المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أوضاع الدولة الفارسية - تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية

[محمد سهيل طقوش]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة:

- ‌الباب الأول: أبو بكر الصديق 11-13هـ-632-634م

- ‌الفصل الأول: الأوضاع السياسية في الجزيرة العربية عقب وفاة النبي

- ‌الأوضاع السياسية في المدينة

- ‌اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة

- ‌الأوضاع السياسية خارج المدينة:

- ‌الفصل الثاني: تفشي ظاهرة التنبؤ في المجتمع العربي

- ‌الفصل الثالث: حروب الردة

- ‌مدخل

- ‌ملابسات حوادث بني تميم:

- ‌القضاء على ردة بني حنيفة:

- ‌الفصل الرابع: أوضاع الدولتين الفارسية، والبيزنطية عشية الفتوح الإسلامية:

- ‌أوضاع الدولة الفارسية

- ‌تراجع النفوذ البيزنطي من بلاد الشام عشية الفتوح الإسلامية:

- ‌الفصل الخامس: الفتوح في عهد أبي بكر

- ‌فتوح العراق:

- ‌فتوح بلاد الشام:

- ‌الفصل السادس: استئناف الفتوح في عهد عمر:

- ‌فتوح العراق:

- ‌معركة القادسية:

- ‌الفصل السابع:‌‌ استكمال فتوح العراق-فتوح فارس "إيران

- ‌ استكمال فتوح العراق

- ‌فتوح فارس "إيران

- ‌الفصل الثامن: استكمال فتوح بلاد الشام-فتوح الجزيرة وأرمينية والباب

- ‌مدخل

- ‌معركة اليرموك

- ‌فتح بيت المقدس

- ‌الفصل التاسع: فتوح مصر

- ‌مدخل

- ‌أثر الفتح الإسلامي على أوضاع الأقباط:

- ‌التوسع نحو الغرب:

- ‌الفصل العاشر: الدولة الإسلامية في عهد عمر-مقتل عمر

- ‌مدخل

- ‌الإدارة في عهد عمر:

- ‌الموظفون الإداريون:

- ‌الوالي:

- ‌الدواوين:

- ‌القضاء:

- ‌القضاء في عهد عمر:

- ‌إدارة البلاد المفتوحة من خلال عقود الصلح:

- ‌الفصل الحادي عشر: الفتوح في عهد عثمان

- ‌الفصل الثاني عشر: الفتنة الكبرى ومقتل عثمان

- ‌الباب الرابع: علي بن أبي طالب 35-40هـ/ 656-661م

- ‌الصراع بين علي وأصحاب الجمل:

- ‌المواجهة المسلحة الأولى بين المسلمين:

- ‌وقعة الجمل:

- ‌الصراع بين علي، ومعاوية، والخوارج

- ‌معركة صفين:

- ‌مرحلة التجهيز، والاستعداد:

- ‌معركة النهروان:

- ‌الخاتمة:

- ‌المصادر والمراجع:

- ‌محتوى الكتاب:

الفصل: ‌أوضاع الدولة الفارسية

‌الفصل الرابع: أوضاع الدولتين الفارسية، والبيزنطية عشية الفتوح الإسلامية:

‌أوضاع الدولة الفارسية

1:

الوضع السياسي: يبرز أمامنا، في بداية هذا الفصل، سؤال كبير هو كيف تمكن المسلمون من تحقيق انتصارات مذهلة على الجيوش الفارسية، والبيزنطية "الرومية" النظامية، مع أنهم كانوا خارجين حديثًا من جزيرتهم، ولأول مرة، كمحاربين فاتحين لم يبلغوا من التطور ما بلغته الشعوب التي فتحوا بلادها.

والواقع أن تلك الدولتين، وإن كانتا على شيء من الأبهة والعظمة، إلا أن الدولة الفارسية الساسانية2 كانت تمر بمراحل شيخوختها، والدولة البيزنطية أهملت الدفاع عن حدودها الجنوبية مع الجزيرة العربية، كما كانت تمر بمرحلة تحول إدري عسكري بعد انتصارها على الفرس، ولم تجد الوقت الكافي للانتقال إلى الوضع

1 يتوجب قراءتها الدولة الإيرانية؛ لأن مفهوم كلمة بارس كما يستعملها غير الإيرانيين أوسع من مفهومها الأصلي، ويطلق سكان هذه البلاد على أنفسهم لقب الإيرانيين، ويسمون بلادهم إيران، والمعروف أن إيران التي أطلق عليها في الأفستا آيريانا هي موطن الآريين، وطبقًا لهذا فإن مفهوم هذا الاسم بعيد جدًا عن لفظ بارس؛ لأن بارس قسم من أرض إيران، ولما كانت اللغة العربية خالية من حرف "ب" استبدلوه بحرف "ف"، وعربت إلى فارس، وكانت فارس إحدى ولايات إيران العديدة، غير أنها لكونها مسقط رأس الأسرة الهخامنشية التي كانت تحكم إيران قبل الميلاد بستة قرون، والأسرة الساسانية التي حكمت إيران منذ القرن الثالث الميلادي، وقد رفعتها اسم إيران عالبًا في الشرق والغرب؛ فقد انتشر معنى هذا اللفظ الخاص، وأطلق على العام، وشمل الشعب كله، والمملكة بأسرها، وهي التي نسميها فارس، وسنستعمل هذا التعميم في هذه الدراسة فنقول مثلًا: الدولة الفارسية، الأراضي الفارسية، إلخ، انظر: الحموي: ج1 ص289، ج4 ص226، 227، براون: تاريخ الأدب في إيران ج1 ص38، 39.

2 ينتسب الساسانيون إلى ساسان، وهو من عائلة نبيلة عاش في أواخر عهد الدولة الأشكانية، وكان سادنًا على بيت نار اصطخر يقال له: بيت نار أناهيد.

ص: 91

الجديد واستثماره، يضاف إلى ذلك، أنها كانت في نزاع مذهبي مع سكان بلاد الشام.

استغل المسلمون هذه الأوضاع القلقة ليحققوا، بفضل إيمانهم، تلك الانتصارات المذهلة، ولا بد لنا من شرح موجز لأوضاع الدولية الفارسية، وتراجع النفوذ البيزنطي في بلاد الشام، ورصد تأثير ذلك على حركة الفتوح.

كان العراق، الذي غزاه المسلمون بعد حروب الردة، جزءًا من الإمبراطورية الساسانية التي أسسها أردشير بن بابك في عام 224م، وبعد أن توسع باتجاه الجنوب وسيطر على كرمان1، والخليج العربي والأهواز2، وميسان3، وتغلب على الجيش الأشكاني بقيادة أردوان، آخر الملوك الأشكانيين4، التفت نحو الشمال، وسيطر على همذان5 والجبال6، وأذربيجان7 وأرمينية8، والموصل9 واجتاز السواد10، ثم

1 كرمان: إقليم واسع بين فارس ومكران، وسجستان وخراسان، الحموي: ج4 ص454.

2 الأهواز: هي خوزستان الفارسية، وهي سبع كور بين البصرة وفارس، المصدر نفسه: ج1 ص284، 285.

3 ميسان: اسم كورة، واسعة كثيرة القرى، والنخل بين البصرة وواسط، قصبتها ميسان عند مصب نهر دجلة، المصدر نفسه: ج5 ص242، 243.

4 حكمت الدولة الأشكانية مدة مائتين عام، ولا تعني بهم الأساطير الفارسية، بل تعدهم أجانب، لم يتركوا أثرًا في آداب الفرس، ولم يكشف التاريخ عن أصل هذه الدولة أكانت من أصل إيراني أم توراني، وتدل آثار حضارتها على اصطباغها بالصيغة اليونانية، ويذكر بأن الأشكانيين كانوا أعظم ملوك الطوائف الذين نبغوا في فارس بعد الإسكندر المقدوني.

5 همذان: أكبر مدينة في إقليم الجبال، الحموي: ج5 ص410.

6 الجبال: اسم علم للبلاد المعروفة، باصطلاح العجم، بالعراق، وهي ما بين أصبهان إلى زنجان، وقزوين وهمذان والدينور وقرميسين، والري وما بين ذلك. المصدر نفسه: ج2 ص99.

7 أذربيجان: بلاد واسعة حدها من برذعة شرقًا إلى أرزنجان غربًا، ويتصل حدها الشمالي ببلاد الديلم، والجبل والطرم وقصبتها تبريز، المصدر نفسه: ج1 ص128.

8 أرمينية: بلاد واسعة حدها من برذعة إلى باب الأبواب، ومن الجهة الأخرى إلى بلاد الروم وجبل القبق، ومن مدنها نفليس وشروان، المصدر نفسه: ص160.

9 الموصل: باب العراق ومفتاح خراسان، وسميت بذلك؛ لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق أو بين دجلة، والفرات أو بين سنجار والحديثة؛ وتقع في شمالي العراق على نهر دجلة، وتقابلها من الجانب الشرقي مدينة نينوى، المصدر نفسه: ج5 ص223.

10 السواد: رستاق العراق وضياعها، وسمي بذلك لسواده بالزروع، والنخيل والأشجار؛ لأنه تاخم جزيرة العرب التي لا زرع فيها ولا شجر، فكانوا إذا خرجوا من أرضهم ظهرت لهم خضرة الزروع، والأشجار فسموه سوادًا. وحده من حديثه الموصل طولًا إلى عبادان، ومن العذيب بالقادسية إلى حلوان عرضًا، المصدر نفسه: ج3 ص272.

ص: 92

بسط سلطانه على المناطق الفارسية الشرقية، وتجاوز خراسان1 إلى مرو، وبلخ وخوارزم2، واتخذ المدائن عاصمة له، وأطلق على نفسه لقب شاهنشاه، أي ملك الملوك3.

توفي أردشير في عام241م4 بعد أن أقام صرح الدولة على أساس وحدة

الإقليم، وأخضع العروش الكثيرة التي تربع عليها ملوك الطوائف، إما باستعمال القوة أو بالإغراء بالمال، وحدد سياسته تجاههم وعلاقته بهم من جانب قوي، بوصفه الأقوى على الساحة السياسية والعسكرية، فمنحهم بعض الامتيازات مثل حق اختيار خلفه، وأشرك معهم رجال الدين، لكنه لم يقدر أنه سيكون من بين خلفائه أشخاص ضعاف، وأنهم سوف يخضعون لمشيئة هؤلاء مما سينعكس سلبًا على أوضاع الدولة.

وأثبتت الأحداث السياسية، اللاحقة تذبذب ولاء هؤلاء لملك الملوك، وفقًا لتطورات الظروف السياسية مما أدخل البلاد في متاهات الصراع على السلطة والنفوذ، واضطر ملوك الملوك بعد أردشير أن يتعاونوا مع ملوك الإقطاع، ورجال الدين، الذين تزايد خطرهم بعد أن ملكوا القرى، والأراضي الشاسعة، وأضحوا مركز قو عسكرية ومادية، كما أضحى بقاء ملك الملوك أو سقوطه رهنًا بإرادتهم5.

تعرضت الدولة الساسانية خلال مراحل تاريخها لصراعات حادة على السلطة بين أفراد البيت الساساني، نذكر منها: صراع فيروز وأخيه هرمز ابنا يزدجرد بن بهرام حيث قتل الأول الثاني، وتولى الحكم "459- 484م"، وصراع بلاش وأخيه قباذ الأول، فقد خلف بلاش والده على الحكم "484- 488م"، فنازعه

أخوه وخلعه، وتولى السلطة "488- 531م"، وقتل هرمز "579- 590م" إخوته حتى لا ينافسوه على الحكم، كما قتل قباذ الثاني شيرويه "628م" أباه

وتخلص من إخوته حتى لا ينازعوه على السلطة.

1 خراسان: بلاد واسعة حدودها مما يلي العراق، وآخر حدودها، مما يلي الهند،

طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان، وليس ذلك منها إنما هو أطراف حدودها، ومن أهم مدنها نيسابور وهراة، ومرو وبلخ وطالقان ونسا، وأبيورد وسرخس، الحموي: ج2 ص350.

2 خوارزم: اسم لناحية واسعة قصبتها الجرجانية، كثيرة الشجر، والغالب عليها شجر التوت، والخلاف، وهي على نهر جيمون، يحيط بها رمال سيالة، ويسكنها الأتراك والتركمان بمواشيهم.

المصدر نفسه: ص395- 398.

3 الطبري: ج2 ص38، 39، البلخي، أبو زيد أحمد بن سهل: كتاب البدء والتاريخ ج1 ص287، 288.

4 الطبري: المصدر نفسه: ص41، 42.

5 أربري، أ. ج: تراث فارس: إسلام الفرس، يحيى خشاب ص13، 14.

ص: 93

وحتى يقوي المتنازعون مواقفهم لجأوا إلى الاستعانة بقوى بقوى خارجية غير مكترثين بما يترتب على ذلك من إذلال، وسقوط هيبة الحكم، نذكر منها: استعان بهرام جور "420- 438م" بالمناذرة1 العرب ليجلسوه على عرش أبيه يزدجر الأول، كما استعان قباذ الأول بالهياطلة2 في صراعه مع أخيه بلاش، واستعان كسرى الثاني أبرويز "590- 628م" بالبيزنطيين لمحاربة بهرام جوبين الذي اغتصب العرش الساساني.

وفقدت الدولة الساسانية وحدتها السياسية منذ عام 631م حين انقسمت على نفسها، ففي الشرق بويع لكسرى الثالث بن الأمير قباذ أخي كسرى الثاني، وفي المدائن، عين الأشراف ورجال الدين بوران دخت بنت كسرى الثاني أبرويز، وقد حكمت سنة وأربعة أشهر قبل أن تخلفها أختها آزرميدخت، وظهر في عهدها القائد رستم بن فرخ هرمزذ كأحد القادة الأقوياء، ويبدو أنه استاء من تولي امرأة عرش الأكاسرة، كما حنق عليها لقتلها والده، فزحف نحو العاصمة، واستولى عليها وعزل الملكة، وسمل عينيها.

وتتابع على الحكم حكام ضعاف مثل هرمز الخامس وكسرى الرابع، لكن لم يكن معترفًا بهما إلا في بعض أجزاء البلاد، ثم تولى عرش الدولة الساسانية أحد عشر ملكًا على مدى أربعة أعوام، كان آخرهم يزدجرد الثالث ابن الأمير شهريار الذي استولى على الحكم بمساعدة القائد رستم3.

والواقع أن التفكك والضعف بدآ يظهران على جسم الدولة في الأعوام المضطربة، التي تلت موت كسرى الثاني أبرويز في عام 628م بفعل السياسية العسكرية التي نفذها كسرى الأول أنوشروان "531- 579م"، فمال التطور شيئًا فشيئًا نحو التسلط العسكري، واستقل كل قائد وحاكم ولاية بإقطاعه، وكأنه وراثي، وبخاصة عندما هوت الأسرة المالكة إلى تدهورها النهائي، وقد كثرت محاولات اغتصاب السلطة

1 المناذرة أو آل نصر أو آل لخم: أمراء الحيرة من العرب، نزحوا من جنوبي الجزيرة العربية على أثر انهيار سد مأرب، واستقروا في أطراف العراق، قريبًا من حدود الدولة الفارسية الساسانية، واستعان الفرس بهم لتحقيق تطلعاتهم السياسية من خلال جعلهم سدًا أمام غارات العرب على الأطراف الفارسية، والتصدي لهجمات البيزنطيين، وحلفائهم الغساسنة على مناطق الحدود بين الدولتين.

2 الهياطلة: أمة تركية كانت تسكن ولاية طبرستان جنوبي بحر قزوين.

3 انظر الخبر عن ملوك الفرس، وسني ملكهم في الطبري: ج2 ص37- 234. الفردوسي: الشاهنامة الجزء الثاني.

ص: 94

من قبل القادة، وبعد تسلط هؤلاء آخر مرحلة من مراحل التطور السياسي أيام الساسانيين، ولكن نظام الإقطاع الذي برز في هذه المرحلة لم يكن لديه متسع من الوقت ليتحد قبل الفتح الإسلامي، ومنذ عهد فيروز الثاني الذي تولى الحكم بعد آزرميدخت، كانت جميع الأقاليم الواقعة شرقي مرو الروذ1 خارجة عن سلطة الدولة، ولم تكن هراة نفسها تابعة للساسانيين، وخضعت الولايات الواقعة على شواطئ بحر قزوين للديالمة، واستقرت الولايات الشمالية، والشرقية في أيدي ملوك وأمراء مستقلين.

أضحى رستم الحاكم الفعلي لفارس، ولم تفلح جهود التي بذلها في إعادة اللحمة، والقوة إلى الدولة المتداعية، ووجد نفسه عاجزًا عن وقف زحف المسلمين الجارف.

الوضع الاجتماعي:

لم يكن تغيير الأسرة الحاكمة في فارس حدثًا سياسيًا فحسب، بل امتاز بظهور روح جديدة في الدولة، والطابعان المميزان للنظام الجديد هما تركيز قوى السلطان، واتخاذ دين رسمي للدولة، وإذا كان الطابع الأول هو عودة إلى التقاليد التي سادت أيام الملك دارًا2، فإن الطابع الثاني يعد تجديدًا، وفي مقابل تطور الحياة العامة، والتنظيم الإداري، فإن الهيكل الاجتماعي، والإداري الذي أنشأه أو أكمله مؤسس الدولة الساسانية بقي حتى نهايتها من الأمور المقدسة التي لا تحتمل التغيير3.

قام المجتمع الفارسي على نظام ملزم للطبقات، ونصت الأوستا، الكتاب المقدس للفرس، على ثلاث طبقات هي: رجال الدين، رجال الحرب والحراثين، وأصحاب المهن والحرف، إذا استثنينا طبقة الحكام، غير أن تطور الحياة العامة في الدولة الساسانية، أفرز نظامًا سباعيًا على أساس سبع طبقات، وقسمت كل طبقة بدورها إلى عدة أقسام.

الطبقة الأولى: الملوك، وتشمل الأمراء، وحكام الولايات، وعلى رأس هؤلاء ملك فارس الذي يحكم وفقًا لنظرية الحق الإلهي المقدس للملوك، ويدعي حاكم الولاية مرزبان، ويحمل لقب ملك "شاه"، والإمارة وراثية شرط الالتزام بما يفرضه ملك

1 مرو الروذ: مدينة قريبة من مرو الشاهجان بينهما خمسة أيام، وهي في خراسان، الحموي: ج5 ص112، 113.

2 دارا: تاسع ملوك الدولة الأخمينية التي حكمت في إيران بين القرنين السابع والرابع قبل الميلاد.

3 كريستنسن، آرثر: إيران في عهد الساسانيين ص84، 85.

ص: 95

الملوك من تدابير يتمثل بعضها بالتزام الأمير المقطع وضع قواته العسكرية تحت تصرفه، وتأدية جزية معينة1.

الطبقة الثانية: الأشراف، ويشكل هؤلاء الطبقة القوية المكونة من رؤساء الأسر السبع الممتازة، وبحق لهم وضع التيجان على رءوسهم؛ لأنهم كانوا أساسًا مساوين لملك فارس لكن تيجانهم أصغر حجمًا، ولكل من هذه الأسر منطقة نفوذ تقيم فيها إلى جانب انخراط أفرادها في البلاط، ويحتكرون بعض الوظائف العامة مثل: تتويج الملك، التعبئة العسكرية، وإدارة شئون الحرب، الإدارات المدنية، فض النزاع بين المتخاصمين الراغبين في التحكيم، قيادة الفرسان، جباية الضرائب وغيرها، والراجح أن هذه الوظائف شرفية استنادًا إلى خصائص الحكومة المطلقة التي كانت في الواقع أساس الحكم في الدولة الساسانية، إذ من غير المنطقي أن تخضع وظائف رئاسة الوزارة، وقيادة الجيش لعملية الانتقال بالميراث من رجل لآخر، وألا يكون لملك الملوك حق اختيار مستشاريه2.

الطبقة الثالثة: رجال الدين، وهم عدة أقسام يرأسهم موبذان موبذ، ثم المؤابذة والزهاد، والسدنة "الهرابذة" الهربذ هو خادم النار، ويدير السدنة المراسم الدينية في المعابد، ويترأس الهرابذة، هربذان هربذ، ثم المراقبون، والمعلمون، والسدنة الروحيون، وهم المغان3.

الطبقة الرابعة: رجال الحرب، يترأسهم إيران سياهيد، وتشمل صلاحياته وزارة الحرب وقيادة الجيش العليا، وله صلاحية إجراء مفاوضات الصلح، يتألف الجيش الفارسي من الفرسان والمشاة، ولكل من القسمين رتبه وموظفوه. ويطلق على ضباط الجيش لقب الأساورة، ومن رجال الجيش أيضًا، الحرس الملكي4.

الطبقة الخامسة: الكتاب، وهم موظفو الدواوين، ومنهم كتاب الرسائل والحسابات، ويلقب رئيس هذه الطبقة بلقب إيران دبيران، ويدخل الشعراء والأطباء، والمنجمون في هذه الطبقة.

الطبقة السادسة: الدهاقون، إنهم رؤساء القرى، يستمدون قوتهم من الملكية الوراثية للإدارة المحلية، فهم الرؤساء، وملاك الأراضي والقرى، أما وظيفتهم الأساسية، فهي استلام الضرائب وتمويل الدولة.

1 كريستنسن: ص89.

2 المرجع نفسه: ص93-96.

3 المرجع نفسه: ص103.

4 المرجع نفسه: ص118، 119.

ص: 96

الطبقة السابعة: الشعب، وهم الفلاحون والصناع والرعاة، والتجار وأهل الحرف، تتفاوت الطبقات الاجتماعية في النسب والمنزلة، ويبدو التمييز بينها واضحًا في المركب، والملبس والمسكن والنساء والخدم1، فلكل فرد منزلته ومرتبته، ومكانه المحدد في الجماعة، وحظر الانتقال من طبقة إلى طبقة أعلى منها بوجه عام إلا في حدود ضيقة، على أن هذا الاستثناء لا يطال الارتقاء إلى طبقة رجال الدين، فالموبذ يجب أن يكون ابن موبذ، لاعتقاد أفراد هذه الطبقة أنهم أسرة واحدة لا يجوز لأجنبي أن ينتسب إليها.

ضاق الفرد الفارسي بهذا النظام، فهو يربي أولاده ويرعاهم، حتى إذا شبوا وبدأوا يساعدونه على تحمل أعباء الحياة؛ جمعهم الأشراف ليقدموهم إلى ملك الملوك الذي يقذف بهم في أتون الحروب، ولقد استهان ملك الملوك برؤساء الطبقات الرفيعة، فلم يراع حق الدين والوطن، وربما أجلس عدو البلاء على العرش، كما أن رجال الدين خلعوا لباس التقوى، وألهاهم جمع المال، وفتنوا بالمظاهر، وأذلهم الطمع، وأفسد رسالتهم الحرص على الدنيا، وهم في عداء سافر مع الأشراف يكيد بعضهم لبعض، وكل طائفة تسعى لمصحلتها دون النظر إلى مصلحة المجموع2.

أفقدت هذه الأوضاع الشاذة ثقة الفارسي بمجتمعه ووطنه، وتزعزع إيمانه بهذا النظام، ولم تقض إصلاحات كسرى الأول أنوشروان على ما هو في نفوس الناس من الشعور بالظلم، والتطلع إلى من يتحدث عن المساواة، وتكافؤ الفرص بين الناس، حتى وجدوا ذلك في الدين الإسلامي.

الوضع الديني: أتخذ الساسانيون، منذ بداية عهدهم، الزرادشتية3 دينًا رسميًا، ومن خصائص هذا الدين تقديس عناصر الطبيعة، وللشمس عند الساسانيين حرمة عظيمة، غير أن النار أعظم شأنًا، لذلك دخلت كعامل رئيسي في عباداتهم، وبيوت النار عندهم هي مراكز العبادة والتقديس.

يعتقد الزرادشتيون بوجود إله للخير والنور، خالق يسمونه أهورامزدا، وإله للشر، والظلمة يسمونه آهرمان، ولكنه ليس بمستوى أهورامزدا، إنها إذن نحلة تقوم على

1 كريستنسن: ص302.

2 خشاب: ص8، 9.

3 الزرادشتية: ديانة أسسها زرادشت بن يورشب في القرن السادس قبل الميلاد، وتسمى المجوسية؛ لأن قبيلة المجوس الفارسية هي أول من تبع الزرادشتية.

ص: 97

الثنوية والنزاع الدائم بين إله الخير وإله الشر، لكن النصر في النهاية سيكون للإله الأول بما يبذله الإنسان من أعمال حسنة للتغلب على روح الشر.

وابتلي الساسانيون بنزاعات دينية بعد ظهور الديانتين المانوية1، والمزدكية2 بفعل اختلاف فلسفاتها وتعاليمها، وكان تشجيع الأكاسرة لإحدى هذه الديانات يدفع معتنقيها إلى اضطهاد مخالفيهم، وقد أضاع هذا التاجر البلاد حين وضعها في جو مشحون بالنزاعات.

تركيبة الجيش الفارسي:

نحت الدولة الساسانية، منذ بداية حياتها السياسية، منحى توسعيًا؛ بهدف إحياء الإمبراطورية الشرقية التي قضى عليها الإسكندر المقدوني، وقد تطلب ذلك إنشاء جيش منظم وقوي، لذلك أدخل الملك أردشير الأول طوائف الجند التي كانت تتبع صاحب الإقطاع في الجيش النظامي، والمعروف أن الفرسان الدارعين يشكلون القوة الضاربة في الجيش الفارسي، وأن النصر يتوقف على مدى اندفاعهم، وشجاعتهم في القتال، وبخاصة الفرقة المعروفة بالخالدين، وهي مؤلفة من عشرة آلاف فارس يختارون من بين المجلين3.

وتتخذ الفيلة مكانها خلف الفرسان، وكأنها حصون، وتشكل عامل رعب لخيل العدو، وعامل ثقة لأفراد الجيش الفارسي، كما يحمل عليها أبراج من الخشب مشحونة بالمقاتلين، والسلاح ورماة النبال، وحاملي الرايات، ويقدمونها أحيانًا أمامهم، ويجعلون منها نواة لفرقهم، تلتف حول كل فيل فرقة من الجيش، وإذا ذعر فيل أثناء المعركة، وارتد على جنود الفرس، يبادر الفيال إلى قتله4.

شكل المشاة مؤخرة الجيش، وهم من أهل القرى، يستدعون إلى الحرب دون

1 المانوية: ظهر ماني في بلاد فارس أيام حكم سابور في أواسط القرن الثالث الميلادي، وادعى النبوة يقوم مذهبه على الثنوية، فمبدأ العالم كونان أحدهما نور والآخر ظلمة، وكل منهما منفصل عن الآخر، فالنور هو العظيم الأول، وهما في صراع دائم، كان ماني متشبعًا بروح النصرانية، لذلك فرض على أتباعه الصوم والرهبنة، والصلاة أربع مرات في اليوم، والزكاة المقدرة بعشر الأموال، والدعاء إلى الحق، وتجنب الكذب والقتل والسرقة، والزنا والبخل والسحر؛ لأن من شأن ذلك الخلاص من الشر.

2 المزدكية: حركة دينية فارسية ظهرت في عهد كسرى قباذ بن فيروز في أواخر القرن الخامس الميلاي على يد مزدك الذي نادى بالشيوع في الجنس والمال، وعلى المستوى التصوري عدت المزدكية من العقائد الثنوية التي يتقول بصراع النور والظلمة.

3 كريستنسن: ص198، 199.

4 المرجع نفسه.

ص: 98

أجر أو حافز، إنهم الحراثون الخاضعون للنظام الإقطاعي، يلبسون دروعًا من الخيزران المتشابك المغطى بجلد غير مدبوغ1، وهم جنود غير مهرة عادة، يولون الأدبار قبل أن يبدأهم العدو بحرب.

واعتمد الجيش الفارسي على المرتزقة أيضًا، وهم من الشعوب القاطنة في أطراف الدولة من الذين اشتهروا بالشدة في القتال، نذكر منهم: السجستانيون، الساجيون، القوقازيون، الديالمة وغيرهم.

يقود ملك الملوك، عادة، الجيش في المعارك، وينصب العرش المالكي، وسط الجيش، ويحيط به خدمه وحاشيته، وفرقة من الجند المكلفة بحراسته.

واقتبس الفرس بعض الفنون العسكرية من الرومان، مثل عمليات حصار القلاع، واستعمال المجانيق والأبراج المتحركة، وآلات الحصار الأخرى التي كانت تستعمل قديمًا، كما نفذوا أسلوب حرق المحاصيل الزراعية حتى لا يستفيد العدو منها، وفتح السدود في الأراضي التي يخصبها الري، حتى يغرق الوادي ويوقف تقدم العدو، هذا ويشترط بالقائد أن تتوفر فيه الصفات العسكرية الضرورية لإدارة الحرب، والقدرة على وضع، وتنفيذ الخطط العسكرية.

لم يكن الفرس شديدي البأس في الحرب، ولم يعتادوا القتال ببسالة إلا أن يكونوا على مسافة بعيدة من عدوهم، وإذا شعروا بأن فرقهم تتراجع يتقهقرون مطلقين خلفهم سهامهم حتى يخففوا من مطاردة عدوهم لهم.

تعتمد الخطط العسكرية التي طبقها الساسانيون في القتال، على الصدمة بأفواج منظمة من الفرسان الدارعين في صفوف كثيفة، كما طبقوا نظام التعبئة القائم على المقدمة من الفرسان، والقلب الذي يرتاد أفراده مكانًا مشرفًا، والجناحين والمؤخرة من الرماة والمشاة، وهو نظام الزحف2 من خلال تقسيم الجيش إلى كراديس، والواقع أن هذا النظام العسكري، لم يثبت أمام التعبئة الإسلامية القائمة على الكر والفر، والمعروف أن المسلمين استعملوا أيضًا أسلوب الكراديس في القتال.

العلاقة مع البيزنطيين "الروم":

إن نظرة سريعة إلى تاريخ العلاقات بين فارس وبيزنطية، خلال القرون السبعة الأولى للنصرانية، تبين أنها اتسمت بالطابع العسكري المرير مع بعض الهدوء النسبي

1 كريستنسن: ص198، 199.

2 ابن قتيبة، أبو محمد، عبد الله بن مسلم: عيون الأخبار ج1 ص112. كريستنسن: ص206، 207.

ص: 99

عل مراحل متعددة، وقد فرضه انقسام داخلي إلى درجة الإعياء تعجيز هذا الطرف أو ذاك عن القيام بالحرب، أو حين كان الحرص على السلام يدفع بأحد الطرفين أن يذهب في التساهل إلى أي مدى يقتضيه تحقيق السلام.

لقد ورث الساسانيون العداوة القديمة بين فارس، واليونان مع اختلاف الخصم بعد أن حل الرومان في ربوع الشرق الأدنى، وكان التنازع على مناطق الأطراف، وأهمية أرمينية لكلا الطرفين، بالإضافة إلى السيطرة على طرق القوافل التجارية بين الشرق، والغرب من أهم أسباب النزاع.

والواقع أن الإقليم الجبلي الذي يمتد بين أقاصي شرق البحر الأسود، والمجرى الأوسط لنهر دجلة، لا يشكل حدًا طبيعيًا فاصلًا بين الإمبراطوريتين، ولو أن أرمينية كانت قوية لدرجة تكفي للحفاظ على استقلالها من اعتداء الدولتين لاستطاعت أن تشكل حاجزًا بينهما.

لقد توالى على حكم أرمينية ملوك يمتون بصلة النسب البعيد إلى الأشكانيين، والنفوذ الروماني فيها متفوق على النفوذ الفارسي، لكن أردشير الأول لم يحقق نصرًا حاسمًا في حروبه مع الرومان.

تجدد الصراع بين الدولتين في عهد خلفائه، فقد اصطدم سابور الأول "241- 272م" بالرومان مرتين، وأسر الإمبراطور الروماني فالريان1، إلا أنه تعرض لهزيمة قاسية على يد أذينة، الحاكم العربي لمملكة تدمر في الصحراء السورية، وحليف الرومان، واستعاد الحاكم العربي الأراضي التي كان الفرس قد استولوا عليها في إقليم الجزيرة، وطارد القوات الفارسية إلى ما وراء نهر الفرات، ووصل إلى أسوار المدائن2.

استؤنفت الحرب بين الدولتين في عهد بهرام الثاني "276- 293م"، فتقدمت القوات الرومانية بقيادة الإمبراطور كاروس باتجاه المدائن، لكن الجيش الروماني تراجع فجأة إثر وفاة الإمبراطور، ثم عقد الصلح بين الدولتين في عام 283م، وكان من أهم بنوده، إعادة أرمينية، وإقليم الجزيرة إلى الحكم الروماني، يبدو أن ثورة هرمزد أخي بهرام الثاني، في خراسان، أجبرته على القبول بهذا التنازل3.

1 خلدت هذه الأحداث في صورة يظهر فيها سابور الأول فارسًا، والإمبراطور جات أمامه، وهي النقوش التي تعرف في إيران اليوم باسم نقش رستم.

2 الفردوسي: ج2 ص57، علي، جواد: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج3 ص97.

3 كريستنسن: ص217، 218.

ص: 100

تواصلت الحرب في عهد نرسي بن بهرام الثاني "293- 302م"، وقد أثارها طرد الفرس، ملك أرمينية وحليف الرومان، وهزم القائد الروماني غاليريوس الجيش الفارسي، ووقعت أرسان زوجة نرسي أسيرة، واضطر الإمبراطور الفارسي أن يتنازل للرومان عن مقاطعة أرمينية الصغرى، وعاد ترادت ملكًا على أرمينية، واستمرت حالة السلم بين الدولتين مدة أربعين عامًا قبل أن تستأنف حالة العداء في عهد سابور الثاني "309- 379م"1.

وشهدت الإمبراطورية الرومانية في غضون ذلك تحولًا نوعيًا في سياستها الدينية تمثل باعتراف الإمبراطور قسطنطين الأول بالديانة النصرانية في عام 313م بموجب مرسوم ميلان2، واعتناقه النصرانية فيما بعد، وانتشرت هذه الديانة في الربوع الأرمينية، كما اعتنقها الفرس في بابل، وجنديسابور3، وآشور وغيرها من المدن، فتوثقت الصلات بذلك، بين بيزنطية وأرمينية، ومن بين الأسباب التي دفعت الإمبراطور قسطنطين الأول إلى نقل عاصمته من روما إلى بيزنطية، التي أسسها على ضفاف البوسفور في عام 330م؛ اعتزامه أن يقاوم الخطر الفارسي من مكان قريب.

وانقسمت أرمينية آنذاك على نفسها بفعل الصراع الحزبي والطبقي، فأخذت الطبقة الغنية تسعى وراء مصالحها الذاتية، وسعى الحزب المحافظ إلى إقامة علاقات وثيقة مع فارس بوصفها جارة قوية، بينما سعى حزب آخر، نتيجة لاعتناق أفراده الديانة النصرانية، إلى إنشاء اتحاد بينه، وبين إخوته النصاري في الغرب، وهناك حقيقة كانت تعمل على إذكاء العداء بشكل عام، هي أن الإمبراطورية الفارسية الساسانية كانت وثنية، وأن الإمبراطورية البيزنطية كانت نصرانية4، وحيكت المؤامرت، ونفذت عمليات اغتيال، مما أدى إلى حدوث اضطرابات.

تذرع سابور الثاني بتردي الأوضاع الداخلية في أرمينية لشن الحرب، واسترجاع الأراضي التي فقدتها الإمبراطورية في عهد نرسي، فاجتاح أرمينية، واصطدم بالجيش البيزنطي في منطقة الجزيرة، وتوفي قسطنطين الأول أثناء ذلك، فتولى خليفته قنسطانز إدارة الحرب، فتحالف مع إرشاك الثالث ملك أرمينية، مما أثار سابور الثاني

1 كريستنسن: ص223.

2 انظر فيما يتعلق بمرسوم ميلان: العريني، السيد الباز: تاريخ أوروبا ص50، 51.

3 جنديسابور: مدينة بخوزستان بناها سابور بن أردشير، فنسبت إليه وأسكنها سبي الروم، وطائفة من جنده، الحموي: ج2 ص170.

4 أربري: الفصل الثاني، فارس وبيزنطية، بقلم تالبوت رايس، ص63- 64.

ص: 101

فاجتاح إقليم الجزيرة، واستولى على آمد1، واحتل سنجار2، وجزيرة ابن عمر في عام 359م3، وأضحى للفرس اليد العليا، والنفوذ الأقوى في هذا الإقليم4.

توفي الإمبراطور قنسطانز في عام 361م، فخلفه الإمبراطور يوليان، وقد قاد بنفسه الجيوش البيزنطية لحرب الساسانيين، فعبر الفرات في عام 363م على رأس جيش ضخم، ثم اتجه شرقًا نحو دجلة، فاستولى على سلوقية5 بعد أن هزم خصمه، ثم زحف نحو المدائن، غير أنه تعرض لمقاومة شديدة، وأصابه سهم في ذراعه أودى بحياته6.

ترتب على مصرع يوليان تحول في السياسة البيزنطية جاء لمصلحة فارس، إذ إن خليفته الإمبراطور جوفيان عقد صلحًا مع الفرس حصل هؤلاء بموجبه على أقاليم عديدة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، وتخلى جوفيان عن مزاعمه في أمتلاك أرمينية، وتنازل عن نصيبيين7 وسنجار.

انقسمت الإمبراطورية الرومانية بعد وفاة جوفيان في عام 364م إلى قسمين، شرقي وغربي، فحكم فالنز القسم الشرقي، فورث بذلك الصراع مع الساسانيين، في حين حكم القسم الغربي أخوه فالنتيان، وحاول فالينز مرتين التدخل في شئون أرمينية، وتنصيب حاكم موال له، لكنه فشل في ذلك، واضطر إلى عقد صلح مع سابور الثاني تنازل بموجبه عن حق التدخل في الشئون الأرمينية8.

استمر النزاع بين الدولتين الساسانية، والبيزنطية حول أرمينية في عهد خلفاء سابور الثاني، وبخاصة بهرام الرابع "388- 399م"، وفي عام 527م اعتلى الإمبراطور

1 آمد: أعظم مدن ديار بكر، وأجلها قدرًا وأشهرها ما ذكرًا على نشز دجلة. الحموي: ج1 ص56.

2 سنجار: مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة، بينها وبين الموصل ثلاثة أيام وهي في لحف جبل عال، المصدر نفسه: ج3 ص262.

3 جزيرة ابن عمر: بلدة فوق الموصل بينهما ثلاثة أيام، ولها رستاق خصب واسع الخيرات، المصدر نفسه: ج2 ص138.

4 Ostrogorsky، Georgiji: A History of byzantine p. 117.

5 سلوقية: مدينة بالشام تنسب إليها الدروع، والكلاب السلوقية قريبة من أنطاكية "السويدية الحالية"، الحموي: ج3 ص242.

6 رستم، أسد، الروم ج1 ص84، 85. Vasiliev، A.A: A History of Byzantine Empire: p 67.

7 نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام، بينها وبين سنجار تسعة فراسخ، الحموي: ج5 ص288.

8 كريستنسن: ص228، 229.

ص: 102

جستنيان عرش بيزنطية، فبدأ عهده باسترداد تدمر1، وفي مطلع عام 528م، فيما كان الجيش البيزنطي يجتاز الصحراء للاستيلاء على مدينة نصيبين من الخلف، داهمه جيش الفرس، وألحق به خسارة كبيرة، وجدد الفرس، بمساعدة عرب الحيرة بقيادة المنذر، مهاجمة البيزنطيين في ربيع عام 529م، وهزموا الجيش البيزنطي، وارتأى قباذ الأول أن يهاجم أرمينية، لكنه استمع إلى نصائح المنذر، وتوجه بقواته إلى أنطاكية، فهاجمها ودخلها دون مقاومة تذكر، فسبى وغنم، وتراجع دون أن يلقى الجيش البيزنطي، وعرض قباذ الأول على البيزنطيين عقد هدنة، لكن عمق الخلافات حال دون تحقيقها.

جدد الفرس هجماتهم على الأراضي البيزنطية في ربيع عام 531م، وبلغوا موقعًا متوسطًا بين قنسرين2 ونهر الفرات، وهزموا القائد البيزنطي بلزاريوس الذي تراجع إلى الرقة3، ثم اجتاحوا منطقة الرها4، ودخلوا إلى المدينة ونهبوها.

خشي جستنيان من انهيار الجبهة الشرقية، فأثار مملكة أكسوم الحبشية على شن هجمات على مناطق النفوذ الفارسي في جنوبي الجزيرة العربية انطلاقًا من اليمن التي احتلها الأحباش قبل بضع سنوات، وعمد في الوقت نفسه إلى مسالمة الفرس، فأرسل إليه قباذ الأول مقترحات السلام التي تقوم على المبادئ التالية:

- تدفع بيزنطية تعويضات الحرب للفرس.

- تسحب بيزنطية قيادة قواتها من بلاد ما بين النهرين، وبالتحديد من دارا5.

- تمول بيزنطية حماية الفرس لممرات القوفاز.

قبل جستنيان هذه المقترحات، ولم يغير موت قباذ الأول الوضع، وجرى التوقيع على اتفاقية السلام من قبل كسرى الأول أنوشروان، الذي خلف قباذ، وسميت هذه المعاهدة بالسلام الأبدي6.

يعد ارتقاء كسرى الأول عرش فارس فاتحة عهد جديد في التاريخ الفارسي بما

1 تدمر: مدينة قديمة مشهورة في برية الشام بينها، وبين حلب خمسة أيام، الحموي: ج2 ص17.

2 قنسرين: كورة بالشام بينها، وبين حلب مرحلة من جهة حمص بقرب العواصم، وبعضهم يدخل قنسرين في العواصم، المصدر نفسه: ج4 ص ص404.

3 الرقة: مدينة مشهورة على الفرات بينها، وبين حران ثلاثة أيام، معدودة في بلاد الجزيرة؛ لأنها من جانب الفرات الشرقي، المصدر نفسه: ج3 ص59.

4 الرها: مدينة بالجزيرة بين الموصل، والشام بينهما ستة فراسخ، المصدر نفسه: ص106.

5 دارا: بلدة من لحف جبل بين نصيبين وماردين، المصدر نفسه ج2 ص418.

6 Deveeresse، Rebert: Arabes-Perses Arabes-Roman، Lakhmides et Ghassanides، pp 263-307.

ص: 103

أجرى من إصلاحات مدنية وعسكرية، وكان السلم مستتبًا بين فارس، وبيزنطية في عام 532م، وهي السنة الثانية من حكمه، ولكن كانت تبرز بين الحين، والآخر إشارات إلى عودة الصدام.

كانت بيزنطية لا تزال تنظر إلى فارس على أنها العدو الأكبر التي أحدثت على الدوام أوضاعًا مقلقة على امتداد الحدود الطويلة بينهما، فكان لا بد من إضعافها، وبرزت في القرن السادس ظاهرة السيطرة على طرق القوافل التجارية بين الشرق والغرب، كلما أن النزاع بين الغساسنة التابعين لبيزنطية، ومملكة الحيرة التابعة لفارس، شغل حيزًا كبيرًا من هذا القرن، فكان الاصطدام ضرورة سياسية واقتصادية، وأدت الحروب شبه المستمرة بينهما إلى فقدان الأمن على الطريق التجاري الذي يربط الخليج العربي بصحراء بلاد الشام عبر الفرات، وفقدت المنطقة أهميتها التجارية مما أدى إلى ضرورة تحويل طريق إلى غربي الجزيرة العربية، أو البحر الأحمر، لكن بيزنطية لم تيأس من احتمال تعزيز موقعها التجاري باستعادة بلاد ما بين النهرين، كما أن تحويل طريق التجارة إلى غربي الجزيرة العربية أفقد الفرس عنصرًا مهمًا من قوتهم؛ لذلك تطلعوا إلى السيطرة على بلاد الشام ومصر، ملتقى جميع الطرق الشمالية، والجنوبية آنذاك1.

وكان الحرير في ذلك الوقت قد أضحى أحد أهم عناصر التجارة الشرقية وأثمنها، وأدى احتكار الفرس لهذه التجارة إلى إثارة قلق بيزنطية، ورغبتها في البحث عن حل؛ لأنها كانت تستورد الحرير وتستعمله في الصناعة، كما كانت معظم مكاسب الفرس من هذه التجارة تنفق على القوى المسلحة الساسانية، لذلك حاول جستنيان أن يقلص هذه المكاسب، فخفض أسعار الحرير، ورد عليه الفرس بتقليص المبيعات2.

لهذه الأسباب كان الصراع بين الدولتين تجاريًا في جانب مهم منه، وعمدت الدولتان إلى تقوية حلفائهما من البدو، أو إنصاف البدو واتخاذهما رأس حربة في هذا الصراع، فكان الغساسنة والمناذرة حلفاء البيزنطيين، وحلفاء الفرس.

وإذ أدرك الإمبراطور الفارسي كسرى الأول ما للإمبراطور البيزنطي جستنيان من أطماع في الغرب، وبأهمية مصالحه على الحدود الشرقية، استغل الموقف، وانتهز فرصة استنجاد القوط الشرقيين به؛ فنقض الصلح، وهكذا لم يستمر السلام الأبدي سوى بضع سنين، وبدأ من جنديد العداء السافر بين الطرفين.

1 Miller، J. Innes: The Spice Trade of the Roman Empire: p 32-120.

2 سحاب، فكتور: إيلاف قريش، رحلة الشتاء والصيف ص100.

ص: 104

استؤنفت العمليات العسكرية في عام 539م، كان النصر فيها حليف الفرس. فتقدم كسرى الأول باتجاه بلاد الشام، واستولى على دارا والرها، ومنبج1 وقنسرين وحلب، وأنطاكية التي نقل سكانها إلى أرض السواد، وسيطر في العام التالي على حمص، وأفامية2 ومدن كثيرة مجاورة، وبلغ في تقدمه ساحل البحر المتوسط، ولما حاول أن يشق طريقه شمالًا إلى البحر الأسود اعترضته قبائل اللازيين، والقوقازيين الذين يدينون بالطاعة لبيزنطية، فهزمهم واستولى على معاقلهم3.

نتيجة هذا التوسع الفارسي على الأرض، خشي جستنيان مغبة الأمر، وعمد إلى الحصول على هدنة، فطلب كسرى الأول مبلغًا كبيرًا من المال، وأتاوة سنوية، وأجرة حراسة ممرات القوقاز من هجمات البرابرة.

وفي الوقت الذي كان فيه الإمبراطور البيزنطي يدرس هذه المقترحات شدد كسرى الأول من ضغطه العسكري، ووصل إلى البحر المتوسط مرة أخرى عند سلوقية، واجتاح قلعة المضيق الواقعة شمال غرب حماة، وقنسرين ومنطقة الرها، واجتاز الفرات أكثر من مرة، وهدد مدينة الرها، فدفعت له الجزية، ثم استدار إلى حران4، لكنه فشل في اقتحام دارا مرة أخرى، واضطر جستنيان إلى قبول شروط الصلح.

في هذه الأثناء، انتهى القائد بلزاريوس من حربه في إيطاليا، وظن جستنيان أن باستطاعته استرداد ما انتزعه كسرى الأول فحشد جيوشه، وكان من بينهم الفرقة العسكرية العربية في بلاد الشام بقيادة الحارث بن جبلة، ووضع خطة لاجتياح بادية الشام، فهاجم مناطق الفرات في عام 542م، وما إن علم كسرى الأول بذلك حتى تخلى عن جبهة أرمينية، فاجتاز كسرى الأول في عام 544م نهر الفرات مرة أخرى، وضرب حصارًا فاشلًا على الرها، ثم انسحب من المنطقة، ثم تبادل الطرفان السفراء بعد ذلك بهدف تهدئة الوضع، واتفقا في عام 545م على عقد صلح لمدة خمسة

1 منبج: مدينة كبيرة واسعة ذات خيرات كثيرة، وأرزاق واسعة في فضاء من الأرض، بينها وبين الفرات ثلاثة فراسخ، وبينها وبين حلب عشرة فراسخ، الحموي: ج5 ص206.

2 أفامية: مدينة حصينة من سواحل الشام، وكورة من كور حمص، المصدر نفسه: ج1 ص227.

3 Bury، J، B: A History of Later Roman Empire II pp 79- 123.

4 حران: مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور، وهي قصبة ديار مضر بينها وبين الرها يوم، وبين الرقة يومان، وهي على طريقة الموصل والشام والروم. الحموي: ج2 ص235.

ص: 105

أعوام، وذكر الطبري شروط هذا الصلح بقوله:"أما سائر مدن الشام ومصر، فإن يخطيانوس "جستنيان" أتباعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه، وضمن له فدية يحملها إليه في كل سنة، على أن لا يغزو بلاده، وكتب لكسرى بذلك كتابًا، وختم هو وعظماء الروم عليه، فكانوا يحملونها إليه في كل عام"1.

والواقع أن هذا الصلح لم يستمر طويلًا، إذ إن نشوب الاضطرابات في أرمينية كان السبب المباشر في نقضه، فاستؤنفت العمليات العسكرية، واجتاحت القوات البيزنطية بقيادة الإمبراطور جستنيان بلاد ما بين النهرين، وأراضي ملطية2 في عام 572م، ورد كسرى الأول باجتياز الفرات في الاتجاه الآخر مستفيدًا من ضعف وسائل الدفاع البيزنطي، وفتور العلاقات البيزنطية مع الغساسنة، فوصل إلى أفامية، فأحرقها وعاد أدراجه دون أن يصادف مقاومة، فيما كان الجيش البيزنطي يحاول عبثًا محاصرة نصيبين، ثم انسحب إلى ماردين3 متخليًا عن دارا، واجتاح الفرس وادي الخابور الأعلى، واتجهوا إلى كبادوكيا، ثم انسحبوا من المنطقة4.

تجدد القتال بعد ذلك، حين اضطهد كسرى الأول النصارى البلازيين في القوقاز، وعقد الصلح في عام 561 أو 562م لمدة خمسين عامًا، وتضمن البنود التالية:

- تعهد الإمبراطور البيزنطي بأن يدفع سنويًا مبلغًا كبيرًا من المال لفارس.

- وعد ملك الفرس بالمضي في سياسة التسامح الديني مع النصارى بشرط أن يمتنعوا عن تحويل الناس عن عقائدهم إلى النصرانية.

- يتحتم على التجار من كلا الطرفين ألا يباشروا تبادل تجاراتهم إلا في أماكن معينة، حيث يجري تحصيل المكوس.

- يتخلى الفرس للبيزنطيين عن لاذيق، وهو الإقليم الواقع جنوب شرقي البحر الأسود، وبذلك لم يعد للفرس موضع على ساحل هذا البحر.

ولهذه الحقيقة أهميتها من الناحيتين السياسية الاقتصادية، مع ذلك فإن قوة الدولة الفارسية ازداد شأنها في الشرق الأدنى حين أخذ نجم بيزنطية في الأفول في هذه الجهات5.

1 تاريخ الرسل والملوك: ج2 ص122.

2 ملطية: بلدة من بلاد الروم ومشهورة مذكورة تتاخم الشام، الحموي: ج5 ص192.

3 ماردين: قلعة مشهورة على قنة جبل الجزيرة، مشرفة على دنيس ودارا ونصيبين، المصدر نفسه: ص39.

4.

Deveeresse: pp 295-297

5 Bury: II pp 120-123. Vasiliev: p 139. Ostrogorsky: p 66.

ص: 106

استمر النشاط الحربي ناشطًا على الرغم من توقيع معاهدة الصلح، فقد اغتنم الفرس القطيعة التي حصلت بين البيزنطيين، والغساسنة في عام 575م لشن هجمات على بلاد الشام، ورد البيزنطيون بقيادة موريس بمهاجمة بلاد ما بين النهرين، وطارد الفرس حتى سنجار، واستؤنفت مفاوضات السلام مرة أخرى. وفيما كانت معاهدة جديدة قيد الإعداد، مات جستنيان في شهر تشرين الأول عام 578م، ثم مات بعده كسرى الأول في شهر آذار عام 579م، تلا ذلك سلسلة من المعارك غير الحاسمة حتى عام 591م، حيث عقد الصلح من جديد.

وبفضل ما اشتهر به موريس من المهارة السياسية، استغل لجوء كسرى الثاني أبرويز إلى القسطنطينية لطلب المساعدة ضد حركة التمرد الداخلي التي قامت ضد حكمه، ونتيجة لهذا التعاون، نجح كسرى الثاني في استعادة عرشه، وتنازل لبيزنطية مقابل هذه المساعدة عن أرمينية الفارسية، والجزء الشرقي من إقليم الجزيرة بما في ذلك مدينة دارا، ولم تنطو المعاهدة على شرط دفع الجزية السنوية الذي كان يعد بمثابنة إهانة للدولة البيزنطية1.

ولا شك بأن كسرى الثاني كان مسرورًا بنقضها حين قتل موريس على يد فوقاس في عام 602م، والواقع أن الإطاحة بهذا الإمبراطور، وإعدامه قد مزق الإمبراطورية، فتراجعت قوتها العسكرية، ولم تستعدها خلال العقود الثلاثة التي تلت ذلك، وقد شكلت مرحلة جديدة، وقاسية في القرن السابع الذي برزت فيه خطوة التبدل المتسارعة في بلاد الشام إن على يد الفرس، أو على يد المسلمين بعد ذلك، ومن الخطأ الاعتقاد أن موريس كان الإمبراطور القادر على إعادة تنظيم الولايات الشرقية، وتطوير علاقات سياسية مع فارس، والقبائل العربية، على الرغم من مهارته السياسية، فثمة فجوات متعددة في سياسته مع العرب تشير إلى أن قراراته كانت غير فاعلة.

لكن بيزنطية لم تكن قد وصلت آنذاك إلى مراحل شيخوختها، مع أن التبدل التنظيمي كان يسير في خطى بطيئة في الإمبراطورية، واستمر على هذه الحال حتى أوائل القرن السابع، عندما أخذت خطوات التبدل في التسارع بفضل إصلاحات الإمبراطور هرقل.

وكشفت الغزوات الفارسية التي تلت ذلك في أيام كسرى الثاني أبرويز عن مواطن الضعف في الإمبراطورية، فالانهيار الواقعي للجيوش البيزنطية بين عامي 610.

1 العريني، السيد الباز: الدولة البيزنطية ص104، 105.

ص: 107

و 618م والحملة الفارسية التي أدت إلى احتلال بلاد الشام ومصر، والحملات السلافية في البلقان، والسلب الذي رافقها؛ كل هذا أظهر للعيان الوضع المنذر بالخطر على كيان الإمبراطورية التي استطاعت أن تتحمله، ولكن على وهن، والذي لم يتح لهرقل فرصة للراحة بعد أن أطاح بالإمبراطور فوقاس، وأعدمه في عام 610م، فقد واجه ثورة قام بها كومنتيولوس أخو فوقاس في شهر تشرين الأول عام 610م، وقد أتاحت هذه الأوضاع القلقة للفرس أن يقوموا باختراقات على الجبهة الشرقية في عام 611م، فقد أرسل كسرى الثاني أبروزي ثلاث حملات عسكرية لغزو بلاد الروم، والشام ومصر:

الأولى: بقيادة رميوزان، توجهت إلى بلاد الشام، فاستولت على أنطاكية في عام 611م، وعلى دمشق في العام التالي، أما في الجنوب، فقد سقطت بين المقدس في يدها في عام 614م، فأحرقتها واستولت على الصليب المقدس من كنيسة القيامة ونقلته إلى المدائن، وساقت بطريركها زكريا وقسيسيها، ومن بها من النصارى أسرى، ونقلتهم إلى العاصمة، والواقع أن ما ساد بلاد الشام، وفلسطين من النزاع الديني مع بيزنطية، بشر على الفرس الاستيلاء على البلاد.

الثانية: بقيادة شهربراز، توغلت في أراضي آسيا الصغرى، وبلغت البوسفور، وعسكرت فرقها العسكرية في خلقدونية القريبة من القسطنطينية، وذلك في عام 617م.

الثالثة: بقيادة شاهين، توجهت إلى مصر والنوبة، فاستولت على بيلوز في عام 617م، وعلى الإسكندرية في العام التالي، فترتب على ذلك انقطاع القمح عن العاصمة القسطنطينية ما أسهم في تدهور الأوضاع الاقتصادية، وأضحى الفرس يسيطرون على معظم أجزاء الشرق الأدنى1.

أخل هذا الانتشار الواسع للقوات الفارسية بموازين القوى، وتبين أن البيزنطيين أخطأوا تقدير الموقف العسكري، وكن ذلك عاملًا على بعث الهمم داخل بيزنطية، فظهر زعيم قادر على مواجهة الموقف العصيب تمثل بهرقل، وإذ أدرك هذا الإمبراطور مدى فداحة خسارة بلاد الشام ومصر، وحرمان الإمبراطورية من دعائمها الروحية، والاقتصادية والحضارية؛ نهض لمحاربة الفرس واستعادة البلدان التي احتلها هؤلاء، وذلك في عام 622م، بعد أن أجرى إصلاحات عسكرية، واقتصادية كفلت له تقوية موقفه.

1 العريني ص118، 119. vasiliev: pp 195، 196.

ص: 108

وبعد أن طرد الفرس من مناطق البحر الأسود وكبادوكيا، توغل هرقل في أرمينية في عام 623م، وتخلي الفرس عن مواقعهم في دروب آسيا الصغرى. وقد استدعى كسرى الثاني قواته من بلاد الشام في عام 624م لصد الزحف البيزنطي، لكنه مني بهزيمة قاسية، وحقق هرقل أول أهدافه، وهو تخليص أرمينية من قبضة عدوه1.

رفض كسرى الثاني أن يعترف بالهزيمة، فوجه في عام 626م جيشين لمهاجمة القسطنطينية، واتفق مع الآفار في الغرب على أن يهاجموا المدينة في الوقت نفسه وذلك في شهر حزيران، وبعد حصار دام شهرًا باء الهجوم النهائي بالفشل.

وكان هرقل، خلال حصار عاصمته، قد أعد خطة عسكرية لاجتياح فارس انطلاقًا من شمالي القوقاز بمعاونية الأرمن، والجورجيين والخزر، فاستولى أولًا على تفليس ودوين في أرمينية، ودخل مدينة جانزاك عاصمة أردشير الأول، وأشعل النار في معبد زرادشت انتقامًا لما أنزله الفرس بكنيسة القيامة، وفر كسرى الثاني من المدينة، غير أن ما تعرضت له القسطنطينية من جانب الآقار في الغرب حمل هرقل على نقل قواته إلى الجبهة الغربية، وأتاح لكسرى الثاني أن يقوم من جانبه بمهاجمة القسطنطينية من الشرق، فانطلق جيش فارسي ضخم بقيادة شهربراز باتجاه العاصمة البيزنطية، فاجتاز آسيا الصغرى، واحتل خلقدونية، وأقسام معسكره على شاطئ البوسفور، غير أن فشل هجوم الآقار حمله على الانسحاب، وارتد إلى بلاد الشام.

أتاحت هذه الظروف الفرصة لهرقل ليستكمل خطته الهجومية التي كان قد أعدها، فشرع في خريف عام 627م بالزحف نحو الأراضي الفارسية، وظهر أمام نينوى2، وهناك نشبت المعركة الحاسمة التي قررت مصير النزاع بين فارس وبيزنطية، فأحرز هرقل نصرًا واضحًا، وحلت بالجيش الفارسي هزيمة ساحقة، ثم واصل زحفه باتجاه المدائن، فاستولى عليها في عام 628م، وكان كسرى الثاني قد هرب منها عند اقتراب الجيش البيزنطي.

وما حدث آنذاك من انقلاب في فارس، إذا جرى عزل كسرى الثاني، وقتله وتولية ابنه قباذ الثاني شيرويه العرش؛ جعل من

استمرار الحرب أمرًا لا داعي له، فعقدت الدولتان اتفاقية صلح استردت

بيزنطية بموجبها ما كان لها من أملاك في أرمينية، والجزيرة، وبلاد الشام وفلسطين.

1 Ostogorsky: p91.

2 نينوى: قرية يونس بن متى بالموصل، الحموي: ج5 ص339.

ص: 109