المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ال باب الثاني: عمر بن الخطاب 13-23هـ/634-644م ‌ ‌الفصل السادس: استئناف الفتوح - تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية

[محمد سهيل طقوش]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة:

- ‌الباب الأول: أبو بكر الصديق 11-13هـ-632-634م

- ‌الفصل الأول: الأوضاع السياسية في الجزيرة العربية عقب وفاة النبي

- ‌الأوضاع السياسية في المدينة

- ‌اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة

- ‌الأوضاع السياسية خارج المدينة:

- ‌الفصل الثاني: تفشي ظاهرة التنبؤ في المجتمع العربي

- ‌الفصل الثالث: حروب الردة

- ‌مدخل

- ‌ملابسات حوادث بني تميم:

- ‌القضاء على ردة بني حنيفة:

- ‌الفصل الرابع: أوضاع الدولتين الفارسية، والبيزنطية عشية الفتوح الإسلامية:

- ‌أوضاع الدولة الفارسية

- ‌تراجع النفوذ البيزنطي من بلاد الشام عشية الفتوح الإسلامية:

- ‌الفصل الخامس: الفتوح في عهد أبي بكر

- ‌فتوح العراق:

- ‌فتوح بلاد الشام:

- ‌الفصل السادس: استئناف الفتوح في عهد عمر:

- ‌فتوح العراق:

- ‌معركة القادسية:

- ‌الفصل السابع:‌‌ استكمال فتوح العراق-فتوح فارس "إيران

- ‌ استكمال فتوح العراق

- ‌فتوح فارس "إيران

- ‌الفصل الثامن: استكمال فتوح بلاد الشام-فتوح الجزيرة وأرمينية والباب

- ‌مدخل

- ‌معركة اليرموك

- ‌فتح بيت المقدس

- ‌الفصل التاسع: فتوح مصر

- ‌مدخل

- ‌أثر الفتح الإسلامي على أوضاع الأقباط:

- ‌التوسع نحو الغرب:

- ‌الفصل العاشر: الدولة الإسلامية في عهد عمر-مقتل عمر

- ‌مدخل

- ‌الإدارة في عهد عمر:

- ‌الموظفون الإداريون:

- ‌الوالي:

- ‌الدواوين:

- ‌القضاء:

- ‌القضاء في عهد عمر:

- ‌إدارة البلاد المفتوحة من خلال عقود الصلح:

- ‌الفصل الحادي عشر: الفتوح في عهد عثمان

- ‌الفصل الثاني عشر: الفتنة الكبرى ومقتل عثمان

- ‌الباب الرابع: علي بن أبي طالب 35-40هـ/ 656-661م

- ‌الصراع بين علي وأصحاب الجمل:

- ‌المواجهة المسلحة الأولى بين المسلمين:

- ‌وقعة الجمل:

- ‌الصراع بين علي، ومعاوية، والخوارج

- ‌معركة صفين:

- ‌مرحلة التجهيز، والاستعداد:

- ‌معركة النهروان:

- ‌الخاتمة:

- ‌المصادر والمراجع:

- ‌محتوى الكتاب:

الفصل: ال باب الثاني: عمر بن الخطاب 13-23هـ/634-644م ‌ ‌الفصل السادس: استئناف الفتوح

ال باب الثاني: عمر بن الخطاب 13-23هـ/634-644م

‌الفصل السادس: استئناف الفتوح في عهد عمر:

‌فتوح العراق:

التعريف بعمر:

أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وينسب إلى عدي، فيقال له: العدوي، وأمه خثمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، وكان نفيل جد عمر شريفًا نبيلًا تتحاكم إليه قريش1.

تعد عشيرة بني عدي من أوسط قريش قوة وجاهًا، على أنها لم تبلغ من المكانة في مكة قبل الإسلام ما بلغه بنو هاشم، وبنو أمية وبنو مخزوم، إذ لم يكن لها من الثروة ما لهم، ومع ذلك نافست بني عبد شمس على الشرف، وحاولت أن تبلغ مكانتهم، إلا أنها كانت على جانب كبير من العزة والمنعة، شغل أفرادها منصب السفارة، والحكم في المنافرات، فكانوا المتحدثين عن قريش إلى غيرها من القبائل فيما ينجم من خلاف يتوجب حسمه بالمفاوضات، وبفعل التنافس العشائري، اضطر بنو عدي في حياة الخطاب، والد عمر، إلى الجلاء عن منازلهم القائمة عند الصفاء، وانحازوا إلى عشيرة بني سهم، وأقاموا في جوارها.

ولد عمر بن الخطاب في عام 40 قبل الهجرة، وقبل حرب الفجار الآخر بأربع سنين2، ونشأ في مكة وترعرع في بيئة وثنية في ظل والده الخطاب، وكان فظًا عليه

1 البلاذري: أنساب الأشراف ج10 ص286.

2 الفجار: هي الحرب الرابعة من حروب الفجار التي اندلعت بين قريش وكنانة من جهة، وقيس عيلان من جهة أخرى، حضر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحرب مع أعمامه، وكان عمره آنذاك عشرين سنة، وانتصرت فيه كنانة، وقريش على قيس عيلان، وسميت بحرب الفجار؛ لأن الطرفين المتقاتلين استحلا القتال، والمحارم في الأشهر الحرم، ابن هشام ج1 ص209-211.

ص: 173

يكلفه بالأعمال الشاقة، ويضربه ضربا مبرحًا إذا قصر في ذلك العمل، وقد تأثر بالبيئة التي عاش فيها كغيره من فتيان مكة وشبابها، تعلم الفارسية، والقتال حتى أضحى من أبطال قريش في الجاهلية، مهاب الشخصية، مرهوب الجانب، يدافع عن عبادة الأصنام بقوة، أجاد الكتابة والخطابة، والمفاخرة، تذوق الشعر ورواه، واعتلى منزلة رفيعة بين القرشيين في الجاهلية، فكان مكلفًا بالسفارة لهم.

وعندما بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وآمن به عدد من القرشيين وسكان مكة، كان عمر شديد الأذى عليهم، ويرى أنهم خرجوا على دين قومهم، وبالتالي تجب محاربتهم، فكان من أشد أهل مكة خصومة للدعوة الإسلامية، ومحاربة لها؛ لأنه رأى في تعاليم الإسلام ما يقوض النظام المكي، ويثير الفساد في مكة، لقد فرقت الدعوة الإسلامية كلمة قريش، ولا بد من وضع حد لها بالتخلص من صاحبها.

كان النبي يعرف تمامًا هذه الخصال في شخص عمر، ويطمع في إسلامه، ويرى بعض الذين أسلموا مبكرًا استحالة إسلامه، لكن النبي كان يدعو، ويلح بالدعاء:"اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب" 1، وكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب.

كانت نفس عمر تضطرب، فإذا خرج إلى قومه، ورأى تفرقهم ساءه ذلك حتى عزم على القضاء على مصدر الفتنة، وظل هذا الخاطر يتردد في نفسه حتى أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أتباعه بالهجرة إلى الحبشة فرارًا إلى الله بدينه، وبعد أن صبت قريش جام غضبها، وعذابها عليهم.

وساد مكة، بعد الهجرة إلى الحبشة، جو كئيب من الوحشة، إذ كان الذين هاجروا من الكثرة بحيث تركوا فراغًا هائلًا شعر به ذوو النفوس الحساسة، والعواطف الرقيقة، وكان من بينهم عمر بن الخطاب الذي انتابه قلق، وانقباض حتى فارقه المرح الذي عهد منه، وراح عمر يفكر في الحالة التي وصلت إليها مكة، ومرت به خواطر من الماضي حيث كان محمد لا يزال صغيرًا بينما هو الآن قد خرج، بعدما كبر، بتعاليم جديدة، أراد أن يفرضها على أهل مكة، تجعل الصديق يشهر سيفه في وجه صديقه، وتفرق الجماعة، وتفرض على الأغنياء أن يساعدوا الفقراء، وتلقي العداوة بين الأخ وأخيه.

وقرر عمر أن يضع حدًا لتلك الأحداث، وإخماد الفتنة التي تجتاح مكة نتيجة

1 ابن هشام: ج2 ص96.

ص: 174

تعاليم محمد، فصمم على قتله، وأثناء عودته إلى بيته ليستعد لتنفيذ الخطة الحاسمة شاهد جارة له كان يعذبها، قد جمعت متاعها، ووقفت أمام منزلها تنتظر زوجها ليخرجا معًا إلى الحبشة، فاقترب منها، وبادرها قائلًا:"إنه للانطلاق يا أم عبد الله"1، ولم يكن في صوته حدة أو دليل عدوان، فأجابته:"نعم، والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله فرجًا"2، وسكت عمر وراح يفكر خلال صمته بجارته التي ستخرج أيضًا لتلحق، وزوجها بمن سبقهما، وازداد حزنه حتى رق قلبه لهذا الفراق، وسرت الرقة في صوته، وهو يحاورها، ويقول لها:"صحبكم الله" حتى طمعت في إسلامه لما تنبهت إلى تغيير نبرة صوته، واختلاف حركاته، قال لها زوجها عندما أخبرته:"فلا يسلم الذي رأيته حتى يسلم حمار الخطاب"3.

أما عمر فقد خرج من بيته بعد قليل متوشحًا سيفه، ويمم وجهه صوب دار الأرقم حيث يجتمع محمد بأصحابه، ليقتله أمامهم وبخاصة حمزة الذي ضرب أبا جهل وشجه في رأسه، ثم اعتنق الإسلام، حتى يلقنه درسًا قاسيًا، ولا يجرؤ بعد ذلك على تهديد فرسان قريش، وقد صمم على قتله إن هو حاول أن يعترضه، أو يدافع عن ابن أخيه، وبذلك يكون قد أخمد الفتنة التي أحدثتها تعاليم محمد.

وفجأة لقيه أحد أصدقائه، وهو نعيم بن عبد الله النحام من بني عدي، وكان قد أسلم سرًا، فسأله عن وجهته، فأجابه عمر:"أريد محمدًا، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله"4، وقال له صاحبه وهو يحاوره، وقد خشي على محمد غضبة عمر، فأراد أن يصرفه عما اعتزم:"والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمدًا، أفلا ترجع إلى أهل بيتك، فتقيم أمرهم"5.

غضب عمر لكلام نعيم، فلم يكن يعلم بإسلام أخته فاطمة، وختنه وابن عمه سعيد بن زيد، فنسي غايته التي خرج من بيته لأجلها، وولى وجهة شطر بيت أخته، وقد انتفخت أوداجه بنار الغضب، وما إن وصل إلى المنزل حتى سمع صوت هيمنة لرجل غريب يتلو، فقرع الباب بشدة فزع لها من بالداخل، وسألوا من بالباب، فأجاب:"أنا عمر" فارتج عليهم عندما سمعوا صوته وارتبكوا، وأسرعوا يخفون ما

1 ابن هشام: ج2 ص95.

2 المصدر نفسه.

3 المصدر نفسه.

4 المصدر نفسه.

5 المصدر نفسه.

ص: 175

كان من أمرهم، فاختبأ خباب من الأرت الذي كان يقرؤهما القرآن، في بعض البيت، وأخذت فاطمة الصحيفة التي كان يقرأ منها فأخفتها خلفها، وقام زوجها ليفتح الباب، ودخل عمر هائجًا يدور بعينيه في أرجاء الدار يبحث عن مصدر الصوت الذي سمعه، فلم ير أحدًا غير أخته وزوجها، فسألهما بغضب:"ما هذه الهيمنة التي سمعت" فأنكرا خوفًا منه، ثم صرخ في وجههما:"لقد أخبرت أنكما تبعتما محمدًا على دينه"، فتقدم من زوج أخته، وضربه بمقبض سيفه، فسال دمه، وقامت أخته فاطمة تدافع عن زوجها، فضربها عمر أيضًا فشج رأسها، عند ذلك اعترفت له "نعم قد أسلمنا، فاصنع ما بدا لك"1.

وعندما رأى عمر الدم يسيل من رأس أخته تخاذلت قواه، فهدا وراح يحاسب نفسه حتى ندم على تصرفه، ثم وقع نظره على الصحيفة التي كان يقرأ منها خباب، فطلب من أخته أن تطلعه عليها لينظر ما جاء به محمد، فأعطته إياها بعد أن طلبت منه أن يغتسل، ثم قرأ ما أذهله وملأ قلبه روعة، فقال:"ما أحسن هذا الكلام وأكرمه"، وسمع خباب وهو في مخبئه قول عمر، فاندفع إليه قائلًا:"يا عمر فإني أرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس يقول: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب" 2.

وأسرع عمر من فوره إلى دار الأرقم، فقرع الباب بلهفة وعنف، ففتح له حمزة وتهيأ للقائه إن بدر منه شر، لكن النبي أراد أن يردع عمر بنفسه، فقام للقائه، وأمسكه بطرف ردائه، وجذبه جذبة قوية ارتعد على إثرها عمر، وما أفاق حتى سمع محمدًا يقول له:"ما جاء بك يا ابن الخطاب، فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة"، فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأؤمن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم3.

وعارض عمر أسلوب استخفاء المسلمين، وأبى إلا أن يخرجوا إلى الكعبة ليؤدوا الصلاة فيها جهارًا أمام القرشيين، ووافق النبي على الفكرة، وفي اليوم التالي، خرج المسلمون يمشون في طرقات مكة نحو الكعبة في صفين، على أحدهما حمزة وعلى الآخر عمر، فسماه النبي منذ ذلك الوقت بالفاروق؛ لأنه فرق

1 ابن هشام: ج2 ص95، 96.

2 المصدر نفسه: ص96.

3 المصدر نفسه.

ص: 176

بين الحق والباطل1، وهكذا أسلم عمر بن الخطاب في السنة السادسة من البعثة، وهو يومئذ ابن تسع وعشرين سنة وأشهر، وعدد المسلمين لا يزيد عن أربعين2.

دخل عمر في دين الله بالحمية نفسها التي كان يحاربه من قبل بها، إذ ما لبث حين أسلم أن حرص على أن يذيع في قريش كلها إسلامه، وبإسلامه وبإسلام حمزة من قبل، شعر المسلمون بالمنعة، والقوة حتى قال عبد الله بن مسعود: "إن إسلام عمر كان فتحًا

ولقد كنا لا نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلم أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة، وصلينا معه"3.

وعندما أذن النبي لأصحابه بالهجرة إلى المدينة كان عمر من أوائل المهاجرين. وقد حضر مع النبي غزوة بدر، وأحد والمعارك كلها، وشارك في كثير من السرايا وقاد بعضها، وتزوج النبي ابنته حفصة.

كانت لعمر مواقف حادة، وشديدة ضد أعداء الإسلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه:"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" 4، نذكر منها: "اقتراحه قتل أسرى بدر حتى لا يعودوا لمناوأة المسلمين، على الرغم من إقرار جماعة المسلمين قبول الفداء، ونزل الوحي مؤيدًا رأي عمر في أمر الأسرى5، فزاد ذلك عمر قربًا من النبي، ومكانة عنده، ورفض عمر صلح الحديبية مع قريش لظنه أن في بعض بنوده مهانة للمسلمين، فراح يناقش النبي في ذلك6.

ولعمر مواقف أخرى ملفته بطول المقام عن شرحها، منها: موقفه من عبد الله بن أبي، زعيم المنافقين ومن حكم الخمر، ومن نساء النبي7، وهي تكشف عن جانب من شخصيته التي كانت تزداد وضوحًا، وقوة على مر الزمن.

وبرز عمر في السياسة العامة، لذلك كان النبي يدعوه وزيره، وحين يشاور أصحابه يجعل لرأي عمر مكانة تعدل مكانة الرأي الذي يبديه أبو بكر، على أن صرامة عمر، وصراحته وشدته، ومخالفة النبي لرأيه في بعض ما أشار به لم تنقص يومًا من مكانة عمر، أو من احترامه، وذلك بأنه كان مخلصًا صادقًا في كل ما يراه، ويشير به.

1 البلاذري: ج10 ص297.

2 المصدر نفسه: 293.

3 ابن هشام: ج2 ص95.

4 البلاذري: ج10 ص297.

5 ابن كثير، الحافظ عماد الدين: تفسير القرآن العظيم ج2 ص325، السهيلي: ج3 ص83.

6 ابن هشام: ج4 ص28.

7 هيكل، محمد حسين: الفاروق عمر: ج1 ص65-68.

ص: 177

كان عمر زاهدًا، فعندما أصاب أرضًا بخيبر، أتى النبي فقال:"أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به"، فأجابه النبي:"إن شئت حبست أصلها، وتصدقت به"، فتصدق عمر بها للفقراء، وذوي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله والضيف.

نتيجة هذه الصفات التي اتصف بها عمر، كان موضع تقدير واحترام كل المسلمين، على الرغم مما كان فيه من غلظة وشدة، وكان عمر سندًا لأبي بكر، وقد ذكرنا في فصول سابقة مواقفه من بعض القضايا التي واجهت الخليفة الراشدي الأول.

بيعة عمر:

عندما مرض أبو بكر وشعر بدنو أجله، فكر في أمر خلافته، وخشي إن هو توفي، ولم يعهد بالخلافة إلى أحد، أن يتجدد الخلاف بين المسلمين، كما حدث في سقيفة بني ساعدة، ولئن اختلفوا هذه المرة، فيكون اختلافهم أشد خطرًا، وربما أدى إلى الفتنة، وقد تشمل كافة العرب، وذلك بفعل اتساع الدائرة، إذ لم يعد الأمر محصورًا بين المهاجرين والأنصار.

أما إذا استخلف وجمع كلمة المسلمين على من يستخلفه، فقد يتقي ما يخشى، ويكفل لسياسة الفتوح الاستمرارية والنجاح، فرأى ببعد نظره أن يحتاط لهذا الأمر تلافيًا للأخطار، وقد دفعته الظروف إلى العمل بأسلوب آخر يختلف عن الأسلوب الذي تولى بموجبه شئون الأمة من حيث الشكل، ويتفق معه من حيث الروح، وهكذا نتعرف على صورة جديدة من صور البيعة المؤسسة على الشورى، وعلى اجتهاد أبي بكر وبعد نظره.

وراح أبو بكر يستعرض سير أصحابه، ومواقفهم ليختار من بينهم رجلًا يكون شديدًا في غير عنف، ولينًا في غير ضعف، فوجد أن من توفرت فيه هذه الصفات من أصحابه أحد رجلين، عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، إلا أن الأول ربما يريد الأمر، فيرى في طريقه عقبة فيدور إليه، والثاني يرى الاستقامة لا يبالي بالعقبة تقوم بين يديه، فهو بهذا إلى الشدة أميل منه إلى اللين.

وأدرك بخبرته وتجربته أن عبء الخلافة الثقيل لا يستطيع أن يتحمله شخص آخر سوى عمر، ففضله على غيره بفعل مرونته السياسية، كما أن الصفات الأخرى التي اصطبغ بها، ومالت به إلى إيثار الخير العام على نفسه، وأهله وذويه، ثم إن هذا التفكير الذي انتهى إلى تطابق في المواقف من قضية الفتوح مع الخليفة الراشدي الأول،

ص: 178

كان دافعًا آخر لأبي بكر على التصميم على اختيار عمر خلفًا له، أما القول بأن هذا الاختيار جاء ردًا على مساندته له في سقيفة بني ساعدة، فهو بعيد الاحتمال، بفعل أن أحدًا من الصحابة لم يحتج على اختيار عمر، يضاف إلى ذلك أن عمرًا كان لصيقًا بأبي بكر أثناء خلافته، وأتاحت له هذه الميزة أن يطلع على دقائق الأمور أثناء تسيير دفة الحكم، فاكتسب مزيدًا من الخبرة في الشأن العام، ربما حرم منها كثير من الصحابة، فإذا هو تسلم الحكم فهو أهل له.

وراح أبو بكر، بعد أن قرر اختيار عمر لخلافته، يستشير كبار الصحابة من أهل الحل، والعقد ليقف على توجهاتهم وآرائهم، فلم يجد معارضة لديهم، بل ثناء على هذا الاختيار، باستثناء ما ظهر من تردد عند بعضهم، مثل طلحة بن عبيد الله الذي خشي أن يفرق جماعة المسلمين بفعل غلظته وشدته، لكن سرعان ما تلاشى1، ثم عرض قراره على الأمة، وخاطب المسلمين في المسجد، فما تردد أحد، وقالوا جميعًا:"سمعنا وأطعنا"2.

والواقع أن أبا بكر لجأ إلى هذا الأسلوب مضطرًا، وعلق خلافة عمر على رضا الناس، كما أنه لم يستخلف أحدًا من أبنائه أو أقربائه، وأكد اجتهاده في هذا الاختيار بقوله:"فإن تروه عدل فيكم، فذلك ظني به، ورجائي فيه، وإن بدل وغير، فالخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"3، وبعد أن اطمأن إلى ضمان موافقة المسلمين، دعا عثمان بن عفان، وأملى عليه أمر الاستخلاف ليكتبه4.

وهكذا أضاف أبو بكر إلى معجم الفكر السياسي الإسلامي مصطلحًا جديدًا هو الاستخلاف أو العهد، وهو شكل من أشكال الترشيح، أو البيعة الخاصة، أو البيعة الصغرى، ولا بد من البيعة العامة، أو البيعة الكبرى بعد ذلك، وقد تحققت في المسجد.

ودعا أبو بكر عمر، فعهد إليه وأوصاه باستكمال الفتوح، وذكره بما يجب على ولي أمر المسلمين من تحري الحق، وبأن الله ذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راهبًا، فلما فرغ من وصيته خرج عمر من عنده، وهو يفكر في هذا المر الذي ألقي على عاتقه، فود لو أن أبا بكر برئ من مرضه ليواجه موقفًا دقيقًا5.

1 البلاذري: أنساب الأشراف ج10، ص304، 305، الطبري: ج3 ص428- 433.

2 الطبري: المصدر نفسه: ص428.

3 ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ج1 ص19.

4 الطبري: ج3 ص429.

5 انظر نص الوصية عند ابن الأثير في تاريخه ج2 ص267، 268.

ص: 179

دعي عمر بن الخطاب خليفة أبي بكر الصديق، أو خليفة رسول

الله، ولما آنس المسلمون في اللقب طولًا، سموه الخليفة على إطلاقه، وأمسى هذا لقبا لرئيس دولة الإسلام، ثم أضافوا إلى عمر لقبًا جديدًا يتماشى مع حركة الفتوح هو لقب أمير المؤمنين، وهو أول من تسمى به.

دعوة المسلمين إلى الجهاد:

حتى وفاة أبي بكر جرت في سواد العراق غارات، ومناوشات عديدة بين المسلمين، وبين الفرس ومن ساندهم من العرب المنتصرة القاطنين هناك، لكن هؤلاء عجزوا عن وقف هجمات المسلمين كما كان عليه الحال مثلًا في معركة عين التمر، وكانت الفرق الإسلامية تجوب أراضي السواد مغيرة على هذه القرية أو تلك، لكن في المدة، بين رحيل خالد بن الوليد

ووفاة أبي بكر، لم تحدث إلا اصطدامات محدودة، بفعل أن جيش العراق ضعف

بغياب خالد، وبخاصة أنه فصل معه أكثر من نصف القوات، وانهمك الفرس في المقابل في الصراعات الداخلية، والتنافس على الحكم، مما أدى إلى ركود الجبهة العراقية، واضطر المثنى، على الرغم من براعته القتالية، أن ينكفئ إلى الحيرة، وتحصن بها، إلا أنه احتفظ بكل ما غنمه المسلمون من سواد العراق، صحيح أنه

انتصر على جيش فارسي في بابل، وجهه شهربراز بن أردشير بقيادة هرمز جاذويه في "أواخر ربيع الأول 13هـ/ أواخر أيار 634م"1، إلا أنه تحصن بعد انتصاره في مواقعه الأولى خشية أن يباغت مدركًا في أنه لن يستطيع التقدم، وإن استطاع المقاومة، بل تصبح المقاومة مستحيلة إذا تكتل الفرس، والعرب الموالون لهم مرة أخرى، فضلًا عن أنه لا يستطيع أن يحتفظ بالإنجازات المحققة، فكيف إذا قرر التقدم، لذلك كان لا بد من تعزيز القوة الإسلامية الموجودة

تحت تصرفه، فغادر العراق إلى المدينة ليبحث مع أبي بكر في الوضع الميداني على الجبهة العراقية، ويقدم له مشروعًا جديدًا للتعبئة العامة من واقع تجنيد من ظهرت توبته من أهل الردة، وعندما وصل إليها وجد أبا بكر مريضًا، ولما أفضى إليه ما جاء من أجله، استدعى عمر وأوصاه بندب الناس مع المثنى إذا توفي2.

وما كاد عمر يفرغ من دفن أبي بكر بعد وفاته حتى دعا الناس إلى التطوع لحرب الفرس مع المثنى، وركز على تعبئة المسلمين على الجبهة العراقية، وأدى المثنى دورًا بارزًا في ذلك حين اجتمع به، وشرح له الوضع الداخلي المتدهور للفرس،

1 الطبري: ج3 ص411-413.

2 المصدر نفسه: ص414.

ص: 180

وشجعه على إرسال المسلمين لتكثيف حملاتهم على أراضي السواد، إذ لا بقاء لهم في العراق، إذ لم تعزز قواتهم هناك بمدد قوي1.

أحجم معظم المسلمين، عن الاستجابة لنداء عمر، إذ كانت العرب تهاب الفرس، وتخاف الخروج لقتالهم، وذلك بفعل هيبتهم، وسطوتهم وشدة بأسهم في القتال، والواقع أن حدود فارس تبدو صعبة في نظر العرب، وخطرة ورهيبة في أعينهم، كما كانت تثير كثيرًا من الاحترام في قلوبهم، ويتجنبون تجاوزها خشية من ملوك الفرس لاعتقادهم بأنهم على قدر من القوة يكفل لهم إدخال شعوب سائر الدول تحت سلطانهم، لكن المثنى استدرك الموقف، وشرح للمسلمين حقيقة الوضع الفارسي المنهار2.

أدرك عمر، من واقع الوضع الميداني، عظم المهمة، ورأى في المقابل ضآلة حجم الاستجابة، فلا بد إذن من إشراك كافة المسلمين، ودفعهم لمواجهة رد الفعل الفارسي، إنه استوعب العلاقة العضوية المباشرة بين إمكان توحيد جميع القبائل العربية الإسلامية، وإنهاء التصدعات الموجودة بينها، وبين التنظيم الواسع لحملات الفتوح، لهذا كان أول إجراء سياسي اتخذه هو رفع هذا الحاجز بين القبائل التي استمرت على إسلامها بعد وفاة النبي، وبين القبائل التي ارتدت، فدعا من كان قد ارتد، وحسن إسلامه للاشتراك في الفتوح، وقد أحدثت هذه الانعطافة تطورات جوهرية، وفتحت آفاقًا واسعة، وجديدة لحركة الفتوح القائمة على أراضي دولتي الفرس وبيزنطية، الأمر الذي أسفر في وقت قصير جدًا عن تغيير طابع هذه الحملات تغييرًا كليًا3.

كان صدى دعوة عمر عند قبائل الردة من نوع آخر تمامًا قياسًا بقبائل المدينة، فقد استجابت هذه القبائل لدعوة الخليفة، وكأنها كانت تنتظرها، وسارعت بإرسال جموعها إليه لتلبية هذا النداء الذي طال ترقبها له.

وهكذا رفع الحاجز بين المدينة، وبين قبائل الردة، وأخذت هذه تتدفق على المدينة بتسارع مذهل طالبة الاشتراك في الفتوح، مثل بجيلة بقيادة جرير بن عبد الله البجلي4.

1 الطبري: ج3 ص444.

2 المصدر نفسه: ص444، 445.

3 إبراهيم، أيمن: الإسلام والسلطان والملك ص145.

4 الطبري: ج3 ص448.

ص: 181

اختار عمر أبا عبيد بن مسعود الثقفي قائدًا للجيش؛ لأنه أول من لبى النداء، متجاوزًا المثنى الذيء أرسله إلى العراق على عجل لتهيئة الأجواء، واستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة، وأوصاه بالحذر، والتيقظ واستشارة أصحاب النبي، وبعدم التسرع في الحرب1.

الوضع الداخلي في فارس:

ساد البلاد الفارسي آنذاك جو من الاضطراب بسبب الصراع على العرش، وتهاوى عدة ملوك في تسارع مستمر وفي مدة زمنية قياسية، ففقد الفرس بذلك فرصة استغلال الموقف الناجم عن مغادرة خالد العراق، ورحيل المثنى إلى المدينة لاستعادة الأراضي التي خسروها أمام المسلمين، وطرد هؤلاء من العراق2.

أثارت أحداث فارس بوران بنت كسرى أبرويز التي اعتلت العرش الفارسي بمساعدة القائم رستم حاكم خراسان، ثم رأت في شخصه القائد الذي ينقذ فارس من كبوتها، من التردي الداخلي، والتقهقر العسكري أمام المسلمين، فملكته وعينته على حرب فارس، وأطلقت يده في السلطة مدة عشر سنوات يكون الملك بعدها لآل كسرى، وأمرت ولاة المملكة وأعيانها بطاعته، فاستجابوا لها، وبذلك أنهى الفرس صراعاتهم، واتحدوا لمواجهة الزحف الإسلامي، واستردت المملكة قوتها السابقة3.

أقدم رستم على خطوة أولى وهي خلق وعي قومي فارسي في المدن، والقرى التي فتحها المسلمون، وإثارة سكانها ضد حكامهم الجدد، فأرسل العمال والنقباء إلى جميع مدن العراق ليثيروا الحمية الدينية والقومية، فاندلعت نتيجة ذلك، الثورة ضد المسلمين في جميع مدن الفرات، وفقد هؤلاء المناطق التي كانت بحوزتهم4.

وجهزت بوران جيشًا كبيرًا بقيادة نرسي ابن خالة كسرى، وجابان وهو أحد أثرياء العراق المعروفين، بعدائه الشديد للمسلمين، وسلك هذان القائدان طريقين مختلفين تحسبًا من أن ينقض عليهما المسلمون، فوصل نرسي إلى كسكر بين الفرات، ودجلة وعسكر فيها بناء لأوامر رستم، وتخطى جابان الفرات إلى الحيرة، ونزل في موقع متقدم، وفي النمارق بين الحيرة والقادسية، وطلب القائدان مزيدًا من القوات من المدائن تعزيزًا لصفوفهما5.

1 الطبري: ج3 ص445.

2 المصدر نفسه: ص447.

3 المصدر نفسه.

4 المصدر نفسه: ص448.

5 المصدر نفسه: ص448، 449.

ص: 182

ووصل المثنى في هذا الوقت، إلى الحيرة، ولما علم بالاستعدادات الفارسية الضخمة، أدرك أنه لا قبل له بلقاء من عبأهم الفرس، فآثر الحذر وانسحب من الحيرة إلى خفان1، وأدركه أبو عبيد فيها2.

معركة النمارق 3:

عبأ أبو عبيد جيش المسلمين البالغ عشرة آلاف مقاتل4، وزحف من خفان نحو النمارق، وعسكر بمواجهة جابان، وفي المعركة التي دارت الطرفين في "8 شعبان 13هـ/ 8 تشرين الأول 634م"، هزم الفرس، ووقع جابان في الأسر، ولم يكن يعرفه المسلمون، فتمكن بدهائه من خديعة آسره، ففدى نفسه وهرب، كما أسر القائدان جوشن شاه ومردان، وقتل الثاني على يد آسره5.

معركة السقاطية:

توجه من نجا من الفرس إلى كسكر لينضم إلى جيش نرسي، فطاردهم المثنى حتى درنا6، ووصلت في ذلك الوقت أنباء هزيمة جابان إلى المدائن، فجهز رستم جيشًا آخر بقيادة الجالينوس، ودفعه إلى المعركة مددًا لنرسي، وتمنى هذا الأخير أن يدركه قبل الاشتباك مع المسلمين، فراح يناور ويتمهل في خوض المعركة، غير أن أبا عبيد لم يمهله كثيرًا، واصطدم بقواته في الساقطية الواقعة جنتوبي كسكر قرب واسط، وذلك في "12 شعبان 13هـ/ 12 تشرين الأول 634م"، وانتصر عليه، وفر نرسي في جو الهزيمة القاتم7.

رفعت هذه الانتصارات الروح المعنوية للمسلمين، وحفزتهم على تكثيف حملاتهم في السواد، فأرسل أبو عبيد مجموعات صغيرة من الجيش لمطاردة فلول الفرس، والإغارة على قرى السواد، وتم لأول مرة سبي السكان، وتوزيعهم على المقاتلين كجزء من الغنيمة8.

1 خفان: موضع قرب الكوفة، وقيل: هو فوق القادسية، الحموي: ج2 ص379.

2 الطبري: ج3 ص448، 449.

3 النمارق: موضع قرب الكوفة من أرض العراق، الحموي: ج5 ص304.

4 تسعة آلاف كانوا مع المثنى، وانضم إليهم ألف قدموا مع أبي عبيد.

5 الطبري: ج3 ص449.

6 درنا: هي دون الحيرة بمراحل، وكانت بابًا من أبواب فارس، الحموي: ج2 ص452.

7 الطبري: ج3 ص450، 451.

8 المصدر نفسه: ص451.

ص: 183

شعر أهل القرى في السواد بعجزهم عن مواجهة غارات المسلمين، والحد منها وبخاصة أن القوات الفارسية قد انسحبت من المنطقة، فاضطروا إلى مهادنتهم على أن يؤدوا لهم الجزية، ويدخلوا في ذمتهم1.

معركة باقسياثا 2:

عسكر الجالينوس في باقسياثا، وتقوى بمن انضم إليه من فلول جابان، فاصطدم به أبو عبيد في "17 شعبان 13هـ/ 16 تشرين الأول 634

م" وهزمه، وفر القائد الفارسي من أرض المعركة، وعاد إلى المدائن3، وانتشر المسلمون في قرى السواد، وغلبوا على تلك البلاد.

معركة الجسر 4:

أثار الانتشار الواسع للمسلمين في قرى السواد حفيظة الفرس الذين بدأوا يستوعبون مقدار الخطر الحقيقي الذي يهددهم، فجهزوا جيشًا آخر قوامه اثنا عشر ألف مقاتل، وأرسلوه إلى الحيرة، بقيادة بهمن جاذوبه وهو أشد العجم على العرب المسلمين، ورافقه الجالينوس، واصطحب معه راية فارس الشهيرة "درفش جاويان"5 لتحفيز الهمم، وعددًا من الفيلة.

ويبدو أن رستم أراد أن يكسب معركة أمام المسلمين تعيد إلى دولته موازنة الموقف، ولحكومته هيبتها، ولجيوشه روحها المعنوية، وثقتها بنفسها.

رأى أبو عبيد، عندما علم بالاستعدادات الفارسية الضخمة؛ أن يتمهل ويتحصن

1 الطبري: ج3 ص451، 452.

2 باقسياثا: ناحية بأرض السواد من عمل باروسما، الحموي: ج1 ص327.

3 الطبري: ج3 ص452، 453.

4 تعرف أيضًا بالمروحة والقرقس، والقس وقس الناطف، واسم المروحة هو أكثر الأسماء مناسبًا لشكل هذه المعركة وواقعها الميداني، لكنها اشتهرت باسم الجسر، الطبري: ج3 ص454.

5 درفش جاويان: راية مصنوعة من الجلد كانت للحداد جاوة، يغطي بها قدمه عند تطريق الحديدة المحماة، وعندما نشبت الثورة ضد الملك الضحاك بقيادة أفريدون، وهو شاب من أمراء البيت المالك القديم، انضم جاوة إلى المتظاهرين، ورفع الجلد الذي يأتزر به، على عصا، فأضحت شبه علم، واجتمع تحتها خلق كثير، ونادوا بشعار أفريدون الذي انتصر في هذه المعركة، ومنذ ذلك الوقت أضحى هذا الجلد علمًا لملوك إيران، وسمي باسم الحداد درفش جاويان، أي علم جاوة، ثم توارث ملوك الفرس هذه الراية وتيمنوا بها، فرصعوها باللآلئ واليواقيت، وعلقوا عليها علائق الديباج، والحرير حتى أضحت آية من ملوك الفرس، وعدوها فاتحة النصر، انظر الفردوسي، الشاهنامة ج2 ص34.

ص: 184

في مكان أكثر أمنًا، ويراقب تحركات الجيش الفارسي، فارتحل عائدًا إلى الحيرة. وعندما تناهي إلى أسماعه أن وجهته الحيرة، قرر أن يصطدم به خارجها، فخرج منها وتوجه إلى قس الناطف، فعبر الفرات واستعد لمواجهته، وصل بهمن جاذويه إلى قس الناطف، وعسكر على الضفة المقابلة، وفصل نهر الفرات بين الجيشين، وخير بهمن أبا عبيد إما أن يعبر إليه، أو يدعه يعبر إلى الجانب الإسلامي على الرغم من معارضة أركان حربه، فخسر بذلك مكانًا ملائمًا للعمليات العسكرية وفقًا لأساليب العرب القتالية؛ لأن فيه "مجال وملجأ، ومرجع من فرة إلى كرة"1، ونسي نصيحة عمر إذ بعثه، وتحذيره له من أرض المكر والخديعة، وتحكمت به عواطفه "لن يكونوا أجرأ على الموت منا"2، في الوقت الذي كان أحوج إلى التفكير العقلاني الهادئ، والتخطيط السليم بعيدًا عن انفعالات العواطف.

عبر المسلمون نهر الفرات فوق جسر أقيم لهذه الغاية، وقد ترك لهم بهمن مكانًا ضيقًا أجبرهم على النزول فيه خاليًا من مجال الكر والفر، مما أفقدهم حرية الحركة والانتشار، وميزة المناورة، ففرض بذلك عليهم المعركة، وأسلوب القتال، ارتكب أبو عبيد خطأ آخر حين قطع الجسر حتى يحول دون تفكير جنوده بالتراجع والانسحاب.

ودارت بين الطرفين رحى معركة ضارية أدت الفيلة فيها دورًا كبيرًا، بل إنها حددت نتائجها مبكرًا حيث كانت تجفل خيل المسلمين، وإذ حشر هؤلاء في مكان ضيق، فقد أمطرهم الفرس بالسهام، ومزقوا صفوفهم، حتى عضهم الألم، وكانت معركة غير متكافئة قتل خلالها أبو عبيد تحت أقدام الفيلة مع عدد من القادة المسلمين، عندئذ أدرك المثنى حرج الموقف، وأن المعركة خاسرة، فخطط للانسحاب آملًا أن يرتد المسلمون في نظام وهدوء، فعقد الجسر، لكن عبد الله بن مرثد الثقفي بادر إلى قطعه، ومنع الجنود من العبور حتى يموتوا على ما مات عليه أمراؤهم أو يظفروا، مبرهنًا عن قصر نظر في الحقل العسكري، إذ عندما تعرض المسلمون لضغط قتالي متزايد لم يكن أمامهم سوى طريق النهر للفرار، فتواثبوا إليه، فغرق من لم يصبر في حين أسرع القتل فيمن صبر، وأخيرًا تمكن المثنى الذي جرح في المعركة من إزاحة عبد الله، وأعاد وصل الجسر، وانسحب مع من بقي من

1 الطبري: ج3 ص454.

2 المصدر نفسه.

ص: 185

أفراد الجيش باتجاه أليس، وجرت المعركة في "23 شعبان 13هـ/ 22 تشرين الأول 634م"1.

كان انتصار الفرس واضحًا، على الرغم من تكبدهم ستة آلاف قتيل، وخسر المسلمون أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وفر ألفان، وصمد ثلاثة آلاف مع المثنى2.

لم يتعقب بهمن جاذويه المسلمين؛ لأن أخبارًا وصلت إليه عن نشوب ثورة ضد رستم، فآثر العودة إلى المدائن حتى يكون قريبًا من مجرى الأحداث، إلا أنه ترك اثنين من قادته في المنطقة هما جابان، ومردان شاه ليتعقبا المسلمين، والواقع أن المثنى كمن لهما في أليس وأسرهما وقتلهما مع جندهما، وتحصن في هذه المدينة بانتظار جلاء الموقف.

تعقيب على معركة الجسر:

- كانت معركة الجسر أول معركة يخسرها المسلمون أمام الفرس، وتعد تجربة حية في حروبهم لإثبات قيمة كفاءة القيادة، إذ إن الإيمان والجشاعة وحدهما لا يكفيان لتحقيق الانتصار.

- إن الحماس المجرد الذي أبداه أبو عبيد قبل بدء القتال، لا مكان له في المعارك إذ لم تسانده أسس صحيحة، وتخطيط سليم.

- افتقد أبو عبيد إلى عنصر الأمن حين حشره بهمن جاذويه في مكان ضيق، وحرمه من حرية الحركة، والانتشار الضروريين لخوض معركة ناجحة.

- على الرغم من تفوق الفرس في القتال، فإنهم لم يتمكنوا من أسر أحد من المسلمين، مما يدل على أن المقاتل المسلم احتفظ بميزاته في أشد المواقف حرجًا وشدة، وظل يقاتل حتى آخر رمق.

- لا شك بأن ثبات المسلمين في القتال، كان من العوامل التي دفعت الفرس للعودة إلى المدائن، ومنعتهم من مطاردتهم.

- كان لهذه المعركة أن تدور بطريقة أفضل لو أن أبا عبيد استجاب لنصيحة مستشاريه، وتذكر نصائح الخليفة عمر بن الخطاب له.

- أضاعت هذه المعركة مكاسب المعارك السابقة، ولكن إلى حين، وجعلت

1 البلاذري: فتوح البلدان ص252، 253، تاريخ خليفة بن خياط: ص66. الطبري: ج3 ص454-459، كمال: ص398، 399.

2 الطبري: ج3 ص455-458.

ص: 186

الحرب سجالًا بعد أن كانت سلسلة متصلة الحلقات من الانتصارات المتعاقبة1.

- غلب على معارك المسلمين الثلاث، قبل قدوم أبي عبيد، الطابع التقليدي، وهو الإغارة على القرى، ولم يكن المسلمون مهيئين لصدام جبهوي واسع مع جيش فارسي بغياب قيادة كقيادة خالد بن الوليد.

- أضحى استمرار التقدم مستحيلًا بعد هزيمة المسلمين في معركة الجسر دون إدخال إمدادات جديدة إلى المعركة، إذ إن الآلاف الثلاثة من المقاتلين الذين نجوا من المعركة، واستمروا بالتواجد على أرض العراق، شكلوا أصغر قوة إسلامية منذ بدء الفتح، فضلًا عن إثخانهم بالجراح.

رد فعل عمر:

تلقى عمر نبأ هزيمة المسلمين في معركة الجسر بسكون لافت، إلا أنه تأثر ضمنيًا بشكل بالغ، وشق ذلك أيضًا على المسلمين في المدينة، ثم بدأت فلول الجند من المهاجرين، والأنصار تصل إلى المدينة جزعين بما أصابهم، ورأى عمر فيهم ذلك، فنعى الشهداء وراح يواسي الناس2، إلا أنه كان قلقًا على موقف المسملين في العراق، وأدرك أن المثنى بحاجة إلى مدد يرسل إليه على وجه السرعة كي يواجه هذا الموقف الدقيق، فقام بتكثيف حملاته التعبوية بين قبائل الردة، وأرسل رسله إليها يدعوها للسير نحو فارس لغزوها، فاستجابت لندائه، وبدأت الحشود تتوافد على المدينة، من كافة أنحاء الجزيرة العربية، على رأسها قبيلة بجيلة بزعامة جرير بن عبد الله البجلي كما أشرنا، وحشود أخرى من بني ضبة وكنانة والأزد، وبعض تميم من الرباب، وبكر بن هوازن، وخثعم وحنظلة، وكان على عمر أن يتفاوض بحدة، وشدة مع هذه القبائل لإقناعها بضرورة الذهاب إلى العراق لقتال الفرس؛ لأن معظمها كان يبغي الالتحاق بجيوش المسلمين في بلاد الشام3.

وهكذا دفع عمر بحشود ضخمة إلى أرض العراق مددًا للمثنى، ومن ناحية أخرى أرسل المثنى النقباء إلى جميع المناطق الحدودية يستنفر العرب، وكان من ضمنهم جموع من نصارى النمر عليهم أنس بن هلال النمري، وجموع من بني تغلب، وقبائل عربية أخرى مقيمة بالعراق، وقد آثروا الانضمام إلى إخوانهم العرب، والقتال في صفوفهم ضد العجم، وقد جمعتهم رابطة الجنس4.

1 كمال: ص413-416.

2 الطبري: ج3 ص459.

3 المصدر نفسه: ص460، 462-464.

4 المصدر نفسه: ص464.

ص: 187

معركة البويب 1:

تناهت إلى أسماع الفرس أنباء الإمدادات الإسلامية التي كانت ترسل تباعًا إلى العراق، فهالهم أمرها، وأدركوا أن انتصارهم في معركة الجسر لم يكن حاسمًا، وأن الأمور قد وصلت إلى مرحلة لا بد معها من الإعداد المنظم لمقاومة الانتشار الإسلامي الذي أتاحه الصراع الداخلي على السلطة، ولا يتحقق ذلك إلا بإزالة الخلافات الداخلية المتجددة، وهكذا أنهى رستم خلافه مع فيروز، الطامع باعتلاء العرش الفارسي، واتفقا على تجهيز جيش قوامه اثنا عشر ألف مقاتل بقيادو مهران بن باذان الهمذاني، ودفعه إلى ساحة القتال، وقد اختارا هذا القائد؛ لأنه تربى في الوسط العربي، فنشأ يعرف اللغة العربية، ويقدر مدى قوة العرب، ويقف على أساليبهم القتالية2.

غادر مهران المدائن باتجاه الحيرة، وهو حريص على تحقيق انتصار يفوق بأهميته انتصار بهمن من قبل، وعلم المثنى، من جهته، بأنباء هذا الخروج فقرر أن يتحرك على الفور للاصطدام به، فغادر مكان إقامته في مرج السباخ3 إلى البويب، وهو المكان الذي اختاره لخوض المعركة، وأرسل إلى جرير بن عبد الله البجلي ليوافيه في هذا المكان، ولما وصل، عسكر على شاطئ الفرات الشرقي في مكان يعرف بدير هند، وقد بلغ عدد قواته ثمانية آلاف بعد وصول الإمدادات، وسار مهران إلى البويب أيضًا، وعسكر في بسوسا4 مقابل المسلمين لا يفصل بينهما إلا النهر5.

أرسل مهران إلى المثنى يقول له: "إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم" متبعًا في ذلك خطى بهمن جاذويه، وما كان للمثنى أن يعيد خطأ أبي عبيد، كما عمل بنصيحة عمر حين عهد إليه، وإلى المسلمين ألا يعبروا بحرًا، ولا جسرًا إلا بعد ظفر6.

وعبر الفرس إلى البويب، ونزلوا في الملطاط مما يلي دير الأعور في رقعة تسمى شوميًا، ومعهم ثلاثة أفيال، وعبأ كل جمع قواته استعدادًا للقاء، يحاول كل منهما أن يجعله حاسمًا، ثم اشتبكا في رحى معركة طاحنة، وأدار المثنى المعركة بحكمة بالغة

1 وتسمى أيضًا معركة النخيلة، والبويب نهر كان بالعراق موضع الكوفة فمه عند دار الرزق يأخذ من الفرات، الحموي: ج1 ص512.

2 البلاذري: ص254، الطبري: ج3 ص461.

3 مرجع السباخ: بين القادسية وخفان.

4 بسوسا: موضع قرب الكوفة، الحموي: ج1 ص423.

5 البلاذري: ص254.

6 الطبري: ج3 ص463-465.

ص: 188

مما كفل له النصر، وقتل مهران في المعركة، وتشتت جيشه، وفر أفراده في فوضى واضطراب، فطاردهم المسلمون مدة يومين حتى السيب، وهو موضع على نهر دجلة، وسمى المسلمون معركة البويب التي حصلت في "شهر رمضان 13هـ/ شهر تشرين الثاني 634م" يوم الأعشار؛ لأنهم أحصوا مائة رجل قتل كل منهم عشرة في المعركة1.

تعقيب على معركة البويب 2:

- يعد انتصار المسلمين في البويت ردًا على خسارتهم في معركة الجسر، ولا شك بأن الفرس أخطأوا حين ظنوا أن بإمكانهم تكرار ما حصل قبل شهر، فإذا بهم يفجعون بفقدان الآلاف من فرسانهم.

- استطاع المثنى أن يتجنب ما ارتكب من أخطاء في معركة الجسر، وأن يحول دون اتخاذا لفرس لهذا الانتصار نقطة تحول في سير العمليات العسكرية لصالحهم، بل إنه جعل من ذلك الانتصار الفارسي حدثًا عرضيًا مر وانتهى، وزال أثره.

- أثبت المثنى أنه جندي محترف، وقائد عسكري على درجة عالية من الكفاءة والفروسية، فقد اختار أرض المعركة، وكانت محصورة بين الفرات والبويب، وهي تصلح لنصب الكمائن للعدو، ثم وضع الخطط المناسبة لهذه الأرض بحيث يتسنى للقوات القليلة العدد أن تكون فاعلة، وتفقد الأكثرية العددية فاعليتها، وذلك من واقع سعة خط المواجهة المحدود الذي سوف يسمح بتواجد أعداد متكافئة من الطرفين، في حين تظل الكثرة العددية خلف هذا الخط دون فاعليه، بل إنها تصبح عبئًا على جيشها، ويعد وجودها خرقًا لمبدأ الاقتصاد في القرى، كما يعد تعريضها للخطر خرقًا لمبدأ الأمن، ويكون النصر في هذه الحالة إلى جانب التدريب الأعلى، والمهارة القتالية في الميدان، وقد كان ذلك للمسلمين على الفرس، يضاف إلى ذلك، فقد ارتكب مهران خطأ عسكريًا آخر حين أغفل حراسة الجسر الذي كان يمثل خط الرجعة الوحيد له، ولعله كان واثقًا من قدرته على الانتصار.

- خاض المسلمون معركة البويب بروح معنوية مرتفعة، حتى كان لكل قبيلة موقفها الذي تتحدث عنه بعد المعركة وتفاخر به، وعندما خطب المثنى بالمسلمين يحثهم على الحرب تجنب الحديث عن يوم الجسر، أو التذكير به، ولا شك بأنه كان حريصًا، وهو على أبواب معركة كبرى أن لا يذكر لهم الهزيمة.

1 البلاذري: ص254، 255، الطبري: ج3 ص465-471.

2 انظر: كمال: ص442-448.

ص: 189

- استفاد المسلمون من أخطاء معركة الجسر، وأثبتت تجربة البويب التي خاضوها في ظروف مشابهة ذلك، بل إن المثنى استطاع أن يعيد مشاهد معركة الجسر بحذافيرها إنما بشكل معكوس، أي تبادل الغالب، والمغلوب أوضاعهما، فضلًا عن أنه نجح في الانسحاب مع من تبقى من جيشه، في حين لم ينجح الفرس في سحب قواتهم في البويب، بل تبددت وأبيدت على ضخامة حجمها.

- كان من بين عوامل الانتصار التصاق المثنى كقائد في ميدان المعركة بقواته حيث ربطته بهم محبة فياضة، وذلك من خلال أحاديثه معهم، وطوافه بفرسه الشموس على راياتهم، يحمسهم ويعطيهم توجيهاته، ويحرك مشاعرهم، فضلًا عن طوافة بينهم والمعركة دائرة، ولا يغفل عن ملاحظة أي حادث يمكن أن يؤثر على معنوياتهم، فيستدركه، من ذلك ما فعل حين أصيب أخوه مسعود إصابة قاتلة، ورأى أثر ذلك على المقاتلين، فطلب منهم مواصلة القتال، ورفع الرايات حتى ينضوي تحتها المقاتلون، فقال:"يا معشر المسلمين لا يرعكم مصرع أخي، فإن مصارع خياركم هكذا"، ولا يقل عن هذا قوله عن نفسه مستبشرًا بالشهادة:"ارفعوا راياتكم رفعكم الله، لا يهولنكم مصرعي".

- أرسل المثنى بعض السرايا إلى عمق الجبهة مع الفرس، وذلك لتحقيق هدفين:

الأول: تشتيت قوى العدو وإرباكها، ومنعها من إعادة التجمع، فراح المسلمون يشنون الغارات فيما بين كسكر، وجنوبي الفرات إلى عين التمر، وما والاها من أرض الفلاليج1 والعال2، فشملت جميع الجنوب العراقي، وامتدت حتى تكريت3 وصفين4، وبلغوا ساباط5 على مرأى من المدائن، فغنموا وسبوا كثيرًا بحيث لم يحظ بمثلها مسلم مقاتل من قبل.

الثاني: الحصول على الأقوات الضرورية لتموين قواته، فهاجم المسلمون قرى السواد، وأسواق العراق الغنية مثل الخنافس، وبغداد.

1 فلاليج السواد: قراها، الحموي: ج4 ص270.

2 العال: بمعنى العلو، يقال للأنبار وبادوريا، وقطربل ومسكن الإستان العال لكونه في علو مدينة السلام -بغداد، المصدر نفسه: ص70.

3 تكريت: بلدة مشهورة بين بغداد والموصل، وهي إلى بغداد أقرب، بينها وبين بغداد ثلاثون فرسخًا، ولها قلعة حصينة في طرفها الأعلى راكبة على دجلة، وهي غربي دتجلة، المصدر نفسه: ج2 ص38.

4 صفين: موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس، المصدر نفسه: ج3 ص414.

5 ساباط: ساباط كسرى بالمدائن، المصدر نفسه: ص166.

ص: 190

رد فعل الفرس -تولية يزدجرد السلطة:

كان للأحداث السلبية التي شهدتها أرض العراق، رد فعل في الدوائر الحاكمة في فارس، إذ إن الهزائم المتكررة أدت إلى فقدان التوازن في دولة هرمة وعاجزة، وبدا واضحًا أن الارتباط الذي ساد مواقف الدولة إزاء الوجود العسكري الإسلامي في ممتلكاتها العراقية، أدى إلى ضياع الفرصة النادرة لوقف الخطر عبر ثلاثة أعوام من المجابهة الحذرة والمترددة، فتنبه حكام الفرس لخطورة الموقف، وأدركوا أن الأمور لم تجر على نحو طيب، إذ ما بعد بغداد وساباط، وتكريت سوى المدائن1.

وتشاور أركان الحكم لاختيار أنجح السبل للخروج من المأزق، فرأوا أنهم بحاجة إلى رجل حاكم يقودهم في الحرب، فعزلوا آزرميدخت2، ونصبوا يزدجرد بن شهريار بن كسرى، وهو يزدجرد الثالث، فعين رستم قائدًا للجيش، وكلفه بأمر المسلمين في الجنوب، وجدد المسالح والثغور، وعين عليها حاميات عسكرية، فسمى جند الحيرة، والأنبار والمسالح، وجند الأبلة3.

أدى هذا التفاهم، بين القيمين على شئون الحكم في فارس، إلى إنهاء حالة التمزق، كما رفع الروح المعنوية للدهاقنة، والسكان في السواد، فتوقفوا عن دفع الجزية للمسلمين، وفضوا عقود الصلح معهم، وقام الدهاقنة بمساعدة من كان لديهم من جنود ومقاتلة، بتنظيم انتفاضة فلاحية واسعة، ثم دعمها ماديًا ومعنويًا من قبل المدائن، وسارت هذه الانتفاضة بشكل مواز مع الإجراءات التي اتخذتها المدائن من واقع تنظيم جيش موحد تحت قيادة رستم بهدف التصدي للمسلمين.

وهكذا حقق يزدجرد الشروط الأولى الضرورية للبدء بمواجهة التطورات السلبية في جنوبي الإمبراطورية، وجسد الالتفاف حول حكمه تطورًا جديًا لدى الجانب الفارسي، وولد انعطافة نوعية في وضع القتال على الجبهة الفارسية، وكان البدء بالانتقال إلى عملية منظمة واسعة لفتح العراق فتحًا شاملًا، وطرد الحكام الفرس منه محتوى هذه الانعطافة لدى الجانب الإسلامي4.

أثارت هذه الصحوة السياسية، والعسكرية للفرس المثنى، الذي أدرك أنه توغل في

1 الطبري: ج3 ص477، بيضون: ملامح التيارات السياسية ص53، 54.

2 لقد خلفت أزرميدخت الملك جشنده، وكان هذا قد خلف بوران بنت كسرى أبرويز، الطبري: ج2 ص232.

3 المصدر نفسه: ص234، 235.

4 إبراهيم: ص149.

ص: 191

خريطة مواقع الجيشين قبل المواجهة

ص: 192