الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قَالَ حِينَ أَبْصَرَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ «إِنَّ بَنِي آدَمَ كَثِيرٌ، وَإِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، وَإِنَّهُ لَا يَمُوتُ مِنْهُمْ رَجُلٌ حتى ينتشر لِصُلْبِهِ أَلْفُ رَجُلٍ فَفِيهِمْ وَفِي أَشْبَاهِهِمْ جُنَّةٌ لَكُمْ» هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَجِّ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
وَقَوْلُهُ تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ أَيْ بِسَبَبِهِ مِنْ شِدَّتِهِ وَهَوْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعِيدُ الضمير على الله تعالى: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ هَاهُنَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا أَيْ كَانَ وَعْدُ هَذَا الْيَوْمِ مَفْعُولًا أَيْ وَاقِعًا لَا مَحَالَةَ وكائنا لا محيد عنه.
[سورة المزمل (73) : الآيات 19 الى 20]
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (19) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)
يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ هذِهِ أَيِ السُّورَةَ تَذْكِرَةٌ أَيْ يَتَذَكَّرُ بِهَا أُولُو الْأَلْبَابِ، وَلِهَذَا قال تعالى: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أَيْ ممن شاء الله تعالى هِدَايَتَهُ كَمَا قَيَّدَهُ فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإنسان: 30] .
ثم قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ أَيْ تَارَةً هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى مَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْكُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أَيْ تَارَةً يعتدلان وتارة يأخذ هذا من هذا وهذا مِنْ هَذَا عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أَيِ الفرض الذي أوجبه عليكم فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِوَقْتٍ أَيْ وَلَكِنْ قُومُوا مِنَ اللَّيْلِ مَا تَيَسَّرَ، وَعَبَّرَ عَنِ الصَّلَاةِ بِالْقِرَاءَةِ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ سُبْحَانَ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي بقراءتك وَلا تُخافِتْ بِها [الإسراء: 110] .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله بهذه الآية وهي قوله: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّهُ لَا يجب تعين قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ بَلْ لَوْ قَرَأَ بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَلَوْ بِآيَةٍ، أَجْزَأَهُ وَاعْتَضَدُوا بِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» «1» وَقَدْ أَجَابَهُمُ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» «2» ، وَفِي صحيح مسلم عن أبي
(1) أخرجه البخاري في الاستئذان باب 18، ومسلم في الصلاة حديث 45.
(2)
أخرجه الترمذي في المواقيت باب 69، وابن ماجة في الإقامة باب 11. ومسلم في الصلاة حديث 38.
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بأم القرآن فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ» «1» وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي هريرة مَرْفُوعًا «لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ بأم القرآن» .
وقوله تَعَالَى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ذَوُو أَعْذَارٍ فِي تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ مَرْضَى لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، وَمُسَافِرِينَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ فِي الْمَكَاسِبِ وَالْمَتَاجِرِ، وَآخَرِينَ مَشْغُولِينَ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ فِي حَقِّهِمْ مِنَ الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ بَلِ السُّورَةُ كُلُّهَا مَكِّيَّةٌ وَلَمْ يَكُنِ الْقِتَالُ شُرِعَ بَعْدُ، فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الإخبار بالمغيبات المستقبلة، ولهذا قال تعالى: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ أَيْ قُومُوا بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْكُمْ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «2» : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَدِ اسْتَظْهَرَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ وَلَا يَقُومُ بِهِ إِنَّمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، قَالَ يَتَوَسَّدُ الْقُرْآنَ لَعَنَ اللَّهُ ذَاكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ [يُوسُفَ: 68] وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ [الْأَنْعَامِ: 91] قُلْتُ: يا أبا سعيد، قال الله تعالى: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ نَعَمْ وَلَوْ خَمْسَ آيَاتٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ مَذْهَبِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَرَى حَقًّا وَاجِبًا عَلَى حَمَلَةِ الْقُرْآنِ أَنْ يَقُومُوا وَلَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي اللَّيْلِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَقَالَ:«ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ» «3» فَقِيلَ مَعْنَاهُ نَامَ عَنِ الْمَكْتُوبَةِ، وَقِيلَ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ: وَفِي السُّنَنِ «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ» «4» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» «5» وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي بكر بن عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ إِيجَابِهِ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ فَرَقَدٍ الْجُدِّيُّ، حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الزُّبَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ مِنْ وَلَدِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ قَالَ:«مِائَةُ آيَةٍ» وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا لَمْ أَرَهُ إِلَّا فِي معجم الطبراني رحمه الله تعالى.
(1) أخرجه مسلم في الصلاة حديث 41.
(2)
تفسير الطبري 12/ 294.
(3)
أخرجه البخاري في التهجد باب 13، ومسلم في المسافرين حديث 205.
(4)
أخرجه أبو داود في الوتر باب 1، والترمذي في الوتر باب 5، والنسائي في قيام الليل باب 27، وابن ماجة في الإقامة باب 114، وأحمد في المسند 1/ 110، 143، 144، 148.
(5)
أخرجه أبو داود في الوتر باب 2، وأحمد في المسند 2/ 443، 5/ 357.