الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان من رأي عمر أن يستقر المسلمون في حمص حتى نهاية الحول قبل أن ينطلقوا نحو الشمال، لذلك استدعى أبو عبيدة ميسرة1، ووزع قواته على مختلف نواحي بلاد الشام لضبط أمورها بعد أن استتب الوضع الميداني للمسلمين، وليعطوا سكان البلاد طابع الدولة الجديدة، واستقر هو في حمص وأرسل خالدًا إلى دمشق ليقيم بها، وكلف عمرو بن العاص أن يقيم في فلسطين.
وهكذا أمر عمر أن تتوقف حركة الفتوح في بلاد الشام ذلك العام، ولعل ذلك علاقة بالمدى الذي وصلت إليه الأوضاع العسكرية على الجبهة الفارسية، حيث كان سعد بن أبي وقاص يستعد للاصطدام بالفرس في القادسية، فرأى عمر أن يركز جهوده على هذه الجبهة، ثم يرى رأيه بعد ذلك.
1 الأزدي: ص146، كمال: ص398-400.
معركة اليرموك
1:
استعدادات التجهيز من جانب البيزنطيين:
لم يصمد البيزنطيون في بعلبك، ولم يدافعوا دفاعًا جادًا عن حمص، فاتسع الخرق على هرقل بعد سقوط عدد من المدن الصغرى والكبرى، فكان ذلك بمثابة التحدي للإرادة البيزنطية، غير أن الإمبراطور البيزنطي، العسكري المحترف، لم يدع الهزائم تدفعه إلى اليأس والتراجع، ولم يفقد الأمل في تحقيق انتصار على المسلمين يعيد إليه هيبته، ومكانة الإمبراطورية، ويجلي هؤلاء عن بلاد الشام، فاستجاب لهذا التحدي، وكان قد انهمك بعد أجنادين، وسقوط دمشق، وبعلبك وحمص، في إعادة تشكيل قواته، وتكثيفها على نحو يطمئن معه إلى تعديل الموقف في بلاد الشام لمصلحة البيزنطيين، فراح يتنقل بين الجزيرة، وأرمينية وأنطاكية يجند المتطوعين، وكتب إلى عماله أن يحشدوا كل من أدرك الحلم من سكان الإمبراطورية، كما دعا
1 اليرموك: واد بناحية الشام في طرف الغور يصب في نهر الأردن، ثم يمضي إلى البحر الميت، واليرموك سهل يقع بين بحيرة طبرية غربًا، ووادي اليرموك جنوبًا وجبل العرب شرقًا، ومنطقة القنيطرة شمالًا، ويشكل من الناحية الجغرافية المنطقة الأكثر انفتاحًا على هذا السهل واتصالًا به، إذ إنه محاط من الجهتين الغربية، والجنوبية بمنحدرات حادة، حيث يحده من الغرب وادي الرقاد الذي يتصل بنهر اليرموك عند الواقوصة، ثم بحيرة طبرية الواقعة عبر هذا السهل، والتي تشكل حاجزًا طبيعيًا بينه، وبين غربي بلاد الشام، الحموي: ج5 ص434، سويد: ص279-289.
خريطة تعديل أوضاع الروم والمسلمين على اليرموك
سكان العاصمة، القسطنطينة بالتطوع للقتال، ولم يكتف بذلك، بل كتب إلى رومة عاصمة الإمبراطورية الرومانية الغربية يطلب نجدة عاجلة تساعده على التخلص من موقفه العصيب، إلا أنه واجه عدة صعاب في جمع فلول جيوشه، وتجنيد أعداد من المرتزقة والأرمن، وبعض نصارى العرب في الوقت الذي كان يعاني من نفاد المال، والإرهاق الشديد، بعد الجهد الذي بذله بصورة متواصلة طوال أربعة عشر عامًا منذ خروجه في عام 622م من القسطنطينية.
وبعد جهد سريع، استطاع أن يجمع جيشًا يفوق تعداده مائة ألف مقاتل1، وضم:
- وحدات بيزنطية نظامية، وطبيعي أنها تتألف من مقاتلين غير عرب.
- فرقًا من أنطاكية وقنسرين وحلب، وأغلب الظن أنهم من السكان الوطنيين غير العرب، والذين كانوا على النصرانية.
- اثني عشر ألف مقاتل من رجال القبائل العربية المنتصرة المقيمة في بلاد الشام بقيادة الأمير الغساني جبلة بن الأيهم، وبينهم مقاتلين من لخم وجذام، والقين وبلي، وعاملة بالإضافة إلى غسان، وقبائل أخرى من قضاعة، والمعروف أن المعركة وقعت في منطقة كانت تابعة للغساسنة، وأن هؤلاء لم يرضوا عن سيطرة المسلمين عليها، ومن ثم فقد كانوا مشاركين مهمين في المعركة، وعين على هذا الجيش قائدًا أرمينيًا هو باهان كان يدين بالنصرانية، وانخرط في الجيش البيزنطي.
وواضح من كل ما سبق أن الرابطة التي كانت تؤلف بين أفراد هذا الجيش هي:
- الهوية البيزنطية كهوية سياسية.
- النصرانية كانتماء ديني2.
وأحاط الحملة بهالة من الضخامة والدعاية، مما جعلها تتخذ طابعًا صليبيًا.
وضع هرقل خطته العسكرية على أساس ضرب كل قائد من قادة المسلمين
1 تبالغ روايات المصادر حين تجعل العدد مائتي ألف مقاتل أو يزيد؛ لأنه من الواضح أن أي قوة مقاتلة تضارع هذا الرقم سوف يصبح من العسير قيادتها، وتحريكها في مثل هذا المناخ الحار في ذلك الإقليم مع نقص في الموارد الغذائية، والماء ضمن الوسائل المحدودة المتوفرة في ذلك الوقت، كذلك، فإن مسألة الإحصاءات في التاريخ لا تبعث على الثقة في الغالب، فهي تخضع عادة لتقدير سريع وغير دقيق، انظر: البلاذري: ص140، الطبري: ج3 ص394، بيضون: ص64.
2 عاقل، نبيه: موقف سكان بلاد الشام من الفتح الإسلامي، المؤتمر الدولي الرابع لتاريخ بلاد الشام المجلد الثالث 1987 ص170.
المتفرقين في الجنوب، على حدة، فخرج الجيش البيزنطي من أنطاكية متوجهًا نحو الجنوب، حتى إذا اقترب من حمص انسحب المسلمون من أمامه، فتعقبهم حينًا، وسابقهم أحيانًا حتى استقر في أذهان أفراده أن المسلمين يريدون الانصراف عن بلاد الشام، ثم واصل تقدمه خلال وادي البقاع إلى بعلبك، ولم يتوجه بعد ذلك إلى دمشق التي تجمع فيها المسلمون، وإنما توجه نحو الحولة في حركة التفاف تستهدف تطويق هؤلاء على ما يبدو، وقطع اتصالاتهم مع الجنوب حيث سائر جيوشهم بسواد الأردن ونواحيها، ومع التفوق العددي للجيش البيزنطي يصبح هذا الوضع بالغ الخطورة.
ثم حدث أن غادر الجيش البيزنطي المنطقة، وتوجه نحو فلسطين حيث تجمع المسلمون في اليرموك بعد أن أخلوا منطقة شمالي بلاد الشام، وعسكر أفراده شرق وادي علان، أو العلك ابتداء من الضفة الشمالية لليرموك، ونحو الشمال، وانتشروا في العمق غربًا باتجاه وادي الرقاد، وامتدوا من اليرموك جنوبًا مرورًا بسحم الجولان، فتسيل حتى غرب نون شمالًا بحيث استندت مؤخرتهم على الضفة الشرقية لوادي الرقاد غربًا، واستندت ميمنتهم على الضفة الشمالية لنهر اليرموك جنوبًا، أما ميسرتهم، فظلت طليقة باتجاه الشمال، وبهذا التمركز حشروا أنفسهم بين وادي الرقاد غربًا، ووادي اليرموك جنوبًا إلا أن طريق الشمال ظلت مفتوحة أمامهم، فكانت الإمدادات تصل إليهم، عبرها، ويتصلون من خلالها بقيادتهم العليا في أنطاكية، وكانت نقطة ضعفهم أنه كان من اليسير على المسلمين الالتفاف على مسيرتهم، وسد المنفذ الوحيد الذي يصلهم بداخل بلاد الشام، وبالتالي بعاصمتهم وقيادتهم1.
استعدادات التجهيز من جانب المسلمين:
علم أبو عبيدة بواسطة الجواسيس التي بثها بين البيزنطيين بهذا الحشد الضخم، فعقد اجتماعًا فوريًا لقادته للتشاور، فتقرر أن يغادر المسلمون حمص إلى دمشق حيث يوجند خالد؛ ولأنها أقرب إلى حدود الجزيرة العربية.
كان أبو عبيدة قد استعمل حبيبًا بن مسلمة على خراج حمص، فأرسل إليه كتابًا يقول فيه: "أردد على القوم الذين صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، فإنه لا ينبغي لنا إذا لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئًا، وقل لهم نحن على ما كنا عليه فيما بيننا، وبينكم من الصلح لا نرجع فيه إلا أن ترجعوا عنه، وإنما ردنا عليكم أموالكم أنا
1 سويد: ص292، يذكر الواقدي، أن البيزنطيين نزلوا بدير يقال له: دير الجبل، وهو بالقرب من الرمادة، والجولان: ص166.
كرهنا أن نأخذ أموالكم، ولا تمنع بلادكم، ولكنا نتنحى إلى بعض الأرض، ونبعث إلى إخواننا، فيتقدموا علينا ثم نلقي عدونا فنقاتلهم، فإن أظفرنا الله بهم وفينا لكم بعهدكم إلا أن لا تطلبوا ذلك"1.
نفذ حبيب أمر أبي عبيدة ورد للقوم ما كان قد أخذه منهم من الجزية، وقد تأثر أهل حمص بهذا الموقف، وقد أشرنا إلى رد فعلهم في فصل سابق.
والواقع أن هذا التدبير لم يقتصر على أهل حمص فقط، بل شمل كافة المدن والقرى المفتوحة التي وقعت عهودًا مع المسلمين، فقد كتب أبو عبيدة إلى كافة عمالة أن يردوا الجزية التي حصلوا عليها إلى أصحابها2.
ومهما يكن من أمر، فقد أمر أبو عبيدة برحيل جيش المسلمين إلى دمشق وأخبر عمر بذلك، تألم الخليفة من رحيل المسلمين عن حمص خوفًا من البيزنطيين، وتركوا أرضًا فتحها الله عليهم، ولكنه اطمأن عندما علم أن هذا التدبير جاء عن إجماع القادة، وأمد أبا عبيدة بقوة عسكرية إضافية بقيادة سعيد بن عامر.
أزال هذا التطور العسكري على الأرض الرعب من قلوب سكان بعض الأقاليم المفتوحة، فنقضوا عهودهم مع المسلمين، وأثاروا الاضطرابات ضدهم.
وشهدت مناطق الأردن، وفلسطين ثورات عاتبة أثرت سلبًا على الوجود الإسلامي، وقد رفع عمرو بن العاص تقريرًا بذلك إلى أبي عبيدة، مما استدعى عقد اجتماع آخر للقادة قرروا فيه الخروج إلى الجابية، واستدعاء عمرو بن العاص للانضمام إليهم، ثم يتهيأون للقتال، وهكذا قرر القادة المسلمون الصمود، والمقاومة على أرض الشام3.
وفوض أبو عبيدة في هذه الأثناء سلطانه إلى خالد4، إذ كان أقدر القادة في تحمل مسئوليات المهمات الصعبة، فاختار اليرموك مركزًا لتجمع القوات، ومن الواضح أن اختيار ذلك المكان إنما جاء خشية المسلمين في ذلك الدور من عملية إنزال بحري يقوم بها البيزنطيون، الأمر الذي يجبرهم على الاحتماء بداخل البلاد، هذا فضلًا على أنه يمكنهم من الانسحاب في حال الضرورة إلى داخل الصحراء العربية، والمعروف أن قوى البيزنطيين كانت تسيطر على البحر المتوسط.
وصل المسلمون إلى اليرموك، فوجدوا البيزنطيين قد سبقوهم إليه، فنزلوا عليهم
1 البلاذري: ص143، الأزدي: ص155.
2 الأزدي: ص138.
3 المصدر نفسه: ص164-172.
4 المصدر نفسه: ص169.
بحذائهم وعلى طريقهم، إذ ليس للبيزنطيين طريق إلا عليهم1، وقد بلغ عددهم ستة وثلاثون ألف مقاتل2، والواقع أن خالدًا تمركز بجيشه قبالة البيزنطيين. غرب وادي الهرير ابتداء من الضفة الشمالية لليرموك، ونحو الشمال، وانتشر في العمق شرقًا باتجاه وادي الهرير، وامتد عسكره من تل الأشعري عند مجرى اليرموك جنوبًا حتى غرب جلين، فشرق سحم الجولان، وتسيل ونوى شمالًا؛ بحيث استندت مؤخرته على وادي الهرير شرقًا، واستندت ميسرته على اليرموك جنوبًا، أما ميمنته، فظلت طليقة باتجاه شمال نوى3، فسد بذلك على البيزنطيين منفذهم الوحيد إلى الشمال.
استعدادات القتال:
عبأ باهان جيشه كعادة البيزنطيين في ذلك العهد في كراديس، كل كردوس مؤلف من ستمائة جندي، وفي فرق كل فرقة مؤلفة من عشرة كراديس، ورتب هذه الكراديس في ثلاثة خطوط، فوضع أربعة كراديس في الخط الأول، وثلاثة في كل من الخطين الثاني والثالث، ثم وضع الرماة في المقدمة، والخيالة في الجناحين، وبهذه التعبئة شكلت كراديس المشاة قلب الجيش الذي رتب ثلاثين خطًا، وأوكل إلى كل من هذه القوى مهمات قتالية محددة، ووضع القساوسة أمام كل خط يحملون الصلبان في أيديهم لبث الحماس في نفوسهم الجند، وفعلًا دفع الحماس ببعض الجند أن ثلاثين ألفًا منهم وضعوا القيود في أرجلهم، حتى لا تراودهم فكرة الانسحاب4.
أما المسلمون، فإنه لم يكن لهم تنظيم عسكري حديث قبل اليرموك، بل كانوا يتبعون تنظيم الخميس، وهو الذي عرفه العرب في حروبهم السابقة كأمة دون أن يعرفوا تنظيم الكراديس، لكن خالدًا عرف بفطنته العسكرية أن جيشه بحاجة إلى تنظيم جديد يضاهي تنظيم البيزنطيين حتى يتمكن من مجابهتهم، فلم يجد أفضل من تنظيمهم لقتالهم به، وهكذا اعتمد المسلمون لأول مرة في تاريخ الحروب الإسلامية تنظيم الكراديس مع تنظيم الخميس مجتمعين، وهو ما سمي بـ"التعبئة الخالدية"5، فعبأ خالد جيشه، مشاة وخيالة في ستة وثلاثين كردوسًا، كل كردوس مؤلف من ألف مقاتل، ثم في فرق، كل فرقة مؤلفة من عدد من الكراديس يتراوح بين عشرة وعشرين كردوسًا، وذلك على أساس التجمعات القبلية، نظرًا لما يقاتل به العرب
1 الطبري: ج3 ص393.
2 المصدر نفسه: ص394.
3 سويد: ص293.
4 المرجع نفسه: ص294-296.
5 المرجع نفسه: ص297.
خريطة تقدم الروم إلى المسلمين
مجتمعين من روح عصبية قبلية على الرغم من إسلامهم، ونشرها على امتداد الجبهة، وأبقى لديه احتياطًا من الخيالة المتحركة، وضعها بإمرته كان ضرار بن الأزور من بين قادتها1، كما وضع النساء في المؤخرة وراء خطوط المقاتلين للعناية بالجرحى، والمرضى وسقاية المقاتلين أثناء القتال، وتشجيعهم وإثارة حماسهم، ورد الرجال الفارين إلى المعركة، وجاء التنظيم على الشكل التالي:
- القلب: ستة عشر كردوسًا بقيادة أبي عبيدة، ومعه عكرمة بن أبي جهل، والقعقاع بن عمرو.
- الميمنة: عشرة كراديس بقيادة عمرو بن العاص، ومعه شرحبيل بن حسنة.
- الميسرة: عشرة كراديس بقيادة يزيد بن أبي سفيان.
- المقدمة: بقيادة قباث بن الأشيم، وهي عبارة عن فرقة قليلة العدد نسبيًا مهمتها مراقبة تحركات العدو، والمحافظة على التماس معه.
- المؤخرة: بقيادة سعيد بن زهير ومعه خمسائة فارس، ومهمته قيادة الظعن وحمايتهن.
كان خالد أبعد نظرًا فيما يجب عليه أن يفعله، وما يجب أن يتجنبه، إذ كان من الواجب عليه أن لا يبدد قواته، وينهكها في معارك جانبية صغيرة، وبذل جهدًا كبيرًا لفصل الجيش البيزنطي عن قواعده، وقطع طريق إمداداته مع الشمال في الوقت الذي نجح في استدراجه للقائه تجاه الصحراء جنوبًا، والتي كانت طريقًا مفتوحًا للمسلمين كما ذكرنا، حيث ظلت الإمدادات ترد إليهم، وحيث يستطيعون الانسحاب إذا خسروا المعركة، واعتمد على الوديان الصغيرة الضيقة، والشديدة والانحدار التي تتخلل المنطقة في حماية جيشه من الهجوم البيزنطي.
من أجل ذلك قضى الجيشان الشهور الأخيرة من فصل الربيع، وأوائل الصيف وكل منهما يتربص بالآخر، ويأمل في أن يضعه في موضع تكون به عوائق يستغلها2، لقد أخر البيزنطيون الاشتباك كي يتاح لجنودهم التأقلم مع طبيعة الأرض من حولهم، والحصول على أخبار إضافية عن المسلمين، وإضعافهم عن طريق الدسائس، فيكتسبوا الثقة بأنفسهم.
أحداث المعركة:
وضع خالد خطته العسكرية على أساس أن يثبت المسلمون أمام هجمات
1 سويد: ص298.
2 الواقدي: ج1 ص166، 167.
البيزنطيين حتى تتضعضع هذه الهجمات وتتصدع صفوفهم، وأخذ في حسبانه أيضًا إمكان عجز المسلمين عن الصمود، ولكن سوف يختل نظام صفوف البيزنطيين على أي حال، وهنا يكون الوقت مناسبًا للقيام بهجوم مضاد.
ودارت في وادي اليرموك سلسلة من المعارك بين الطرفين على مدى خمسة أيام لم تكن متتالية، انتقل فيها المسلمون من نصر إلى نصر حتى توجوا هذه الانتصارات بضربة قاصمة، وجهوها إلى البيزنطيين يوم الواقوصة، وهو اليوم الخامس من القتال، وكان يوم الاثنين "5 رجب 15هـ/ 12 آب 636م"1، وقد تميز بهجوم إسلامي عام، وشامل على القوات البيزنطية في ظروف طبيعية شديدة الحرارة، وفي حال أقرب ما تكون إلى العاصفة الرملية اللافحة، وقد أثارت غبارًا ضرب وجوه القوات البيزنطية، مباشرة تجاه الشمال، مما ضايقها وشل تركيزها أثناء القتال، والراجح أن خالدًا استغل هذه الظاهرة الطبيعية، ومن المحتمل أنه قدر البيزنطيين يفضلون تجنب القتال في أشد أوقات اليوم حرًا، ومن ثم فقد قام بهجوم حاسم في ذلك الوقت، وبدأت جموع البيزنطيين تترنح تحت ضربات المسلمين، وبدا الإرهاق واضحًا عليهم، فمشاتهم وفرسانهم مثقلون بالعتاد والسلاح، مما أثر على مقدرتهم القتالية، فهم قليلو الحركة بطيئو المناورة، في حين يقاتل المسلم راجلًا، وفارسًا بخفة وسرعة.
كان باهان يراقب تطور سير القتال، وحين لاحظ تراجع مقدرة رجاله القتالية.
1 ينقسم الرواة في تأريخ معركة اليرموك إلى فريقين: فريق يرى أنها حدثت في سنة 13هـ في عهد أبي بكر، ويمثل الطبري هذا الفريق اعتمادًا على رواية سيف بن عمر، ويقول فريق: إنها حدثت في سنة 15هـ في عهد عمر، ويمثله جمهور المؤرخين مثل ابن إسحاق، والواقدي وخليفة بن خياط، والبلاذري وابن عساكر، وقد اشتهرت رواية سيف التي اعتمدها الطبري تبعًا لشيوع تاريخه، ويتضح لنا من خلال روايات الفريق الثاني أن الجيش الإسلامي كان يسير وفق خطة منتظمة تتفق واقع الأحداث التاريخية، فكانت أجنادين، وفحل في البداية في سنة 13هـ، ثم دمشق وحمص في سنة 14هـ، ثم اليرموك في سنة 15هـ لتكون معركة فاصلة في محاولة يائسة من البيزنطيين للدفاع عن بلاد الشام، واسترداد ما فتحه المسلمون، ولهذا حشدوا لها كل إمكاناتهم العسكرية والبشرية، ولا يتحقق ذلك إذا أخذنا برواية سيف من أنها كانت في سنة 13هـ؛ لأن المعركة لن تكون فاصلة، ولن يفكر البيزنطيون بحشد كل قواتهم لمواجهة الجيش الإسلامي قبل أن يشعروا بخطره الذي لا يتضح إلا بعد عدة معارك بين الطرفين، وهو ما حدث بالفعل، ومما يحملنا على تبني هذه الفكرة أن في روايات سيف ما يشير إلى توغل الجيش الإسلامي حتى حمص، انظر: أبو صفية، جاسر: معركة اليرموك دراسة تأريخية ونقدية، مقال في كتاب المؤتمر الدولي الرابع لتاريخ بلاد الشام المجلد الثالث عام 1987م، الشامي، أحمد: الخلفاء الراشدون ص221-223، كمال: ص509-511، سويد: هامش رقم "1" ص280، 281.
أدرك أن المعركة خاسرة، فالتمس له ولفرسانه طريقًا للنجاة، ولاحظ خالد ذلك، ففتح له ثغرة باتجاه الشمال نفذ منها، وانسحب من المعركة مع أربعين ألفًا من فرسانه، وحمل المسلمون على من تبقى من القوات البيزنطية، والتي كانت أشبه بكتل بشرية ضخمة تدور حول نفسها، ولا تعرف من أين تؤتى، فتراجع الجنود تحت ضغط القتال نحو وادي اليرموك دون وعي، فسقط أكثرهم في الواقوصة، ولم تكد تغرب شمس ذلك اليوم حتى كان آخر مقاتل بيزنطي قد أخلى ساحة القتال، إما هاربًا أو جثة هامدة، أو في قاع الوادي1.
وأورد المؤرخ الأرميني سيبيوس، وكان معاصرًا لتلك الأحداث، معلومات مفصلة لها دلالتها، عن تلك المعركة التي قررت مصير بلاد الشام، تفيد بأن الجيش البيزنطي عبر نهر الأردن متسللًا إلى بلاد العرب تاركًا معسكره مكشوفًا على شاطئ النهر، وذهب أفراده للقاء العدو وهم مشاة، وبدا عليهم التعب، والإرهاق بسبب سيرهم مسافات طويلة، وفي المقابل، تربص قسم من الجيش الإسلامي في كمائن متفرقة استعدادًا للانقضاض على البيزنطيين، وقد أقام المسلمون خيامهم حول معسكرهم ثم أحاطوا الخيام، والمعسكر بالجمال بعد أن ربطوا أرجلها بالحبال، وعندما بدأ القتال، هاجمت القوات البيزنطية المسلمين، فانطلق هؤلاء من كمائنهم وهاجموا القوات البيزنطية التي أصابها الهلع والاضطراب، وعندما أرادت الفرار للنجاة بنفسها، فشلت بسبب غزارة الرمال
لدرجة أن الجندي البيزنطي كان ينغرس فيها حتى ركبتيه، في حين راح المسلمون يطاردون فلول الهاربين، بالإضافة إلى ذلك، فإن البيزنطيين لم يتحلموا شمس الشرق المحرقة، في مثل هذا الوقت من العام، وهكذا تساقطوا بين قتيل وجريح، ولم ينج من المذبحة غير عدد قليل، وتكشف روايته أن المسلمين، كانوا أمهر من البيزنطيين في إعداد الكمائن، والخدع العسكرية، وكانوا أعلم من أعدائهم بدروب المنطقة ومسالكها، وأكثر تحملصا لجوها الذي ألفوه2، بلغت خسائر البيزنطيين سبعين ألفًا3، وقدرت خسائر المسلمين بثلاثة آلاف قتيل وجريح، كان من القتلى عكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الأزور
1 انظر حول معركة اليرموك: البلاذري ص140، 141، الواقدي: ج1 ص160 وما بعدها، الطبري: ج3 ص394-401، الأزدي: ص84-87، 152-231.
2 Sebeos: Histoire d، Heraclius. Trad، F. Macler. Paris p 971.
3 البلاذري: ص141، وقارن بالطبري: ج3 ص400.
وهشام بن العاص وأبان بن سعيد وغيرهم1، وكتب أبو عبيد بالنصر إلى عمر، وأرسل إليه سفارة صغيرة فيها حذيفة بن اليمان، وكان عمر لم ينم منذ ثلاثة أيام، وهو يتسقط أخبار اليرموك، وعندما جاءه البشير خر ساجدًا، وشكر الله2.
تعقيب على معركة اليرموك 3:
- تعد معركة اليرموك من المعارك الحاسمة في الصراع الإسلامي -البيزنطي. وقررت هذه المعركة مصير بلاد الشام ومستقبلها، إذ إنها فتحت أمام المسلمين باب الانتصارات المتتالية في هذه البلاد، ووضعت حدًا لآمال هرقل في إنقاذها بعد أن قضى المسلمون على آخر ما تبقى لديه من جيوش، وقوات جمعها بصعوبة بالغة، وأنفق عليها كل ما استدانه من الكنيسة وغيرها.
- اختار البيزنطيون موقع المعركة الذي كان فسيحًا إنما ضيق المهرب، فوادي الرقاد خلفهم، ووادي اليرموك عن يمينهم، والمسلمون أمامهم، وكان هذا الاختيار لموقعهم سيئًا، إنما هدفوا إلى الحيلولة دون فرارهم، وهذا يعني أن المعركة كانت بالنسبة إليهم، معركة حياة أو موت، لكن عندما دارت الدائرة عليهم، وجدوا أنفسهم يفرون إلى وضع عسكري وقعوا فيه، وتعذر عليهم الإفلات من الموت.
- شكلت معركة اليرموك انعطافة عسكرية كبرى على الجبهة الشامية؛ لأنها حطمت جيش البيزنطيين، كجيش دولة منظم بولغ في إعداده وتجهيزه، تحطيمًا كاملًا، وشتتت شمله تمامًا، ولم يعد بمقدور البيزنطيين حشد جيش آخر يضارعه في العدد والقوة، وأنهى هذا الانتصار العسكري الكبير كل مقاومة مركزية جدية لحركة الجيوش الإسلامية في الأراضي البيزنطية، وتطورت حركة الفتوح من غزو مرحلي إلى حركة منظمة تهدف إلى السيطرة على بلاد الشام، وضمها إلى الأراضي الإسلامية، والاستقرار في ربوعها، وذلك من واقع تحول غزو الإغارة إلى غزو الفتوح.
- أدار الفريقان الحرب في اليرموك بمهارة، وبالحامسة الدينية بالإضافة إلى حسابات اقتصادية وقبلية.
- من الواضح أن تخطيط البيزنطيين للمعركة قام على أساس توجيه ضربة سريعة، وقاضية إلى جناحي الجيش الإسلامي، وإخراجهما من المعركة، ثم تصفية القلب، وبدأوا بالهجوم على ميمنة المسلمين، تلاء هجوم على الميسرة فالقلب، وقد دفع
1 الطبري: ج3 ص401-402.
2 الأزدي: ص243.
3 انظر: كمال ص500-507، سويد: ص324-341.
باهان كامل قواته دون الاحتفاظ بأي احتياطي في الخلف استنادًا إلى الكثرة العددية الساحقة، ولم يأخذ بالحسبان أن الأمور يمكن أن تنقلب عليه، ويبدو أنه كان واثقًا من النصر، وهذا تفكير غير سليم، وخطأ في التخطيط العسكري، وكانت النتيجة عكس ما خطط له.
- قدر خالد الأمور حق قدرها، وكان يتمتع ببعد نظر شامل أمام الحلول المتعددة، وتفكير صائب واختيار ناجح للحل المناسب مع سرعة تقرير هذا الحل وتنفيذه، إنه أدرك مدى الخطر الذي يواجهه، فلم يكترث للفارق العددي، ورسم خطته على أساس دفع البيزنطيين للاصطدام به، وامتصاص الضربة على الرغم من صعوبة هذا الثبات، لذلك عمم على قادته أن لا يبدأوا بالقتال بل يتركوا البيزنطيين يهاجمونهم تاركين مواقعهم الدفاعية الحصينة، كما شكل وحدات احتياطية من الفرسان، ووضعها خلف الميمنة، والميسرة بالإضافة إلى قوة احتياطية من المشاة وضعها وراء القلب، والمعروف في الخطط العسكرية أنه يجري استعمال الوحدات العادية للاشتباك العام مع العدو، وأن تستعمل الوحدات الاحتياطية في الضغط على قوى العدو تمهيدًا للفتك النهائي به، ثم وقف ينتظر ما سوف يحصل آملًا بسنوح الفرصة من واقع طروء أي خلل في صفوف البيزنطيين، إذ إن الهجوم البيزنطي سوف يؤدي إلى تشتيت كراديسهم وبعثرتها، وسوف يتعذر على القادة البيزنطيين معالجة هذا الوضع بإعادة التنظيم إذا تدخل في اللحظة المناسبة، وضرب الوحدات البيزنطية المشتتة، وهذا ما حصل، إذ عندما هاجم البيزنطيون، امتص المسلمون الهجوم، وعجز أولئك عن اختراق صفوفهم، فارتدوا على أعقابهم، وكر المسلمون عليهم بعد أن أرهقهم الهجوم، فانتزعوا النصر.
- كان للفرسان عند خالد اهتمام خاص، فقد كانوا القوة الضاربة، وشكلوا قوة الصدام في جيشه، بالإضافة إلى كونهم قوة مشاغلة، ومناورة وانقضاض، لذا نراه يقسم فرسانه إلى فرق، على كل فرقة واحد من أفضل قادته، وأشجعهم أمثال قيس بن هبيرة، وميسرة بن مسروق، وعامر بن الطفيل والقعقاع بن عمرو وغيرهم، ثم وزع هذه الفرق على المقدمة، والميمنة والميسرة وصفوف القتال الثلاثة ثم المؤخرة، ففرسان الطليعة للمشاغلة، وفرسان الجناحين للمناورة، وفرسان الصفوف للتدخل والصدم، وفرسان المؤخرة للانقضاض، وكان نصيبه دائمًا فرسان الاحتياط للانقضاض على العدو في أي مكان من المعركة يظهر فيه المسلمون في حال ضعف، أو وهن.
- أتاح تنظيم خالد العسكري لقواته أقصى درجات المرونة لمواجهة الموقف.
فبالإضافة إلى القوات الاحتياطية التي وضعها خلف الصفوف، ترك نظام الصف وجعل قواته كراديس، لكل كردوس رئيس، ونجح في اقتباس التنظيم العسكري البيزنطي، وهو نظام الكراديس والفرق،ومحاربتهم به، وانتصاره عليهم قبل أن يدرب جنوده عليه، كما نجح في تنفيذ الحركة الإخراجية التي اعتمدها ضد الفرسان البيزنطيين خلال المعركة، فكان ذلك تطورًا هامًا، وحاسمًا في الخطط، والتنظيم العسكريين في الجيش الإسلامي.
- نجح خالد في الفصل بين فرسان البيزنطيين ومشاتهم، فصرف الفرسان من المعركة عندما فتح لهم طريقًا للهرب من الفرجة التي كانت المنفذ الوحيد لهم، وبقي المشاة وحدهم في ميدان القتال، فانقض المسلمون عليهم وهزموهم، وتعد هذا الحركة من أفضل حركات خالد، وأكثرها ذكاء.
- كان لكل من الطرفين أسلوبه في إذكاء معنوياته، فالبيزنطيون يزحفون في دوي عال حيث تنصح الأبحاث العسكرية البيزنطية، التي تعود إلى القرن السادس الميلادي، باستعمال الأصوات للتمويه على العدو وإرباكه، ولتغطية أعمال الجواسيس، وقساوستهم يخطبون فيهم، ويبثون الحماس في قلوبهم، لكن داخل جنودهم الرعب، فتسلسل عشرات الألوف بالسلاسل حتى لا يفروا، والمسلمون ينشدون الشهادة، ويواجهون البيزنطيين بالصمت، وغض البصر حتى أن صمتهم أرعب هؤلاء، كذلك أدت النساء دورًا في رفع معنويات الرجال.
- كانت معركة اليرموك نموذجًا رائعًا من نماذج التنسيق في الجهد العسكري، والتعاون والتفاهم بين القائد، ووحداته في المعركة، إذ كان خالد يحرك كل وحدة من وحدات جيشه بدقة متناهية، ففي الوقت الذي كان فيه القلب ينشب القتال، كانت الميمنة تتأهب لترد هجمات العدو، فينثني عليها القلب ليساندها، ثم تتراجع الميسرة أمام هجمات العدو، فتقف النسوة في طريق المنهزمين تردهم إلى ساحة القتال، فينحسر البيزنطيون عن مواقعهم، وتتقدم ميسرة المسلمين نحوهم.
- أعلن جبلة بن الأيهم الغساني، زعيم العرب المتنصرة، اعتناقه الإسلام بعد المعركة مع جماعة من قومه بني غسان، وانحاز إلى المسلمين1.
- لقد أصاب أبو بكر حين وضع خطته العسكرية على أساس الاصطدام بالبيزنطيين، وإرغامهم على إرسال أعداد كبيرة من المقاتلين إلى بلاد الشام حيث
1 البلاذري: ص141، 142.
يتمكن المسلمون من إيقاع الهزيمة الفاصلة بهم هناك، وكان المسلمون على عكس البيزنطيين يسعون إلى تحقيق ذلك، فكان انتصارهم في اليرموك ساحقًا ماحقًا، لكن تلك النتيجة لم تكن أمرًا مؤكدًا عند بدء الحملات، والمناورات.
- تعفي الروايات البيزنطية المتعلقة بمعركة اليرموك هرقل، ضمنًا، من أي مسئولية عن الكارثة، وتحمل القادة عوضًا عن ذلك هذه المسئولية، وهم الذين فشلوا في اتباع نصيحة هرقل الحكيمة، كما تلقي بالمسئولية على المناخ، وعلى الإثنيات الأجنبية كالأرمن مثلًا.
- ثمة قدر من اللا تناسق بين وصف المصادر الإسلامية، والنصرانية للمعركة، فقد أكد المسلمون أنها كانت معركة حاسمة استعمل فيها الذكاء، والشجاعة والخلق القويم، وفي المقابل، فقد قللت المصادر النصرانية من شأنها، وعدتها نصرًا حربيًا عظيم الشأن للمسلمين، وعزت النصر إلى التسلل والخديعة، وليس إلى نجاح عسكري صادق، والراجح أن هذا التفسير النصراني الذي جاء مقتضبًا هو جزء من محاولة للاعتذار من الكارثة، لكن الأمر لا يخلو من السخرية، فقد كان على البيزنطيين أن يتميزوا باللجوء إلى البراعة في القتال، وهو الأمر الذي لم يتوفر بفعل افتقارهم إلى القدر الكافي من الذكاء، والإدراك السليم لرسم الخطط وتنفيذها.
- لقد وسع الانهيار البيزنطي في معركة اليرموك المسافات بين مواقع الدفاع البيزنطية، ومع ذلك ظلت أغنى المدن في بلاد الشام في أيدي البيزنطيين، إلى جانب المناطق الأكثر إنتاجًا، ولكن حين، حيث لن تلبث أن تسقط هي الأخرى في أيدي المسلمين
- كان على القادة والجنود البيزنطيين الذين نجوا من المعركة اختيار أحد السبل المتعددة للخلاص، وأهمها:
- الاتفاق مع المسلمين الفاتحين الذين أضحوا السادة الجدد، والانضمام إليهم، واعتناق الإسلام أحيانًا، وهذا ما فعله جبلة بن الأيهم الغساني كما ذكرنا.
- التوجه نحو الشمال عبر الطريق الرئيسة في اتجاه أنطاكية، والرها، وملطية.
- اللجوء إلى الأديرة خشية العار.
- اللجوء إلى المدن الشامية، والانضمام إلى حامياتها.
- تلقى هرقل نبأ هزيمة جيشه في اليرموك بألم بالغ، وكان في أنطاكية، فلما توجه المسلمون بعد انتصارهم إلى حمص، خرج منها فعبر الفرات، ونزل في الرها وبقي فيها حتى وصل جند الكوفة مع عمر بن مالك إلى قرقيسياء، ثم فتحت
قنسرين فخرج إلى شمشاط، فلما نزل المسلمون في الرها خرج منها، وسار على الدرب نحو القسطنطينية بعد أن رفض سكان الجزيرة مؤازرته أبعد من ذلك، ولما حاذى سوريا وقف على تل مرتفع، والتفت إليها وقال:"قد كنت سلمت عليك تسليم المسافر، أما اليوم عليك السلام يا سوريا تسليم المفارق، سلام مودع لا يرى أنه يرجع إليك أبدًا، ولا يعود إليك رومي أبدًا إلا خائفًا حتى يلود المولود المشئوم وليته لا يولد، عليك يا سوريا السلام، ونعم البلد هذا للعدو"1، ويعبر هذا الوداع عن خيبة أمله الشخصية، ويشير إلى نهاية التورط العسكري البيزنطي في المنطقة، والواضح أنه فضل سلوك الطريق البري إلى القسطنطينية في محاولة منه لتأمين الأطراف الشرقية لآسيا الصغرى، حتى لا ينفذ المسلمون إلى عمق أراضيه، كما دمر التحصينات في المنحدرات الجنوبية لجبال طوروس بين الإسكندرونة، وطرسوس لخلق منطقة عازلة مهدمة فارغة لا تصلح للقتال، على أساس أنها منطقة للدفاع العمقي إزاء المسلمين، وأخذ سكانها معه إلى الداخل البيزنطي، ولا شك في أن هذه التصرفات من جانبه تدل على أنه يئس تمامًا من أمر الشام، وأدرك أنه لن يستطيع أن يفعل مع المسلمين مثلما فعله مع الفرس من قبل بإقامة التحصينات الدفاعية لتمتص غاراتهم2.
سياسة هرقل في شمالي بلاد الشام بعد معركة اليرموك:
الواضح أن هرقل لم يحاول أن يدافع عن المدن الشمالية إزاء هجمات المسلمين، بعد معركة اليرموك، إذ إنه لم يشأ أن يخسر مزيدًا من رجاله الأشداء المدربين في سبيل الحفاظ على بعض المدن الشامية، وفضل الاحتفاظ بهم للدفاع عن الأناضول، ولعل الشلل البيزنطي في جنوبي بلاد الشام أقنعه بالمخاطر التي تلازم وضع أعداد كبيرة من قواته للدافع عن المدن في أوضاع عسكرية مكشوفة نسبيًا، كما أنه فقد الرغبة في أن يجازف بمواجهة دموية أخرى إلى الجنوب من جبال طوروس، وفضل أن يتخلى عن الأراضي ليقلل درجة التآكل في قواته، ويمكنها من البقاء والتعافي، وأتاح هذا التوجه الانهزامي، للمسلمين أن يجتاحوا شمالي بلاد الشام، وإقليم الجزيرة الفراتية وصولًا إلى أرمينية.
1 البلاذري: ص142، الطبري: ج3 ص603.
2 عاشور، سعيد عبد الفتاح: الإمبراطور هرقل، ومقاومة الفتح الإسلامي لبلاد الشام، بحث في كتاب المؤتمر الدولي الرابع لبلاد الشام ص217.
فتح قنسرين:
عاد أبو عبيدة بعد الانتصار، إلى حمص، وأرسل خالدًا إلى قنسرين، وتقع على الطريق بين حلب وأنطاكية، ويتصل بها الطريق الذي يؤدي إلى شيزر، ثم حماة فحمص.
كانت قبيلة تنوخ من بين القبائل العربية تسكن هناك منذ زمن، وكان أفرادها يعيشون منذ سنوات، في خيام من الوبر، ولكنهم تأثروا تدريجيًا بالحضارة، فشيدا المباني الفخمة، وأضحت قنسرين إحدى الحواضر.
وعندما علم البيزنطيون، وحلفاؤهم العرب المتنصرة بقدوم خالد إليهم اختاروا الاصطدام به بقيادة ميناس، وهو أحد القادة الكبار، فخرج هذا على رأس الجيش إلى الحاضر، وهو مكان قريب من قنسرين وعسكر فيه، وفي الوقت الذي كان يعبئ قواته انقض عليه خالد فجأة، فتغلب عليه وقتله، وأباد جنده. واعتصم أهل قنسرين بحصنهم، فأنذرهم خالد، فطلبوا الأمان، وعرضوا الصلح على شروط حمص مع دفع الجزية، واشترط خالد عليهم أن يهدم حصنهم عقابًا لهم على مقاومتهم، وحتى لا يتحصنوا بداخله مرة أخرى، فهدمه، وفر سكانه إلى أنطاكية1.
فتح حلب:
تابع أبو عبيدة تقدمه إلى حلب، وهي من أعمال قنسرين، وعلى مقدمته عياض ابن غنم، وكان قد فصل من العراق إلى إقليم الجزيرة المجاور للعراق، فاشترك في فتوح الجزيرة والشمال، وكان يسكن في ظاهر المدينة كثير من القبائل العربية، فصالحهم على الجزية، وتصدت له حامية المدينة، وأحرزت بعض التقدم خلال المواجهة، ويبدو أن سكان حلب داخلهم الخوف من توجيه ضربات مضادة من جانب المسلمين، وبخاصة أن معظم المدن سقطت في أيديهم، ولن تكون حلب أمنع من غيرها من هذه المدن، فطلبوا الأمان والصلح وأقروا بالجزية، وتم الصلح على مثل صلح حمص، وكتبت المعاهدة للحفاظ على أرواحهم، وأموالهم وأسوارهم ومنازلهم، وقلاعهم وكنائسهم، واستثنى عليهم موضعًا للمسجد، ويبدو أن جماعة من أهل المدينة لم يتآلفوا مع الحكم الإسلامي، وفضلوا الرحيل إلى أنطاكية، وما لبث عدد كبير ممن بقي في المدينة أن دخل في الإسلام، بعد ذلك2.
1 الطبري: ج3 ص601، 602، وقارن بالبلاذري ص150، 151.
2 الطبري: ج3 ص601، 602، البلاذري: ص150-152.
فتح أنطاكية:
سار أبو عبيدة بعد ذلك، إلى أنطاكية، وكانت مركزًا لجيوش الإمبراطورية البيزنطية، وعاصمة الدولة البيزنطية في بلاد الشام، ومقر هرقل ومأمنه، وكان قد لجأ إليها كثير من البيزنطيين، وفتح أثناء زحفه عزاز بدون قتال، وحاولت قوة عسكرية خرجت منها وقف تقدمه إلا أنها فشلت، واضطر أفرادها للعودة، والتحصن بالمدينة، ولما وصل أبو عبيدة إليها ضرب الحصار عليها، وجرت مناوشات بين الطرفين اضطر بعدها السكان إلى طلب الصلح، وأقروا بالجزية، ووافق أبو عبيدة على طلبهم، ودخل المسلمون بعد ذلك إلى المدينة، ونظرًا لأهمية موقعها كمركز متقدم ملاصق لحدود العدو أمر عمر أبا عبيدة بشحنها بالمقاتلين1.
فتوح أقصى شمالي بلاد الشام:
كان من الضروري، لتأمين الفتوح الإسلامية في بلاد الشام، من التعرض لردات فعل البيزنطيين بالسيطرة على منطقة أقصى شمالي البلاد الملاصقة للحدود مع آسيا الصغرى، لذلك، نشر أبو عبيدة فرقه العسكرية في جميع أنحاء المنطقة، ففتحت المدن الصغيرة، والقرى بسهولة نظرًا لانعدام المقاومة الجدية، نذكر منها: معرة مصرين، بوقا، الجومة، سرمين، مرتحوان، تيزين، خناصرة، قورس، الساجور، منبج، مرعش، رعبان، دلوك، عراجين، بالس، قاصرين، اللاذقية أنطرطوس وغيرها، وقد صالحت هذه المدن، والقرى المسلمين على عهود الصلح التقليدية2.
فتوح الجزيرة:
كان إقليم الجزيرة الفراتية أحد الأقاليم الأكثر إزعاجًا من حيث الاضطراب العسكري في القرنين السادس، والسابع الميلاديين، وبسبب أهميته العسكرية الدفاعية إزاء هجوم قد يأتي من فارس، فقد شحن بحاميات عسكرية ضخمة، وبعد أن فتح المسلمون العراق وبلاد الشام، شكل هذا الإقليم نتوءًا، وقاعدة يمكن أن:
- تنطلق منها وحدات عسكرية لتقوم بهجوم مضاد لاسترداد الأراضي التي فتحها المسلمون.
- تؤمن حصول تنسيق بيزنطي -فارسي، للقيام بعمل مشترك ضد المسملين.
1 البلاذري: ص152، 153.
2 المصدر نفسه: ص154، 155.
- تقوم جزئيًا بحماية الأراضي الأرمينية التابعة لبيزنطية من هجمات المسلمين. وكان فتحه ضرورة عسكرية، وخطوة صائبة من أجل:
- تثبيت الفتوح الإسلامية في العراق، وبلاد الشام وحماية المكتسبات الإسلامية.
- تثبيت السلطة على القبائل العربية التي ما زالت على نصرانيتها، وقطع صلاتها ببيزنطية، ووقف تجنيد العرب في الجيش البيزنطي، وتستوقفنا هنا حادثة فرار جبلة بن الأيهم من المدينة، وتوجهه إلى بلاد البيزنطيين عبر الرقة.
- إزالة الخطر الذي تتعرض له المواصلات الإسلامية.
- القضاء على أية حركة فارسية معادية ومزعجة.
- منع هرقل من الوصول إلى المد الأرميني.
وحدث في عام "18هـ/ 639م" أن أصيب أبو عبيدة بطاعون عمواس وتوفي، وكان قد استخلف عياضًا بن غنم على حمص، ولم يلبث عمر أن ولاه حمص، وقنسرين والجزيرة، فخرج على رأس الجيش في "منتصف شعبان/ 21آب"، وعلى مقدمته ميسرة بن مسروق العبسي، وأغار على الرقة، ثم حاصرها وفتحها صلحًا، فكانت أولى مدن الجزيرة التي فتحها المسلمون، وواصل تقدمه إلى الرها، وعسكر على أحد أبوابها، فقاومه أهلها، وبث خيله في الأماكن المجاورة، ولم تمض ستة أيام حتى طلب قائد الحامية الصلح، فأجابه عياض، وأمنه وأهل المدينة على أنفسهم وأموالهم، وأقروا بالجزية والخراج، وشيء من القمح والزيت، والخل والعسل، واشترط عياض عليهم عدم بناء كنائس أو أديرة، وأن يصلحوا الجسور للمسلمين، وأن يرشدوا من ضل الطريق منهم، ثم تقدم إلى حران فصالحه أهلها على صلح الرها، وأرسل فرقة عسكرية فتحت سميساط، ولم يلبث أهل المدن الأخرى مثل تل موزون، وقرقيسياء وآمد وماردين أن طلبوا الصلح بشروط صلح الرها، فأجابهم عياض، ثم واصل فتوحه في عام "19هـ/ 640م"، ففتح ميافارقين، وكفرتوثا ونصيبين، وأرزن. وأرسل عمر بن سعد الأنصاري، ففتح رأس العين ودارا، ودخل درب الروم، وأطل على أرمينية، وكانت بغراس إحدى ضواحي أنطاكية، وتلتقي عندها حدود آسيا الصغرى، وقد سكنتها قبائل عربية مثل غسان، وتنوخ وإياد الذين كانوا يساندون البيزنطيين، فهاجمهم حبيب بن مسلمة1.
أدى فتح الجزيرة الفراتية إلى فصل بيزنطية عن القبائل العربية الموالية لها، وقوتها البشرية، وأسهمت في الحاجة إلى البحث عن مصادر بشرية جديدة، وتبديل أساليبها
1 البلاذري: ص176-185، وقارن بالطبري: ج4 ص53-56.
خريطة سواحل دمشق
القتالية ضد المسلمين، بفعل أنها لم يعد باستطاعتها أن تحارب المسلمين العرب باستئجار عرب آخرين، كما قضى هذا الفتح على إمكان قيام تحالف بين البيزنطيين، والفرس ضد المسملين، وحال دون قيام بيزنطية بإنقاذ الإمبراطورية الفارسية المتداعية.
فتوح الساحل:
بدأ الاحتكاك العسكري بين المسلمين، والبيزنطيين في ساحل بلاد الشام خلال حصار بعبك حيث كان للمسلمين مركزان مسلحان: الأول في برزة عليه أبو الدرداء الأنصاري، والثاني في عين ميسنون1 عليه أبو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد، فأغار أحد القادة البيزنطيين، ويدعي سسناق على المركز الثاني منطلقًا
من بيروت، ويبدو أنه نجح في قتل جماعة من حاميته، ولهذا دعيت هذه القرية بـ"عين الشهداء"2.
شجعت هذه الغارة البيزنطية المسلمين للسيطرة على القطاع الأوسط من ساحل بلاد الشام، والذي يمتد من عرقة شمالًا إلى صيدًا جنوبًا، وطرد البيزنطيين من ثغوره، ومنعهم من استعمالها قواعد انطلاق لمهاجمة الداخل الشامي.
خرج يزيد بن أبي سفيان من دمشق على رأس قوة عسكرية متوجهًا نحو الساحل، وصحبه أخوه معاوية، ولم تحدد المصادر التاريخية الطريق الذي سلكه إلى المدن الساحلية، والراجح أنه اجتاز الطريق الحالي الذي يمر بمنعطفات جبال لبنان، وهذا يعني أن هذا الطريق كان خاليًا من أي قوة بيزنطية بعد الضربة التي تلقاها البيزنطيون في اليرموك، حتى أن أرض بلاد الشام فتحت على مصاريعها أمام المسلمين الذين تعدوا الداخل إلى إقليم الساحل دون مقاومة3.
لم يبين البلاذري، الذي أرخ لهذا الفتح، أي مدينة فتحت قبل الأخرى، إذ يذكرها دون مراعاة لترتيب مواقعها الجغرافية، فيذكر صيدا أولًا، وهي في الجنوب، ثم عرقة وتقع في أقصى الشمال، ويذكر بعدها جبيل، وبيروت وهما في
الوسط4، فهل سارت حركة الفتح على هذا النحو، أم أن الترتيب جاء عفويًا؟
1 لعل ميسنون هي التي تقع شرقي بلدة سوق الغرب في منطقة عاليه في جبل لبنان، انظر مكي، محمد علي: لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني ص23.
2 اليسوي، يعقوب بن سفيان: المعرفة والتاريخ ج3 ص298.
3 كمال: ص513.
4 تدمري: ص37.
الراجح أن البلاذري لم يذكر المدن المفتوحة على هذا النسق اعتباطًا، إذ يحتمل أن تكون القوة الإسلامية التي انطلقت من دمشق، انقسمت إلى فرقتين، توجهت إحداهما جنوبا إلى صيدا بقيادة يزيد، وتوجهت الأخرى إلى عرقة في الشمال بقيادة معاوية1، بدليل ما رواه البلاذري:"أن يزيد أتى بعد فتح مدينة دمشق، صيدا وعرقة، وجبيل وبيروت، وهي سواحل، وعلى مقدمته أخوه معاوية، ففتحها فتحًا يسيرًا وجلا كثير من أهلها، وتولى فتح عرقة معاوية نفسه في ولاية يزيد"2.
غير أن البلاذري يروي رواية أخرى تفيد بأن معاوية وحده فتح مدن الساحل، فيقول:"كان يزيد بن أبي سفيان وجه معاوية إلى سواحل دمشق سوى طرابلس، فإنه لم يكن يطمع فيها، فكان يقيم على الحصن اليومين، والأيام اليسيرة، فربما قوتل قتالًا غير شديد، وربما رمى ففتحها"3، ثم إن "الروم غلبوا على بعغض هذه السواحل في آخر خلافة عمر بن الخطاب، أو أول خلافة عثمان بن عفان، فقصد لهم معاوية حتى فتحها ثم رمها، وشحنها بالمقاتلة وأعطاهم القطائع"4، وهذا يعني أن العملية لم تكلل بالنجاح التام، والمعروف أن المدن الساحلية لم تخضع للمسلمين خضوعًا تامًا إلا في المرحلة المتأخرة من حركة الفتوح، ولعل السبب في ذلك أن البيزنطيين كانوا يمدون هذه الثغور بالإمدادات، والقوات عن طريق البحر الأمر الذي ساعد سكانها على مقاومة المسلمين، أو الانقضاص عليهم كلما آنسوا منهم ضعفا، وقد أدى ذلك إلى قيام المسلمين بإقامة قواعد لهم على ساحل بلاد الشام، ومصر بعد ذلك للتصدي للحملات البيزنطية البحرية، التي كانت تشن على مدن الساحل التي كانت تخضع لهم قبل الفتح5، وظلت هذه المدن مدة غير قصيرة تتذبذب في ولائها، فمرة تخضع للمسلمين، ومرة ترفع راية العصيان عليهم.
استكمال فتوح فلسطين:
توجه عمرو بن العاص إلى قطاعه فلسطين، وربما كان ذلك عبر نهر الأردن، ففتح سبسطية الواقعة إلى الشمال الغربي من نابلس، ثم فتح هذه الأخيرة، وأعطى أهلها الأمان على أنفسهم، وأموالهم ومنازلهم على أداء الجزية والخراج، ثم فتح اللد ونواحيها ويبني، وعمواس وبيت جبرين، ثم هبط جنوبًا ففتح رفح، وفي رواية أنه فتح
1 تدمري: ص37.
2 فتوح البلدان: ص133.
3 المصدر نفسه: ص134.
4 المصدر نفسه: ص133.
5 الطبري: ج4 ص111، 112.