الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه
(1)
(2)
.
(3)
.
(4)
.
وبعد،
فإن المغزى الأول من هذه الدراسة المتواضعة هو استشعار دقة كلام الله جل وعلا، والوقوف مع آياته وتدبرها، وأيضًا للرجوع للقرآن، فعلينا استنباط الفوائد والأحكام منه، ثم من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، لا سيما أننا لم نجد ذلك في كثير من الكتب،
(1)
خطبة الحاجة للإمام الألباني ص (6).
(2)
سورة آل عمران الآية (102).
(3)
سورة النساء الآية (1).
(4)
سورة الأحزاب الآيات (71، 70).
لاعتمادها على السنة النبوية دون الرجوع لكتاب الله
(1)
، ولعل من أسباب ذلك ما نقلناه عن الإمام ابن القيم ـ يرحمه الله
(2)
.
والمغزى الثاني: كان اجتهادًا لتوضيح العلاقة بين رؤيا يوسف عليه السلام والأحداث التي حصلت له في حياته
(3)
، وكيف أن الرؤيا تخبر عن حياة الرائي، وخصوصًا المستقبلية، فيتطلب ذلك التعامل مع الرؤيا كمسار للحياة وكطريق يستدل به المرء على طريق يسلكه؛ بل إن هذا هو الأهم في التعبير، فلا نكتفي بأن نقف مع تعبير الرؤيا وقفات سطحية.
ولعل ذلك بداية للتوصل إلى دراسات تجعلنا نعزز من فوائد تعبير الرؤى، وكيف يكون لها أثر في مستقبل الرائي، ومعرفة الكثير عن حياته، بطريقٍ حلالٍ طيبٍ زكّاه الشرع.
(1)
لقوله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الموطأ [1874] ص (2/ 70)، حسنه الإمام الألباني في المشكاة حديث [186] وفي السلسلة الصحيحة شرح مطول (4/ 361).
(2)
انظر ص (26).
(3)
تقول الدكتورة زاهية الدجاني، في كتابها يوسف في القرآن الكريم والتوراة عن مصطلح الرؤيا بأنها: تعنى بتزويد الإنسان، الذي يتحلى بصفاء الروح ونقاء القلب، بأسرار وخفايا متصلة بمجرى حياته ص (24).
وبعد هذا التمهيد اليسير نحيط القارئ الكريم، أن هذا البحث بداية لسلسة تُعنَى باستخراج واستشفاف بعض الوقفات والفوائد من آيات الرؤيا في القرآن الكريم.
وأول ما نبدأ به رؤيا يوسف عليه السلام لموقعها وأهميتها؛ إذ إنها هي أول آية نزلت في كتاب الله من آيات الرؤيا
(1)
، وموضوعها خاص بعلم تعبير الرؤيا، وبالطبع هذا الترتيب مرتب على تفسير القرآن الكريم بحسب النزول
(2)
.
وبعد أن نسرد الكثير من الفوائد لرؤيا يوسف عليه السلام سوف نسرد باقي الرؤى النبوية، ونقف معها ونشرحها، ونسأله تعالى أن يمن علينا بإكمال جميع الرؤى التي ذكرت في الكتاب الحكيم، وبعد ذلك سنقف وقفات مشابهة لها مع أحاديث رسول الله ـ عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ في هذا الباب أيضًا.
(1)
معارج التفكر ودقائق التدبر [(10/ 579) سورة يوسف تنزيل (53). حيث إن الآيات التي ذكر فيها الرؤيا كانت في أربع سور فقط في القرآن الكريم يوسف ترتيب نزولها (53)، الفتح ترتيب نزولها (111)، الأنفال ترتيب نزولها (98)، الصافات ترتيب نزولها (56)]، وأول هذه السور نزولاً سورة يوسف، وهناك مراجع أخرى يستعان بها، مثل كتاب البرهان والإتقان وغيرها.
(2)
المرجع السابق، والمقصد هنا ترتيب السور بغرض التفسير والبيان، وليس الغرض ترتيب القرآن بحسب النزول لقراءته للتعبد أو حفظه أو ترتيبه، والأمر فيه كلام يطول شرحه.
والفوائد التي سوف نسردها ستكون (تبيانًا وتدبرًا)، بمعنى أننا نقف مع آيات كتاب الله الحكيم، مع علم البيان
(1)
، وعلم التدبر
(2)
، ومع بعض الفوائد المستخرجة، ونستنبط ما ينتج من إشارات، أي إنها ليست تفسيرًا، ولكن نذكر بعض النقاط والفوائد التي يستفاد منها، أما التفسير فيرجع له في الكتب المعروفة والمشهورة، وإلى علمائه الكرام.
وقبل أن أكتب هذا البحث درست وقرأت الآلاف من الصفحات ـ من غير مبالغة ـ على أن أجد من يقف على رؤيا يوسف عليه السلام خاصة، والرؤى الأخرى الموجودة في كتاب الله عامة، بحيث يستفاد من علم تعبير الرؤيا في شرحها وبيانها، فلم أجد ما يشبع فضولي، وتقريبًا ما وجدت أحدًا قد وقف تلك الوقفات، إلا إذا كان هناك مؤلف لم أطّلع عليه، أو عالم لم أسمع منه.
(1)
علم البيان هو: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد، بتراكيب مختلفة، في وضوح الدلالة على المقصود، بأن تكون دلالة بعضها أجلى من بعض، وموضوعه: اللفظ العربي، من حيث وضوح الدلالة على المعنى المراد، وغرضه: تحصيل ملكة الإفادة، بالدلالة العقلية، وفهم مدلولاتها، وغايته: الاحتراز عن الخطأ، في تعيين المعنى المراد، ومباديه بعضها: عقلية، كأقسام الدلالات، والتشبيهات، والعلاقات، وبعضها وجدانية، ذوقية، كوجوه التشبيهات، وأقسام الاستعارات، وكيفية حسنها. [أبجد العلوم، للقنوجي ص (2/ 129)]، وهناك كتب خدمت هذا الجانب للمتأخرين منها: كتاب (على طريق التفسير البياني) للدكتور فاضل السامرائي، دار الفكر، ومقالات الشيخ محمد راتب النابلسي، وكتابات الدكتور عبدالرحمن فودة، منها كتاب (بلاغة النظم القرآني) وغيرها من الكتب.
(2)
والتدبر لكتاب الله هو: (التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكَلِم ومراميه البعيدة)، قواعد التدبر الأمثل للميداني ص (10).
نعم، هناك كثيرٌ من المصنفات تذكر فوائد عامة من إجمالي سورة يوسف عليه السلام وتمر مرورًا سريعًا على رؤياه، ولكن لا تدرسها بدقة، ولعل هذا الأمر يحتاج إلى متخصص بعلم تعبير الرؤى ليبين ويفصل الكثير من تلك المسائل المتعلقة بالرؤيا، مع العلم أن كتاب الله هو المرجع الأول للتشريع، ولا تكون الأحكام إلا بالاستنباط منه ومن ثم النظر في باقي الأصول ومن أولها بعد القرآن الكريم الأحاديث النبوية الشريفة، فتطلب ذلك شحذ الهمم لاستخراج واستنباط الفوائد التي لها مدلول عميق.
وندرة المعلومة في هذا المجال بل انقراضها، جعلني أشمر عن ساعد الجد، وأسد ثغرةً لم تسد من قبل، فحرصت أن أقف على كل كلمة في رؤيا يوسف عليه السلام وأحاول أن أحلل كل رمز من رموز رؤياه عليه السلام فكنت أتعامل مع هذه الكلمات على أنها كنوز ثمينة غالية.
ومما يشحذ الهمم لهذا المؤلف أيضًا، أن كثيرًا من العلوم كان لأصحابها وقفات مع آيات القرآن الكريم، سواء كان في الطب، أو الفيزياء، أو علم الفضاء، وحتى في العلوم النظرية، بل كثيراً من المسائل
والأحكام، وها نحن مع علم تعبير الرؤيا
(1)
نستنبط بعض الفوائد من كتاب الله العظيم.
ومن المؤسف أن نجد البعض يقول في مسائل قرآنية: أن البحث فيها لا يفيد! وأستغرب منهم هذا الكلام! وهل هناك أمرٌ ذكر في القرآن الكريم لا يفيد! ! بل يعتبر ذلك انتقاصاً من عظمة القرآن عياذًا بالله، بل وكيف يكون ذلك وقد أنزل الله تعالى في كتابه الحكيم {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}
(2)
.
بل إن من الآيات التي نزلت آيات في التدبر جاءت في سياق الكفار
(3)
في قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}
(4)
ما يدل أنه علينا تقريب معاني القرآن الكريم لفهم الكفار حتى يفهموه ويتدبروه.
(1)
سماه العالم ابن خلدون علم تعبير الرؤيا؛ قال في كتابه: (الفصل الثامن عشر في علم تعبير الرؤيا) تاريخ ابن خلدون (1/ 625).
(2)
سورة الأنعام الآية (38).
(3)
انظر كتاب مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر ص (185).
(4)
سورة ص الآية (29).
إن قصور عقولنا عن أفكار وفوائد كثيرة تستخرج من كتاب الله العظيم لا يعني أن نروّج لجملة (إن البحث في هذه المسألة لا فائدة منه)
(1)
، وقد درسنا عند علماء متخصصين في الدراسات القرآنية، وكانوا يفسرون القرآن بالكسرة والفتحة والحرف، وما يدريك، لعل فائدة لا تهم قارئ، وهي عند آخر مفيدة، بل لعلها تقوي إيمانه، بل لعلها تقوده للإسلام إن كان على غير الملة، ويظهر هذا في بعض التخصصات التي لا يحصل عليها معظم الناس.
واستنباط الفوائد (الجديدة) من آيات الله، ليس سهلاً، بل هو أمر شاقٌّ، إذ إنه يعتمد على التفكير الذاتي، والربط بين آيات الله الحكيم والأحاديث النبوية الشريفة، ومن أسباب تلك الصعوبة، أنه لا يوجد كتاب متخصص في هذا الموضوع، ولا في هذا المجال.
وقيدت هذه الدراسة بذكر الفوائد المتعلقة بعلم الرؤيا فقط، ولم أسترسل في الفوائد العامة ـ إلا الشيء اليسير ـ لأنني أعلم أن هناك إعادة سوف تكون، فإن الفوائد العامة مشبعة بالمصنفات والمؤلفات والمحاضرات، وغالبًا ما تكون تلك الفوائد مكررة ومنقولة،
(1)
قرأت كلامًا جميلاً نقله صاحب تحفة الأحوذي، وأحببت أن أنقله هنا في هذا المبحث، يقول السيد جمال الدين:(المعنى أن الناس يتفاوتون في فهم المعاني، واستنباط الحقائق المحتجبة، واستكشاف الأسرار المرموزة، فينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك حقائق الآيات ودقائق الأحاديث على من رزق فهما وألهم تحقيقًا)، تحفة الأحوذي (7/ 458).
فحرصت في هذا البحث على ذكر المعلومات الجديدة بقدر ما أستطيع، والتي يكون فيها تجديدٌ لهذا العلم ولا تكون تقليدًا أو نقلاً.
وقبل أن نكمل علينا أن نعلم أن الرؤيا تدل على الأمور المستقبلية (في الغالب)
(1)
، وعلى هذا فعندما نشرح رؤيا جاءت في القرآن الكريم، أو في الحديث النبوي الشريف (مصادر التشريع) أو حتى نعبر رؤيا لأحد ما، علينا أن نركز على إشاراتها المستقبلية، ولا نتوقف على بعض المعاني السطحية فقط.
(1)
الرؤيا تدل على الحاضر والمستقبل، وربما تدل على شيء في الماضي، فإذا وقفنا مع الحديث الذي يرويه الصحابي الجليل أبو موسى رضي الله عنه والحديث ذكرناه في هذا الكتاب، ويستشهد به على أمور كثيرة، منها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبر الرؤيا على شيء في الماضي، ويتضح هذا من قوله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ:(فذهب وهلي) يبين أن هذا الأمر قد حدث وأصبح من الماضي، ومع ذلك فإن رسول الله ـ عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ عبره واستمر في تعبيره، ولعل الأمر يشير إلى تذكره عليه الصلاة والسلام تعبيره ومقارنته بما حدث.
وهناك حديث آخر أيضًا يدل على أن الرؤيا تدل على الحال الحاضر بل على صفات معينة موجودة في شخصية ما! ! وهذا الحديث الصحيح الشريف أخرجه البخاري برقم
…
[7031]، (9/ 41)، ويرويه الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما والحديث طويل نذكر منه الشاهد (أن عبدالله رجل صالح) فدل هذا الحديث، على أن الرؤيا في أحيانٍ كثيرة تدل على حاضر المرء.
ورؤيا يوسف عليه السلام فيها أمور حدثت له بعدما رآها، ولعل هذا من أسرار نصيحة يعقوب عليه السلام بأن لا يقص الرؤيا على إخوته؛ حتى لا يعلموا ما سيكون له من خير فيزدادوا حسدًا له، وحقدًا عليه.
ونستطيع أن نقول أن رؤيا يوسف عليه السلام وتحققها تحتاج إلى مزيد من التأمل والتدبر.
هذا والأصل في ذكر الفوائد في هذا الكتاب أنها من باب الاجتهادات التي لا تتعلق بحكم، ولا تناقش عقيدة، ونسأل الله أن لا يكون فيه ما يخالف دليلاً شرعيًّا صحيحًا ثابتًا عن رسولنا الكريم عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم.