الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
48
- ثم بين وظيفة الرسل، فقال:{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا} حالة كونهم {مُبَشِّرِينَ} من آمن بهم بالجنة {وَمُنْذِرِينَ} من كفر بالعذاب، ولا قدرة لهم على إظهار المعجزات، بل ذلك مفوض إلى مشيئة الله تعالى؛ أي: وما نرسل المرسلين إلا ببشارة أهل الطاعة بالفوز بالجنة جزاء وفاقًا على طاعتهم، وبإنذار من أصر على الشرك والإفساد في الأرض بالعذاب؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حييَّ عن بينة. {فَمَنْ آمَنَ} وصدق من أرسلناه إليه من رسلنا {وَأَصْلَحَ}؛ أي: أصلح اعتقاده وعمله بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من عذاب الدنيا الذي ينزل بالمكذبين الجاحدين، ولا من عذاب الآخرة الذي أعده الله تعالى للكافرين {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} بفوات ما بشروا به من الثواب العاجل والآجل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يحفظهم من كل فزع وهول، كما قال سبحانه:{لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)} ، وكذلك هم لا يحزنون في الدنيا كحزن المشركين في شدته وطول مدته، فإذا عرض لهم الحزن بسبب صحيح؛ لموت ولد أو قريب، أو فقد مال أو قلة نصير، يكون حزنهم مقرونًا بالصبر وحسن الأسوة، فلا يضرهم في أنفسهم ولا في أبدانهم، ولا يغير شيئًا من أخلاقهم وعاداتهم، فالإيمان يعصمهم من عنت البأساء وبطر النعماء، مسترشدين بنحو قوله تعالى:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)} .
49
- {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} التي أرسلنا بها رسلنا، ويبلغونها إلى الأمم {يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ}؛ أي: يصيبهم العذاب في الدنيا أحيانًا عند الجحود والعناد، وفي الآخرة على سبيل الدوام والاطراد {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}؛ أي: بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعتنا جزاء كفرهم وإفسادهم وخروجهم عن أمر الله وطاعته، وارتكابهم مناهيه ومحارمه، وهذه الجملة مقابل لقوله:{فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} فكأنه قال: ومن لم يؤمن يمسهم العذاب.
وقرأ علقمة (1): {نمسهم العذاب} بالنون المضمومة من أمس الرباعي، وأدغم الأعمش:{العذاب بما} كأبي عمرو. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: {يفسقون} بكسر السين.
الإعراب
{إِنَّمَا} أداة حصر. {يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {يَسْمَعُونَ} فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. {وَالْمَوْتَى}: مبتدأ {يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} : فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله:{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ} على كونها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. {ثُمَّ} : حرف عطف وترتيب {إِلَيْهِ} : جار ومجرور متعلق بـ {يُرْجَعُونَ} . {يُرْجَعُونَ} : فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله:{يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} على كونها خبر المبتدأ. وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب تركتها خوف الإطالة.
{وَقَالُوا} الواو: استئنافية. {قالوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ}: مقول محكي لـ {قالوا} ، وإن شئت قلت:{لَوْلَا} : حرف تحضيض. {نُزِّلَ} : فعل ماضٍ مغير الصيغة. {عَلَيْهِ} : متعلق به. {آيَةٌ} : نائب فاعل. {مِنْ رَبِّهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه، صفة لـ {آيَةٌ} ، أو متعلق بـ {نُزِّلَ} ، والجملة الفعلية في محل النصب مقول {قالوا}. {قُلْ}: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً} مقول محكي لـ {قُلْ} ، وإن شئت قلت:{إِنَّ} : حرف نصب.
(1) البحر المحيط.
{اللَّهَ} : اسمها. {قَادِرٌ} : خبرها، والجملة في محل النصب مقول لـ {قُلْ} . {عَلَى} حرف جر. {أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً} ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على {اللَّهَ} ، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بـ {عَلَى} تقديره: على تنزيله آية، الجار والمجرور متعلق بـ {قَادِرٌ}. {وَلَكِنَّ} الواو: استئنافية. {لكن} : حرف نصب واستدراك. {أَكْثَرَهُمْ} : اسمها ومضاف إليه. وجملة {لَا يَعْلَمُونَ} في محل الرفع خبر {لكن} ، وجملة {لكن} مستأنفة.
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} .
{وَمَا} الواو: استئنافية. ما: نافية. {مِنْ} : زائدة. {دَابَّةٍ} : مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة دخول {مِنْ} الاستغراقية عليه، أو وصفه بما بعده. {فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور صفة لـ {دَابَّةٍ} . {وَلَا طَائِر} : معطوف على {دَابَّةٍ} تابع للفظه، وقرىء بالرفع تبعًا لمحله. {يَطِيرُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {طَائِرٍ} ، والجملة صلة له. {بِجَنَاحَيْهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {يَطِيرُ}. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ. {أُمَمٌ} : خبر المبتدأ. {أَمْثَالُكُمْ} : صفة لـ {أُمَمٌ} ، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة.
{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} .
{مَا} : نافية. {فَرَّطْنَا} : فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. {فِي الْكِتَابِ}: جار ومجرور متعلق بـ {فَرَّطْنَا} . {مِنْ} : زائدة. {شَيْءٍ} : مفعول {فَرَّطْنَا} على تضمينه معنى ما أغفلنا، وما تركنا في الكتاب شيئًا يحتاج إليه من دلائل الإلهية؛ لأن فرطنا لا يتعدى إلا بواسطة حرف الجر إذا كان على معناه الأصلي، كما ذكره أبو حيان في "البحر". {ثُمَّ}: حرف عطف وترتيب. {إِلَى رَبِّهِمْ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {يُحْشَرُونَ} . {يُحْشَرُونَ} : فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله:{مَا فَرَّطْنَا} .
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ} .
{وَالَّذِينَ} الواو: استئنافية. {الَّذِينَ} : مبتدأ. {كَذَّبُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. {بِآيَاتِنَا}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق
بـ {كَذَّبُوا} . {صُمٌّ} : خبر المبتدأ. {وَبُكْمٌ} : معطوف عليه، والجملة الإسمية مستأنفة. {فِي الظُّلُمَاتِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثانٍ للمبتدأ تقديره: ضالون في الظلمات، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم كائنون في الظلمات. {مَن} : اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. {يَشَإِ اللَّهُ}: فعل وفاعل مجزوم بـ {مَن} الشرطية على كونه فعل شرط لها، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: إضلاله. {يُضْلِلْهُ} : فعل ومفعول مجزوم بـ {من} على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} ، وجملة {من} الشرطية مستأنفة.
{وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
{وَمَن} الواو: عاطفة. {من} : اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. {يَشَأْ}: فعل مضارع مجزوم بـ {من} على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: هدايته. {يَجْعَلْهُ} : فعل ومفعول أول مجزوم بـ {من} على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ}. {عَلَى صِرَاطٍ}: جار ومجرور في محل المفعول الثاني. {مُسْتَقِيمٍ} : صفة لـ {صِرَاطٍ} ، وجملة {من} الشرطية معطوفة على جملة {من} الأولى.
{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {أَرَأَيْتَكُمْ} إلى قوله:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ} مقول محكي، وإن شئت قلت:{أَرَأَيْتَكُمْ} الهمزة للاستفهام التعجبي. {رأيت} : فعل وفاعل، وحد الفعل رأى، والتاء ضمير المخاطبين في محل الرفع فاعل مبني على الفتح، والكاف: حرف قال على خطاب الجماعة مبني على الضم، والميم علامة الجمع، والمفعول (1)
(1) الفتوحات.
الأول لـ {رأيت} ، والجملة الاستفهامية التي سدت مسد المفعول الثاني لها محذوفان، والتقدير: أرأيتكم عبادتكم الأصنام، هل تنفعكم؟ أو: اتخاذكم غير الله إلهًا هل يكشف ضركم؟ ونحو ذلك، فعبادتكم أو اتخاذكم مفعول أول، والجملة الاستفهامية سادة مسد الثاني، والمعنى: أخبروني عن حال عبادتكم الأصنام، هل تنفعكم إن أتاكم عذاب الله أم لا؟ وجملة {أَرَأَيْتَكُمْ} في محل النصب مقول لـ {قل}. {إِنْ}: حرف شرط. {أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} : فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونه فعل شرط لها. {أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} : فعل ومفعول وفاعل في محل الجزم بـ {إن} الشرطية معطوف على {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} ، وجواب الشرط محذوف دل عليه الاستفهام في قوله:{أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} ، والتقدير: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة .. دعوتم الله تعالى لا غيره، والجملة الشرطية في محل النصب مقول لـ {قل}. {أَغَيْرَ اللَّهِ} الهمزة للاستفهام الإنكاري. {غَيْرَ اللَّهِ}: مفعول مقدم لـ {تَدْعُونَ} . ولفظ الجلالة مضاف إليه. {تَدْعُونَ} : فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول {قُلْ}؛ أي: قل لهم: لا تدعون غير الله حينئذ. {إن} : حرف شرط. {كُنْتُمْ} فعل ناقص، واسمه، في محل الجزم بـ {إن} الشرطية. {صَادِقِينَ}: خبر كان، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينفع .. فادعوه، والجملة الشرطية في محل النصب مقول القول.
{بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} .
{بَلْ} : حرف للإضراب الانتقالي عن النفي الذي علم من الاستفهام. {إِيَّاهُ} : ضمير نصب في محل النصب مفعول مقدم. {تَدْعُونَ} : فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. {فَيَكْشِفُ}: الفاء: حرف عطف وسبب. {يكشف} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة {تَدْعُونَ}. {مَا}: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول {يكشف}. {تَدْعُونَ}: فعل وفاعل {إِلَيْهِ} متعلق به، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير {إِلَيْهِ}. {إن} حرف شرط. {شَاءَ}: فعل شرط في محل الجزم بـ {إن} ، وفاعله ضمير يعود على الله، وجواب الشرط
محذوف تقديره: إن شاء يكشف، والجملة الشرطية في محل النصب مقول القول {وَتَنْسَوْنَ}: فعل وفاعل {مَا} : موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول. {تُشْرِكُونَ}: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما تشركونه، وجملة {تنسون} معطوفة على جملة قوله:{بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} على كونها مقولًا لـ {قل} .
{وَلَقَدْ} {الواو} : استئنافية، {لقد} اللام موطئة للقسم. {قد}: حرف تحقيق. {أَرْسَلْنَا} : فعل وفاعل، والجملة جواب لقسم محذوف تقديره: وأقسم والله لقد أرسلنا، وجملة القسم المحذوف مستأنفة لا محل لها من الإعراب. {إِلَى أُمَمٍ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَرْسَلْنَا} . {مِنْ قَبْلِكَ} : جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ {أُمَمٍ} . {فَأَخَذْنَاهُمْ} {الفاء} : عاطفة. {أخذناهم} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة {أَرْسَلْنَا} على كونها جواب القسم. {بِالْبَأْسَاءِ}: جار ومجرور متعلق بـ {أخذنا} . {وَالضَّرَّاءِ} : معطوف على {بِالْبَأْسَاءِ} . {لَعَلَّهُمْ} : لعل: حرف ترج ونصب، والهاء: اسمها، وجملة {يَتَضَرَّعُونَ} خبر لعل، وجملة لعل مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
{فَلَوْلَا} : {الفاء} : استئنافية. {لو} : حرف تحضيض. {إذْ} ظرف لما مضى. {جَاءَهُم} : فعل ومفعول. {بَأْسُنَا} : فاعل ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ {تَضَرَّعُوا} فصل به بين حرف التحضيض وما دخل عليه، وهو جائز. {تَضَرَّعُوا}: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، والتقدير: فلولا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا. {وَلَكِنْ} الواو: عاطفة {لكن} : حرف استدراك. {قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} : فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا}. {وَزَيَّنَ}: فعل ماض. {لَهُمُ} : متعلق به. {الشَّيْطَانُ} : فاعل، والجملة معطوفة على جملة {قَسَتْ}. {مَا}: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول
به لـ {زين} . {كَانُوا} : فعل ناقص واسمه، وجملة {يَعْمَلُونَ} خبر {كَانُوا} ، وجملة كان صلة لـ {ما} ، أو صف لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يعملونه.
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} .
{فَلَمَّا} : {الفاء} : استئنافية. {لما} : حرف شرط غير جازم. {نَسُوا} : فعل وفاعل. {مَا} : موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول به. {ذُكِّرُوا}: فعل ونائب فاعل. {بِهِ} : متعلق به، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير {بِهِ} ، وجملة {نَسُوا} فعل شرط لـ {لما} لا محل لها من الإعراب. {فَتَحْنَا}: فعل وفاعل. {عَلَيْهِمْ} : متعلق به. {أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} : مفعول به ومضاف إليه، وجملة {فَتَحْنَا} جواب {لما} لا محل لها من الإعراب، وجملة {لما} مستأنفة.
{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} .
{حَتَّى} : حرف ابتداء لدخولها على الجملة، وحرف غاية؛ لكون ما بعدها غاية لما قبلها. {إذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمَّن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بالجواب الآتي. {فَرِحُوا}: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ {إذا} في محل الخفض بها. {بِمَا}: جار ومجرور متعلق به. {أُوتُوا} : فعل ونائب فاعل، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما أوتوه. {أَخَذْنَاهُمْ} : فعل وفاعل ومفعول. {بَغْتَةً} : منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: أخذ بغتة، أو حال من الفاعل؛ أي: أخذناهم باغتين، أو من المفعول؛ أي: مبغوتين، والجملة الفعلية جواب {إِذَا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إِذَا} في محل الجر بـ {حَتَّى} على كونها غاية لما قبلها، والتقدير: فتحنا عليهم أبواب كل شيء إلى أخذنا إياهم وقت فرحهم بما أوتوا. {فَإِذَا} {الفاء} : عاطفة {إذا} : حرف فجأة. {هُم} : مبتدأ. {مُبْلِسُونَ} : خبره، والجملة الإسمية معطوفة على جملة {أَخَذْنَاهُمْ} على كونها جوابًا لـ {إذا} لا محل لها من الإعراب وقال أبو البقاء:{إذا} هنا
للمفاجأة، وهي ظرف مكان، وهي مبتدأ {مُبْلِسُونَ}: خبره، وهو العامل في {إذا} .
{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)} .
{فَقُطِعَ} {الفاء} : عاطفة. {قطع دابر} : فعل ونائب فاعل. {الْقَوْمِ} : مضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة {أخذنا}. {الَّذِينَ}: صفة لـ {الْقَوْمِ} . {ظَلَمُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ}: مبتدأ وخبر. {رَبِّ الْعَالَمِينَ} : صفة للجلالة، والجملة الإسمية مستأنفة.
{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ} إلى قوله:{انْظُرْ كَيْفَ} مقول محكي لـ {قل} ، وإن شئت قلت:{أَرَأَيْتُمْ} : فعل وفاعل، والميم علامة جمع المخاطبين، والمفعول الأول محذوف تقديره: أرأيتم سمعكم وأبصاركم إن أخذهما الله، والجملة الاستفهامية الآتية في موضع المفعول الثاني، والجملة الفعلية، في محل النصب مقول لـ {قل} ، ولم يؤتَ (1) هنا بكاف الخطاب وأتى به هناك؛ لأن التهديد هناك أعظم، فناسب التأكيد بالإتيان بكاف الخطاب، ولما لم يؤت بالكاف .. وجب ثبوت علامة الجمع في التاء؛ لئلا يلتبس، ولو جيء معها بالكاف لاستغني بها. {إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ}: حرف شرط وفعل وفاعل ومفعول. {وَأَبْصَارَكُمْ} : معطوف على {سَمْعَكُمْ} . {وَخَتَمَ} : فعل ماضٍ في محل الجزم معطوف على {أَخَذَ} ، وفاعله ضمير يعود على الله. {عَلَى قُلُوبِكُمْ}: متعلق به، وجواب الشرط محذوف تقديره: أغير الله يأتيكم به، وجملة {إِنْ} الشرطية في محل النصب مقول {قُلْ}. {مَنْ}: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. {إِلَهٌ} : خبره. {غَيْرُ اللَّهِ} صفة أولى لـ {إِلَهٌ} . {يَأْتِيكُمْ} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {إِلَهٌ} ،
(1) الجمل.
والجملة صفة ثانية لـ {إِلَهٌ} . {بِهِ} : جار ومجرور متعلق بـ {يأتي} ، والجملة الاستفهامية في محل النصب واقعة موضع المفعول الثاني لرأيت، كما مرَّ. {انْظُرْ}: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {كَيْفَ}: اسم استفهام في محل النصب على الحال، والعامل فيه {نُصَرِّفُ} أو منصوب على التشبيه بالظرف، وهي معلقة لـ {انْظُرْ} فهي في محل نصب بإسقاط حرف الجر. {نُصَرِّفُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. {الْآيَاتِ}: مفعول به، وجملة {نُصَرِّفُ} في محل النصب مفعول {انْظُرْ} معلقة عنها باسم الاستفهام. {ثُمَّ}: حرف عطف وترتيب. {هُمْ} : مبتدأ، وجملة {يَصْدِفُونَ} خبره، والجملة الإسمية معطوفة على جملة {نُصَرِّفُ} .
{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {أَرَأَيْتَكُمْ}: الهمزة للاستفهام التعجبي. {رأيت} : فعل وفاعل، والكاف: حرف خطاب، والميم: علامة الجمع، والمفعول الأول لها محذوف تقديره: أخبروني حالكم وشأنكم إن أتاكم عذاب الله، والمفعول الثاني جملة الاستفهام الآتية، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ {قل}. {إِنْ}: حرف شرط. {أَتَاكُمْ} : فعل ومفعول في محل الجزم بـ {إِنْ} . {عَذَابُ اللَّهِ} : فعل وفاعل ومضاف إليه. {بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} : حالان من {عَذَابُ اللَّهِ} ؛ أي: مباغتًا أو مجاهرًا، أو منصوبان على المفعولية المطلقة، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب الله ما يهلك إلا القوم الظالمون، وجملة الشرط في محل النصب مقول لـ {قل}. {هَلْ}: حرف للاستفهام الإنكاري. {يُهْلَكُ} : فعل مضارع مغيَّر الصيغة. {إِلَّا} : أداة استثناء مفرغ. {الْقَوْمُ} : فاعل. {الظَّالِمُونَ} : صفته، وجملة الاستفهام في محل النصب مقول لـ {قل} .
{وَمَا} (الواو): استئنافية. {ما} : نافية. {نُرْسِلُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. {الْمُرْسَلِينَ}: مفعول به، والجملة مستأنفة. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ. {مُبَشِّرِينَ} : حال من {الْمُرْسَلِينَ} . {وَمُنْذِرِينَ} : معطوف عليه {فَمَنْ آمَنَ} : {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ثمرة إرسال المرسلين، وأردت بيان حال من آمن بهم أو كفر .. فأقول لك:{فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} : {من} : اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. {ءَامَنَ}: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ {من} على كونه فعل شرط، وفاعله ضمير يعود على محمد. {وَأَصْلَحَ}: في محل الجزم معطوف على {آمَنَ} ، وفاعله ضمير يعود على {من}. {فَلَا}: الفاء: رابطة لجواب {من} الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية. {لا} : نافية تعمل عمل ليس. {خَوْفٌ} : اسمها مرفوع. {عَلَيْهِمْ} : جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر {لا} تقديره: فلا خوف كائنًا عليهم، وجملة {لا} في محل الجزم بـ {من} الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة {من} الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {وَلَا}: الواو: عاطفة. {لا} : زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. {هُمْ} : مبتدأ، وجملة {يَحْزَنُونَ} خبره، والجملة الإسمية في محل الجزم معطوفة على جملة قوله:{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} .
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)} .
{وَالَّذِينَ} : (الواو): عاطفة. {الذين} : مبتدأ. {كَذَّبُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. {بِآيَاتِنَا}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {كَذَّبُوا} . {يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ} : فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب معطوفة على جملة قوله:{فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. {بِمَا} : الباء: حرف جر وسبب. {ما} : مصدرية. {كَانُوا} : فعل ناقص واسمه، وجملة {يَفْسُقُونَ} خبر كان، وجملة كان صلة {ما} المصدرية، {ما} مع صلتها ذهب تأويل مصدر
مجرور بالباء تقديره: بسبب فسقهم، الجار والمجرور متعلق بـ {يمسهم}. وعبارة "الجمل" هنا: قوله: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} يجوز في {من} أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، وعلى كلا التقديرين فمحلها رفع بالابتداء، والخبر:{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} ، فإن كانت شرطية .. فالفاء في جواب الشرط، وإن كانت موصولة .. فالفاء زائدة لشبه الموصول بالشرط، وعلى الأول يكون محل الجملتين الجزم، وعلى الثاني لا محل للأولى؛ لأنها صلة الموصول، ومحل الثانية الرفع على الخبرية، وحمل على اللفظ فأفرد في:{ءَامَنَ} ، وعلى المعنى فجمع في:{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ويقوي كونها موصولة مقابلتها بالموصول بعدها في قوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ} اهـ "سمين" انتهت.
التصريف ومفردات اللغة
{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} يستجيب من استجاب، من باب استفعل، فالسين والتاء فيه زائدتان ليستا للطلب، فهو بمعنى: يجيب، يقال: أجاب (1) الدعوة إذا أتى ما دعى إليه من قول أو عمل، وأجاب الداعي، واستجاب له واستجاب دعاءه إذا لباه، وقام بما دعاه إليه. والقرآن الكريم استعمل أفعال الإجابة في المواضع التي تدل على حصول المسؤول كله بالفعل دفعة واحدة، واستعمل أفعال الاستجابة في المواضع المفيدة لحصول المسؤول بالتهيؤ والاستعداد، كقوله {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} إذ الآية نزلت في وقعة حمراء الأسد بعد وقعة أحد، فالمراد: أنهم تهيؤوا للقتال، أو الأفعال المفيدة للدلالة على حدوث الفعل بالتدريج، كاستجابة دعوة الدين التي تبدأ بالنطق بالشهادتين، ثم بباقي أعماله بالتدريج. والاستجابة من الله يعبَّر بها في الأمور التي تقع في المستقبل، ويكون من شأنها أن تقع بالتدريج، كاستجابة الدعاء بالوقاية من النار بالمغفرة، وتكفير السيئات، وإيتاء ما وعد المؤمنين في الآخرة كما قال: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ
(1) المراغي.
مِنْكُمْ} الآية.
والسمع والسماع يطلق على إدراك الصوت، وعلى فهم ما يسمع من الكلام - وهو ثمرة السمع - وعلى قَبول ما يفهم والعمل به، وهذا ثمرة الثمرة. والموتى: جمع ميت كقتيل جمع قتلى، والمراد بالموتى هنا: الكفار الراسخون في الكفر، المطبوع على قلوبهم، الميؤوس من سماعهم سماع تدبر تتبعه الاستجابة للداعي.
{يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} من بعث يبعث من باب فتح، والبعث لغة: إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بعثت البعير؛ أي: أثرته من مبركه وسيرته إلى المرعى ونحوه.
{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} لولا: كلمة تحضيض تفيد الحث على حصول ما بعدها؛ لأن التحضيض معناه الطلب بحث وإزعاج، والآية المعجزة المخالفة لسنن الله في خلقه.
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} والدابة: كل ما يدب على الأرض من الحيوان، مأخوذة من دب يدب بالكسر - من باب ضرب - دبًّا ودبيبًا إذا مشى مشيًا فيه تقارب خطو، والدبيب: المشي الخفيف، وكل ماشٍ على الأرض دابة، وقولهم: أكذب من دب ودرج؛ أي: أكذب الأحياء والأموات. والطائر: كل ذي جناح يسبح في الهواء، وجمعه: طير، كراكبٍ وركب.
والجناح (1): أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء، وأصله: الميل إلى ناحية من النواحي، وإنما قيد بجناحيه لدفع الإيهام؛ لأن العرب تستعمل الطيران لغير الطير، كقولهم: طر في حاجتي؛ أي: أسرع فيها، وقيل: إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران، ومع عدم الاعتدال يميل، فأعلمنا سبحانه أن الطيران بالجناحين. وقيل: ذكر الجناحين. للتأكيد كضرب بيده، وأبصر بعينه، ونحو ذلك. والأمم: جمع أمة، وهي كل
(1) الشوكاني.
جماعة يجمعهم أمر واحد، كدين واحد أو زمان واحد، أو مكان واحد، أو صفات وأفعال واحدة أمثالكم جمع مثل، كأحمال وحمل، والمثل بمعنى: المثيل؛ أي: الشبيه.
{مَا فَرَّطْنَا} فرط من باب فعَّل المضعف، والتفريط في الأمر: التقصير فيه وتضييعه حتى يفوت يقال: فرطه وفرط فيه إذا ضيعه وقصر فيه.
{فِي الْكِتَابِ} الكتاب هنا: هو اللوح المحفوظ، وقيل: القرآن. والحشر: هو الجمع والسوق.
{صُمٌّ وَبُكْمٌ} جمع: أصم وأبكم، كغر وأغر، وحمر وأحمر.
{فِي الظُّلُمَاتِ} : هو عبارة عن العمى، كما في قوله:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} ، والمراد (1) به: بيان كمال عراقتهم في الجهل بسوء الحال، فإن الأصم الأبكم إذا كان بصيرًا ربما يفهم شيئًا بإشارة غيره، وإن لم يفهمه بعبارته، وكذا ربما يفهم ما في ضميره بإشارته وإن كان عاجزًا عن العبارة، وأما إذا كان مع ذلك أعمى، أو كان في الظلمات، فينسد عليه باب الفهم والتفهيم بالكلية. اهـ "أبو السعود".
{أَرَأَيْتَكُمْ} بمعنى: أخبروني، وهو أسلوب يذكر للتعجيب والتنبيه إلى أن ما يذكر بعده غريب عجيب، تقوم به الحجة على المخالف. {فَيَكْشِفُ}؛ أي: فيزيل ما تدعونه إلى كشفه إن شاء، من كشف الشيء عن الشيء يكشف - من باب ضرب - إذا أزاله عنه {فَأَخَذْنَاهُمْ}؛ أي: عاقبناهم بالبأساء والضراء. وفي "المصباح": يقال: أخذه الله إذا أهلكه وأخذه بذنبه: عاقبه عليه، وآخذه بالمد كذلك انتهى.
{بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} صيغتا تأنيث لا مذكر لهما على أفعل، كأحمر وحمراء، كما هو القياس، فإنه لا يقال: أضرر ولا: أبأس صفةً، بل للتفضيل. والبأساء: تطلق على الحرب والمشقة، والبأس: الشدة في الحرب، والعذاب الشديد،
(1) الجمل.
والقوة والشجاعة، والضراء: من الضر ضد النفع. {تَضَرَّعُوا} من باب تفعل الخماسي يقال: تضرع إليه إذا أظهر الضراعة والخضوع له بتكلف، والتضرع تفعل من الضراعة، وهي الذلة والهيئة المنبئة عن الانقياد إلى الطاعة، يقال: ضرع يضرع ضراعة من باب فتح، فهو ضارع وضرع، قال الشاعر:
لِيُبْكَ يَزِيْدٌ ضَارعٌ لِخُصُوْمَةٍ
…
وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيْحُ الطَّوَائِحُ
أي: ذليل ضعيف، وللسهولة والتذلل المفهومة من هذه المادة اشتقوا منها للثدي اسمًا، فقالوا له: ضرع.
{وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} ؛ أي: صلبت وغلظت عن قبول الحق من القسوة؛ لأنه من قسا يقسو من باب دعا يدعو، فهو ناقص واوي أصله: قسوت، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف، فصار: قست بوزن فَعَت {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} والأخذ بالبأساء والضراء: إنزالهما بهم فجأة. {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} جمع: مبلس، وهو اليائس المنقطع رجاؤه من الإبلاس، وهو الحزن الحاصل من شدة اليأس، ومنه اشتق إبليس، لشدة يأسه من رحمة الله.
وفي "المختار": أبلس من رحمة الله؛ أي: يئس، والإبلاس أيضًا الانكسار والحزن، يقال: أبلس فلان إذا سكت غمًّا. اهـ. فمبلسون بمعنى: متحسرون يائسون من النجاة.
{دَابِرُ الْقَوْمِ} ؛ أي: آخرهم الذي يكون في أدبارهم، وقطع دابرهم؛ أي: هلكوا واستئصلوا بالعقاب، ولم يبق منهم أحد. {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} يقال: صرف الشيء إذا كرره على وجوه مختلفة، ومنه تصريف الرياح {يَصْدِفُونَ}؛ أي: يعرضون عن ذلك، يقال: صدف عن الشيء إذا أعرض عنه صدفًا وصدوفًا، وصادفته: لقيته عن إعراض عن جهته. وفي "المختار": صدف عنه: أعرض عنه، وبابه: ضرب وجلس، وأصدفه عن كذا: إذا أماله عنه. اهـ.
{بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} والمراد (1) بالبغتة: العذاب الذي يأتيهم فجأة من غير سبق علامة، والمراد بالجهر: العذاب الذي يأتيهم مع سبق علامة تدل عليه.
{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} ؛ أي: بلحوق العذاب.
{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ؛ أي: بفوات الثواب.
{يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ} والمس: اللمس باليد، ويطلق على ما يصيب المدرك مما يسوء غالبًا، من ضر وشر وكبر ونصب وعذاب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة التصريحية في قوله: {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} ؛ لأنه شبه الكفار بالموتى بجامع عدم العقل في كلٍ، واستعير اسم المشبه به وهو الموتى للمشبه وهو الكفار، على طريقة الاستعارة التصريحية.
وقال أبو حيان (2): وتشبيه الكافر بالميت من حيث إن الميت جسده خالٍ من الروح، فيظهر منه النتن والصديد والقيح وأنواع العفونات، وأصلح أحواله دفنه تحت التراب، والكافر روحه خالية عن العقل، فيظهر منه جهله بالله تعالى ومخالفته لأمره، وعدم قبوله لمعجزات الرسل، وإذا كانت روحه خالية من العقل .. كان مجنونًا، فأحسن أحواله أن يقيد؛ أي: يحبس، فالعقل بالنسبة إلى الروح، كالروح بالنسبة إلى الجسد. انتهى.
ومنها: التجريد في قوله: {وَلَا طَائِرٍ} ؛ لأن الطائر يندرج في الدابة.
فذكر (3) الطائر بعد ذكر الدابة تخصيص بعد تعميم، وذكر بعض من كل، فصار من باب التجريد.
ومنها: التأكيد بقوله: {بِجَنَاحَيْهِ} لدفع توهم المجاز في طائر مع كون
(1) الفتوحات.
(2)
البحر المحيط.
(3)
البحر المحيط.
جناحيه ترشيحًا له؛ لأن الطائر قد يستعمل مجازًا للعمل، كما في قوله تعالى:{أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} .
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: {صُمٌّ وَبُكْمٌ} ؛ أي: كالصم البكم في عدم السماع وعدم الكلام، فحذفت منه الأداة ووجهه الشبه.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: {فِي الظُّلُمَاتِ} ؛ لأنه شبه كفرهم وجهلهم وضلالتهم بالظلمات الحسية، بجامع عدم الاهتداء في كل إلى المقصود، وفي قوله:{فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} ؛ لأنه شبه الأسباب التي هيأها الله لهم، المقتضية لبسط الرزق عليهم بالأبواب، بجامع الوصول إلى المقصود في كل على طريقة الاستعارة التصريحية.
ومنها: الإبهام في قوله: {كُلِّ شَيْءٍ} لتهويل ما فتح عليهم وتعظيمه.
ومنها: القصر في قوله: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} ؛ أي: لا تدعون غيره لكشف الضر، فهو قصر صفة على موصوف.
ومنها: التكرار في قوله: {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} .
ومنها: الجناس المماثل في قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} ، وفي قوله:{تَضَرَّعُوا} .
ومنها: الكناية في قوله: {فَقُطِعَ دَابِرُ} ؛ لأنه كناية عن إهلاكهم بعذاب الاستئصال.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
المناسبة
قوله تعالى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
…
} الآيات، مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما (1) كان الكلام في الآيات السالفة في بيان أركان الدين، وأصول العقائد، وهي توحيد الله عز وجل، ووظيفة الرسل عليهم السلام، والجزاء على الأعمال يوم الحساب .. ذكر هنا وظيفة الرسل العامة بتطبيقها على خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه، وأزال أوهام الناس فيها، وأرشد إلى أمر الجزاء في الآخرة، وكون الأمر فيه لله تعالى وحده على وجه يزيد عقيدة التوحيد تقريرًا وتأكيدًا وبيانًا وتفصيلًا.
قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا
…
} الآية، مناسبة هذه
(1) المراغي.
الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما نهى نبيه عن طرد المستضعفين من حضرته استمالةً لكبراء المتكبرين من قومه، وطمعًا في إقبالهم عليه وسماعهم لدعوته، كما اقترحه بعض المشركين .. أمر بأن يلقى الذين يدخلون في الإِسلام آنًا بعد آنٍ عن بينة وبرهان بالتحية والسلام والتبشير برحمة الله ومغفرته، فقد كان السواد الأعظم من الناس كافرين؛ إما كفر جحود وعناد، وإما كفر جهل وتقليد للآباء والأجداد، وكان يدخل في الإِسلام الأفراد بعد الأفراد، وكان أكثر السابقين من المستضعفين والفقراء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكون تارة معهم يعلمهم ويرشدهم، وتارة يتوجه إلى أولئك الكافرين يدعوهم وينذرهم.
قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
…
} الآية مناسبة هذه الآية لما قبلها (1): أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر فيما سلف أنه يفصِّل الآيات ليظهر الحق، وليستبين سبيل المجرمين .. ذكر هنا أنه نهى عن سلوك سبيلهم، وهو عبادة غير الله، وأن هذه العبادة إنما هي بمحض الهوى والتقليد، لا بسبيل الحجة والبرهان، فهي جمادات وأحجار ينحتونها بأيديهم، ويركبونها، ثم يعبدونها.
أسباب النزول
قوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
…
} سبب نزولها: ما (2) رواه ابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة: أنا، وعبد الله بن مسعود، وأربعة، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطردهم، فإنا نستحيي أن نكون تبعًا لك كهؤلاء، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله، فأنزل الله:{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} إلى قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} .
قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا
…
} إلى قوله: {سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} سبب نزولها: ما روى أحمد والطبراني وابن أبي حاتم عن ابن مسعود
(1) المراغي.
(2)
لباب النقول.
قال: مرَّ الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده خباب بن الأرت، وصهيب، وبلال، وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك، وهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟ لو طردت هؤلاء .. تبعناك، فأنزل الله فيهم القرآن:{وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا} إلى قوله: {سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: جاء عنبسة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا: لو أن ابن أخيك يطرد عنه هؤلاء العبيد .. كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه، فكلم أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون، فأنزل الله تعالى:{وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ} إلى قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} ، وكانوا بلالًا، وعمار بن ياسر، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وصالحًا مولى أسيد، وابن مسعود، والمقداد بن عبد الله، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وأشباههم، فأقبل عمر، فاعتذر من مقالته، فنزل:{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم، فأتوه فخلوا به، فقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك .. فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا .. فاقعد معهم إن شئت، قال:"نعم"، فنزلت: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
…
} الآية، ثم ذكر الأقرع وصاحبه فقال:{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فنزلت:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية. قال ابن كثير: هذا حديث غريب، فإن الآية مكية، والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ماهان قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا أصبنا ذنوبًا عظامًا، فما رد عليهم شيئًا، فأنزل الله: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ