المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

عليهم، من غير توبيخ؛ لأنه لا للاعتراض لحكمه تعالى وترغيبًا - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٦

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: عليهم، من غير توبيخ؛ لأنه لا للاعتراض لحكمه تعالى وترغيبًا

عليهم، من غير توبيخ؛ لأنه لا للاعتراض لحكمه تعالى وترغيبًا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي، {مَتَاعُ الدُّنْيَا}؛ أي: منفعة الدنيا ولذاتها {قَلِيلٌ} لأنه سريع الزوال، ووشيك الانصرام، وإن أخرتم إلى ذلك الأجل {وَالْآخِرَةُ}؛ أي: ثوابها الباقي وجزاؤها، لا سيما المنوط بالقتال، {خَيْرٌ} من ذلك المتاع الفاني، {لِمَنِ اتَّقَى} الله تعالى، وامتثل أوامره، واجتنب الكفر والفواحش؛ لأن نعم الأخرة كثيرة، ومؤبدة وصافية عن كدورات القلوب، ويقينية بخلاف نعم الدنيا؛ فإنها مشكوكة عاقبتها في اليوم الثاني، ومشوبة بالمكاره، {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا}؛ أي: ولا تنقصون من أجور أعمالكم أدنى شيء، ولو كان قدر فتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

قال في "التسهيل": إن الآية في قوم من الصحابة كانوا قد أمروا بالكف عن القتال، فتمنوا أن يؤمروا به، فلما أمرو به .. كرهوه، لا شكًّا في دينهم، ولكن خوفًا من الموت، كما مر هذا القول، وقيل: الآية في المنافقين، وهو أليق بسياق الكلام، واختار القرطبي وأبو حيان هذا القول وهو الأرجح، قال في "البحر": الظاهر أن القائلين هذا هم منافقون؛ لأن الله تعالى إذا أمر بشيء لا يسأل عن علته من هو خالص الإيمان، ولهذا جاء السياق بعده:{وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} ، وهذا لا يصدر إلا من منافق انتهى.

وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير (1): {وَلَا يُظْلَمُونَ} بالياء، وباقي السبعة بالتاء على الخطاب، وهو التفات، ثم رغبهم في القتال،

‌78

- وبين لهم أن الموت مصير كل شيء، فقال:{أَيْنَمَا تَكُونُوا} ؛ أي: في أي مكان وجدتم وحصلتم فيه، سواء كان برًّا أو بحرًا، سفرًا أو حضرًا {يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ}؛ أي: يأخذكم الموت الذي تكرهون لأجله القتال، زعمًا منكم أنه من محله، ويقع بكم لا محالة، {وَلَوْ كُنْتُمْ} متحصنين منه {فِي بُرُوجٍ} وحصون {مُشَيَّدَةٍ}؛ أي: مطولة مرتفعة قوية بالجص والنورة، فلا تخشوا القتال لأجله، ولا تتمتوا هذا التأخير الذي سألتم؛

(1) البحر المحيط.

ص: 209

لأنه لا فائدة فيه؛ لأنه لا منجا ولا ملجأ من الموت، سواء أكان بقتل أم بغيره، فلا فائدة في خور الطبع وحب الحياة، وقال زهير:

وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ

ولَوَ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بسُلَّمِ

وقرأ طلحة بن سليمان (1): {يدركُكُم} برفع الكافين، وخرجه أبو الفتح على حذف فاء الجواب؛ أي: فيدرككم الموت، أو على أنه كلام مستأنف، وأينما متصل بلا تظلمون، وهي قراءة ضعيفة.

والخلاصة (2): أن الموت أمر محتم لا مهرب منه، فهو لا بد أن يدرككم في أي مكان، ولو تحصنتم في شواهق القصور التي يسكنها ذوو الثراء والنعمة، أو في القلاع والحصون التي تقطنها حامية الجند، وإذا كان الموت لا مفر منه، وكان المرء قد يقتحم غمار الوغى ولا يصاب بالأذى، وقد يموت المعتصم في البروج والحصون، وهو في غضارة العيش .. فلا عذر لكم أيها المثبطون المبطئون، ولماذا تختارون لأنفسكم الحقير على العظيم، ولماذا لا تدافعون عن الحق وتمنعون الشر أن يفشو، حتى تستحقوا مرضاة الله وسعادة الآخرة، ولماذا تكرهون القتال وتجبنون، وتخافون الناس وتتمنون البقاء، أليس هذا بضعف في الدين، وركة في العقل، وخورًا في العزيمة، تؤاخذون بها، وتقوم عليكم بها الحجة.

ثم ذكر سبحانه وتعالى شأنًا آخر من شؤونهم، أشد دلالة على الحمق وضعف العقل ومرض القلب، فقال:{وَإِنْ تُصِبْهُمْ} ؛ أي: اليهود والمنافقين {حَسَنَةٌ} ؛ أي: خصب ورخص السعر وتتابع الأمطار، {يَقُولُوا هَذِهِ} الحسنة {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} تعالى، قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر عناد اليهود والمنافقين على دعائه إياهم إلى الإيمان .. أمسك الله عنهم بعض الإمساك، كما جرت عادته تعالى في جميع الأمم، فعند

(1) البحر المحيط والبيضاوي.

(2)

المراغي.

ص: 210

هذا قالوا: ما رأينا أعظم شؤمًا من هذا الرجل، نقصت ثمارنا ومزارعنا، وغلت أسعارنا منذ قدم، كما قال تعالى:{وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} ؛ أي: جدوبة وشدة وغلاء سعر .. {يَقُولوُا} ؛ أي: يقول اليهود والمنافقون {هَذِهِ} السيئة {مِنْ عِنْدِكَ} ؛ أي: هذه من شؤم محمَّد وأصحابه؛ أي: وإن تصبهم نعمة .. نسبوها إلى الله تعالى، وإن تصبهم بلية .. أضافوها إليك، كما حكى الله عن قوم موسى بقوله:{وَإِن تُصِبْهُمْ سَيئةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} ، وعن قوم صالح بقوله:{قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} ، وهذا زعم باطل منهم، فكل من النعمة والبلية من عند الله تعالى، خلقًا وإيجادًا، يقع في ملكه بحسب السنن التي وضعها، والأسباب والمسببات التي أوجدها، {قُلْ} أجبهم يا محمد ردًّا لزعمهم الباطل، وإرشادًا لهم إلى الحق:{كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ؛ أي: كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى خلقًا وإيجادًا، من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منهما بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلًا، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلي عقوبة له، {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ}؛ أي: وإذا كان الأمر كذلك .. فأي شيء حصل لهؤلاء اليهود والمنافقين؛ وماذا دهاهم في عقولهم حالة كونهم {لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} .

أي: لا يقربون أن يفهموا حديثًا من الأحاديث أصلًا، فقالوا ما قالوه، إذ لو فهموا شيئًا من ذلك .. لفهموا أن الكل من عند الله تعالى، فالنعمة منه تعالى بطريق التفضل، والبلية منه تعالى بطريق العقوبة على ذنوب العباد، عدلًا منه تعالى، والاستفهام هنا تعجبي مضمن معنى الإنكار.

وإذا (1) كانوا قد حرموا هذا الفقه من كل حديث .. فما أحراهم أن يحرموه من حديث يبلغه الرسول عن ربه، في الإخبار عن نظم الاجتماع، وارتباط الأسباب بالمسببات، وعما أحاط الله به المصطفين الأخيار من وافر الفضل، وخصهم به من جميل الرعاية، فتلك الحكم العالية لا تُنال إلا بفضل الروية،

(1) المراغي.

ص: 211