المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الأجزاء؛ لأنه يتقدمه تصور يتوقف عليه، وليس ضروريًا بنفسه لكن - تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول - جـ ١

[يحيى بن موسى الرهوني]

الفصل: الأجزاء؛ لأنه يتقدمه تصور يتوقف عليه، وليس ضروريًا بنفسه لكن

الأجزاء؛ لأنه يتقدمه تصور يتوقف عليه، وليس ضروريًا بنفسه لكن بضرورة الأجزاء، فكان معرفًا بها، ولا نزاع فيه.

وقوله: (أي تطلب مفرداته بالحد) تفسير للتصور المطلوب اصطلاحًا وليس بحد؛ لأن الحد فهم من قوله: (بخلافه)، وكان المعنى: لا يسمى مطلوبًا إلا بطلب مفرداته، وكأنه ميل إلى مذهب القدماء في أن تصور المطلوب لا يحصل بمفرد؛ لأن المجهول يستحصل بالفكر، وهو ترتيب أمور لا أمر واحد، والباء للسببية، فيكون الحد باعثًا على طلب المفردات، وبتفسير الجمهور ما يتوقف علي كسب، فالتصور النظري بتفسيره أعم منه بتفسيرهم.

ومعنى (تطلب مفرداته) تستحضر بسبب الحد، إذ لا يلزم من تصور مفرداته أن تطلب مفرداته، إذ قد تكون حاصلة من غير نظر واكتساب.

قال: (و‌

‌التصديق الضروري:

ما لا يتوقف تصديق يتوقف عليه.

والمطلوب بخلافه، أي يطلب بالدليل).

أقول: فسر التصديق الضروري بما لا يتقدمه تصديق، فجاز أن يكون طرفاه كسبيين أو أحدهما، فما لا يتقدمه تصديق، أو يتقدمه تصديق إلا أنه لا يتوقف عليه ضروري وإن توقف في تصور طرفيه على الكسب.

قيل عليه: التصديق بالقضايا الضرورية الكلية من التصديق بجزئياتها، إذ

ص: 197

التصديق بالكلي من الجزئي، فهو مما يتقدمه تصديق يتوقف عليه.

وأجيب: بأنه لا معنى للجزئي إلا ما موضوعه جزئي، وتصور الكلي مشروط بتصور الجزئي لا بالحكم عليه جزئيًا، فالتصديق الكلي مشروط بتصور الجزئي لا بالحكم على الجزئي، والتصديق المطلوب بخلافه، أي بخلاف الضروري، فهو ما يتقدمه تصديق يتوقف عليه، وفسره بأن قال:(أي يطلب بالدليل) لأنه لما كان مجهولًا، والمجهول من التصديق إنما يطلب بالدليل، فلذلك التصديق الذي يتقدمه هو الدليل، وعبر عن التصديق المطلوب بلازمه كما فعل في التصور المطلوب، ليفيد من حد التصديق المطلوب حد التصديق الضروري وبالعكس، وهو ظاهر، ولهذا اجتزأ بقوله:(والمطلوب بخلافه).

قال: (وأورد على التصور: إن كان حاصلًا فلا طلب، وإلا فلا شعور به، فلا طلب.

وأجيب: بأنه يشعر بها وبغيرها، والمطلوب تخصيص بعضها بالتعيين.

وأورد ذلك على التصديق.

وأجيب: بأنه تتصور النسبة بنفي أو إثبات، ثم يطلب تعيين أحدهما، ولا يلزم من تصور النسبة حصولها، وإلا لزم النقيضان).

أقول: أورد الإمام فخر الدين شكًا على امتناع طلب التصور، وهو لبعض القدماء، تقديره: أن التصور إما أن يكون حاصلًا أو لا، وعلى

ص: 198

التقديرين يمتنع طلبه، أما على الأول فلامتناع [طلب] تحصيل الحاصل، وأما على الثاني فلامتناع طلب النفس ما لا شعور لها به.

لا يقال: إنه حاصل من وجه دون وجه؛ لأنه يعود الكلام في المطلوب من وجهيه.

والجواب: أن المطلوب الماهية ذات الوجهين لا الوجهان، بمعنى أن الماهية المطلوبة وغيرها / حصل الشعور بها من جهة [ذاتي أو] عرضي شامل للماهية وغيرها، والمطلوب تصورها على وجه يعين الماهية عن تلك الأمور التي يتردد الذهن فيها بسبب الأمر المشترك، فالشعور بالشيء شرط في طلبه، وشرط الشيء لا ينافيه.

لا يقال: تخصيص بعضها بالتعيين إنما يحصل بعد العلم بالمعنى المختص بها من ذاتي أو عرضي، وذلك يتوقف على العلم باختصاصه بها، والعلم باختصاصه بها يتوقف على ثبوته لها دون ما عداها، وذلك يتوقف على معرفةٍ ما، ومعرفتها تتوقف على معرفة المعنى المخصوص والعلم باختصاصه وهو دور، وعلى معرفة ما عدا ذلك الشيء مفصلًا وهو محال، لامتناع إحاطة الذهن بما لا يتناهى.

لأنا نقول: العلم بها يتوقف على اختصاصه بها لا على العلم باختصاصه؛ لأنه إذا كان بين الشيء ووصفه المادي لزوم بين، كان الشعر بالوصف مستلزمًا للشعور بذلك الشيء، وإن لم يخطر لنا أن الوصف مختص.

ص: 199

وأورد الشك المذكور على التصديق، وتقريره كما تقدم، وتحتمل على بعد أن يكون أورد نقضًا على الشك، أي لو صح ما ذكرتم لزم في التصديق، لكن التصديق بعضه مطلوب عندكم.

والجواب: أنا نختار أنه غير حاصل.

قولكم: يمتنع طلبه نمنعه، وإنما يلزم ذلك لو جهل مطلقًا، أما إذا كان طرفاه متصورين، والنسبة بينهما متصورة بالنفي و [متصورة] بالإثبات، فيتوجه الذهن بسبب ذلك إلى طلب العلم، فإن الحاصل في الخارج هو الإيجاب عينًا أو السلب عينًا الذي كان مجهولًا.

فالنسخ التي بالواو في قوله: (بنفي وإثبات) يكون المعنى: ثم يطلب تعيين أحدهما أي إحدى النسبتين للمطابقة؛ لأنه إذا تصور النسبتين طلب بالدليل الواقعة منها، ولابد من هذه الضميمة، إذ تعيين إحدى النسبتين ليس بتصديق فلا يطلب بالدليل، وإنما المعنى يطلب تعيين إحداهما للمطابقة أو اللامطابقة.

والنسخ التي فيها (أو إثبات) بأو، أي يعلم وقوع إحدى النسبتين لا بعينها والمطلوب [بالدليل] تعينها، وهو بعيد من لفظ المصنف، لقوله:(تتصور النسبة)، ولقوله:(ولا يلزم من تصور النسبة حصولها) ، وحمل أيضًا على أن النسبة الإيجابية أو السلبية متصورة ولا تكون حاصلة، فمن

ص: 200

حيث التصور يتوجه الذهن نحو الإيقاع أو الانتزاع، وهذا أيضًا بعيد، وإلا لقال: ثم يطلب حصولها، فنسخ الواو خير كما سبق في جواب شك التصور.

وقوله: (ولا يلزم من تصور النسبة حصولها)، جواب عن سؤال تقديره: النسبة المذكورة إن لم تكن معلومة امتنع الطلب، وإن علمت والعلم بها يستلزم حصولها ووقوعها في الخارج، فلو طلب لزم تحصيل الحاصل؟ .

أجيب: باختيار القسم الثاني، ولا يلزم من تصور النسبة حصولها في الخارج، لأنا نتصور خلاف الواقع، فلو لزم من تصور الشيء حصوله في الخارج لزم خلاف الواقع، ويلزم وقوع النقيضين، والحمل على هذا أولى من قولهم: لأنا نتصور النقيضين، فلو لزم من التصور الحصول لحصل النقيضان في الخارج؛ لأن النقيضين لا يتصوران عند المصنف.

هذا على تقدير أن يكون المراد بالحصول في لفظ المورد الحصول في الخارج، إن أراد أن تصورها يستلزم حصولها أي التصديق بها، بل هو نفس حصولها في الذهن، فالطلب تحصيل الحاصل.

فالجواب غير ما ذكر المصنف وهو: أنه لا نسلم أنه مطلوب حينئذ.

قال: (ومادة المركب: مفرداته، وصورته: هيئته الخاصة.

والحد: حقيقي، ورسمي، ولفظي.

فالحقيقي: ما أنبأ عن ذاتياته الكلية المركبة.

والرسمي: ما أنبأ عن الشيء بلازم له مثل: الخمر مائع يقذف بالزبد.

ص: 201

واللفظي: ما أنبأ بلفظ أظهر مرادف مثل: العقار: الخمر.

وشرط الجميع الاطراد والانعكاس، أي إذا وُجد وُجد، وإذا انتفى انتفى).

أقول: لما كانت المطالب منحصرة في التصورات والتصديقات، والمطالب التصورية إنما تكتسب من المعرفات، والمطالب التصديقية إنما تكتسب من الأدلة، جعل الكلام في القسمين، وبدأ بالمعرف لتقدم التصور على التصديق، فتكلم على مادته وصورته ومدارك الخلل فيه.

واعلم أن كل مركب ذهني أو خارجي له مادة بها يتكثر، وصورة بها يتوحد، ثم تلك الهيئة قد تكون زائدة على مجموع المفردات، كالمزاج الحاصل لأجزاء المعجون، وقد لا تكون إلا بحسب التعقل كالحاصل للعشرة فالمادة ما كان المركب معه بالقوة كالخل والعسل للسكنجبين، والصورة ما كان المركب معه بالفعل كشراب السكنجبين، فمادته مفرداته التي يحصل هو من التآمها، وأقلها اثنان، ويقال لها: الأجزاء المادية.

وصورته: هيئته الخاصة التي هو عليها، الحاصلة من التآم الأجزاء، وفي

ص: 202

بعض النسخ الحاصلة أي بالفعل من التآم الأجزاء.

واعلم أن الحد عند الأصوليين: ما يميز الشيء عن غيره، بحيث يتناول [جميع] أفراد ذلك الشيء ولا يتناول غيرها، وينقسم عندهم إلى: حقيقي، ورسمي، ولفظي، وإطلاق اسم الحد على الأول حقيقة دون الباقيين، ولذلك سمي بالحقيقي، إذا لفظ الحد يعطي الإحاطة وذلك إنما يكون للحد التام وهو: ما أنبأ عن ذاتيات المحدود الكلية المركبة، فعن ذاتياته يخرج العرضيات، فإن المنبئ عنها رسم، ويفهم منه جميع الأجزاء المادية؛ لأن الجمع المضاف يعم، قلت: ولا ينعكس لخروج ما أنبأ عن ذاتيتين.

ص: 203

وقوله: (الكلية) يخرج [الذي له] الذاتيات الجزئية. كالشخصيات للشخص من حيث هو شخص، فإنها وإن كانت ذاتيات لكن لا يحد بها، إذ الشخص لا يحد؛ ولأن الشخصيات يمكن ارتفاعها بالنظر إلى ذاتها مع بقاء المحدود، فلا يعرف بها.

وقوله: (المركبة) أي بقيد تركيب بعضها مع بعض، فاعتبر الإنباء عن الذاتيات عند وصف تركيبها على وجه [حصل] لها صورة وجدانية.

فلو قال قائل: السكنجبين خل وعسل، لم يكن حدًا؛ لأنه أنبأ عنها مفردة لا مركبة.

وقيل: المراد بالمركبة المرتبة بالترتيب الذي هو في نفس الأمر، من تقديم الجزء الأعم على [الجزء] الأخص، ولا يخفى ما فيه؛ لأنه حينئذ يكون [ذلك] للفظ الحد، والمعنى على خلافه.

واعلم أن الماهية تتركب من الأجناس والفصول، وقد تتركب لا

ص: 204

منها، وهما معًا يحدان بالحد الحقيقي على الأصح، وحد المصنف يتناولهما.

وظاهر كلامه أن تقديم الفصل على الجنس لا يخرجه عن كونه حدًا حقيقيًا، وهو قول بعض المتأخرين، وظاهر كلام الشيخ.

فإن قلت: ظاهر كلام المصنف أن الحد الحقيقي بمجموع الأجزاء المادية والصورية، والمحققون من المنطقيين يقولون: التعريف بالمادة لا بها مع [الصورة]؛ إذ مجموعهما نفس الشيء، ولا يعرف الشيء بنفسه.

ولا يرد ذلك في التعريف بالمادة، بأن / يقال: الجزء إنما يعرف إذا عرف الجميع، فيعرف نفسه، لجواز أن يكون غنيًا عن التعريف، أو معرفًا بغير ما عرف به الكل.

ولا يرد أنه إنما عرف الأجزاء وهو خارج عن الأجزاء فيكون تعريفًا بالخارج؛ لأن الجزء عرف الماهية المركبة بواسطة تعريفه للأجزاء.

قلت: الحق أن التعريف بجميع الأجزاء، وقولهم: هي نفسه، قلنا:

ص: 205

المجمل غير المنفصل؛ لأن المعرف هو مجموع التصورات، والتغاير بين مجموع التصورات وتصور المجموع ظاهر، لتقدم الأول على الثاني، وقد نصوا على أن الحد الحقيقي يدل على المحدود مطابقة، وكيف يدل لفظ الجزء على الكل مطابقة وليس اللفظ بمشترك؟ ، فإذن التعريف بمجموع الأجزاء، وهي وإن كانت عينًا باعتبار، فهي غير باعتبار، فللمعنى لفظان: لفظ من حيث الإجمال وهو اللفظ المفرد الموضوع للمحدود، ولفظ مركب وهو من حيث التفصيل، وذلك لفظ الحد، وكلاهما يدل على المحدود مطابقة، وهما غير مترادفين، ضرورة أن ما دل على الشيء بطريق التفصيل غير ما دل عليه إجمالًا، فالحد إنباء عن المحدود تفصيلًا، وهو معنى قوله:(أنبأ عن ذاتياته) لأنه أنبأ عنه بإنبائه عن ذاتياته، وهو معنى قوله:(لأن الحد يدل على المفردات) ، فلفظ الأجزاء المادية دل عليها وتركيبها على وجه حصل لها صورة وجدانية مطابقة للمحدود يدل على الجزء الصوري، فدل الحد على المحدود مطابقة.

وقوله: (والرسمي ما أنبأ عن الشيء بلازم له) أي لا عن ذاتياته، وبلازم له يخرج المفارق، كالضحك بالفعل، واللام في قوله:(له) للاختصاص، إذ لو لم يكن مختصًا لم يكن مطردًا، ولابد وأن يكون ظاهرًا على ما يأتي، والمثال المذكور غير مطرد وغير منعكس، لكن لا اعتراض على المثال.

ص: 206

قيل: قوله (بلازم له) أي بما يدل عليه بالالتزام، ليدخل [الحد] الناقص بقسميه، والرسم التام، فإنها معرفات، ودلالة جميعها على المعرف بالالتزام، وقوله من قال: دلالة الالتزام مهجورة في التعريفات، ليس بصحيح، بل المعنى أن الدال بالالتزام لا يقال في جواب ما هو؟ ، وإلا فدلالة ما ذكرنا بالالتزام.

وقال صاحب القسطاس: الحاد والراسم لا يقصد بالحد الناقص والرسم التام والناقص ماهية المحدود والمرسوم وإلا لفسد، لاستعمال المجاز في التعريف، وإنما يقصد مدلول الحد الناقص؛ لأن القصد تمييز الماهية، والمميز هو المدلول المطابقي، فالضاحك دل مطابقة على شيء له الضحك، أو الشيء الذي له الضحك يتميز بالضحك، فلا تعتبر دلالة الالتزام في التعريف.

قلت: الحق أن الحاد والراسم له قصدان، تصور المفهوم المطابقي من

ص: 207

الحد الناقص والرسم والآخران، وينقل الذهن من المفهوم المطابقي إلى تصور ماهية المحدود والمرسوم، إذ لو قصد الأول فقط لم يكن معرفًا، إذ لم يدل على المحدود، فثبت أن دلالتها على مدلولاتها مطابقة، وعلى ماهية المحدود التزام، فتكون دلالة الالتزام معتبرة في التعريفات، وكونها مجازات لا تمنع الاستعمال في التعريفات بقرائن.

وقوله: (واللفظي ما أنبأ بلفظ أظهر مرادف) أي ما أنبأ عن الشيء بلفظ أظهر دلالة عليه، مرادف للفظ آخر أخفى دلالة عليه، وسمي لفظيًا لأنه تعريف للمعنى بلفظ للجهل بالوضع عند من كان عالمًا بذلك المعنى، من حيث هو مدلول اللفظ الذي هو أظهر دلالة، وجاهلًا به من حيث هو مدلول اللفظ الأخفى / وهو يرجع إلى الرسمي عند التحقيق، فإنا [إذا] عرفنا مدلول العقار من حيث هو مجهول لنا، بمدلول الخمر من حيث هو معلوم، ومدلول الخمر خاصة لمدلول العقار؛ لأن مدلولية هذا غير مدلولية الآخر؛ لأنهما نسبتان، فإن مدلولية الخمر إلى لفظه غير مدلولية العقار إلى لفظه، فحينئذ لا اعتراض عليه، في أن كلامه يعطى أن اللفظي ما أنبأ عن اللفظ، ولا يعترض أيضًا بأن الخمر أنبأ بنفسه؛ لأن الخمر أنبأ بلفظ الخمر.

وشرط الحدود الثلاثة الاطراد، وهو: أن يوجد المحدود كلما وُجد الحد، فلا يعرف الإنسان بأنه جسم نام حساس، لوجود الحد في الفرس وغير ولا محدود.

والانعكاس، وهو: كلما انتفى الحد انتفى المحدود، فلا يعرف الإنسان

ص: 208