الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ملابسات حوادث بني تميم:
أوضاع بني تميم: انقسم بنو تميم على أنفسهم بعد وفاة النبي نتيجة عاملين: ديني يتعلق بامتناع فئة
من التميميين عن دفع الزكاة، وسياسي يتعلق بظهور مدعبة النبوة سجاح، والأثر الذي تركته على أوضاع القبلية من واقع محاولة مالك بن نويرة استغلالها لصالحه ضد خصومه في القبيلة.
ففي ما يتعلق بالعامل الأول، فقد كان رد فعل الذين كلفهم النبي بجمع الزكاة، أي العمال؛ رد غير المستيقن من خبر وفاة النبي، ويتم إثبات الشكوك والمؤامرات التي صدرت عن ولاة الأمور المتنافسين في ما رواه الطبري: "فكان الزبرقان بن بدر على الرباب وعوف والأبناء، وقيس بن عاصم على مقاعس والبطون، وصفوان بن صفوان، وسبرة بن عمرو علي بني عمرو، وهذا على بهدى، وهذا على خضم، ووكيع بن مالك ومالك بن نويرة على بني حنظلة، هذا على بني مالك، وهذا على بني يربوع، فضرب صفوان إلى أبي بكر حين وقع إليه الخبر بموت النبي صلى الله عليه وسلم بصدقات بني عمرو، وما ولي منها وبما ولي سبرة، وأقام سبرة في قومه لحدث إن ناب القوم، وقد أطرق قيس ينظر ما الزبرقان صانع، وكان الزبرقان متعبًا عليه، وقلما جادله إلا مزقه الزبرقان بخطوته وجده، وقد قال قيس وهو ينتظر: لينظر ما يصنع ليخالفه حين أبطأ عليه: وا ويلنا من ابن العكلية! والله لقد مزقني فما أدري ما أصنع! لئن أنا تابعت أبا بكر، وأتيته بالصدقة لينحرنها في بني سعد فليسودني فيهم، ولئن نحرتها في بني سعد ليأتين أبا بكر فليسودني عنه، فعزم قيس على قسمها في المقاعس والبطون، ففعل، وعزم الزبرقان على الوفاء، فاتبع صفوان بصدقات الرباب وعوف الأبناء حتى قدم بها المدينة
…
وتحلل الأحياء ونشب الشر وتشاغلوا، وشغل بعضهم بعضًا، ثم ندم قيس بعد ذلك"1.
من غير المجدي أن نحدد من كان يؤدي الزكاة ومن كان يمنعها، إلا أنه من الثابت أن بعض زعماء بني تميم كانوا مترددين، وأرادوا التربص والانتظار ليروا مدى ثبات أبي بكر في وجه المشكلات التي كان يواجهها، أما الاستثناء الوحيد فقد شكله مالك بن نويرة الذي ظل على رفضه أداء الأموال حتى وصول خالد، فانكشف أمام المسلمين من وجهين، وهنا يتداخل العاملان الديني والسياسي، إذ كان قد انضم إلى سجاح، وأنه امتنع عن إرسال الزكاة إلى المدينة، ويعد هذا التصرف منه أحد مظاهر الاحتجاج على موقفه من خلافة أبي بكر، كما أن علاقته بسجاح تشجع على هذا الاعتقاد، على الرغم من أنه رفض عرضها للتحالف ضد المدينة، وكفها عن
1 تاريخ الرسل والملوك: ج3 ص267، 268.
مهاجمتها، غير أن هذا الموقف لم يعفه من دفع الثمن باهظًا من دون الالتفات إلى العوامل التي قد تسقط العقاب، أو بعضًا منه تجاه الجماعات الأخرى، وبخاصة أن هؤلاء كانوا أقرب إلى الاحتجاج في موقفهم منه إلى الثورة، أو الارتداد1.
زحف خالد باتجاه بطاح بني تميم:
بعد أن انتهى خالد من القضاء على حركة الردة في الشمال الشرقي للجزيرة العربية، سار إلى بطاح بني تميم في شهر "شعبان 11هـ/ تشرين الأول 632م"، ولا تتحدث المصادر عن اشتباكات كبيرة، لكن الحملة انتهت بقتل مالك بن نويرة التي أثارت حفيظة بعض المسلمين، وعرضت خالدًا للنقد الغليظ.
والواقع أن خالدًا استغل ما حصل في بني تميم من الانقسام لإخضاع التميميين، ويفعل أنه خرج من المدينة لإخضاع المرتدين، والقضاء على ثورات القبائل، ولم تكن معركة البزاخة سوى الخطوة الأولى، ولا يجوز الوقوف عندها، ثم إنه لم يشأ أن يتمسك بسياسته، وقيادة جيشه عند حرفية النص، في حال وجوده، وبخاصة أن الاتصالات مع المدينة كانت بطيئة نظرًا لطبيعة المواصلات في البادية مما يضيع عليه كثيرًا من الفرص، ثم إن إخضاع التميميين من شأنه أن يطهر المنطقة من وجود المرتدين، وبالتالي يحمي مؤخرة جيشه من خطر الاعتداء عليها، ويعطيه فرصة للتفرغ لأهل اليمامة، وهو مطمئن؛ لذلك، قرر الزحف نحو بطاح بني تميم لإخضاع المرتدين.
وتتباين روايات المصادر حول هذه المبادرة، أكانت شخصية محضة اتخذها خالد من واقع مهمته بإخضاعه المرتدين، أم بتوجيه من الخليفة2، ويجد الباحث نفسه أمام ثلاثة احتمالات:
الأول: إذا كان ثمة مجرد أمر شامل موجه إلى خالد، فهذا يمكن أن يعني أن الأنصار الذي اعترضوا على زحف خالد باتجاه البطاح لم يكونوا على علم بوضع بني تميم، وكان خالدًا خليقًا عندئذ أن يكون مكلفًا أن يسير بالجيش إلى مضاربهم، ويقرر ما سوف يفعله، فيعاقب المرتدين، ويدعو سائر السكان إلى الإسلام.
الثاني: أن الأنصار بلغهم رفض أداء الزكاة من قبل بعض فروع بني تميم، وأن الخليفة أرسل خالدًا ليذكر المتلكئين في تأدية واجبهم.
الثالث: أنه إذا لم يكن هناك أمر شامل موجه ضد بني تميم، ولا أمر خاص موجه ضد مالك بن نويرة، أي إذا كان خالد يريد، بدافع شخصي، أن يغير على بني تميم
1 بيضون: ص29.
2 الطبري: ج3 ص253، 276، 277.
بحكم مجاورتهم لبني أسد، فسيكون من الممكن عندئذ أن نستنتج من ذلك أن الأمر لم يبلغ مدى بعيدًا في ما يتعلق بإسلام بني تميم وردتهم، وفي هذه الحالة يكون خالدًا خليقًا أن ينتهز الفرصة السانحة التي أتيحت له، ويكون لقاؤه مع مالك بن نويرة من باب الصدقة1.
بين خالد ومالك بن نويرة:
تختلف روايات المصادر في عرضها لقضية مالك بن نويرة، الأمر الذي يجعل الحديث عن رواية نموذجية، ينطوي على الإشكال، فقد قدم مالك على النبي فيمن قدم من أمثاله من العرب، فولاه صدقات قومه بني يربوع كما أشرنا، فلما مات النبي امتنع عن دفع الزكاة، وفرق ما في يده من إبل الصدقة، وتجاهل نصائح أقرانه في القبيلة، بعدم الإقدام على هذا التصرف2، وعندما علم بزحف خالد باتجاه البطاح، هاله الأمر، وأدرك أنه عاجز عن مواجهة المسلمين ميدانيًا، فأمر أتباعه بالتفرق، ونهاهم عن الاجتماع والمقاومة3، وتوقف عند هذا الحد، فلم يخرج للقاء خالد، وإعلان توبته وعودته إلى الإسلام، ويبدو أنه لم يكن بوسعه أن يحمل نفسه على مسيرة عدها مذلة لكبريائه.
والواقع أن أحداث بني تميم، ومقتل مالك تتضمن خمسة عناصر جوهرية هي:
- سوء الفهم اللغوي الذي أدى إلى القتل بطريق الخطأ.
- استجواب مالك الذي انتهى بحكم الإعدام.
- شهادة أبي قتادة الأنصاري التي يتم إيرادها كرواية مواكبة بأن مالكًا، وبني يربوع كانوا مسلمين.
- الاختلاف في وجهات النظر بين أبي بكر وعمر.
- اتهام خالد بقتل مسلم، والتزوج بامرأته.
تظهر قضية سوء الفهم أو الالتباس اللغوي، في رواية سيف التي رواها الطبري4، إذ عندما وصل خالد إلى البطاح بث سراياه، وأمرهم بداعية الإسلام على أن يأتوه بكل من لم يجب، وإن امتنع أن يقتلوا تنفيذًا لوصية أبي بكر، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة مع نفر من أصحابه من بني يربوع، فاختلف أفراد السرية فيهم.
1 كلير، كلاوس: خالد وعمر، بحث نقدي في مصادر التاريخ الإسلامي المبكر ص159، 160.
2 الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين: كتاب الأغاني: ج15 ص305.
3 الطبري: ج3 ص277.
4 المصدر نفسه: ص277- 279.
فشهدت فئة منهم بأنهم أذنوا، وأقاموا وصلوا وأقروا بالزكاة، كان من بينهم أبو قتادة الأنصاري، في حين شهدت فئة أخرى بأنهم استمورا على ردتهم، فلما وقع الاختلاف، أمر خالد بسجنهم حتى الصباح ليحكم في الأمر، وكانت ليلة باردة، تزداد بردًا كلما مضى شطر من الليل، فأخذت خالد الشفقة عليهم، فأمر مناديًا "أدفئوا أسراكم"، وكان معنى العبارة في لغة كنانة القتل، ولما كان الحرس من هؤلاء قتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكًا، وسمع خالد الضجة، فخرج وقد فرغوا منهم، فقال:"إذا أراد الله أمرًا أصابه"1.
هذه هي صياغة المشهد التي يبدو عليها علائم الاختلاف، وذلك أن المرء لا يستطيع في مخيم عسكري أن يدبر مجزرة لا يلاحظها القائد إلا بعد انتهائها، ولكن هذا هو هدف القصة، فهل تعمد خالد إصدار الأمر الذي يساء فهمه، ثم راح ينتظر حتى تحققت النتيجة المرجوة، وهي قتل مالك بن نويرة، والتزوج بامرأته أم تميم ابنة المنهال؟ كيف صح من قائد المسلمين أن يخاطب الحراس بلغة يعلم أنها ليست لغتهم، فيما يقصد إليه من معنى وهدف؟ وإن كان لا يعلم فلماذا لم يعتذر بهذا العذر عند الخليفة عندما عاتبه؟
الواضع أن هذه القصة لا تذكر سببًا معقولًا، ومقبولًا لقتل مالك بن نويرة، على الرغم من أنها تستشهد بأقوال فئة من أفراد السرية بأنه عاد من ردته، ونصح قومه بالاقتداء به.
وإذا تأملنا في صيغة الأمر من الوجهة اللغوية، كان معناها الأساسي الدفء، أما المعنى الجانبي الذي هو القتل، فلا تسجله معاجم اللغة إلا على الهامش، وبناء على هذا نجد الصياغة في لسان العرب، دفف على الجريح أجهز عليه، وكذلك دافه مدافة، ودفافًا ودافاه وهي لغة لجهينة، معناها القتل2.
وتجري رواية استجواب خالد لمالك بن نويرة للوقوف على أي الشهادتين حق، الشهادة بإسلامه، أم الشهادة بإصراره على الرده ومنع الزكاة، فعندما جاءت به السرية حاوره خالد في موقفه من الإسلام، فقال مالك:"أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلى القبلة؟ فقال خالد: لو كنت مسلمًا لما منعت الزكاة، ولا أمرت قومك بمنعها، والله ما نلت ما في مثابتك حتى أقتلك"3، وفي رواية أنه قال: "أنا آتي الصلاة دون الزكاة.
1 الطبري: ج3 ص278.
2 ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد: لسان العرب ج9 ص104- 106.
3 ابن أعثم: الفتوح ج1 ص26.
فقال له خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معًا، لا تقبل واحدة دون الأخرى؟ فقال مالك: قد كان صاحبكم يقول ذلك، قال خالد: أوما تراه لك صاحبًا؟ والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجادلا في الكلام، فقال خالد: إني قاتلك، فقال له: أو بذلك أمرك صاحبك؟ قال خالد: هذه بعد تلك، وكان عبد الله بن عمر، وأبو قتادة الأنصاري حاضرين، فكلما خالدًا في أمره، فكره كلامهما، فقال مالك: يا خالد إبعثنا إلى أبي بكر، فيكون هو الذي يحكم فينا، فقال خالد: لا أقالني الله إن أقلتك، وتقدم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه"1.
قد تكون هذه الرواية أقرب إلى القبول؛ لأنها تذكر سبب ردة مالك بن نويرة، ومن اتبعه من قومه، وهي امتناعه عن دفع الزكاة لأبي بكر، كما أن كلامه بحق النبي لا يصدر عن شخص مخلص في إسلامه، ألا يرى مالك أن النبي سد له وصاحب؟ ومع ذلك فقد تضمن الاستجواب إشارتين إلى إسلام مالك، وهما القول بأنه على استعداد لإقامة الصلاة، وقوله لخالد:"أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلى القبلة" غير أنه رفض دفع الزكاة، وهنا يوصف بأنه مرتد معاند، وأن تصريحاته الاستفزازية لم تدع مجالًا لخاير آخر سوى القتل، ومن هنا أيضًا استقى خالد حجته عليه بعد أن كشف نواياه التي لا تخرج من قلب سليم الإيمان، ومع ذلك فإن خالدًا لم يتسرع في إصدار الحكم عليه، وجادله عليه يتمكن من إقناعه بالعودة عن ردته، إلا أنه أصر على موقفه، فلم يبق في نفس خالد بعد ذلك موضع للشك في ردته، فعقد العزم على قتله، ورفض أن يرسله إلى أبي بكر كما أرسل غيره، أمثال قرة بن هبيرة والفجاءة السلمي وغيرهما، ولم يكن مالك بأقل قدرا منهم، إلا أنه كان أعظم إثمًا2، وأستبعد أن يكون أصدقاء خالد اختلقوا حديثًا متقن الحبكة يضع عنه الوزر؛ لأن مالكًا إذا كان مطلعًا على الإسلام هذا الاطلاع الحسن، والذي يمكنه من مناقشة خالد في دقائقه، فمعنى ذلك أنه كان مسلمًا3، والراجح أنه لم يكن مسملًا وقت قتله على
الأقل.
وتصب شهادة أبي قتادة الأنصاري في مصلحة مالك، إذ أنكر على خالد فعله، فظن ما حدث حيلة من حيله، فذهب إليه، وقال:"هذا عملك، فزبره خالد، فغضب، ومضى حتى أتى أبا بكر"، فأثار القضية أمامه4، والراجح أن إقحام اسم أبي قتادة هو
1 ابن خلكان، أبو العباس أحمد: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ج6 ص13، 14.
2 عرجون، إبراهيم صادق: خالد بن الوليد ص169، 170.
3 كلير: ص178.
4 الطبري: ج3 ص278.
من نوع التمويه والتضليل، وأن يكون هذا الرجل بخاصة هو الذي يدلي بالشهادة ضد خالد، فأمر يستحق النظر؛ لأنه هو نفسه كان قد عارض خالدًا في أمر بني جذيمة، وانتقده انتقادًا كبيرًا1، أو كان للحادث في نفسه صورة أخرى، فهم منها أبو بكر ما أملى عليه قوله في رده على عمر "تأول فأخطأ". يضاف إلى ذلك، فقد شاهد عشرات من الصحابة ما شاهد أبو قتادة، ولم يتصرفوا مثله، أما عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي حضر الجلسة، فعلى الرغم من أنه خالف خالدًا، وعبر عن رأيه في هذه القضية إلا أنه لم يخرج على قائده، وهذا من فقه ابن عمر؛ لأنه علم أن خالدًا، ومن معه من الصحابة الذين وافقوه على قتل مالك لا يصدرون أحكامهم عن هوى، وأنهم إن أخطأوا فقد تأولوا2.
تتحدث بعض روايات التاريخ الإسلامي عن اختلاف في وجهات النظر بين أبي بكر، وعمر في هذه القضية، فتجري إحداها أنه لما بلغ خبر مقتل مالك، وأصحابه عمرًا، قال:"إن في سيف خالد رهقًا3، فإن لم يكن هذا حقًا، حق عليه أن تقيده، وأكثر عليه في ذلك"، فأجابه أبو بكر:"هيه يا عمر، تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد"، وأضاف:"لم أكن لأشيم سيفًا سله الله على الكافرين"، وودى مالكًا وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل4.
وثمة مشهد حدث في المسجد يلخص حكاية جرت في المدينة حيث يظهر خالد عند أبي بكر قادمًا من أرض بني تميم، فيدخل المدينة مصحوبًا بكل علائم الحرب، ويلتقي عمر في مسجد النبي، فيذله ويرميه بتهمه يلقي بها في وجهه:"قتلت امرأ مسلمًا ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك"، فلم يكلمه خالد، ومضى في اضطراب بالغ إلى أبي بكر، وهو يظن أن رأيه مثل رأي عمر. وجرى حوار بين الرجلين اعتذر في نهايته خالد أمام أبي بكر، فعذره وتجاوز عنه، لكنه عنفه في التزويج الذي كانت العرب تجمع على كراهته أيام الحرب، وأمره أن يفارق امرأة مالك، فخرج خالد وعمر جالس في المسجد، فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة، فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه، ودخل بيته"5.
الواضح أن هذه الرواية قد استغلت من واقع توجيهها دون مراعاة لحرمة
1 الواقدي: مغازي ص877، تحقيق مارسدن جونز لندن 1966.
2 عرجون: ص169، 170.
3 الرهق: النزوع إلى العنف.
4 الطبري: ج3 ص278، 279.
5 المصدر نفسه: ص280.
أصحاب رسول الله: فتصور خالدًا في صورة تجافيها المروءة، وينكرها الدين، وتشمئز منها الرجولة، ولا يرضى عنها عامة الناس، وتحشر رجلًا هو ثالث ثلاثة، فنجعل منه محورًا تدور عليه فصولها، وذلك هو عمر بن الخطاب، وهي تحمل في طياتها عوامل الشك فيها، منها:
- أنها تصور خلافًا حادًا في الرأي بين أبي بكر، وعمر في تقييم ما صنع خالد، وهو خلاف غريب في حادث يمس حدًا من حدود الله، وإذا لم يكن الاتفاق ضروريًا بين المجتهدين، فليس هذا الحادث من مواضع اختلاف المجتهدين؛ لأنه اختلاف في تكييف الحادث لا في فهم النص، وتطبيقه،1 بالإضافة إلى ماهية السياسة التي يجب أن تتبع في هذا الموقف الدقيق من حياة المسلمين تجاه المرتدين، وقيام الثورة في أنحاء الجزيرة العربية2.
- لا يمكن الوصول إلى دلالة "ابن أم شملة"، التي هتف بها خالد في وجه عمر أثناء خروجه من عند أبي بكر، لكن مما لا شك فيه أن خالدًا لم يكن يكنى بذلك عن والدة عمر، ولكن مجرد المخاطبة بلقب ابن امرأة ينطوي وحده على إهانة بالغة، وهذا بعيد عن سلوك الصحابة.
- لم تذكر هذه الرواية لأحد من أصحاب رسول الله رأيًا في هذه القضية سوى أبي بكر وعمر، ولا سيما أنها تتعلق بتصرف أكبر قادة المسلمين الذي إذا صح ما نسب إلى عمر في إتهامه لخالد، لكان جزاء هذا القائد في الشريعة الإسلامية القتل، ولا يحق للخليفة تعطيل أحكام الدين، أما بقاء المتهم في مقامه في صدارة الدولة، فهذا يتناقض مع ما عرف عن الصحابة من شدة البحث عن الحقيقة3، فهل اقتدى أبو بكر بالنبي عندما لم يضع نهاية لتقدير خالد عن تصرفه مع بني جذيمة، ولم يقم الحد عليه، والمعروف أن الحادثين متشابهتان في حيثياتهما من حيث الالتباس في إسلام القوم من وجهة نظر فئة من المسلمين، والتأكيد على عدم إسلامهم في نظر خالد على الأقل، وهو أمير السرية آنذاك وإليه يعود تقدير الأمور4.
- عندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة بعد أبي بكر، وكان رجلًا قوامًا على حدود الله، جريئًا في الحق، وكان خالدًا يومئذ أميرًا على عامة جيوش المسلمين في
1 عرجون: ص164.
2 هيكل: ص161، 162.
3 عرجون: ص163، 164.
4 انظر: الطبري: ج3 ص66- 69، وقارن بالبلاذري: أنساب الأشراف ج1 ص489، 490.
بلاد الشام، فلم يرجمه بأحجاره كما توعده، ولم يقتله قصاصًا بمالك وأصحابه، أما عزله عن الإمارة، فلم تكن قضية مالك بن نويرة سببًا من أسبابها على وجه اليقين1.
وتتباين المصادر أيضا في وضع أرملة مالك بن نويرة، ويمكن أن نطرح عدة أسئلة تتعلق به مثل: هل تزوج خالد أم تميم امرأة مالك أم اتخذها محظية فحسب؟ وهل عاشرها فورًا، أم بعد انتهاء عدتها، وكيف تطورت العلاقة بينهما بعد ذلك؟ يروي الطبري:"وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب، وتعايره"2، وثمة رواية أخرى:"وقبض خالد امرأته "امرأة مالك"، فقيل: اشتراها من الفيء
وتزوج بها، وقيل: إنها اعتدت بثلاث حيض ثم خطبها إلى نفسه، فأجابته"، فطلب من ابن عمر، وأبي قتادة أن يحضرا النكاح فأبيا3، وتجري رواية ثالثة على لسان عمر أثناء قدوم خالد للاجتماع بأبي بكر: "قتلت امرأ مسلمًا، ثم نزوت على امرأته"، وكأنه يتهمه بالزنى، ومع هذه النظرة العامة، فإن المسألة لم تحسم بعد، لكن معظم المصادر تتحدث عن زواج، على أن الوضع الشرعي يوصف بمسألة ما إذا كان يجوز له أسر زوجة مسلم، أما الزواج من أرملة، فلم يكن يحول دونه شيء إذا تم الالتزام بمدة العدة الشرعية إلا أن تكون غير مسلمة، أما معاشرة الأسيرة "الأمة"، فلم يكن يوجد تقييد لها، وكان الاستحواذ على نساء المغلوبين من قبل المنتصر ما يزال أمرًا مألوفًا، وعلى هذا لا يتوافر
التصرف الجرمي إلا إذا كان مالك، وأم تميم مسلمين، وعند ذلك فإن عملية الزواج تكون متفرعة من أصل عملية القتل، فإن كان قتل مالك حلالًا، فلا شيء على خالد، وإن كان قتله حرامًا، فجرم القتل أعظم من جرم الزواج، وجرم قتل الجماعة أخطر من جرم قتل الفرد الواحد، ومن المستبعد أن يضع خالد نفسه في موقف دقيق من الوجهة الشرعية، والراجح أن تكون الروايات عن زواج مع الإشارات المؤيدة لها إلى انتظار مدة الطهر، إنما تم إيرادها لتدعيم وضع مالك من حيث كونه مسلمًا4.
والخلاصة أن سلسلة من الحقائق يمكن وضعها في مواضعها المحكمة من العملية التاريخية، إذ تواجه المرء أكثر من رواية لا تنسجم بالضررة مع الصورة العامة للردة، فإذا كان خالد قد اقترف ظلمًا عندما قتل مالكًا بن نويرة، فماذا يبقى إذن بعد ردة بني تميم؟ أتراهم بالفعل كانوا مسلمين جميعًا؟ وهل كان من الممكن
1 عرجون: ص164، 165.
2 تاريخ الرسل والمملوك: ص66- 69.
3 المصدر نفسه: ص278، وابن خلكان: ج6 ص14.
4 كلير: ص181.