الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يتذكر جميع ما سبق له في السنين الطوال ولا يستحضره حتى يجعل الآخر موافقًا للأول، مع أن بعض الآيات كان ينزل في أيام المحن والكروب، وبعضها عند تنازع الأقوام حين الخصام، إلى أن كرَّ الغداة ومرّ العشي لا يزيده إلا جدة، ولا يزيد أحكامه إلا ثباتًا ورسوخًا، وكلما اتسعت دائرة العلوم والمعارف، ونمت أحوال العمران .. زاد إيمان الناس به، إذ تتوثق روابط الصلة بين الدين والعلم، وتتظاهر أحكامه مع نواميس الاجتماع وشؤون الكون.
83
- {وَإِذَا جَاءَهُمْ} ؛ أي: وإذا جاء ضعفة المؤمنين الذين لا خبرة لهم بالشؤون العامة، وقيل: الضمير يعود إلى المنافقين {أَمْرٌ} من أمور المسلمين، وشأن من شؤونهم، سواء كان ذلك الأمر {مِنَ الْأَمْنِ} والبشارة والخير، كفتح وغنيمة {أو} كان {مِّنَ الْخَوْفِ} والحزن والشر، كقتل وهزيمة .. {أَذَاعُوا بِهِ}؛ أي: أفشى هؤلاء الضعفة أو المنافقون ذلك الأمر والخبر، وأشاعوه بين الناس، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث البعوث والسرايا، فإذا غَلبوا أو غُلبوا .. بادر هؤلاء الضعفة أو المنافقون يستخبرون عن حالهم، ثم يشيعونه، ويتحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيضعفون به قلوب المؤمنين، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ويستفاد من الآية: أنه لا ينبغي للعامة الذين لا خبرة لهم بالشؤون العامة أن تشيع أخبار الحرب وأسرارها، ولا أن تخوض في السياسة العامة للدولة؛ لأن ذلك مضرة لها، ومفسدة لشؤونها ومرافقها العامة، وعلاقاتها مع غيرها من الأمم، بالإضافة إلى أن في ذلك مشغلة لهم عن شؤونهم الخاصة، وضياع زمن كانوا فيه أحوج إلى العمل بما يفيدهم ويفيد الأمة، وهذا بيان لجناية ضعفاء الإيمان إثر بيان جناية المنافقين.
ثم بين ما ينبغي أن يفعل في مثل هذه الحال، فقال:{وَلَوْ رَدُّوهُ} ؛ أي: ولو رد هؤلاء المذيعون من ضعفة الإيمان أو المنافقين هذا الخبر الذي تحدثوا به من الأمن أو الخوف، وفوضوا الكلام في الأمور العامة {إِلَى الرَّسُولِ} محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الإِمام الأعظم، والقالد العام في الحرب {وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ}؛ أي: وإلى
أصحاب الرأي والعقل من أهل الحل والعقد ورجال الشورى {مِنْهُمْ} ؛ أي: من المؤمنين من كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ولم يتحدثوا به، حتى يكون هؤلاء هم الذين يظهرونه .. {لَعَلِمَهُ}؛ أي: لعلم حقيقة ذلك الخبر هؤلاء {الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونه} ويذيعونه بين الناس من أولئك الضعفة أو المنافقين الذين يبغون ويطلبون علم ذلك الخبر {مِنْهُمْ} ؛ أي: من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أولي الأمر؛ أي: ولو أن هؤلاء الضعفاء أو المنافقين المذيعين، ردوا أمر الأمن أو الخوف وخبره إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم، بأن سكتوا عن إذاعته، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر .. لعلمه هؤلاء الضعفة أو المنافقون المذيعون من جهة الرسول ومن جهة أولي الأمر؛ أي: لوجدوا علم حقيقة ذلك الخبر عندهم؛ لأنهم هم الذين يعرفون مثل ذلك الخبر، ويستخرجون خفاياه بدقة نظرهم، إذ لكل طائفة منهم استعداد للإحاطة ببعض المسائل المتعلقة بسياسة الأمة دون بعض، ولا ينبغي أن تذيعه العامة لما في ذلك من الضرر بها من سائر الوجوه والاعتبارات، وقرأ أبو السمال {لعلمه} بسكون اللام، فيخرج على لغة تميم؛ لأن تسكين عين علم قياس مطرد عندهم. ثم امتن الله سبحانه وتعالى على صادقي الإيمان من عباده فقال:{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ} سبحانه وتعالى، وإحسانه {عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون بالإِسلام والتوفيق والهداية، {وَرَحْمَتُهُ} لكم ببعثة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وإنزال القرآن .. {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} وكفرتم بالله تعالى {إِلَّا قَلِيلًا} منكم، فإن (1) ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وعدم إنزال القرآن، ما كان يتبع الشيطان، وما كان يكفر بالله، وهم مثل قس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهم.
وخلاصة المعنى: أي (2) ولولا فضل الله تعالى عليكم ورحمته بكم، إذ هداكم لطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، ورد الأمور العامة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى أولي الأمر منكم .. لاتبعتم وسوسة الشيطان فيما يأمركم به
(1) المراح.
(2)
المراغي.