الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} الآية.
التفسير وأوجه القراءة
50
- {قُلْ} يا أيها الرسول الذي بعث، كما بعث غيره من الرسل مبشرًا من أجاب دعوته بحسن الثواب، ومنذرًا من لم يقبلها بسوء العقاب لهؤلاء المكذبين لك بغير علم، يميزون به بين شؤون الألوهية وحقيقة النبوة، فيقترحون عليك من الآيات الكونية ما يعلمون أنه ليس في مقدور البشر، فهم إما أن يقولوه تعجيزًا، وإما أن يظنوا أن الإنسان لا يكون رسولًا إلا إذا خرج من حقيقة البشرية، وصار قادرًا على ما لا يقدر عليه البشر، وعالمًا بكل ما يعجز عنه علم البشر. {لَا أَقُولُ لَكُمْ} أيها المشركون من أهل مكة {عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ}؛ أي: مفاتيح الأمكنة التي يحفظ فيها أرزاق الله، أتصرف في ما خزنه وحفظه فيها من أرزاق العباد وشؤون المخلوقات، فكل هذا لله وحده، يتصرف فيه بما يشاء، فيعطي لعباده من خزائنه بحسب ما أوتي كل منهم من الاستعداد في دائرة ارتباط الأسباب بالمسببات، ولا يقدر أحد أن يتجاوز ذلك إلى ما لم يؤته، ولم يصل إليه استعداده، والمعنى: ليس عندي خزائن الرزق فأعطيكم منها ما تريدون؛ لأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت رسولًا من الله تعالى، فاطلب لنا منه أن يوسع عيشنا، ويغني فقرنا، فأخبر أن ذلك بيد الله تعالى لا بيدي.
فالتصرف المطلق إنما هو لله القادر على كل شيء، وليس من موضوع الرسالة أن يكون الرسول المبلغ عنه أمر الدين قادرًا على ما لا يقدر عليه البشر من التصرف في المخلوقات بالأسباب، فضلًا عن التصرف بغير سبب مما طلبه المشركون منه، وجعلوه شرطًا للإيمان به، كتفجير الينابيع والأنهار في أرض مكة، وإيجاد الجنات والبساتين فيها، وإسقاط السماء عليهم كسفًا، والإتيان بالله والملائكة قبيلًا. {وَلَا} أقول لكم: إني {أَعْلَمُ الْغَيْبَ} فأخبركم بما مضى وما سيقع في المستقبل، وذلك أنهم قالوا له: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار، فأجابهم بقوله:{ولا أعلم الغيب} فأخبركم بما تريدون.
فصل في بحث الغيب
والغيب (1) ما غيب علمه عن الناس بعدم تمكينهم من أسباب العلم به، وهو قسمان:
1 -
غيب حقيقي، وهو ما غاب عن جميع الخلق حتى الملائكة، وهو المعنيّ بقوله تعالى:{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} .
2 -
غيب إضافي، وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض، كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره لا يعلمه البشر.
أمّا يعلمه بعض البشر بتمكينهم من أسبابه واستعمالهم لها، ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب أو عجزهم عن استعمالها، فليس بداخل في عموم الغيب الوارد في كتاب الله، وهذه الأسباب ضروب:
1 -
ما هو علمي كالدلائل العقلية والعلمية، فعلماء الرياضة يستخرجون من دقائق المجهولات ما يعجز عنه أكثر الناس، ويضبطون ما يقع من الخسوف والكسوف بالدقائق والثواني قبل وقوعه بألوف الأعوام.
2 -
ما هو عملي كالبرق الأثيري [التلغراف اللاسلكي] الذي يعلم به المرء ما يقع في أقاصي البلاد من وراء البحار، وبينه وبينها ألوف الأميال.
3 -
ما هو إدراكات نفسية خفية تصل إلى مرتبة العلم، كالفراسة والإلهام، وأكثر هذا النوع هواجس تلوح للنفس، ولا يجزم بها الإنسان إلا بعد وقوعها.
فإن قلت (2): إن الله تعالى أثبت علم الغيب المتعلق بالرسالة للرسل عليهم السلام، كقوله في سورة الجن:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} ، فكيف أمره هنا أن يتنصل من ادعاء علم الغيب؟
قلتُ: إن إظهار شيء خاص من عالم الغيب على يدي الرسل، لا يجعل ذلك داخلًا في علومهم الكسبية، فإن الوحي ضرب من العلم الضروري، يجده النبي في نفسه حينما يظهره الله عليه، فهذا حبس عنه .. لم يكن له قدرة ولا وسيلة
(1) المراغي.
(2)
المراغي.
كسبية للوصول إليه. يؤيد ذلك ما جاء في فترات الوحي في السيرة النبوية، وقد يكون توجّه قلب الرسول إلى الله تعالى في بعض الحوادث مقدمة لنزول الوحي في الحكم الذي طلب من ربه بيانه. يرشد إلى ذلك قوله تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} .
والخلاصة: أن الأنبياء لم يعطوا علم الغيب بحيث يكون إدراكه من علومهم المكتسبة، كذلك لم يعطوا التصرف في خزائن ملك الله تعالى، فلم يمكّنهم ما لم يمكِّن من أسبابه حتى يكون من كسبهم وعملهم، ولا هو أعطاهم ذلك على سبيل الخصوصية.
ونفي ادعاء الرسول من الأمرين يتضمن التبرؤ من ادعاء الألوهية، أو ادعاء شيء من صفات الإله القادر على كل شيء، العلم بكل شيء، ويتضمن جهل المشركين حقيقةَ الألوهية وحقيقة الرسالة، فقد اقترحوا عليه من الأعمال ما لا يقدر عليه إلا من له التصرف فيما وراء الأسباب، وطلبوا منه الإخبار بما يكون في الزمان المستقبل ولا يعلمه إلا من كان علم الغيب صفةً له كسائر الصفات، فقد سألوه عن وقت الساعة، وعن وقت نزول العذاب بهم، وعن وقت نصر الله تعالى له عليهم. وإذا علمت أن الأنبياء لم يؤتوا ذلك .. فأحر بمن دونهم منزلة عند الله تعالى من القديسين والأولياء المقربين أن لا يكون لهم ذلك، فادعاؤه لهم جهل عظيم وإثم كبير، ولا ينبغي التحدث به لا بين العامة ولا بين الخاصة، كما يجب محوه من الأذهان لدى الجاهلين سنن الله في الأكوان. {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} أشاهد من أمر الله ما لا يشاهده البشر، وأقدر على ترك الأكل والشرب والنكاح، وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتزوج النساء؟ ثم أمره أن يبيِّن وظيفة الرسول، فقال:{قُلْ} لهم يا محمد: {إِنْ أَتَّبِعُ} ؛ أي: ما أَتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه {إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} ؛ أي: إلا وحي الله الذي يوحيه إليَّ، وتنزيله الذي ينزله عليَّ، فامضي لوحيه وأعمل بأمره، وقد أتيتكم بالحجج القاطعة على صحة ما أقول، وليس ذلك بالمنكر في عقولكم، ولا بالمستحيل وجوده، فما وجه إنكاركم لذلك؟
ثم وبخهم على ضلالهم وعنادهم، فأمر رسوله أن يبيِّن لهم أن الضال