الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس
الرؤيا المرموزة، سمة لما رآه يوسف عليه السلام في منامه
! !
يقول الله تعالى في محكم تنزيله في قصة يوسف عليه السلام وهو يروي رؤياه لأبيه: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}
(1)
فالناظر في رؤيا يوسف عليه السلام يجد أنها رؤيا من النوع المرموز
(2)
، بمعنى أنها تحتاج إلى التعبير والتأويل ليُتعرف على مكنوناتها، فهي غير واضحة، ولكي تعبر هذه الرؤى، يكون ذلك بعرضها على خبير بنوعية هذه الرؤى، أو عالم متخصص بها، حتى يفك رموزها ويتعرف على ماذا تدل، ليصل إلى ما تشير إليه هذه الرؤيا، وما تؤول إليه.
وكون رؤيا يوسف عليه السلام مرموزة، فهذا بحد ذاته يعطي انطباعًا أكثر بأهمية تفسير الأحلام، فوقعها يكون أشد للرائي من ناحية شد انتباهه واهتمامه، إذ إن الرؤى المرموزة تحتاج إلى من يحللها، فتحتاج إلى معبر قوي ليعرف معناها ومآلها ولا يكون ذلك للرؤى الواضحة البينة.
(1)
سورة يوسف الآية (4).
(2)
يقول ابن بطال ـ يرحمه الله ـ عن أقسام الرؤيا: (والقسم الثانى ما يراه من المنامات المرموزة البعيدة المرام فى التأويل، وهذا الضرب يعسر تأويله إلا على الحذاق بالتعبير لبعد ضرب المثل فيه)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/ 517).
وهناك تعريف جميل أيضًا حيث يعرف الرؤيا المرموزة: (وهي من الأرواح، يرى فيها الرائي صورًا تكون رموزًا للحقائق التي سوف تحصل أو التي حصلت في الواقع)، انظر كتاب الرؤى والأحلام في السنة النبوية للعمري ص (21).
ولعل الحكمة من ذلك أن يوسف عليه السلام لما رأى هذه الرؤيا لم يكن نبيًّا بعد، ولم تكن هذه الرؤيا وحي نبوة
(1)
، فرؤى الأنبياء لا تأتي مرموزة على حسب السياق القرآني! !
(1)
رؤيا الأنبياء عليهم السلام لا بد وأن تكون وحيًا، وهذه الحجة غير قوية؛ لأن يوسف عليه السلام لم يكن في ذلك الوقت من الأنبياء، مفاتيح الغيب فخر الدين الرازي (18/ 71)، ويعلق الدكتور وهبة الزحيلي بأن يوسف عليه السلام لم يكن نبيًّا في ذاك الوقت: ولقد همت زليخة في أن يواقعها يوسف، وأما يوسف الذي لم يكن نبيًّا في وقت هذه الحادثة ..... ، التفسير الوسيط للزحيلي (2/ 1102).
وفي نهاية القصة سجد له إخوته، وفي منامه هو لم يرَ إخوته سجوداً له، ولكنه رأى الكواكب بدلاً عنهم، يعني أن الرؤيا لم تكن بذاك الوضوح، ولو كانت واضحة لرأى إخوته يسجدون له كما هم من غير رموز تحتاج إلى تأويل، فتبين أن رؤيا يوسف عليه السلام كانت مرموزة وغير صادقة ولكنها صالحة، انظر التعليق في ص (55) حاشية رقم (2) من بحثنا هذا.
ويظهر هذا جليًّا عندما نقارن
(1)
رؤيا يوسف عليه السلام برؤى الأنبياء ـ عليهم من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ على حسب السياق القرآني.
وسنجد أن رؤى الأنبياء جاءت صالحة صادقة
(2)
، بمعنى أنها لا تحتاج إلى تعبير، فهاتان رؤيتان لنبينا وحبيبنا محمد ـ عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم: يقول الله تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ
(1)
ضرب من ضروب تفسير القرآن بالقرآن، كثيرًا ما يستخدمه المفسرون، وكان يستعمله صاحب أضواء البيان، يقول ـ يرحمه الله ـ في قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} ، (الحشر) وتطلق على يوم القيامة كما هنا في هذه الآية لدلالة القرآن على ذلك، من ذلك قوله تعالى في نفس المعنى:{يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} ، (النبأ الآية 40)، أضواء البيان (8/ 53)، فأتى بآيتين من موضعين مختلفين وقارن بينهما ليستدل بهما على معنى واحد.
(2)
أورد الإمام ابن حجر ـ يرحمه الله ـ في فتح الباري وهو يتكلم على الاختلاف بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الصالحة: (وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي كلها صادقة وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقًا، وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري في التعبير القادري: الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه، أو ما يعبر في المنام أو يخبر به ما لا يكذب، والصالحة ما يسر؛ ) انظر فتح الباري (12/ 444).
اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}
(1)
ويقول تعالى:
…
(2)
(3)
.
ورؤيا أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}
(4)
.
يلاحظ أن جميعها رؤى نبوية، وجميعها صادقة، بمعنى أنها لا تحتاج إلى تأويل ولا تعبير، فقد تحققت على الواقع مثل ما كانت في المنام تمامًا، غير أن رؤياهما ـ عليهما أفضل الصلاة والسلام ـ لم يكن بينها
(1)
سورة الأنفال الآية (43).
(2)
سورة الأنفال الآية (44).
(3)
سورة الفتح الآية (27).
(4)
سورة الصافات الآية (102).
وبين تحققها وقت طويل
(1)
، بخلاف رؤيا يوسف عليه السلام فقد تحققت رؤياه بعد أربعين سنة
(2)
، لذلك يظهر لنا أن يوسف عليه السلام لم يكن نبيًّا عندما رأى رؤياه، ولم تكن رؤياه رؤيا نبوية؛ لأنها كانت على عكس ما عليه الرؤى النبوية الأخرى في باقي سور القرآن الكريم، وكانت أيضًا تحتاج إلى فك للرموز وتأويل تلك الرموز، والقرآن الكريم له سياق معين في آياته الكريمة، ولا شك أن هذا السياق سوف يتشابه إذا كان يحمل نفس المدلول وليس المعنى فقط، بل هناك
(1)
في قوله تعالى في معركة بدر: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} وقوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} لاحظ في سياق الآيات جاءت الرؤيا وجاء بعدها تحققها مباشرة فلم يفصل بينهما أي فاصل، بخلاف رؤيا يوسف عليه السلام فتحقق رؤياه جاء في آخر السورة الكريمة، كذلك في قوله تعالى:{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)} وفي قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
…
}، كان بين هذه الرؤيا وبين تحققها قرابة السنة والنصف أو السنة، ويظهر ذلك باستقراء التاريخ في هذه الحقبة، والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم. راجع تفسير ابن كثير (7/ 356)، تفسير الجلالين (1/ 683).
(2)
تفسير الطبري (13/ 70)، تفسير القرطبي (11/ 258).
قرينة أخرى، وهو صغر سنه عليه السلام لما رأى تلك الرؤيا
(1)
، والله أعلم.
ونلاحظ أن رؤيا ـ يوسف عليه السلام لم يكن فيها شيء من جنس الأرض بتاتًا، فكلها أمور متعلقة بالسماء والأجرام السماوية التي من إشاراتها ما يدل على العلو والارتفاع والارتقاء وغيرها من الإشارات الأخرى
(2)
.
وهذا حديثٌ عظيمٌ، وأصلٌ من الأصول التي يستدل بها في علم تعبير الرؤى، على أن أول ما يرى النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ الرؤى الصادقة، لا الرؤى المرموزة، ويظهر ذلك في هذا الحديث العظيم التي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان أول ما بُدِئَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرؤيا
(1)
وما أجمل ما كتبه الإمام أبي حيان في تفسيره البحر المحيط حيث يقول: (والذي يظهر من سياق الأخبار والقصص أن يوسف كان صغيرًا، فقيل: كان عمره إذ ذاك سبع سنين. وقيل: ست، قاله الضحاك. وأبعد من ذهب إلى أنه اثنتا عشرة سنة، وثمان عشرة سنة، وكلاهما عن الحسن، أو سبع عشرة سنة قاله ابن السائب. ويدل على أنه كان صغيرًا بحيث لا يدافع عن نفسه، قوله: وأخاف أن يأكله الذئب ويرتع ويلعب وإنا له لحافظون، وأخذ السيارة له، وقول الوارد: هذا غلام، وقول العزيز: عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا ..... (5/ 288).
(2)
وهذه الرؤيا من نوع الرؤى التي فيها بشارة، كما أن فيها إنذار، ويتضح ذلك بالوقوف على رمز أحد عشر، وباقي رموز الرؤيا.
الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح
(1)
، ثم حُبّب إليه الخلاء، ....... الحديث)
(2)
.
والأمور التي سوف أركز عليها وأذكرها، هي بعض اللمسات البيانية والتدبرية في هذه الآية الكريمة من كتاب الله العظيم، وهي ليست تفسيرًا.
(1)
(فلق الصبح) يضرب مثلاً للشيء الواضح البين، انظر الديباج (1/ 188)، ومن هذا التعريف يستدل أن الرؤيا الصادقة هي التي تكون واضحةً بينةً لا تحتاج إلى معبر، فكما هي في المنام هي في اليقظة إذا تحققت، والله أعلم. انظر ص (55).
(2)
صحيح البخاري حديث رقم [4953](6/ 173)، وهناك أحاديث بلفظ الرؤيا الصالحة والمعنى أنها ليست من الشيطان، فالرؤيا الصادقة هي من أقسام الرؤيا الصالحة.