المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

مسألة: فإن قلتَ (1): إن العفو فرع المعصية، وهي تحصل - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٨

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: مسألة: فإن قلتَ (1): إن العفو فرع المعصية، وهي تحصل

مسألة: فإن قلتَ (1): إن العفو فرع المعصية، وهي تحصل باشتغال المحرم بقتل الصيد بعد نزول آية التحريم، فما معنى العفو عن قتل الصيد قبل تحريمه المفهوم من قوله:{عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} ؟

قلتُ: إن المراد بالعفو هنا مجرد عدم المؤاخذة على ما سلف، فلا يرد السؤال المذكور، أفاده الكرخي،

‌96

- والخطاب في قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} إما لكل مسلم أو للمحرمين خاصة؛ أي: أحل لكم أيها الناس صيد جميع المياه العذبة والملحة بحرًا كان أو نهرًا أو غديرًا؛ أي: اصطياد صيد الماء والانتفاع به بأكله، واصطياده لأجل عظامه وأسنانه، وأحل لكم طعام البحر؛ أي: أكله، فالصيد هو ما صيد بالحيلة حال حياته ثم مات. والطعام ما يوجد مما لفظه البحر، أو نضب عنه الماء، ويحصل من غير معالجة في أخذه. والمعنى: وأحل لكم ما صيد من البحر ثم مات، وما قذفه البحر ميتًا، وروي هذا المعنى عن ابن عباس وابن عمر وقتادة.

والخلاصة: أن المراد بطعامه عندهم: ما لا عمل للإنسان فيه ولا كلفة في اصطياده؛ كالذي يطفو على وجهه، والذي يقذف به إلى الساحل، والذي ينحسر عنه الماء وقت الجزر، ولا فرق بين حيه وميته.

فصل في حيوان الماء

واعلم: أن (2) جملة حيوان الماء على قسمين: سمك وغير سمك.

فأمَّا السمك: فجميعه حلال على اختلاف أجناسه وأنواعه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه، والحل ميتته" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب، فيحل أكله.

وقال أبو حنيفة: لا يحل إلا أن يموت بسبب.

وما عدا السمك فقسمان: قسم يعيش في البر والبحر؛ كالضفدع والسرطان والتمساح والسلحفاة، فلا يحل أكلها. وقال سفيان: أرجو أن لا يكون بالسرطان

(1) الفتوحات بتصرف.

(2)

الخازن والمراح.

ص: 75

بأس. وقال الشافعي: السمكة الطافية في البحر حلال، والسمكة عنده كل ما لا يعيش إلا في الماء، ولو كان على صورة غير المأكول من حيوان البر؛ كالآدمي والكلب والخنزير، فهذا كله حلال عنده، وحجته الخبر السابق وهذه الآية؛ لأنها نزلت في قوم من بني مدلج كانوا أهل صيد البحر، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن طعام البحر، وعما حسر البحر عنه. ومعنى قوله تعالى:{وَطَعَامُهُ} ؛ أي: ما حسر عنه البحر وألقاه. وقال أحمد: يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع والتمساح؛ لأن التمساح يفترس ويأكل الناس. وقال ابن أبي ليلى ومالك: يباح كل ما في البحر.

وذهب جماعة إلى أن ما له نظير يؤكل من حيوان البر يؤكل مثل: بقر الماء ونحوه، ولا يؤكل ما لا يؤكل نظيره في البر مثل: كلب الماء وخنزيره. واختلفوا (1) في الجراد فقيل: هو من صيد البحر، فيحل أكله للمحرم. وذهب جمهور العلماء إلى أنه من صيد البر، وأنه لا يحل للمحرم أكله في حال الإحرام، فإن أصاب جرادة فعليه صدقة. قال عمر: في الجرادة تمرة، وعنه وعن ابن عباس رضي الله عنهم: قبضة من طعام. وكذلك طير الماء، فهو من صيد البر أيضًا.

{مَتَاعًا لَكُمْ} أيها المقيمون {وَلِلسَّيَّارَةِ} ؛ أي: وللمسافرين منكم؛ أي: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأكله متاعًا لكم؛ أي: تمتيعًا ومنفعة لمن كان منكم مقيمًا في بلده، يستمتع بأكله طريًّا، وينتفع به، ومنفعة ومتعة للسائرين والمسافرين منكم من أرض إلى أرض، يجعلونه قديدًا، ويتزودونه في سفرهم مليحًا للأكل، أو للبيع كما تزود موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر.

{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ} أيها المحرمون {صَيْدُ الْبَرِّ} ؛ أي: أكل ما يصاد في البر، وهو كل ما لا يعيش إلا في البر {مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}؛ أي: مدة كونكم محرمين بحج أو عمرة. وظاهره تحريم صيده على المحرم، ولو كان الصائد حلالًا، وإليه ذهب الجمهور إذا كان الصائد صاده للمحرم لا إذا لم يصده لأجله، وهو القول الراجح، وبه يجمع بين الأحاديث الآتية. وقيل: إنه يحل له مطلقًا، وإليه ذهب

(1) الخازن.

ص: 76

جماعة. وقيل: يحرم عليه مطلقًا، وإليه ذهب آخرون. وقد بسطنا الكلام على هذا الاختلاف في الفصل الآتي مع ذكر حجة كل واحد منهم.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة (1):

أحدها: في أول السورة، وهو قوله:{غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} .

والثاني: قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} .

والثالث: هذه الآية: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} كل ذلك لتأكيد تحريم قتل الصيد على المحرم.

وقرأ ابن عباس: {وَحُرِّمَ} مبنيًّا للفاعل و {صَيْدُ} بالنصب {مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} بفتح الحاء والراء. وقرأ يحيى: {مَا دُمْتُمْ} بكسر الدال، وهو لغة يقال: دام يدام كخاف يخاف.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} ؛ أي: خافوا الله {الَّذِي إِلَيْهِ} لا إلى غيره {تُحْشَرُونَ} ؛ أي: تجمعون وترجعون إليه للمجازاة، لا إلى غيره حتى يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالتجاء إلى ذلك الغير، فلا غير يلتجأ إليه، بل الأمر محصور فيه تعالى.

والمعنى (2): واخشوا الله تعالى، واحذروا عقابه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، وفيما نهاكم عنه من جميع ما تقدم من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وإصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم، وفي نحو ذلك، فإن إليه مصيركم ومرجعكم، فيعاقبكم بمعصيتكم، ويثيبكم على طاعتكم، ولا يخفى ما فيه من التشديد والمبالغة في التحذير من عقابه.

فصل

وقد اختلف العلماء: هل يجوز للمحرم أن يأكل من لحم صيد صاده غيره؟

(1) الخازن.

(2)

المراغي.

ص: 77