المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فتح بيت المقدس - تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية

[محمد سهيل طقوش]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة:

- ‌الباب الأول: أبو بكر الصديق 11-13هـ-632-634م

- ‌الفصل الأول: الأوضاع السياسية في الجزيرة العربية عقب وفاة النبي

- ‌الأوضاع السياسية في المدينة

- ‌اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة

- ‌الأوضاع السياسية خارج المدينة:

- ‌الفصل الثاني: تفشي ظاهرة التنبؤ في المجتمع العربي

- ‌الفصل الثالث: حروب الردة

- ‌مدخل

- ‌ملابسات حوادث بني تميم:

- ‌القضاء على ردة بني حنيفة:

- ‌الفصل الرابع: أوضاع الدولتين الفارسية، والبيزنطية عشية الفتوح الإسلامية:

- ‌أوضاع الدولة الفارسية

- ‌تراجع النفوذ البيزنطي من بلاد الشام عشية الفتوح الإسلامية:

- ‌الفصل الخامس: الفتوح في عهد أبي بكر

- ‌فتوح العراق:

- ‌فتوح بلاد الشام:

- ‌الفصل السادس: استئناف الفتوح في عهد عمر:

- ‌فتوح العراق:

- ‌معركة القادسية:

- ‌الفصل السابع:‌‌ استكمال فتوح العراق-فتوح فارس "إيران

- ‌ استكمال فتوح العراق

- ‌فتوح فارس "إيران

- ‌الفصل الثامن: استكمال فتوح بلاد الشام-فتوح الجزيرة وأرمينية والباب

- ‌مدخل

- ‌معركة اليرموك

- ‌فتح بيت المقدس

- ‌الفصل التاسع: فتوح مصر

- ‌مدخل

- ‌أثر الفتح الإسلامي على أوضاع الأقباط:

- ‌التوسع نحو الغرب:

- ‌الفصل العاشر: الدولة الإسلامية في عهد عمر-مقتل عمر

- ‌مدخل

- ‌الإدارة في عهد عمر:

- ‌الموظفون الإداريون:

- ‌الوالي:

- ‌الدواوين:

- ‌القضاء:

- ‌القضاء في عهد عمر:

- ‌إدارة البلاد المفتوحة من خلال عقود الصلح:

- ‌الفصل الحادي عشر: الفتوح في عهد عثمان

- ‌الفصل الثاني عشر: الفتنة الكبرى ومقتل عثمان

- ‌الباب الرابع: علي بن أبي طالب 35-40هـ/ 656-661م

- ‌الصراع بين علي وأصحاب الجمل:

- ‌المواجهة المسلحة الأولى بين المسلمين:

- ‌وقعة الجمل:

- ‌الصراع بين علي، ومعاوية، والخوارج

- ‌معركة صفين:

- ‌مرحلة التجهيز، والاستعداد:

- ‌معركة النهروان:

- ‌الخاتمة:

- ‌المصادر والمراجع:

- ‌محتوى الكتاب:

الفصل: ‌فتح بيت المقدس

عسقلان، وكان قد فتح غزة في عهد أبي بكر، وحاصر قيسارية التي تعد من أشهر المدن آنذاك1.

1 الأزدي: ص234-237، البلاذري: ص144.

ص: 270

‌فتح بيت المقدس

1:

تمهيد:

لا شك بأن استسلام بيت المقدس -إيلياء- للمسلمين له علاقة بالمدى الذي وصلت إليه التطورات السياسية، والعسكرية والاجتماعية في بلاد الشام آنذاك في ظل الصراع الفارسي -البيزنطي- الإسلامي، وعلى ضوء نجاح المسلمين في السيطرة على معظم المنطقة، والجدير بالذكر في صراع القوة الثلاثي هذا، أن البيزنطيين كانوا الطرف الأضعف، على الأقل في نظر المسلمين، والمعروف أن هؤلاء لم يهاجموا بيت المقدس في بادئ الأمر، ففي حروب الصحراء يسعى البدو عادة إلى مهاجمة الحواضر التجارية التي يترددون عليها، للسيطرة عليها أولًا2.

ومهما يكن من أمر، فقد عرف العرب بيت المقدس منذ العصر الجاهلي، وقرن الإسلام نفسه، عند ظهوره، بها، إذ إن حرمتها وأهميتها البالغة عند المسلمين، أمر لا

1 إن أقدم اسم للقدس هو أورشاليم الذي ينسبها إلى إله السلام الكنعاني شاليم، وقد وردت باسم روشاليموم في الكتابات المصرية، ووردت في التوراة تحت أسماء عديدة، مثل أوشليم وشاليم، ومدينة الله ومدينة القدس، ومدينة العدل، ومدينة السلام ومدينة البر، كما يذكرها التوراة أحيانًا باسم بيوس أو مدينة اليوبسيين نسبة إلى اليبوسيين سكان القدس الأصليين، وفي عام 135م أخمد الإمبراطور الروماني هدريان ثورة اليهود ضد الوجود الروماني، وخرب المدينة وأسس مكانها مستعمرة رومانية، وأطلق عليها اسم إيليا كابيتولينا، وإيليا هو اسم هادريان، وحرم على اليهود دخولها، وعندما اعترف الإمبراطور قسطنطين الأول بالديانة النصرانية في عام 323م أعاد إلى المدينة اسم أورشليم. ويبدو أن تسمية إيليا ظلت متداولة بين الناس بدليل أنها وردت في عهد الأمان الذي أعطاه عمر بن الخطاب إلى السكان، بعد الفتح، وأسماهم أهل إيلياء، وعرفت المدينة منذ العهد الإسلامي ببيت المقدس، والمعروف أن الاسم المستعمل في العصر الحديث هو القدس لدى المسلمين، وأورشليم أو جيروزاليم لدى الغربيين واليهود، انظر للمراجعة: الكتاب المقدس، العهد القديم: تكون 14: 18، قضاة 19: 10 و11، إشعيا 1: 26، 29: 1، 48: 2 مزامير 76: 2.

خوند، مسعود: الموسوعة التاريخية الجغرافية ج4 ص166.

2 دانيال، ساهاس: البطريك صفر ونيوس، والخليفة عمر بن الخطاب، وفتح المقدس، ص56، 57، 59، مقال في كتاب الصراع الإسلامي -الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى.

ص: 270

يرقى إليه الشك، إنها مدينة الرسل وأولى القبلتين، والمدينة التي أسري إليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وصعد منها إلى السماء في حادثة المعراج، فكانت مركز جذب روحي كبير، وإن فتحها كان هدفًا يحمل في طياته تحديًا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى.

شكلت بين المقدس القاعدة البيزنطية الهامة، ومركز تجمع البيزنطيين الذين فروا من الواقع التي هزمت فيها جيوشهم مثل أجنادين، وحمص وقنسرين، واليرموك وغيرها، كما كانت ملجأ للذين خرجوا من المدن التي فتحها المسلمون، ورفضوا البقاء فيها مثل دمشق، وكان الأرطبون1، وهو أحد القادة البيزنطيين، من بين الذين التجأوا إليها، وقاد عملية المقاومة ضد المسلمين.

أحداث الحصار ونتائجه:

قاد عمرو بن العاص عملية حصار المدينة بوصفه قائد الجبهة الفلسطينية في الوقت الذي كان فيه أبو عبيدة، وخالد بن الوليد يفتحان شمالي بلاد الشام، وقد واجه مقاومة ضارية من جانب حاميتها وسكانها، ووجد مشقة بالغة في امتصاص الهجمات البيزنطية، فأرسل إلى الأرطبون يطلب منه التسليم مثل بقية المدن، ووعده بالأمان2.

واستعمل البيزنطيون المجانيق من فوق الأسوار لضرب المواقع الإسلامية، فسببت أضرارًا بالأرواح والمعدات، وعانى المسلمون من مصاعب طبيعية قاسية، فقد بدأ الحصار في شتاء عام "636- 637م"، وكان البرد قارسًا، وكثر انهمار المطر، وتساقط الثلج، فاستغل الأرطبون سوء الأحوال الطبيعية التي لم يتعود عليها المسلمون، ورفض الدخول في الصلح، وأطال أمد الحرب، وشدد ضرباته ضدهم وهو يأمل أن يلحق بهم الهزيمة، أو يضطرهم إلى فك الحصار عن بيت المقدس.

اضطر عمرو بن العاص، في هذه الظروف القتالية الصعبة، أن يكتب إلى عمر في المدينة يطلب منه المساعدة، ويستعين برأيه:"إني أعالج حربًا كئودًا صدومًا، وبلادًا أدخرت لك، فرأيك"3.

استجاب عمر لطلب المساعدة، وتصرف على ثلاثة محاور:

الأول: فقد أمده بمدد من عنده، وأرسل إلى أبي عبيدة لينجده، وكان قد فرغ لتوه

1 أرطبون: يجب قراءتها أطربون بوصفها كلمة معربة عن الكلمة اللاتينية تربيون، وهي رتبة عسكرية، ولقب للقائد الأعلى للجيش البيزنطي الذي يلي هرقل في المكانة، انظر هيكل ج1 ص246 هامش رقم1.

2 الطبري: ج3 ص606.

3 المصدر نفسه: ص607.

ص: 271

من تطهير شمالي بلاد الشام، فغادر المنطقة ونزل في الجابية، وقد صحبه خالد بن الوليد1.

الثاني: قرر المجيء إلى بلاد الشام ليكون قريبًا من مجرى الأحداث، وهذا يعني أنه أولى فتح بيت المقدس عناية خاصة نظرًا لأهميتها الدينية، والروحية عند المسلمين2.

الثالث: فقد أرسل إلى يزيد بأن يبعث أخاه معاوية قيسارية، وتبدو خطة عمر واضحة في أن يستغل البيزنطيين في أكثر من جبهة في وقت واحد لإضعافهم، وحتى لا يمدوا يد العون لأهل بيت المقدس، فنزل معاوية بجنوده على قيسارية وحاصرها3.

تسلم أبو عبيدة فور وصوله قيادة القوات الإسلامية، فارتفعت معنويات الجند، وتسرب في المقابل الخوف، والقلق إلى قلوب المدافعين، وبخاصة بعد أن فشلوا في إلحاق هزيمة مؤكدة بقوات عمرو، كما أن سقوط المدن المحيطة ببيت المقدس كان له أثره السلبي على معنوياتهم؛ لأنهم حرموا من الإمدادات، ولو تأتهم نجدة من هرقل، وعلموا أن عمر في طريقه إلى المنطقة، فأدركوا عندئذ أن مدينتهم لن تستطيع الاستمرار بالمقاومة، وأن سقوطها أضحى مسألة وقت، فانسحب الأرطبون مستخفيًا في قوة من الجند إلى مصر4، وتسلم البطريك العجوز صفرونيوس مقاليد الأمور في المدينة، فأصلح استحكاماتها، وشحذ همم سكانها في محاولة أخيرة للصمود، وأجبرهم الحصار الطويل الذي استمر أربعة أشهر على البقاء داخل أسوار مدينتهم، لكن القتال بين الطرفين لم يتوقف خلال تلك المدة.

وعرض أبو عبيدة على البطريك ثلاثة شروط هي: اعتناق الإسلام أو استسلام المدينة، ودفع الجزية أو تدمير المدينة5، كان اعتناق الإسلام بالنسبة إلى سكان بيت المقدس آنذاك أمرًا صعبًا بل مستحيلًا، كما أن التجربة التي مرت بها المدينة قبل نحو خمسة وعشرين عامًا حين دمرها الفرس، جعلت المقاومة للقوات الإسلامية المحاصرة، ومن ثم تعريض الأماكن المقدسية للدمار، أمرًا مرفوضًا أيضًا، لذلك اختار البطريرك استيلام المدينة على أن يسلمها إلى عمر، وكان قد علم بنزوله في

1 الواقدي: ج1 ص229.

2 الطبري: ج3 ص608.

3 المصدر نفسه: ص604.

4 المصدر نفسه: ص608.

5 الواقدي: ج1 ص231.

ص: 272

الجابية، وقد رأى في الاستسلام حماية للمدينة، ولأماكنها المقدسة من الدمار من ناحية، ومنع سقوطها في أيدي اليهود المناوئين له من ناحية أخرى1.

صلح بيت المقدس:

تتباين روايات المصادر التاريخية التي تتحدث عن اتفاق، ولا بد لنا من أن نذكر شيئًا عن الأسلوب الذي يختاره المرء لكي يفسر تلك الروايات؛ لأن البحث فيها هو جزء مهم في فهم مضمون العهدة العمرية، وهي وثيقة الصلح التي أعطيت إلى سكان بيت المقدس، والعصر الذي دونت فيه، ويمكن تصنيف روايات المصادر إلى قسمين: قسم لا يذكر نصًا للمعاهدة وإنما يذكر فحواها بالأسلوب السردي، وقسم يذكر نص المعاهدة.

القسم الأول: إن أسبق روايات هذا القسم ما رواه الواقدي، والبلاذري ثم ابن الأثير وأبو الفدا، فقد روى الأول روايتين بشأن الصلح، فقال في الأولى: إنه لما قدم عمر إلى بيت المقدس، ونظر إليه أهلها، وتأكدوا أنه هو "وكانوا قد ضاقت أنفسهم من الحصار، ففتحوا الباب وخرجوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه العهد والميثاق، والذمة ويقرون له بالجزية، ثم نزل إليهم وقال: ارجعوا إلى بلادكم ولكم الذمة، والعهد إذ سألتمونا وأقررتم بالجزية"2، وروى في الثانية:"وارتحل عمر من بيت المقدس بعد أن كتب لأهلها كتابا أي عهدًا، وأقرهم في بلادهم على الجزية"3.

وروى الثاني أيضًا روايتين، ذكر في الأولى:"ثم طلب أهل إيلياء من أبي عبيدة الأمان، والصلح على مثل ما صولح عليه أهل مدن الشام من أداء الجزية، والخراج والدخول فيما دخل فيه نظراؤهم على أن يكون المتولي للعقد لهم عمر بن الخطاب نفسه، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، فقدم عمر فنزل الجابية من دمشق، ثم صار إلى إيلياء فأنفذ صلح أهلها، وكتب لهم به"4.

وذكر في الرواية الثانية أن بيت المقدس سلمت إلى ابن ثابت الفهمي، وهو قائد مغمور، بشرط صريح وهو أن تكون المناطق الواقعة خارج المدينة في أيدي المسلمين، أما المدينة نفسها فلا يطالها أذى ما دام أهلوها يدفعون الجزية المفروضة عليهم، ويضيف أن عمر كان في المدينة المنورة وقت سقوط بيت المقدس، وأنه

1 ساهاس: ص63.

2 الواقدي: ج1 ص242.

3 المصدر نفسه: ص244.

4 البلاذري: ص144.

ص: 273

زارها بعد وقت قصير من فتحها عندما جاء إلى الجابية1، وأشار كل من الثالث، والرابع إشارة عابرة إلى فحوى الصلح2.

القسم الثاني: تنقسم روايات هذا القسم إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: روت مصادرها نصوص المعاهدة بين عمر بن الخطاب، وأهل بيت المقدس لكنها جاءت مختصرة، ولا تختلف في مضمونها عن روايات القسم الأول اختلافًا جوهريًا، وهي على مثل صلح دمشق والمدن الشامية الكبرى. ويذكر في هذه الفئة كلًا من اليعقوي، وسعيد بن البطريق.

فقد ذكر الأول أن عمر كتب إلى أهل إيلياء كتابًا جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب كتبه عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس، إنكم آمنون على دمائكم، وأموالكم وكنائسكم لا تسكن، ولا تخرب إلا أن تحدثوا حدثًا عامًا، وأشهد شهودًا"3.

وروى الثاني: "بسم الله، من عمر بن الخطاب لأهل مدينة إيلياء، أنهم آمنون على دمائهم، وأولادهم وأموالهم، وكنائسهم ألا تهدم ولا تسكن، وأشهد شهودًا"4.

الفئة الثانية: إن روايات هذه الفئة طويلة، وذات قيود جديدة وتتناول الوجود اليهودي في بيت المقدس، وتمثل هذه الفئة رواية الطبري، أما النص فهو: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله بن عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها؛ أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه، وماله حتى يبلغوا مأمنهم؛ ومن أقام منهم فهو آمن؛ وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه، وماله مع الروم، ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى وبيعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم؛ ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعدوا

1 البلاذري: ص144، 145.

2 ابن الأثير: ج2 ص330، أبو الفداء: المخصتر في تاريخ البشر ج1 ص160.

3 التاريخ اليعقوبي: ج2 ص37.

4 التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق ص16.

ص: 274

عليه مثل ما على أهل أيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم؛ وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذين عليهم من الجزية، يشهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة"1.

الواضح أن نص الطبري يتوافق مع نصوص روايات الفئة الأولى في إعطاء أهل بيت المقدس الأمان لأنفسهم، وأموالهم وكنائسهم، إلا أنه يزيد المعنى إيضاحًا وتفصيلًا بعبارات، وقيود جديدة لم ترد في النصوص السابقة، ويمكن رصد القيود الجديدة التالية:

1-

اشتراط أهل بيت المقدس على عمر ألا يسكن معهم في القدس أحد من اليهود.

2-

تنظيم إقامة الموجودين في بيت المقدس، أو خروجهم منها، وقد تمثل هذا في:

أ- اشتراط المسلمين على أهل بيت المقدس الأصليين أن يخرجوا منها الروم واللصوص.

ب- منح أهل بيت المقدس حرية البقاء فيها، أو الخروج منها مع الروم.

ج- منح بقية الموجودين في بيت المقدس من سائر الأجناس حرية البقاء فيها بحيث يطبق عليهم ما يطبق على غيرهم من شروط الصلح، أو الخروج منها.

3-

جاء نص الصلح عند الطبري مؤرخًا بسنة خمس عشرة2.

إن قراءة متأنية لهذه الزيادات، والقيود تطلعنا على المعلومات التالية:

- إن اشتراط أهل بيت المقدس ألا يسكن معهم بها أحد من اليهود لم يتأيد بروايات أخرى، ويبدو أنه مناف للواقع، إذ لم يؤثر عن عمر بن الخطاب أنه أخرج اليهود من بيت المقدس، أو منعهم من السكن فيها، وأن الإشارة الواضحة إلى إقصاء اليهود عنها في الاتفاق تدل على أن النصارى أرادوا أن تظل بيت المقدس مدينة نصرانية، وتذكر معظم المصادر أن أهالي بيت المقدس، والمفهوم أنهم نصارى لعدم وجود حضور يهودي فاعل آنذاك في بيت المقدس، قد عقدوا اتفاقًا مع المسلمين.

1 تاريخ الرسل والملوك: ج3 ص609.

2 القضاة، زكريا: معاهدة فتح بيت المقدس -العهدة العمرية- مقال في كتاب بلاد الشام في صدر الإسلام، المؤتمر الدولي الرابع لتاريخ بلاد الشام، ص275، 276.

ص: 275

ويذكر اليعقوبي في هذا الصدد: "واختلف القوم في صلح بيت المقدس، فقالوا: صالح اليهود، وقالوا: صالح النصارى، والمجمع عليه النصارى"1، والراجح أن روايات يهودية دخلت في أخبار التاريخ الإسلامي قادها كعب الأحبار لإثبات الحضور اليهودي ليس في فتح بيت المقدس فحسب، بل وفي فتوح بلاد الشام أيضًا، ويفهم من مواقف الطرفين أن كلًا منهما نظر إلى المسلمين على أنهم وسطاء بينهما، فحاول استغلال الفتح الإسلامي، ونظر إليه، وكأنه خير وفرصة يستغلها، ويستخدمها لحماية نفسه ولخلاصه، فخلاص النصارى الوطنيين من الروم البيزنطيين، واليهود من النصارى بعامة، الشرقيين منهم والغربيين، والمعروف أن اليهود في بلاد الشام يكنون البغضاء للبيزنطيين، وقد بلغت ذروة التباغض بينهما في عهد هرقل الذي حرم على اليهود السكن في بيت المقدس، وثار هؤلاء ضد الحكم البيزنطي في عدة أماكن، منها أنطاكية وصور لذلك تعاون اليهود مع الفرس في الماضي، واتفقوا مع الأرمن، والنساطرة القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح، على التعاون معهم أيضًا وتسليم المنطقة للفرس، وقد حققوا هذا الأمر، لقد كان رد الفعل اليهودي تجاه الفتح الإسلامي إيجابيًا من حيث أنه قضى على حكم البيزنطيين في فلسطين، وأن ما ورد في بعض نصوص النبوءات اليهودية يكشف عن ذلك بجلاء2.

- إن اشتراط عمر على أهل بيت المقدس أن يخرجوا منها الروم، واللصوص، جاء بعبارة يكاد ينفي آخرها أولها، إذ إن أول الرواية يفيد بوجود إخراج الروم، إلا أنها تخيرهم، بعد ذلك، بين الخروج، أو الإقامة مع أداء الجزية3.

- إن إعطاء الأجناس الأخرى حرية البقاء، ودفع الجزية أو مغادرة المدينة، جاء بعبارة لا يمكن معها التنفيذ إذ قال:"ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان"، هكذا بصيغة المجهول دون ذكر اسم فلان هذا، أو ما يدل عليه أو تاريخ مقتله، ولما لا يمكن تحديد من ينطبق عليهم هذا الوصف، فلا يمكن التنفيذ، ويستحيل أن يكون هذا نصًا في معاهدة ملزمة4.

1 تاريخ اليعقوبي: ج2 ص37.

2 انظر: Lewies، Bernard: An Apocalyptic Vision of Islamic History -in Bulletin of the School of Oriental and African Stuies 1950 يناقش برنارد لويس: النبوءة المسماة "أسرار الحاخام سمعان بن يوحاي، وانظر للمؤرخ نفسه: On that day: A Jewish Apocalyptic poem on the Arab Conquest -Ledien 1974، حيث يناقش نبوءة يهودية باسم "في ذلك اليوم"، والمعروف أن هذا المؤرخ هو يهودي، وعرف بدفاعه الشديد عن اليهودية.

3 القضاة: ص276.

4 المرجع نفسه.

ص: 276

- إن تحديد تاريخ الصلح بسنة خمس عشرة أمر لو صح لقطع الخلاف في تاريخ فتح بيت المقدس، والمعروف أن الخلاف في تاريخ الفتح كان قبل الطبري واستمر بعده، والمعروف أيضًا أن المسلميم لم يبدأوا التاريخ الهجري إلا سنة ست عشرة، وبناء عليه فلا يمكن أن تؤرخ وثيقة قبل هذه السنة بالتاريخ الهجري مما يدل على أن هذا التاريخ ملحق بالوثيقة، وليس أصليًا فيها1.

والجدير بالذكر أن جميع روايات المصادر السابقة تتفق على تحديد طرفي العقد بـ عمر بن الخطاب، وأهالي بيت المقدس، وأن العهد بين الطرفين عقد في الجانبية مكان نزول عمر.

الفئة الثالثة: رواية المصادر اليونانية التي نشرتها البطريركية الأرثوذكسية في القدس في عام 1952م، وهي مؤرخة في العشرين من شهر ربيع الأول عام 15هـ، تعد هذه الوثيقة من أبرز النصوص التي تناولها التغيير والزيادة، وهي على طولها تعكس الأسلوب الكنسي في الكتابة الذي يبدو واضحًا، وتركز على الصلة الشخصية بين عمر بن الخطاب، والبطريرك صفرونيوس، وكلاهما رجل تقوى وصلاح، وأن لهذه الصلة ارتباطًا كبيرًا باستسلام المدينة، وتسليمها والمسلك الذي رافق التسليم، إذ عندما قرر البطريرك الاستسلام، وتسليم المدينة إلى عمر نفسه، أرسل إليه رسالة بهذا المعنى، وكان في الجابية، ودعاه للقدوم، وعندما تسلم عمر الرسالة توجه من فوره إلى بيت المقدس، وخيم عند جبل الزيتون، وهناك اجتمع بالبطريرك حيث وقعت وثيقة استسلام بيت المقدس، وتقدم عمر بعدها لدخول المدينة.

سأكتفي بعض أهم نقاط الصلح كما وردت في النص، مستشهدًا بالكثير من عباراته2:

- أعطى عمر بن الخطاب عهدًا للبطريرك صفرونيوس بالأمان "للرعايا والقسوس، والرهبان والراهبات حيث كانوا، وأين وجدوا"، والواقع أن هذا ما جرى عليه المسلمون في معاملتهم لأهل الذمة.

- أعطى عمر بن الخطاب الأمان "عليهم وعلى كنائسهم، ودياراتهم وكافة زياراتهم التي بيدهم داخلًا وخارجًا، وهي القمامة وبيت لحم، ومولد عيسى عليه السلام كنيسة الكبرا، والمغارة ذات الثلاثة أبواب، قبلي وشمالي وغربي"، وهذا أيضًا ما جرى عليه المسلمون في معاملتهم لأهل الذمة.

1 القضاة: ص276.

2 انظر النص الكامل للوثيقة عند ساهاس ص73-76، والمرجع نفسه: ص277 هامش رقم 23.

ص: 277

- يكون "بقية أجناس النصارى الموجودين هناك، وهم الكرج والحبش، والذين يأتون للزيارة من الإفرنج والقبط، والسريان والأرمن والنساطرة، واليعاقبة والموارنة، تابعين للبطريرك المذكور، ويكون هو متقدمًا عليهم".

يعد هذا النص بالغ الإيجابية، والقوة في يد صفرونيوس ومن يأتي بعده؛ لأنه أعطى بطريرك بيت المقدس الرسولي اليد العليا على سائر النصارى من مقيمين وزوار، وجعل له السلطان عليهم، وقد يلقي ذلك ضوءًا على أنه وضع لاحقًا لوضع حد للخلافات المذهبية على الرئاسة الروحية لكنيسة القيامة، ثم نسب إلى عمر بن الخطاب لإكسابه أهمية، واستعماله حجة على أن الرئاسة للطائفة الأرثوذكسية على مر الأيام.

- إعفاء نصارى بيت المقدس من دفع "الجزية والغفر1، والواجب من كافة البلايا في البر والبحور، وفي دخلوهم للقمامة وبقية زياراتهم لا يؤخذ منهم شيء"، ويعد هذا النص وثيقة مهمة في يد سكان بيت المقدس الأصليين، لقد استثناهم من دفع الجزية، ذلك الحكم الذي جرى عليه عمل المسلمين في سائر فتوحهم، والملاحظ أننا لم نجد أي رواية تاريخية تستثني نصارى فلسطين بعامة، وبيت المقدس بخاصة من دفع الجزية، مما يفسر على أنه وضع لاحقًا لتمييز سكان بيت المقدس عن النصارى بعامة.

- "وأما الذين يقبلون إلى الزيارة إلى القمامة، يؤدي النصراني إلى البطرك درهم وثلث من الفضة"، لقد أعطي هذا النصر البطريرك، ومن خلاله نصارى بيت المقدس، الملكية المطلقة للأماكن المقدسة في المدينة وما يجاورها، وأذن لهم بجبابة درهم، وثلث من الفضة من كل نصراني يزور كنيسة القيامة، والراجح أن هذا النص وضع لاحقًا أيضًَا لقطع الخلافات المذهبية على الرئاسة الروحية لكنيسة القيامة.

ويذكر بأن هذه الرواية خالية من أي إشارة إلى اليهود، أما تاريخ توقيع العهدة العمرية، فهو شهر "محرم 17هـ/ شباط 638م"2.

هل تدل هذه الامتيازات على أن عمر بن الخطاب ائتمن النصارى للحفاظ على حرمة الأماكن المقدسة؛ لأنهم كانوا الأكثر عددًا بين سكان المدينة، والأكثر تجانسًا؟

لا شك بأن العهدة العمرية أظهرت كرمًا بالغًا مع النصارى لم يتهيأ لهم في التاريخ، ولم يكن لهم رجاء في مثله، وهي في حد ذاتها ظاهرة ملفتة، ومميزة في العلاقات المتبادلة بين الأديان، وتكشف لنا جوانب مهمة عن طبيعة التفاهم بين

1 وردت في المصادر اليونانية Kafar.

2 البلاذري: ص114، 145.

ص: 278

المسلمين والنصارى، ونوع العلاقات بينهما في تلك الحقبة من الزمن1.

وأيًا كان أمر العهدة العمرية، وعلى الرغم من التباين في نصوص روايات المصادر وألفاظها، فمن المؤكد أن لها صلبًا تاريخيًا، وأن فحوى الروايات تتفق على سماحة المسلمين، ورعايتهم للحرمات الدينية بما يتفق مع السياق العام للمعاهدات الإسلامية مع أهل الذمة2.

دخول عمر إلى بيت المقدس:

دخل عمر بن الخطاب، وأصحابه إلى بيت المقدس بعد عقد الصلح، ورافقهم البطريرك صفرونيوس يدلهم على آثارها، وأماكن الحج فيها، ثم دخلوا كنيسة القيامة، وجلسوا في رواقها، وهو ردهة مسقوفة أمام مدخلها الرئيسي، وأدرك عمر وقت الصلاة، فطلب البطريرك منه أن يصلي بها فهي من مساجد الله. والواضح أن البطريرك فهم حاجة عمر إلى الصلاة، ورأى، وهو المتزهد، أن أي مكان يصلح للصلاة، لذلك عرض عليه أن يصلي في رواق الكنيسة حيث كانا يجلسان، أو في داخل الكنيسة نفسها، لكن عمر اعتذر بأنه إن يفعل سوف يتبعه المسلمون على تعاقب القرون إذ يرون عمله سنة مستحبة، فإذا فعلوا فإنهم سوف يضعون يدهم عليها، ويحرمون النصارى منها، ويخالفون عهد الأمان. واعتذر عن الصلاة في كنيسة قسطنطين المجاورة للسبب نفسه، ثم خرج إلى درجات بوابة الجهة الشرقية من هذه الكنيسة الثانية، إلى جانب طريق "كاردو مكسيموس" المزدحم وصلى منفردًا، ثم أعطى عهدًا للنصارى ألا يصلي المسلمون على عتاب الكنائس جماعة، ولكن فرادى وألا يجتمعوا هنا لصلاة جماعية، وألا يدعوهم إلى صلاة الجماعة مؤذن، كانت هذه البادرة تعبر عن رغبة كريمة، وجدت في ظروف خاصة، ومهما يكن من أمر، فقد بنى المسلمون لاحقًا مسجدًا في المكان الذي صلى فيه عمر، وسموه باسمه، فهو مسجد عمر أو جامع عمر، ولما كانت ظروف الاستسلام قط أعطت النصارى عهد أمان في أداء صلواتهم في كنائسهم، فإنه من المحتمل أن منطقة الهيكل كانت تستعمل كمكان يؤدي فيه المسلمون صلواتهم عند البداية، وشيد المسلمون في هذا المكان، من بعد، مسجدًا هو المسجد الأقصى3.

وتذكر بعض المصادر أن عمر اصطحب معه اليهود الذين دلوه على المكان

1 ساهاس: ص76.

2 القضاة: ص283.

3 الطبري: ج3 ص611، دائرة المعارف الإسلامية: ج26 ص8099.

ص: 279

الحقيقي للهيكل الذي كان النصارى قد طمسوه عن قصد، فأمر بإزارة ما عليه، واقترح كعب الأخبار، وكان يهوديًا فأسلم، على عمر أن يصلي خلف الصخرة المقدسة، حتى يكون بوضعه هذا مستقبلًا القبلتين، فرفض عمر ما أشار عليه حتى يتجه المسلمون في صلاتهم نحو الكعبة فقط؛ لأنها قبلة المسلمين في كتاب الله، ولعل إبراز دور اليهود هنا جرى من واقع محاولاتهم التدخل في روايات التاريخ الإسلامي بعامة، وروايات فتوح بلاد الشام بخاصة، وإعادة إحياء معالمهم الدينية في بيت المقدس بعد أن طمسها النصارى1.

وزار عمر بعد ذلك كنيسة المهد في بيت لحم، ولما أدركه وقت الصلاة صلى بها، ثم إنه خشي أن يتخذ المسلمون من صلاته سنة، فيخرجوا أصحابها منها، فكتب للبطريرك عهدًا خاصًا يجعل هذه الكنيسة للنصارى، ويحدد دخول المسلمين إليها بشخص واحد في كل مرة.

وبعد أن مكث في بيت المقدس عشر أيام2، عاد عمر مع قادة جيشه إلى الجابية لاستكمال مناقشاته، ومشاوراته في شئون المسملين، وتنظيم ما تم فتحه من بلاد الشام.

صلح اللد:

انتشر صلح بيت المقدس في المناطق المجاورة، وبفعل ما حصل عليه النصارى بموجبه من امتيازات، تسابقت قرى المناطق في الحصول على صلح مماثل في شروطه، وقد ظفر أهل اللد من عمر بكتاب جرى عليهم، وعلى البلاد التي دخلت من بعد معهم فيه، فأعطاهم أمانًا على أنفسهم، وأموالهم وكنائسهم وصلبهم سقيمهم، وبريئهم وسائر ملتهم، وألا يكرهوا على دينهم، ولا يضار أحد منهم على أن يعطوا من الجزية ما يعطي أهل مدائن الشام3.

فتح قيسارية:

الواقع أن عمليات فتح قيسارية، بدأت حين حاصرها عمرو بن العاص في "جمادى الأولى 13هـ/ تموز 634م"، لكنه لم يتمكن من فتحها؛ لأن الحصار كان متقطعًا، فكان عمرو يقيم عليها ما أقام، فإذا كان المسلمين اجتماع في أمر عدوهم

1 الطبري: ج3 ص608، 611، الواقدي: ج1 ص242.

2 الواقدي: المصدر نفسه.

3 الطبري: ج3 ص609، 610.

ص: 280

سار إليهم، فشهد أجنادين وفحل -بيسان، ومرج الصفر ودمشق واليرموك، ثم عاد إلى فلسطين واشترك في فتح بيت المقدس، ثم ذهب إلى مصر بعد ذلك. وأرسل عمر بن الخطاب إلى يزيد بن أبي سفيان بأن يبعث أخاه معاوية لفتحها بهدف إضعاف الجبهة البيزنطية، ومنع البيزنطيين من مساعدة سكان بيت المقدس المحاضرين آنذاك، وتولى يزيد حصار المدينة بعد فتح بيت المقدس لكنه مرض أثناء الحصار، فاستخلف عليها أخاه معاوية، وعاد إلى دمشق حيث توفي بها في عام "18هـ/ 639م" متأثرًا بإصابته بطاعون عمواس1.

وشدد معاوية الحصار عليها، وجرت مناوشات بين الجيش الإسلامي، وحاميتها لم تسفر عن أي تغيير في الوضع الميداني، ويبدو أن البيزنطيين أرادوا الاحتفاظ بهذه المدينة موطئ قدم لهم على ساحل بلاد الشام الجنوبي، لذلك استماتوا في الدفاع عنها، ولم يتمكن معاوية من فتحها إلا بمساعدة اليهود، ففي إحدى ثوراتهم على الحكم البيزنطي، ثار اليهود في قيسارية، فأرسل هرقل أخاه ثاودووس، فأخضع الثورة وقتل معظم من فيها من اليهود وفر من نجا، كان لهذه الحادثة أثرها الإيجابي على عملية الفتح، فبفعل العداء التقليدي بين اليهود والبيزنطيين، جاء رجل يهودي يدعى يوسف إلى معسكر معاوية، ودله على نفق يصل إلى بوابة القلعة داخل المدينة، فتسللت مجموعة من المقاتلين عبر ذلك النفق، وفتحوا البوابة فدخل منها الجيش الإسلامي، فوجئ البيزنطيون عندما رأوا الجنود المسلمين داخل المدينة، وتولاهم الذعر، ولما أرادوا الفرار عبر النفق، وجدوا جنود المسلمين عليه، فقتل معظمهم، وكان فتحها في شهر "شوال 19هـ/ تشرين الأول 640م"2.

استكمال فتح الأردن:

استكمل شرحبيل بن حسنة فتح الأردن، وكان قد دخل أكثره في طاعة المسلمين إثر معركة فحل -بيسان، ففتح سوسية وأنيق وجرش، وبيت رأس والجولان وغلب على سواده، وجميع أرضه.

محاولة فتح أرمينية:

يرتبط فتح أرمينية بالفتح الإسلامي لشمالي بلاد الشام وإقليم الجزيرة، والواقع أن أرمينية البيزنطية لم تكن هدفًا للمسلمين عندما خرجوا من جزيرتهم، ولكنها أضحت

1 البلاذري: ص146.

2 المصدر نفسه: ص146، 147.

ص: 281

خريطة فتوح المسلمين نهاوند.. وما وراء النهر

ص: 282

مهمة في سياستهم التوسعية بعد وصولهم إلى أطرافها، وذلك من أجل حماية مكتسباتهم المنجزة، ومنع وقوع هجمات قد تنطلق منها، ومن جهة أخرى، لم يكن بوسع بيزنطية أن تفرط بهذه البلاد بعد أن خسرت ممتلكاتها في الجنوب، وذلك لعدة أسباب لعل أهمها:

- إن أرمينية غنية بمواردها المعدنية، والأخشاب والقوة البشرية التي تغذي الإمبراطورية.

- جعلت الفتوح الإسلامية، الأرمن، أكثر أهمية للبيزنطيين عن ذي قبل.

- تسيطر أرمينية على بعض الطرق التجارية الرئيسة التي تربط القسطنطينية بالتجارة الشرقية، ويمكن إدراك هذه الأهمية التجارية بالنسبة لبيزنطية بعد خسارتها بلاد الشام، وإقليم الجزيرة.

- كان الأرمن حلفاء طبيعيين لهرقل ولأسرته، وقد منحهم دورا مهمًا في حملاته ضد المسلمين.

- لقد جمعت البيزنطيين والأرمن مصلحة سياسية مشتركة، وهي الدفاع عن مواقع عسكرية "استراتيجية" في أطراف شمالي بلاد الشام، بالإضافة إلى إقليم الجزيرة، وهو المجال الحيوي لأرمينية، هذا على الرغم من الاختلاف الديني بين الكنيستين البيزنطية، والأرمينية الذي أثر بشكل، أو بآخر على العلاقات بين الطرفين.

ومهما يكن من أمر، فقد أطل المسلمون على الربوع الأرمينية بعد أن دان لهم إقليم الجزيرة الفراتية، وحفلت خلافة عمر بن الخطاب بحملتين كبيرتين قام بهما المسلمون ضد بلاد الأرمن، لفتحها.

قاد الحملة الأولى عياض بن غنم بن عامي "19-20هـ/ 640-641م"، فدخل أرمينية من الجنوب الغربي حتى بلغ بدليس، وأغار على مقاطعتي جولتين الواقعة في منطقة جولقا التابعة لولاية سيونيك، وناختشيفان، فعبر نهر الرس عند مخاضة جولقا، ومر بالأرتاز عند قاسبوراكان، ووصل إلى كوجوفيت حيث كان يعسكر القائدان البيزنطي، بروكوبيوس والأرميني تيودور الرشتوني الذي برز في خدمة الدولة البيزنطية، فاصطدم بهما كل على حدة، مستغلًا اختلافهما حول كيفية التصدي له، فكمن تيودور الرشتوني للمسلمين بالقرب من مضيق ساراتكين، غير أنه تعرض للهزيمة، وانسحب إلى مدينة جارني على الرغم من أنه سلبهم بعض الغنائم، ولما حاول بروكوبيوس بدوره مهاجمتهم تعرض لهزيمة قاسية1.

1.Grousset. R: Histoire de L'Armenie p296

ص: 283

وقاد الحملة الثانية في عام "21هـ/ 642م" اثنان من خبرة قادة المسلمين هما حبيب بن مسلمة، وسليمان بن ربيعة الباهلي، فهاجما حدود أرمينية من الشمال الشرقي، لكن الجيش الإسلامي الذي كان مكونًا من أربع فرق حيث يقود كل قائد فرقتين، واجه مقاومة عنيفة، ومع ذلك فقد دخل المسلمون إلى مدينة دوين عاصمة بلاد الأرمن في "7 ذي القعدة 21هـ/ 6 تشرين الأول 642م"، إلا أنهم لم يستقروا فيها بسبب الضغط الأرميني، وغادروها بعد أن غنموا مقادير هائلة من الغنائم، وحملوا معهم كثيرًا من الأسرى، وطارد تيودور الرشتوني الجيش الإسلامي أثناء خروجه من المنطقة في محاولة لاستعادة الغنائم والأسرى، وكمن له عند نهر كوجوفيت، إلا أنه فشل في مهمته1.

كان من الطبيعي، تجاه المقاومة العنيفة التي واجهها المسلمون، أن تنتهي هاتان الحملتان دون نتيجة إيجابية من واقع الفشل في فتح البلاد، والاستقرار في الربوع الأرمينية.

فتح الباب:

كان طبيعيًا أن يتابع المسلمون زحفهم باتجاه شمال فارس حتى يقضوا على كل مقاومة، وكان على بحر قزوين، إلى جانب أذربيجان، فرصة يقال لها: الباب أو باب الأبواب، إنها دربندشروان، وتقع على الساحل الغربي للبحر المذكور، وقد بنيت وسط طرق جبلية ملتوية ومحصنة، وأصاب ماء البحر حائطها، وفي وسطها مرسى السفن، وقد بني على حافتي البحر سدان، وجعل المدخل ملتويًا، وعلى هذا الفم سلسلة ممدودة، فلا مخرج للسفن، ولا مدخل إلا بإذن2.

كان يحكم الباب شهربراز، وهو مجوسي وتابع لحكومة فارس، فأرسل عمر بن الخطاب سراقة بن عمرو الأنصاري إلى الباب، وأمره بفتح المنطقة والتوغل فيها، فأرسل هذا عبد الرحمن بن ربيعة كطليعة، ثم خرج في أثره، وانضم إليه بكير بن عبد الله الليثي، وأمد عمر المسملين بحبيب بن مسلمة من الجزيرة.

وعندما اقترب عبد الرحمن من المدينة، شعر شهربراز بالخطر، وحتى يتجنب كارثة مؤكدة طلب الصلح، فأجابه عبد الرحمن وارسله إلى سراقة، وعرض أن يساعد المسلمين في صد الحملات الخارجية التي يقوم سكان المنطقة الأتراك مقابل إسقاط الجزية عنه وعن شعبه، فقبل سراقة منه ذلك، وأضحت هذه الظاهرة سنة

1.Grousset: pp297، 298

2 الحموي: ج1 ص303-306.

ص: 284

فيمن يحارب مع المسلمين، وكتب سراقة بذلك إلى عمر فأجازه1.

توجه سراقة بعد أن فرغ من الباب إلى الجبال المحيطة بها، فرضي سكانها بدفع الجزية دون قتال باستثناء موقان التي قاومت في بادائ الأمر قبل أن تستسلم. وتوفي سراقة في هذه الأثناء، وخلفه عبد الرحمن بن ربيعة، فأمره عمر بغزو الترك2، فسار بجيشه حتى اجتاز منطقة الباب، وغزا بلنجر3، لكن المسلمين لم يتمكنوا من فتح هذه البلاد الشمالية في هذا الوقت4.

1 الطبري: ج4 ص155-157.

2 المصدر نفسه: ص157، 158.

3 بلنجر: مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب، الحموي: ج1 ص489.

4 الطبري: ج4 ص157، 158.

ص: 285