الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التَّوَاتُر النسبي واللفظي والمعنوي
وَاعْلَم أَن التَّوَاتُر قد يكون نسبيا فيتواتر الْخَبَر عِنْد قوم دون قوم كَمَا يَصح الْخَبَر عِنْد بعض دون بعض.
وَقد يكون لفظياً أَو معنوياً، فَإِنَّهُم إِن اتَّفقُوا فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى فلفظي. وَإِن اخْتلفُوا فِيهَا مَعَ رجوعهم إِلَى معنى كلي مُشْتَرك فِيهِ فمعنوي، لَا يُقَال هَذَا تَقْسِيم أهل الْأُصُول فَذكره هُنَا من الفضول إِذْ لَا تعلق لهَذَا الْفَنّ بِهِ، وَالَّذِي يتَعَلَّق بالمحدث إِنَّمَا هُوَ اللَّفْظِيّ على مَا فِيهِ أَيْضا؟ لأَنا نقُول: هَذَا غير مَقْبُول، بل هُوَ مَبْحَث عَن الْقسمَيْنِ جَمِيعًا.
أما اللَّفْظِيّ فأمثلته كَثِيرَة، وَأما الْمَعْنَوِيّ فقد مثلُوا لَهُ بِأَحَادِيث مِنْهَا: أَخْبَار رفع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء، فقد ورد عَن الْمُصْطَفى نَحْو مائَة حَدِيث فِيهَا رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء، لَكِن فِي قضايا مُخْتَلفَة،
فَكل قَضِيَّة مِنْهَا لم تتواتر، وَالْقدر الْمُشْتَرك - وَهُوَ الرّفْع عِنْد الدُّعَاء - متواتر بِاعْتِبَار الْمَجْمُوع، وَقد ألف بعض الْمُحدثين فِي ذَلِك كتابا حافلا.
وَمَا تخلفت إِفَادَة الْعلم عَنهُ كَانَ مَشْهُورا فَقَط قَالَ السيخ قَاسم: وَلَا بُد أَن يزِيد هُنَا مِمَّا رُوِيَ بِلَا حصر عدد معِين وَإِلَّا لصدق الْمَشْهُور على الْجَمِيع، فينافيه قَوْله: إِن الْمَشْهُور مَا رُوِيَ مَعَ حصر عدد بِمَا يفوق الِاثْنَيْنِ.
فَكل متواتر مَشْهُور من غير عكس هَذَا إِذا أَخذ الْجِنْس من غير / فصل، وَهُوَ تخلف إِفَادَة الْعلم، وَخطأ هَذَا مُبين فِي مَبْحَث الْمُبَاح فِي الْأُصُول.
وَقد يُقَال: إِن الشُّرُوط الْأَرْبَعَة إِذا حصلت استلزمت حُصُول الْعلم - وَهُوَ كَذَلِك - فِي الْغَالِب، لَكِن قد يتَخَلَّف عَن الْبَعْض لمَانع.
اعْترض الْكَمَال ابْن أبي شرِيف، والشرف الْمَنَاوِيّ: بِأَنَّهُ مَتى حصلت الشُّرُوط حصل الْعلم فَكيف تخلف حُصُوله؟ والعاد تحيل الْكَذِب، إِلَّا أَن يُقَال: إِن الإحالة سَبَب للْعلم وَلَا بُد مَعَ وجود سَبَب الشَّيْء من انْتِفَاء مانعه، وَفِيه مَا فِيهِ.
وَقَالَ شَيخنَا النَّجْم الغيطي: الصَّوَاب حذف الْأَرْبَعَة، أَو يُقَال لَهَا الثَّلَاثَة، إِلَّا أَن يُقَال أَن قَوْله وانضاف إِلَى ذَلِك
…
إِلَى آخِره زَائِد على الشُّرُوط الْأَرْبَع، وَإِن أَولهَا عدد كثير فَقَط.
وَقد وضح بِهَذَا تَعْرِيف الْمُتَوَاتر وَهُوَ أَنه خبر جمع يحِيل الْعقل بملاحظ الْعَاد تواطؤهم على الْكَذِب، عَن خبر جمع مثلهم فِي امْتنَاع وُقُوع التواطؤ الْمَذْكُور، وَيسْتَمر الْحَال كَذَلِك بِأَن يكون كل طبقَة من الصّفة الْمَذْكُورَة من ابْتِدَاء الرِّوَايَة إِلَى الِانْتِهَاء إِلَى مخبرهم بالواقعة القولية أَو الفعلية.
سَوَاء كَانَت بِعَينهَا مُتَعَلق أخبارهم وَيُسمى تواتراً لفظياً، أَو مُشْتَركا بَين متعلقات أخبارهم وَيُسمى تواتراً معنوياً كَمَا مر.
وَإِذا كَانَ الْخَبَر كَذَلِك أوجب حُصُول الْعلم، وَلم يذكر كَثِيرَة ضد الْعَدَالَة، وَتَأْتِي الأوطان لعدم اشْتِرَاطهَا، فَلَو أخبر جمع وَلَو فساقاً أرقاء إِنَاثًا بِخَبَر أوجب ذَلِك لنا الْعلم، لِأَن الِاتِّفَاق على شَيْء مخترع / مَعَ تبَاين الْأَغْرَاض والطبائع مِمَّا يجْزم الْعقل بامتناعه.