن شرحه لعبارات الترمذي، ما جاء في الباب الأول من الطهارة حيث أخرج الترمذي حديث ابن عمر:(لا تقبل صلاة بغير طهور) وقال عنه: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، فبين المؤلف معنى قول الترمذي هذا (1) وأخرج الترمذي أيضًا حديث (مفتاح الصلاة الطهور) من رواية علي رضي الله عنه، ومن رواية أبي سعيد، وقال: إن حديث علي أجود إسنادًا من حديث أبي سعيد، فبين المؤلف وجه قول الترمذي هذا (2) وأخرج الترمذي أيضًا حديث عائشة في الدعاء عند الخروج من الخلاء ثم قال: إنه حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، ولا نَعرِف في هذا الباب إلا حديث عائشة، فشرح المؤلف كلام الترمذي هذا، ووضح المراد به (3) وأخرج الترمذي أيضًا حديث جابر "رضي الله عنه" في الرخصة في استقبال القبلة ببول أو غائط، وقال: حديث حسن غريب، فقام المؤلف بشرح معنى قول الترمذي هذا (4).
ونقل الترمذي عن البخاري وصفه لعبد الله بن محمد بن عقيل بأنه مُقارِب الحديث، فقام المؤلف بشرح معنى هذه اللفظة (5).
(1) انظر الشرح/ ق 12 ب.
(2)
انظر الشرح/ ق 21 أ.
(3)
انظر الشرح/ ق 25 أ.
(4)
انظر الشرح/ ق 32 ب، 33 أ.
(5)
انظر الشرح/ ق 22 ب.