الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول: يوسف عليه السلام حسابيٌّ بارع
الشمس والقمر وهما مجتمعان يشيران إلى (علم الحساب).
ولما جاء ذكر الشمس والقمر مجتمعان مع بعضهما، كان لذلك دلالاتٍ منها
(1)
: ما يستفاد منه في علم الحساب.
يقول تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}
(2)
.
وفي قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}
(3)
.
(1)
وهناك معانٍ كثيرة تستنبط من اقتران الشمس والقمر وذكرهما في آية واحدة على سبيل المثال في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى}
…
(الرعد: 2)، يقول صاحب الكشاف: (يجري لأجل مسمى: تريد يجري لإدراك أجل مسمى، تجعل الجري مختصًّا بإدراك أجل مسمى. ألا ترى أن جري الشمس مختص بآخر السنة، وجري القمر مختص بآخر الشهر، فكلا المعنيين
…
، ثم قال: موضعه ذلك الذي وصف من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون)، الكشاف (3/ 509).
(2)
سورة الرحمن الآية (5).
(3)
سورة يونس الآية (5).
(1)
.
نلاحظ أنه جاء في الآيات الكريمة ذِكر الشمس والقمر، وذُكر فيها أيضًا الاستدلال بهما في علم الحساب، إذًا الأمر واضح في علاقة الشمس والقمر بعلم الحساب.
و"الحسبان" في كلام العرب جمع "حِساب"، كما "الشُّهبان" جمع شهاب، وقد قيل إن "الحسبان"، في هذا الموضع مصدر من قول القائل:"حَسَبْتُ الحساب أحسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا". وحكي عن العرب: "على الله حُسْبان فلان وحِسْبته"، أي: حسابه
(2)
، فالمعنى هنا يدل على الحساب كمعنىً عامٍّ.
بماذا نستفيد من هذه المعلومة في الربط بين علاقة رؤيا يوسف عليه السلام وبعض المواقف التي حصلت له؟ وما كان له من أمور كثيرة في حياته! !
(1)
سورة الإسراء الآية (12).
(2)
تفسير الطبري (7/ 285)، وعند الزمخشري: وفي ذلك منافع للناس عظيمة؛ منها علم السنين والحساب والنجم والنبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول والشجر الذي له ساق. الكشاف (4/ 443).
العجيب أن رؤياه عليه السلام تدل على أنه سيكون حسابيًّا بارعًا! وهذا ما كان بالفعل، فكيف يكون ذلك؟
هناك عدة قرائن تساعدنا في تحليل هذه المسألة، منها:
1 ـ أن يوسف عليه السلام طلب تولي خزائن مصر، ولا شك أن من يريد أن يتسنم مثل هذا المنصب عليه أن يكون على دراية بعلوم كثيرة، وعلم الحساب أحد تلك العلوم، على الأقل معرفة لا بأس بها، لا سيما أن يوسف عليه السلام واجهته مشكلة اقتصادية كبيرة في مصر، والتي من بعض حلولها علم الحساب.
2 ـ ومما لا شك فيه أن أي نبيٍّ من أنبياء الله ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ لن يطلب أمرًا إلا وهو متمكن منه، ويعلم تمامًا كيف يتعامل معه، ويلاحظ أن هذا الأمر دنيويٌّ، وهم ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ يجعلون الأمر الدنيوي في طاعة الله
(1)
.
(1)
دليل على أن الأمر الدنيوي اجتهادٌ منهم ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ وليس وحيًا (عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟ » فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أظن يغني ذلك شيئًا» قال: فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل صحيح مسلم حديث رقم [2361]، (4/ 1835)، ويؤبرون:(يلقحونه) هو بمعنى يؤبرون في الرواية الأخرى، ومعناه إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى فتعلق بإذن الله.
3 ـ ومن جانب آخر فلن يقبل ملك من الملوك على وضع أي شخص في مكان حساس إلا إذا كان متأكدًا من خبرته وباعه الطويل، فلعل ذلك رابط بين رؤياه عليه السلام وبين ما كان له، وما حصل له في جزئية من حياته.
4 ـ قرينة أخرى في قوله تعالى: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}
(1)
، قال بعض المفسرين ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل كاتب حاسب
(2)
، فالأمانة وحدها لا تكفي في تولي مثل هذا الأمر، ويقول الشيخ عبدالرحمن حبنّكة ـ يرحمه الله: عليم: أي: كثير العلم المؤهل للقيام بهذا المنصب الخطير
(3)
.
ولعل خبرته عليه السلام في علم الحساب مع خبرته في علوم الزراعة كان لها أثر في نصيحة لملك مصر عندما فسر رؤياه مع استعانته بالفراسة والذكاء، والله أعلم.
(1)
سورة يوسف الآية (55).
(2)
عند الإمام الطبري (حافظ للحساب، عليم بالألسن)، وذكر ذلك كثير من المفسرين مثل البغوي (2/ 432)، التفسير المنير (13/ 8).
(3)
معارج التفكر ودقائق التدبر (10/ 690).