الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من هذه الفوضى الخلقية، ونبذ آداب الدين والفضيلة، وشعر العقلاء بسوء المغبة بعد أن فاتت الفرصة، وندموا ولات ساعة مندم.
وقد جاء في السنة الحث على ترك الطلاق، وحظره في غير ضرورة، فمن ذلك
حديث ثوبان عند أحمد والترمذي والبيهقي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة»
وقال: «المختلعات هنّ المنافقات» .
[سورة البقرة (2) : آية 230]
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)
الإيضاح
(فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) أي فإن طلقها بعد المرتين المذكورتين في قوله: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ» وهذه التطليقة هى المعبّر عنها فيما سلف بقوله:
«أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» فلا يملك مراجعتها بعد ذلك إلا إذا تزوجت بزوج آخر زواجا صحيحا مقصودا مع غشيان الثاني لها كما بينته السنة،
فقد روى الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنى كنت عند رفاعة فطلقنى فبتّ طلاقى، فتزوجنى عبد الرّحمن ابن الزّبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال:«أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك»
(يعنى بالعسيلة أقل ما يكون من تغشى الرجل بالمرأة) .
والحكمة في اشتراط ذلك أن الرجل متى علم أن المرأة لا تحل له بعد الطلاق ثلاثا
إلا إذا نكحت زوجا غيره، ولعله عدوه- يرتدع ويزدجر، لأن هذا مما تنفر منه الطباع السليمة ويأباه ذوو الغيرة والمروءة.
والآية صريحة في أن النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثا ما كان زواجا صحيحا عن رغبة مقصودة لذاتها، فمن تزوج بامرأة بقصد إحلالها للزوج الأول كان زواجه غير صحيح ولا تحل به المرأة للأول إذا هو طلقها، وهو معصية لعن الشارع فاعلها، وبهذا قال مالك وأحمد والثوري- وقال جماعة من الفقهاء: هو صحيح مع الكراهة ما لم يشترط ذلك في العقد.
روى أحمد والنسائي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال هو المحلّل، لعن الله المحلّل والمحلّل له» .
وروى عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحلل فقال:
لا، إلا نكاح رغبة لا دلسة ولا استهزاء بكتاب الله عز وجل ثم تذوق العسيلة.
وعن عمر رضى الله عنه أنه قال: لا أوتى بمحلّل ومحلّل له إلا رجمتهما، فسئل ابنه عن ذلك، فقال: كلاهما زان. وسأل رجل ابن عمر فقال: ما تقول في امرأة تزوجتها لأحلها لزوجها، لم يأمرني ولم يعلم؟ فقال ابن عمر: لا، إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها، وإن كنا نعدّ هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسئل ابن عباس عمن طلّق امرأته ثلاثا ثم ندم، فقال هو رجل عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان، فلم يجعل له مخرجا، فقيل له: فكيف ترى في رجل يحلّها له؟ فقال:
من يخدع الله يخدعه.
ومن هذا ترى أن حكم السنة ورأى كبار الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، لعن المحلل والمحلل له، لكن قد فشت هذه الرذيلة بين الأشرار الذين اتخذوا الطلاق