الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجوابه: أنه وإن لم يتفق استعمالها إلا كذلك، فغير مشروط في وضعها للدلالة على معناها الإفرادي ذلك؛ لأن «ذو» يفهم منه عند الإفراد معنى صاحب، لكن لما وضع لغرض التوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس، فوضعه ليتوصل به إلى ذلك هو المقتضي لذكر المضاف إليه /؛ [لأنه] لو ذكر دونه لم يدل على معناه، ولا يلزم من توقف حصول الغرض من وضع «ذو» بمعنى صاحب على ذكر المضاف إليه توقف دلالته عليه؛ لأنها وضعت بإزاء صاحب كوضع الأسد بإزاء الحيوان المفترس، لكن ذلك لم يشترطوا فيه شيئًا، وهذا شرط في استعماله الإضافة الغرض المذكور، وكذا «فوق» وضع بإزاء مكان عال ويفهم منه عند الإفراد ذلك، لكن وضعه له ليتوصل به إلى علو خاص اقتضى ذكر المضاف إليه، وكذلك بواقي الألفاظ.
قال: (مسألة:
الواو للجمع المطلق
لا لترتيب ولا معية عند المحققين.
لنا: النقل عن الأئمة أنها ك ذلك.
واستدل: لو كانت للترتيب لتناقض {وادخلوا الباب سجدًا وقولا حطة} مع الأخرى، ولما صح: تقاتل زيد وعمرو، ولكان: جاء زيد وعمرو بعده تكرارًا، وقبله تناقضًا.
وأجيب: مجاز لما سيذكر).
أقول: الواو العاطفة لمطلق الجمع لا لترتيب، وهو كونها في زمانين
مع تأخر ما دخلت عليه، ولا معية وهو اجتماعهما في زمان واحد، بل للجمع المشترك بينهما المحتمل في الوجود لهما من غير تعرض في الذكر لشيء منهما، ولا يلزم من عدم التعرض للمعية التعرض للترتيب.
فقوله: (لا لترتيب) تنبيه على الخلاف.
وقوله: (ولا معية) تنبيه على أنه لا يلزم من نفي الترتيب المعية، واحتج على ذلك بالنقل عن أئمة اللغة، والنقل عنهم حجة في المباحث اللغوية، ونقل أبو علي الفارسي إجماعهم على ذلك.
قال بعضهم: نص سيبويه على أنها للجمع لا لترتيب ولا معية في سبعة عشر موضعًا من كتابه.
وقول المصنف: (لنا النقل عن أئمة اللغة أنها كذلك) ، يحتمل أن يكون النقل أنها وضعت لذلك، أو أنهم استعملوها في ذلك، والأصل في
الإطلاق الحقيقة، والأول أظهر.
وذكر صاحب الإحكام عن الفراء أنها للترتيب، حيث يستحيل الجمع مثل {اركعوا واسجدوا} .
قال: وعن بعضهم أنها للترتيب مطلقًا، ونقل ابن عبد البر عن الفراء أنها للترتيب مطلقًا.
واستدل من طرف المختار: بأنها لو كانت للترتيب لتناقض {وادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة} مع قوله تعالى في الآية الأخرى: {وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدًا} ، واللازم باطل.
أما الملازمة؛ فلأن القصة واحدة أمرًا ومأمورًا وزمانًا، مع دلالة الأولى على تقدم طلب الدخول، والثانية على تأخره، والتالي باطل؛ لأن التناقض محال على كلام الله.
الثاني: لو كانت للترتيب لما صح: تقاتل زيد وعمرو، لاقتضاء باب تفاعل الشروع في الفعل معًا المنافي للترتيب.
وأما بطلان اللازم؛ فلاتفاق أهل اللغة على الصحة.
الثالث: لو كانت للترتيب لكان: جاء زيد وعمرو بعده تكرارًا لإفادة الواو البعدية، ولكان: جاء زيد وعمرو قبله تناقضًا لإفادتها البعدية، والتالي باطل.
أجاب: بأن ما ذكرتم غايته أنه يفيد أنها استعملت في غير الترتيب، ولا يلزم كونها حقيقة فيه، لما سيذكر أنها حقيقة في الترتيب، فلا تكون حقيقة فيما ذكرتم دفعًا للاشتراك، والمجاز وإن كان على خلاف / الأصل، لكنه خير من الاشتراك.
والحق أن هذا الرد ليس بشيء؛ لأن دليلهم على الترتيب لم يتم على ما سيأتي، وقد استعملت في الترتيب وبدونه، وليس جعلها حقيقة في أحدهما بأولى من العكس، فيترجح جعلها للجمع المشترك بالوجوه المذكورة.
نعم لو رده: بأن منع اتحاد القصة أولًا، وقال ثانيًا:[بأنها] إنما
تكون للترتيب حين يمكن، وثالثًا: أن البعدية لدفع توهم إرادة المجاز، ورابعًا: أنها ظاهرة في المذكور، ولا تناقض بين الصريح والظاهر، لكان مسموعًا، على أن الثاني قوي.
قال: (قالوا: {اركعوا واسجدوا} .
قلنا: الترتيب مستفاد من غيره.
قالوا: قال: {إن الصفا والمروة} وقال: «ابدؤوا بما بدأ الله به» .
قلنا: لو كان له، لما احتيج إلى ابدؤوا.
قال: رد على قائل ومن يعصهما.
قلنا: لترك إفراد اسمه بالتعظيم، بدليل أن معصيتهما لا ترتيب فيها.
قالوا: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق، وقعت واحدة، بخلاف: أنت طالق ثلاثًا.
وأجيب: بالمنع وهو الصحيح، وقول مالك: والأظهر أنها مثل ثم، إنما قاله في المدخول بها، يعني تقع الثلاث ولا ينوي في التأكيد، لا أنها بمعنى ثم).
أقول: احتج القائلون أنها للترتيب بوجوه:
الأول: قوله تعالى: {اركعوا واسجدوا} والركوع مقدم [على
السجود] إجماعًا، واستفاد تقديمه من الآية، إذ الأصل عدم الغير.
الجواب: لا نسلم أنه استفيد منها، بل من فعله صلى الله عليه وسلم، وإلا لكان الركوع كله مقدمًا على جميع السجود.
الثاني: قوله تعالى: {إن الصفا والمروة} ولما نزلت قالوا: بم نبدأ يا رسول الله؟ فقال: «ابدؤوا بما بدأ الله به» ، فصرح بالابتداء بما بدأ الله به، فلو لم تكن للترتيب، لم يأمرهم عينًا بالابتداء بما بدأ الله به.
أجاب: بالقلب، وهو إثبات نقيض دعوى الخصم بدليله، أي لو كانت للترتيب لفهموه من الآية ولم يسألوه عليه السلام، ولكان يقول لهم: ألستم أهل لسان، فدل على أن الترتيب من ابدؤوا لا من الآية، وبدأ به النبي صلى الله عليه وسلم إما لكونه أوجب، أو للتبرك ببداية الله به، لا لأنها للترتيب.
قيل: بمنع الملازمة، لجواز كون بعض الصحابة غير عالمين بكونها
للترتيب، أو لتجويز كونها مستعملة في غير الترتيب بناء على الغالب.
وفيه نظر؛ لأنهم أئمة اللسان، والأصل عدم المجاز. قلت: على أن لفظ الحديث في مسلم، وفي النسائي أنه عليه السلام لما دنا من الصفا قرأ:{إن الصفا والمروة من شعائر الله} وقال: «أبدأ بما بدأ الله به» لا كما ذكر المصنف، لكن وقع في رواية النسائي «ابدؤوا» على الجمع.
احتجوا ثالثًا: بأن أعرابيًا خطب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال عليه السلام:«بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله» ، بهذا اللفظ أخرجه مسلم ولولا أنها للترتيب لم يكن بين العبارتين فرق، فلا يصلح النص.
أجاب: لا نسلم عدم الفرق، إذ الإفراد بالذكر أظهر في تعظيم الله، فرد عليه لتركه التعظيم الذي كان يحصل بالإفراد بالذكر أظهر في تعظيم الله، فرد عليه لتركه التعظيم الذي كان يحصل بالإفراد لو أفرد، ويدل على ذلك أن معصية الله ورسوله لا انفكاك / لأحدهما عن الأخرى حتى يتصور الترتيب بينهما في الزمان.
قلت: وفي هذا الجواب نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» فدل على أن الذم لإيهام
التساوي ممن يجوز عليه جهل ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم عالم فساغ له ذلك، على أن في الترمذي من طريق صحيح «علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة الحمد لله نحمده
…
الحديث» إلى أن قال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه» فهذا مما علمنا أن نقوله أن فيه ومن يعصهما.
قال النووي: «وإنما قال: بئس خطيب القوم أنت؛ لأنه موضع إطناب لا موضع الإيجاز والاختصار» .
قلت: وفيه نظر؛ لأنه على هذا لا يستحق مثل هذا الذم بتركه الإطناب.
واحتجوا رابعًا: بأن الرجل إذا قال لزوجة غير مدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق، لزمته طلقة واحدة، ولولا أن الواو للترتيب وأنها بانت بالأولى وصار المحل غير قابل لطلاق آخر، لكان مثل أنت طالق ثلاثًا، حيث لا ترتيب، فلحق الجميع دفعة.
أجاب: بالمنع، وأن الصحيح لزوم الثلاث.
قلت: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق،
ففي كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة عن ربيعة لزوم الثلاث، وهو وفاق لمذهب مالك.
وقال في كتاب إرخاء الستور منها: «إذا أتبع الخلع طلاقًا نسقًا لزمته طلقتان» .
أما لو نسق بالواو في غير المدخول بها، فالرواية أيضًا لزوم الثلاث وهو مختار ابن أبي زيد والمصنف، وجمع من الأشياخ.
وقال القاضي إسماعيل: «لا يلزمه إلا واحدة» .
واختاره اللخمي، وهو ظاهر كتاب الظهار من المدونة فيمن قال لغير المدخول [بها]: أنت طالق، وأنت عليّ كظهر أمي، أنه لا يلزمه ظهار إن تزوجها، ولقوله فيمن قال للمدخول بها: أنت طالق ثلاثًا، وأنت عليّ كظهر أمي، أنه لا يلزمه ظهار. قال اللخمي: وهو حسن؛ لأن الله تعالى يقول: {الذين يظاهرون من نسائهم} وهذه ليست من نسائه؛ لأنها بانت بنفس الطلاق. قال: فكذا في نسق الطلاق، وفرق ابن أبي زيد بنيهما؛ لأن الطلاق من جنس واحد، والطلاق والظهار جنسان، يريد وإذا كان من جنسه لحقه كما له أن يستثنى نسقًا، وأن يقيد بشرط، وأي يردف بغير حرف العطف فكذا بالحرف، ولا كذلك إذا لم يكن من جنسه؛ لأنه خرج من ذلك إلى غيره، فتحققت البينونة فلا يلحق الظهار.
قلت: وهذا إنما جاء من كونه حكم له بكونه واقعًا بعده، وهذا معنى
الترتيب؛ إذ لو حكم بوقوعه قبله أو معه لزما معًا. وقد قال مالك فيمن قال إن تزوجتك فأنت طالق وأنت عليّ كظهر أمي: إنه أن تزوجها طلقت، ثم إن تزوجها لزمه الظهار، قالوا: لأنه لم يقع عليه شيء بنفس اللفظ، وإنما أمره مترقب، فإذا تزوج وقعا معًا؛ لأنهما توجها جميعًا على العقد، بخلاف القائل لزوجته لأنها بنفس اللفظ حرمت، فصار الظهار واقعًا في غير زوجة.
وزعم السيوري، والتونسي أن هذا كله اختلاف قول.
قلت: وهو أظهر، ومسألة الطلاق تدل على / أنها عنده ليست للترتيب، ومسألتي الظهار الأوليين تدلان على الترتيب، ولا يمنع أنها للترتيب بناء على أن لزوم الواحدة فقط إنما هو لكون الإنشاءات مترتبة بترتب الألفاظ لا من أن الواو للترتيب للنقض بالنسق بغير الواو، وبمسألة الطلاق المذكورة.
وقوله: (وقول مالك إلى آخره) جواب عن سؤال مقدر توجيهه: أن
ابن القاسم سئل عمن قال لزوجته: أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق؟
فقال: «قد وقف عنها مالك، وقال: في النسق بالواو إشكال» .
قال ابن القاسم: «رأيت الأغلب من قوله: إنها مثل ثم» .
فهذا الكلام يقتضي أنها للترتيب، كما أن ثم للترتيب اتفاقًا.
أجاب المصنف: بأنه إنما قال ذلك في المدخول بها، يعني تقع الثلاث ولا ينوي في التأكيد؛ إذ لا يعطف الشيء على نفسه، فلا يصدق إذا قال: أردت واحدة، كما لو قال لها بعد الدخول: أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق فإن الثلاث تلزمه ولا ينوي في التأكيد لأجل العطف، فكذا هنا، فهي مثل ثم في لزوم الثلاث والحمل على التأسيس، لا أنها بمعنى ثم في الترتيب.
قال القاضي إسماعيل: «وإنما قال مالك: وفي الواو إشكال؛ لأن الرجل يقول لآخر: أنت محسن وأنت محسن، وهو يريد الإحسان الأول، والعطف يقتضي المغايرة» .