الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غيره، {وَمَنْ ضَلَّ} بمخالفتي فيما ذكر؛ أي: ضل بالكفر، وأعرض عن الهداية {فَقُلْ} في حقه:{إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} ؛ أي: من المخوِّفين من عذاب الله تعالى، فقد بلغت، وأنذرت، وخرجت من عهدة الإنذار والتخويف من عذاب الله وسخطه، فليس عليَّ من وباله شيء، وإنما هو عليه فقط، وقيل (1): الجواب محذوف؛ أي: فوبال ضلاله عليه، وأقيم {إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} مقامه لكونه كالعلة له، وهذه الآية منسوخة بآية السيف.
93
- {وَقُلِ} يا محمد {الْحَمْدُ لِلَّهِ} على ما أعطاني من نعمة العلم والنبوة، وعلى ما وفقني من القيام بأداء الرسالة، وقيل لهم يا محمد أيضًا:{سَيُرِيكُمْ} الله سبحانه أيها المشركون عند الموت، أو يوم القيامة {آيَاتِهِ}؛ أي: دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم، وفي غيركم، وهو من جملة ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله، {فَتَعْرِفُونَهَا}؛ أي: فتعرفون أنها آياته ودلائل قدرته ووحدانيته، وهذه المعرفة لا تنفع الكفار؛ لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان، وذلك عند حضور الموت. أو المعنى (2):{سَيُرِيكُمْ} الله تعالى في الدنيا {آيَاتِهِ} الباهرة كخروج الدابة، وسائر أشراط الساعة {فَتَعْرِفُونَهَا}؛ أي: فتعرفون أنها آيات الله تعالى حين لا تنفعكم المعرفة، وقيل (3): هو في يوم بدر، وهي ما أراهم من القتل والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقيل آياته في السموات والأرض وفي أنفسكم.
ثم ختم السورة بقول {وَمَا رَبُّكَ} يا محمد {بِغَافِلٍ} ؛ أي: بساه {عَمَّا تَعْمَلُونَ} ؛ أي: عما تعمل أنت من الحسنات، وما تعملون أنتم أيها الكفرة من السيئات، فيجازي كلًّا منكم بعمله، وقُرىء:{عما يعملون} بالياء؛ أي: وما ربك بغافل عن أعمالهم، فسيعذبهم، فلا يحسبوا أن تأخير عذابهم لغفلته تعالى
(1) الشوكاني.
(2)
روح البيان.
(3)
الخازن.
عن أعمالهم المسببة للعذاب، وهذا (1) من كلامه تعالى غير داخل تحت الكلام الذي أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله، وفيه ترهيب شديد وتهديد عظيم.
وقرأ الجمهور (2): {عما يعملون} بياء الغيبة التفاتًا من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة، وقرأ نافع وابن عامر، وحفص عن عاصم:{عَمَّا تَعْمَلُونَ} بتاء الخطاب، لقوله:{سَيُرِيكُمْ} ، ولما قسمهم أولًا إلى مهتد وضال أخبر تعالى أنه محيط بأعمالهم غير غافل عنها.
وعبارة البروسوي هنا قوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} كلام (3) مسوق من جهته تعالى، مقرِّر لما قبله من الوعد والوعيد، كما ينبىء عنه إضافة الرب إلى ضمير النبي عليه السلام، وتخصيص الخطاب أولًا به وتعميه ثانيًا للكفرة تغليبًا؛ أي: وما ربك يا محمد بغافل عما تعمل أنت من الحسنات وما تعملون أنتم أيها الكفرة من السيئات، فيجازي كلًّا منكم بعمله، وكيف يغفل عن أعمالكم، وقد خلقكم وما تعملون، كما خلق الشجرة وخلق فيها ثمرتها، فلا يخفى عليه حال أهل السعادة والشقاوة، وإنما يُمهل لحكمة لا لغفلة، وإنما الغفلة لمن لا ينتبه لهذا فيعصي الله بالشرك وسيئات الأعمال، وأعظم الأمراض القلبية نسيان الله سبحانه، ولا ريب أن علاج أمر إنما هو بضده، وهو ذكر الله تعالى، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المجدِّين في الدين إلى أن يأتينا اليقين.
عبارة المراغي هنا: ثم أمره سبحانه بترغيب قومه وترهيبهم، فقال (4):{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّه} ؛ أي: وقيل الحمد لله على ما أفاض على من نعمائه، التي من أجلِّها نعمة النبوة، المستتبعة لضروب من النعم الدينية والدنيوية، ووفقني لتحمل أعبائها، وتبليغ أحكامها بالآيات البينة والبراهين الساطعة، ووفقني لاتباع الحق الذي أنتم عنه عمون.
{سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} ؛ أي: سيريكم ربكم آيات عذابه وسخطه فتعرفون
(1) الشوكاني.
(2)
البحر المحيط.
(3)
روح البيان.
(4)
المراغي.
بها حقيقة نصحي، وسيتبيَّن لكم صدق ما دعوتكم إليه من الرشاد حين لا تُجدي المعرفة، ولا تُفيد التبصرة شيئًا، ونحو الآية قوله:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} .
ثم ذيَّل هذا بتقرير ما قبله من الوعد والوعيد بقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي: وما ربك بغافل عما يعمله هؤلاء المشركون، ولكنه مؤخِّر عذابهم إلى أجل هم بالغوه، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فلا يحزنك تكذيبهم، فإني لهم بالمرصاد، وأيقن باني ناصرك وخاذل عدوك، ومذيقهم الذل والهوان.
روي: أن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغْفَلًا شيئًا لأغفل ما تُعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم، وكان الإِمام أحمد كثيرًا ما ينشد هذين البيتين:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلُ
…
خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً
…
وَلَا أَنَّ مَا تُخْفِيْهِ عَنْهُ يَغِيْثُ
الإعراب
{إِنَّ هَذَا} : ناصب واسمه، {الْقُرْآنَ}: بدل من اسم الإشارة، {يَقُصُّ}: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على {الْقُرْآنَ} ، {عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {يَقُصُّ} في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إنَّ} مستأنفة، {أَكْثَرَ}: مفعول به لـ {يَقُصُّ} ، {الَّذِي}: مضاف إليه، {هُمْ}: مبتدأ، {فِيهِ}: متعلق بـ {يَخْتَلِفُونَ} ، وجملة {يَخْتَلِفُونَ}: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول. {وَإِنَّهُ}: ناصب واسمه، {لَهُدًى} {اللام}: حرف ابتداء، {هُدًى}: خبر {إنَّ} ، {وَرَحْمَةٌ}: معطوف على {هدى} ، {لِلْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور، تنازع فيه هدى ورحمة على كونه صفة لهما، وجملة {إنّ} معطوفة على جملة {إنَّ} الأولى. {إِنَّ رَبَّكَ}: ناصب واسمه، {يَقْضِي}: فعل
مضارع وفاعل مستتر يعود على الرب، {بَيْنَهُمْ}: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ {يَقْضِي} ، {بِحُكْمِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {يَقْضِي} أيضًا، وجملة {يَقْضِي} في محل الرفع خبر {إنَّ} ، وجملة {إنَّ} معطوفة على جملة {إِنَّ} الأولى بعاطف مقدر، {وَهُوَ}:{الواو} : واو الحال، {هُوَ}: مبتدأ، {الْعَزِيزُ}: خبر أول، {الْعَلِيمُ}: خبر ثان، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل {يَقْضِي} .
{فَتَوَكَّلْ} {الفاء} : فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن الله هو العزيز العلم، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك توكل على الله، {توكل}: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، {عَلَى اللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {تَوَكَّلْ} ، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، {إِنَّكَ}: ناصب واسمه، {عَلَى الْحَقِّ}: جار ومجرور خبر {إن} ، {الْمُبِينِ}: صفة للحق، وجملة {إن} في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، مسوقة لتعليل الأمر بالتوكل. {إِنَّكَ}: ناصب واسمه، {لَا}: نافية، {تُسْمِعُ}: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، {الْمَوْتَى}: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن} معطوفة بعاطف مقدر على جملة {إن} الأولى، على كونها تعليلًا ثانيًا للأمر بالتوكل، {وَلَا} {الواو}: عاطفة، {لَا}: نافية، {تُسْمِعُ}: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على {تُسْمِعُ} الأول، {الصُّمَّ}: مفعول به أول، {الدُّعَاءَ}: مفعول ثان، {إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط، {وَلَّوْا}: فعل وفاعل، {مُدْبِرِينَ}: حال من الفاعل، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة {إِذَا} إليها، والظرف متعلق بـ {تُسْمِعُ} .
{وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا
يُوقِنُونَ (82)}.
{وَمَا} {الواو} عاطفة، {ما}: حجازية، {أَنْتَ} في محل الرفع اسم {ما} ، {بِهَادِي} {الباء}: زائدة، {هَادِي الْعُمْيِ}: خبر {ما} الحجازية منصوب محلًا مجرور لفظًا، {الْعُمْيِ}: مضاف إليه، {عَنْ ضَلَالَتِهِمْ}: متعلق بـ {هادي} ، عداه بـ {عن} لتضمنه معنى تصرفهم، والجملة معطوفة على جملة قوله:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، {إن} نافية، {تُسْمِعُ}: فعل مضارع وفاعل مستتر، {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ، {مَنْ}: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة مستأنفة، {يُؤْمِنُ}: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على {مَنْ} ، {بِآيَاتِنَا}: جار ومجرور مضاف إليه متعلق بـ {يُؤْمِنُ} ، وجملة {يُؤْمِنُ} صلة {مَنْ} الموصولة، {فَهُمْ} {الفاء} عاطفة، {هُمْ مُسْلِمُونَ}: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة الصلة، عطف اسمية على فعلية. {وَإِذَا} {الواو}: استئنافية، {إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان، {وَقَعَ الْقَوْلُ}: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة {إِذَا} إليها، على كونها فعل شرط لها، {عَلَيْهِمْ}: متعلق بـ {وَقَعَ} ، {أَخْرَجْنَا}: فعل وفاعل جواب {إِذَا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إِذَا} مستأنفة مسوقة لبيان بعض أشراط الساعة، {لَهُمْ} متعلق بـ {أَخْرَجْنَا} ، {دَابَّةً}: مفعول {أَخْرَجْنَا} ، {مِنَ الْأَرْضِ}: متعلق بـ {أَخْرَجْنَا} ، {تُكَلِّمُهُمْ}: فعل مضارع ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على الدابة، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ {دَابَّةً} ، {أَنَّ النَّاسَ}: ناصب واسمه، {كَانُوا}: فعل ناقص واسمه، {بِآيَاتِنَا}: متعلق بـ {يُوقِنُونَ} ، وجملة {لَا يُوقِنُونَ} في محل النصب خبر {كَانُ} ، وجملة {كَانُ} في محل الرفع خبر {أَنَّ} وجملة {أَنَّ} بفتح الهمزة في تأويل مصدر مجرور بالباء المقدرة؛ أي؛ تخبرهم بعدم إيقان الناس بآيات ربنا، وأما بكسر الهمزة فمقول لقول محذوف، تقديره: تكلمهم وتقول لهم إن الناس كانوا بآياتنا.
{وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83)} .
{وَيَوْمَ} {الواو} : استئنافية، {يَوْمَ}: منصوب على الظرفية متعلق
بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد لقومك قصة يوم نحشر، والجملة المحذوفة مستأنفة، {نَحْشُرُ}: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {يَوْمَ} ، {مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {نَحْشُرُ} ، {فَوْجًا}: مفعول به لـ {نَحْشُرُ} ، {مِمَّنْ}: جار ومجرور صفة لـ {فَوْجًا} ، وجملة {يُكَذِّبُ} صلة {من} الموصوله، {بِآيَاتِنَا}: متعلق بـ {يُكَذِّبُ} ، {فَهُمْ} {الفاء}:عاطفة، {هم}: مبتدأ، وجملة {يُوزَعُونَ}: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجر معطوفة على جملة {نَحْشُرُ} ، عطف اسمية على الفعلية.
{حَتَّى} : حرف جر وغاية، {إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط، {جَاءُوا}: فعل وفاعل، ومتعلق {جَاءُوا}: محذوف، تقديره: حتى إذا جاءوا إلى موضع الحساب، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {إِذَا} على كونها فعل شرط لها، {قَالَ}: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة جواب {إِذَا} الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة {إِذَا} من فعل شرطها وجوابها في محل الجر بـ {حَتَّى} ، والجار والمجرور أعني {حَتَّى} متعلق بـ {يُوزَعُونَ} ، أو بـ {نَحْشُرُ} ، والتقدير: فهم يوزعون إلى قوله سبحانه وقت مجيئهم موضع الحساب: {أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي} {أَكَذَّبْتُمْ} {الهمزة} : للاستفهام التوبيخي التقريعي، {كَذَّبْتُمْ}: فعل وفاعل، {بِآيَاتِي}: متعلق بـ {كَذَّبْتُمْ} ، والجملة الفعلية في محل النصب مقول {قَالَ} ، {وَلَمْ تُحِيطُوا} {الواو}: حالية، {لَمْ تُحِيطُوا}: جازم وفعل وفاعل مجزوم بـ {لَمْ} ، {بِهَا}: متعلق بـ {تُحِيطُوا} ، {عِلْمًا} تمييز محول عن الفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل {كَذَّبْتُمْ} مؤكدة للإنكار والتوبيخ، {أَمَّاذَا} {أم}: منقطعة بمعنى بل الإضرابية، {ما}: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، {ذا}: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر المبتدأ، {كُنْتُمْ}: فعل ناقص واسمه، وجملة {تَعْمَلُونَ}: خبر
{كان} وجملة {كان} صلة {ذا} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: كنتم تعملونه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالَ} ، وإن شئت قلت:{ماذا} : اسم استفهام مركب في محل النصب فعول مقدم لـ {تعملون} ، وجملة {كان} في محل النصب مقول {قَالَ}. {وَوَقَعَ} {الواو}: عاطفة، {وَقَعَ الْقَوْلُ}: فعل وفاعل معطوف على {قَالَ} ، {عَلَيْهِمْ}: متعلق بـ {وَقَعَ} ، {بِمَا ظَلَمُوا} {الباء}: حرف جر وسبب، {ما}: مصدرية وجملة {ظَلَمُوا} صلة {ما} المصدرية، {ما} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب ظلمهم، الجار والمجرور متعلق بـ {وَقَعَ} أيضًا، {فَهُمْ} {الفاء}: عاطفة، {هُمْ}: مبتدأ، وجملة {لَا يَنْطِقُونَ} خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة {وَقَع} .
{أَلَمْ} {الهمزة} فيه للاستفهام التقريري، أو الإنكاري، {لم}: حرف جزم، {يَرَوْا}: فعل مضارع وفاعل، مجزوم بـ {لَمْ} ، والرؤية هنا قلبية، لا بصرية كما مر، والجملة الفعلية مستأنفة إنشائية لا محل لها من الإعراب، {أَنَّا}: ناصب واسمه، {جَعَلْنَا اللَّيْلَ}: فعل وفاعل ومفعول به، إن كان جعل بمعنى خلقنا، أو مفعول أول، والثاني محذوف، تقديره: مظلمًا، إن كان بمعنى صيَّرنا، وجملة {جَعَلْنَا} في محل الرفع خبر {أَنَّا} قال، وجملة {أَنَّا} في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي {يَرَوْا}؛ أي: ألم يروا جعلنا الليل مظلمًا، {لِيَسْكُنُوا} {اللام}: حرف جر وتعليل، {يَسْكُنُوا}: فعل وفاعل منصوب بـ {أن} مضمرة بعد لام كي، {فِيهِ}: متعلق بـ {يَسْكُنُوا} ، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لسكونهم فيه، الجار والمجرور متعلق بـ {جَعَلْنَا} ، {وَالنَّهَارَ}: معطوف على {اللَّيْلَ} ، {مُبْصِرًا}: حال، أو مفعول ثان، {إِنَّ}: حرف نصب، {فِي ذَلِكَ}: جار ومجرور خبر مقدم لـ {إنَّ} ، {لَآيَاتٍ} {اللام} حرف ابتداء، {آيَاتٍ}: اسمها مؤخر، وجملة {إنَّ} مستأنفة، {لِقَوْمٍ}: صفة
لآيات، وجملة {يُؤْمِنُونَ}: صفة لـ {قَوْمٍ} .
{وَيَوْمَ} {الواو} : عاطفة، {يَوْمَ}: منصوب باذكر محذوفًا، تقديره: واذكر يا محمد لقومك قصة يوم ينفخ في الصور، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله:{وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ} ، {يُنْفَخُ}: فعل مضارع مغير الصيغة، {فِي الصُّورِ}: جار ومجرور نائب فاعل لـ {يُنْفَخُ} ، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {وَيَوْمَ} ، {فَفَزِعَ} {الفاء}: عاطفة، {فَزِعَ}: فعل ماض بمعنى يفزع، {مَنْ} اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة معطوفة على جملة ينفخ، {فِي السَّمَاوَاتِ}: جار ومجرور صلة {مَنْ} الموصولة، {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ}: معطوف على {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} ، {إِلَّا} أداة استثناء، {مَنْ} اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، {شَاءَ اللَّهُ}: فعل وفاعل، والجملة صلة {مَنْ} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: إلا من شاء الله عدم فزعه، {وَكُلٌّ} {الواو}: حالية، {كُلٌّ}: مبتدأ سوغ الابتداء بالنكرة قصد العموم، أو نية المضاف إليه؛ أي: وكلهم، {أَتَوْهُ}: فعل وفاعل ومفعول به، {دَاخِرِينَ}: حال من فاعل {أَتَوْهُ} ، وجملة {أَتَوْهُ} في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل {فَزِعَ} ، {وَتَرَى} {الواو}: عاطفة، {تَرَى}: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطب، ورأى هنا بصرية، {الْجِبَالَ}: مفعول به، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة {يُنْفَخُ} ، {تَحْسَبُهَا}: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول أول، {جَامِدَةً}: مفعول ثان لـ {تَحْسَبُ} ، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل {تَرَى} ، {وَهِيَ} {الواو}: حالية، {هِيَ}: مبتدأ، وجملة {تَمُرُّ} في محل الرفع خبر المبتدأ، {مَرَّ} منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الضمير المستكن في {جَامِدَةً} ، {السَّحَابِ} مضاف إليه {صُنْعَ
اللَّهِ}: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: صنع الله ذلك صنعًا، والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد مضمون ما قبلها، {الَّذِي}: في محل الجر صفة للجلالة، {أَتْقَنَ}: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، {كُلَّ شَيْءٍ}: مفعول به، {إِنَّهُ}: ناصب واسمه، {خَبِيرٌ}: خبره، وجملة {إن} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، {بِمَا}: متعلق بـ {خَبِيرٌ} ، وجملة {تَفْعَلُونَ} صلة {ما} الموصولة، والعائد محذوف تقديره تفعلونه.
{مَنْ} : اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، {جَاءَ}: فعل ماض في محل الجزم بـ {مَنْ} : على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} ، {بِالْحَسَنَةِ} متعلق بـ {جَاءَ} ، {فَلَهُ} {الفاء}: رابطة لجواب {مَن} : الشرطية، {لَهُ}: جار ومجرور خبر مقدم، {خَيْرٌ}: مبتدأ مؤخر، {مِنْهَا}: متعلق بـ {خَيْرٌ} ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ {مَنْ} الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة {مَنْ}: الشرطية مستأنفة، {وَهُمْ} {الواو}: عاطفة، {هُمْ}: مبتدأ، {مِنْ فَزَعٍ}: متعلق بـ {آمِنُونَ} ، {آمِنُونَ}: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم معطوفة على جملة الجواب. {يَوْمَئِذٍ} {يوم}: منصوب على الظرفية الزمانية، {يوم}: مضاف، {إذٍ} ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر مضاف إليه مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، والظرف متعلق بمحذوف صفة لـ {فَزَعٍ} ، تقديره: من فزع كائن في ذلك اليوم، وقرىء بإضافة {فَزَعٍ} إلى {يَوْمَئِذٍ} ، {وَمَنْ} {الواو}: عاطفة، {مَن}: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، {جَاءَ} فعل ماض وفاعل مستتر، في محل الجزم بـ {مَن} على كونه فعل شرط لها، {بِالسَّيِّئَةِ} متعلق بـ {جَاءَ} ، {فَكُبَّتْ} {الفاء} رابطة الجواب داخلة على قد محذوفة؛ أي: قد كبت، ليصح اقتران الجواب بها، {كُبَّتْ}: فعل ماض مغير الصيغة، في
محل الجزم بـ {مَن} على كونه جوابًا لها، {وُجُوهُهُمْ}: نائب فاعل، ومضاف إليه، {فِي النَّارِ}: متعلق بـ {كبت} ، وجملة {مَن} الشرطية معطوفة على جملة {مَنْ} الأولى. {هَلْ}: حرف للاستفهام الإنكاري، {تُجْزَوْنَ}: فعل مضارع ونائب فاعل. {إِلَّا} : أداة استثناء مفرغ، {مَا}: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ {تُجْزَوْنَ} {كُنْتُمْ} : فعل ناقص واسمه، وجملة {تَعْمَلُونَ} خبره، وجملة {كان} صلة لـ {مَا} الموصولة. وجملة {تُجْزَوْنَ} في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من {وُجُوهُهُمْ} ، تقديره: فكبت وجوههم في النار حالة كونهم مقولا لهم هل تجزون إلا ما كنتم تعملون.
{إِنَّمَا} : أداة حصر، {أُمِرْتُ}: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: قل لهم: إنما أمرت، {أَنْ}: حرف نصب ومصدر، {أَعْبُدَ}: فعل مضارع وفاعل مستتر منصوب بـ {أن} المصدرية، {رَبَّ}: مفعول به، {هَذِهِ}: مضاف إليه، {الْبَلْدَةِ}: بدل من اسم الإشارة، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: إنما أمرت بعبادة رب هذه البلدة، {الَّذِي}: صفة لـ {رَبَّ} ، {حَرَّمَهَا}: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول، {وَلَهُ} {الواو}: حالية، {له}: خبر مقدم، {كُلُّ شَيْءٍ}: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل {حَرَّمَهَا} ، {وَأُمِرْتُ}: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة {أُمِرْتُ} الأولى، {أَنْ} حرف مصدر، {أَكُونَ}: فعل مضارع ناقص منصوب بـ {أن} واسمها ضمير يعود على النبي عليه السلام، {مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: خبر {أَكُونَ} ، وجملة {أَكُونَ} في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وأمرت بكوني من المسلمين.
{وَأَنْ} {الواو} : عاطفة، {أَنْ}: حرف نصب ومصدر، {أَتْلُوَ الْقُرْآنَ}: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، منصوب بـ {أن} المصدرية، والجملة في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من أن أكون، تقديره: وأمرت بكوني من المسلمين وبتلاوتي القرآن، {فَمَنِ} {الفاء}: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما أمرت به، وأردتم بيان عاقبة من اهتدى ومن ضل منا ومنكم فأقول لكم، {مَنِ اهْتَدَى} {مَنِ}: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. {اهْتَدَى}: فعل ماض في محل الجزم بـ {من} الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على {مَنِ} ، {فَإِنَّمَا} {الفاء}: رابطة الجواب جوازًا، لشبه الجواب بالجملة الاسمية بدخول {إن} المكفوفة عليها، {إِنَّمَا}: أداة حصر، أو {إن}: حرف نصب مكفوف، و {ما}: كافة، {يَهْتَدِي}: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على {مَنْ} ، {لِنَفْسِهِ} متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها وجملة من الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {وَمَنْ} {الواو}: عاطفة، {مَن}: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر إما جملة الشرط، أو الجواب، {ضَلَّ}: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على {مَن} في محل الجزم بـ {من} على كونه فعل شرط لها، {فَقُلْ} {الفاء} رابطة الجواب وجوبًا، {قُلْ}: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ {من} الشرطية على كونها جوابًا لها، والرابط محذوف، تقديره: فقل له، وجملة {مَن} الشرطية معطوفة على جملة {مَنْ} الأولى، {إِنَّمَا}: أداة حصر، {أَنَا}: مبتدأ، {مِنَ الْمُنْذِرِينَ}: خبر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ {قُلْ} ، {وَقُلِ} {الواو}: استئنافية، {قُلِ}: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، {الْحَمْدُ لِلَّهِ}: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول لـ {قُلِ}. {سَيُرِيكُمْ} السين: حرف استقبال، جيء بها لتأكيد مضمون الكلام، {يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعولان؛ لأنه من أرى البصرية، تعدت إلى مفعولين بالهمزة، والجملة في محل النصب مقول لـ {قُلِ} ، {فَتَعْرِفُونَهَا} {الفاء}:
عاطفة، {تَعْرِفُونَهَا}: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على {سَيُرِيكُمْ} ، {وَمَا رَبُّكَ} {الواو}: عاطفة، {ما}: حجازية، {رَبُّكَ}: اسمها، {بِغَافِلٍ} خبرها. و {الباء}: زائدة، والجملة مستأنفة مسوقة من جهته تعالى، مقررة لما قبلها، {عَمَّا}: جار ومجرور متعلق بـ {غافل} ، وجملة {تَعْمَلُونَ} صلة {ما} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: عما تعملونه.
التصريف ومفردات اللغة
{وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} والصم جمع الأصم، كالغُرِّ جمع الأغرّ، والصمم فُقدان حاسة السمع، كما مر، وشُبِّه به مَنْ لا يُصْغي إلى الحق ولا يقبله كما شُبّه هاهنا، والدعاء: الدعوة إلى أمر من الأمور.
{إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} يقال: ولَّى عن الشيء إذا أعرض عنه، وترك قربه، ويقال: أدبر إذا أعرض، وولى دبره، {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ} والعمي جمع الأعمى، والعمى: افتقاد حاسة البصر، فشبه سبحانه من افتقد البصيرة بمن افتقد البصر، في عدم الاهتداء إلى المقصود، والمعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله سبحانه عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان اهـ. "سمين".
{وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} وقع حدث وحصل، والمراد من القول ما دل من الآيات على مجيء الساعة، {تُكَلِّمُهُمْ}؛ أي: تنبئهم وتخبرهم، {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا} والحشر: الجمع، والمراد به هنا هو الحشر للعذاب، بعد الحشر الكلي الشامل لكافة الخلق، والأمة: جماعة أرسل إليهم رسول كما في "القاموس"، والفوج: الجماعة من الناس كالزمرة كما في "الوسيط"، والجماعة المارة المسرعة كما في "المفردات"، وكان هذا هو الأصل، ثم أطلق وإن لم يكن مرور ولا إسراع، والجمع أفواج وفؤوج، وجمع الجمع أفاوج وأفايج وأفاويج، والفائجة الجماعة، ومتَّسع ما بين كل مرتفعين من رمل.
{فَهُمْ يُوزَعُونَ} ؛ أي: يُحبس أولهم على آخرهم حتى يتلاحقوا ويجتمعوا في موقف التوبيخ والمناقشة، {وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا}؛ أي: ولم تدركوا حقيقة
كنهها، {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} والصور هو: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام للموت والحشر.
{فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} والفزع: انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخوف، ولا يقال: فزعت من الله، كما يقال: خفت منه، والمراد بالفزع هنا ما يعتري الكل مؤمنًا وكافرًا عند البعث والنشور، بمشاهدة الأمور الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق، من الرعب والتهيب الضروريِّين الجِبْليِّين، {دَاخِرِينَ}؛ أي: أذلاء صاغرين، وفي "القاموس": دخر الشخص كمنع وفرح دخرًا ودخورًا صغر وذل، وأدخرته بالألف للتعدية، ويقال: أدخرته فدخر؛ أي: أذللته فذل.
{تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} ؛ أي: ثابتة في أماكنها، من جمد الماء وكل سائل قام وثبت ضد ذاب. {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} والصنع: إجادة الفعل فكل صنع فعل، وليس كل فعل صنعًا، ولا يُنسب إلى الحيوانات كما يُنسب إليها الفعل كما في "المفردات"، والإتقان: الإتيان بالشيء على أكمل حالاته، وهو مأخوذ من قولهم: تقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح للزراعة، وأرض تقنة، والتقن فعل ذلك بها، والتقن أيضًا ما رُمي به في الغدير من ذلك أو الأرض، ويقال: أتقن الشيء إذا أحكمه، يقال: رجل تقن، بكسر التاء وسكون القاف؛ أي: حاذق بالأشياء.
{فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ} أي: ألقيت منكوسة، والكب إسقاط الشيء على وجهه، {أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ} والعبادة هي غاية التذلل والخضوع، والبلد: المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه، وإقامتهم فيه، ولاعتبار الأثر قيل: بلدة؛ أي: أثر.
{الَّذِي حَرَّمَهَا} ؛ أي: جعلها حرامًا؛ أي: ممنوعًا منه، {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} والتلاوة قراءة القرآن متتابعة كالدراسة والأوراد الموظفة، والقراءة أعم، يقال: تلاه تبعه متابعة ليس بينهما ما ليس منهما.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإسناد المجازي في قوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ} حيث أسند القص إلى القرآن؛ لأن القص لا يوصف به إلا الناطق المميز، ولكن القرآن لما تضمن نبأ الأولين كان كالشخص الذي يقص على الناس الأخبار.
ومنها: المجاز في قوله: {يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ} حيث أطلق الحكم على المحكوم به على سبيل التجوز.
ومنها: المبالغة في قوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} لأن فعيلًا من صيغ المبالغة.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} إلخ. حيث مثل أحوال الكفار في عدم انتفاعهم بما يتلى عليهم من الآيات بالموتى، وفي عدم إصغائهم إلى الحق وقبولهم له بالصم الذين لا يسمعون النداء، وفي عدم اهتدائم إلى الحق والصواب بالعمي الذين لا يهتدون إلى المقصود.
ومنها: تقييد نفي عدم الاسماع بقوله: {إِذَا وَلَّوْا} لتكميل التشبيه وتأكيد النفي، فإن إسماعهم في هذه الحالة أبعد؛ أي: إن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخه قريبًا منه، فكيف إذا كان خلفه بعيدًا منه.
ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ} لتربية المهابة، وكان مقتضى السياق أن يقال: قلنا؛ لأن قبله {وَيَوْمَ نَحْشُرُ} بالتكلم.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: {أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} للتأنيب.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} فقد أسند الإبصار إلى الزمان، وهو لا يعقل؛ لأن المعنى: ليبصروا بما فيه من الإضاءة طرق التقلب في
أمور المعاش، فبولغ فيه، حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس حالًا له، ووصفًا من أوصافه التي جعل عليها بحيث لا ينفك عنها.
ومنها: الاحتباك في قوله: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} والاحتباك عند البديعيين هو: الحذف من أحد المتقابلين نظير ما أثبته في الآخر؛ لأن أصل التركيب: ألم يروا أنا جعلنا الليل مظلما ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ليتحركوا فيه، فحذف مظلمًا لدلالة مبصرًا عليه، وحذف ليتحركوا فيه لدلالة ليسكنوا عليه.
ومنها: الإخبار بالماضي عن المستقبل في قوله: {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} وكان السياق يقتضي بأن يأتي بالمستقبل أيضًا، ولكنه عدل إلى الماضي للإشعار بتحقق الفزع، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعًا به.
ومنها: الطباق في قوله: {تَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} ففيه طباق عجيب بين الجمود والحركة السريعة، حيث جعل ما يبدو لعين الناظر من الأجرام العظام كالجبل في جموده ورسوخه، ولكنه سريع يمر مرورًا حثيثًا كما يمر السحاب.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} ؛ أي: تمر عمر السحاب في السرعة، حذفت الأداة ووجه الشبه فأصبح تشبيهًا بليغًا مثل: محمد قمر.
ومنها: الطباق في قوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ} وفي قوله: {فَمَنِ اهْتَدَى} {وَمَنْ ضَلَّ} .
ومنها: الإضافة لتشريف المضاف إليه في قوله: {رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ} لأن الإضافة تكون لتشريف المضاف إليه، كما أنها تكون لتشريف المضاف في نحو ناقة الله، وبيت الله، وروح الله.
ومنها: الاحتراس في قوله: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} ففيه احتراس بديع، فقد
أضاف سبحانه اسمه إلى مكة تشريفًا لها، وذكرًا لتحريمها، ولما أضاف اسمه إلى البلدة المخصوصة بهذا التشريف أتبع ذلك إضافة كل شيء سواها إلى ملكه، قطعًا لتوهم اختصاص ملكه بالبلدة المشار إليها، وتنبيهًا على أن الإضافة الأولى إنما قصد بها التشريف لا لأنها ملك الله تعالى خاصة.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
جملة ما حوته هذه السورة من حكم وأحكام وقصص
اشتملت هذه السورة على الأمور التالية:
1 -
وصف القرآن الكريم بأنه هدى ورحمة للمؤمنين.
2 -
قصص موسى عليه السلام.
3 -
قصص سليمان عليه السلام.
4 -
قصص ثمود، وقصص قوم لوط.
5 -
النعي على المشركين في عبادة الأصنام والأوثان، وإقامة الأدلة على وحدانية الله تعالى.
6 -
إنكار المشركين للبعث والنشور، وقولهم:{إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .
7 -
علم الله بما في الصدور.
8 -
حكم القرآن على ما اختلف فيه بنو إسرائيل.
9 -
قطع الأطماع في إيمان المشركين، وتشبيههم بالعُمْيِ الصُّمِّ.
10 -
أشراط الساعة كخروج الدابة من الأرض، وحشر فوج من كل أمة وتسيير الجبال.
11 -
الجزاء على العمل خيرًا كان أو شرًا.
12 -
أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: إنه إنما أمر بعبادة رب مكة، لا بعبادة الأصنام والأوثان.
13 -
أمره بحمد الله والثناء عليه، وطلبه تلاوة القرآن.
14 -
أنه سبحانه سيُري المشركين آياته فيعرفونها حق المعرفة، حين لا يفيدهم ذلك شيئًا. وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين (1).
والله أعلم
* * *
(1) وهذا آخر ما يسره الله سبحانه لنا في تفسير سورة النمل، وكان الفراغ في أوائل ليلة الأربعاء، السادسة عشر من شهر الجمادى الأولى، من شهور سنة ألف وأربع مئة وثلاثة عشر من تاريخ الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية.