الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنزيلِه الأنبياءَ قال: (وَوَهبنا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا)
(1)
. وقال الراسخون في العلم: (وَهَبْ لَنَا مِن لًدُنكَ رَحمَةً)
(2)
. فإنما سألوه رحمةً من عنده.
فهذا صورةُ ما شرحَه الحكيم الترمذي، ولم يذكر صفةَ الظلم وأنواعه كما ذكر صفات الرحمة.
والمسئولُ شرحُ ما مفهومُ قولِ الصدّيقِ "ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا"؟ والذنبُ بين يَدَي الله تعالى لا يحتمل المجازَ، والصدّيقُ من أئمة السابقين، والرسول صلى الله عليه وسلم أمرَه بذلك، فسيِّدي بسط القول في ذلك مما يفهمه السائلُ، وما هو الظلم الذي نَسَبَه الصديقُ إلى نفسه كما عَلَّمه النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟
أجاب
الحمد دلله. الدعاءُ الذي فيه
اعترافُ العبدِ بظلمِ نفسِه ليس من خصائص الصدِّيقين
ومَن دُونَهم، بل هو من الأدعية التي يدعو بها الأنبياءُ وهم أفضلُ الخلق، قال الله تعالى عن آدمَ وحَوَّاءَ:(قَالَا ربنا ظَلمنَاَ أَنفسَنَا وَإِن لَم تَغفِر لنا وَترحمنا لَنَكونَنَّ مِنَ اَلخَاسِرينَ (23))
(3)
، وقال موسى عليه السلام: (رَب إِنِّى ظَلَمتُ نَفسِى فَاَغفِر لىِ فَغَفَرَ لَهُ إِنه هُو
َ
(1)
سورة مريم: 50.
(2)
سورة آل عمران: 8.
(3)
سورة الأعراف: 23.
اَلْغَفُوُر الرحيم (16))
(1)
، وقد دَعَا غيرُهم بنحو هذا الدعاء، كقول الخليل عليه السلام:(رَبنا اَغْفِرْلِى وَلولِدَىَّ وَلِلْمُؤمِنِينَ يَوم يَقُوم اَلْحِسَابُ (41))
(2)
،
وقال: (وَاَلَذِىَ أَطمَعُ أَن يَغفِرَ لِى خطيئتِى يوم اَلدِين (82))
(3)
، وقال هو وإسماعيل:(رَبنَا تَقَبًل مِنَّا إِنكَ أَنتَ اَلسَمِيعُ العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلينَا إِنكَ أَنت التَوابُ اَلرحيم (128))
(4)
، وقال موسى عليه السلام:(أنت ولينا فأغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرينَ (155) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنَّا هدنا إليك)
(5)
، وقال نوح عليه السلام:(رَب أنى أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين (47))
(6)
، وقال يونس:(لا إله إِلَّاَ أنتَ سُبْحانكِّ إنى كنت من الظالمين (87))
(7)
.
وقد ثبت في الصحيح
(8)
من حديث علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعاء الاستفتاح: "اللهم أنتَ الملكُ لا إله إلا أنتَ، أنتَ ربّي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، وَاهْدِني لأحسن
(1)
سورة القصص: 16.
(2)
سورة إبراهيم: 41.
(3)
سورة الشعراء: 82.
(4)
سورة البقرة: 127 - 128.
(5)
سورة الأعراف: 155 - 156.
(6)
سورة هود: 47.
(7)
سورة الأنبياء: 87.
(8)
مسلم (771).
الأخلاق، فإنه لا يَهدي لأحسنِها إلَا أنتَ، واصرِفْ عنّي سَيّئَهَا، فإنه لا يَصْرِف عنّي سَيئَها إلا أنتَ، لَبيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ كلُّه بِيدَيْكَ، والشرُّ ليس إليك، أنَا بك وإليك، أَستغفرك وأتوبُ إليك". وقد ثبت في الصحيح
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده: "اللهمَّ اغفرْ لي ذنبي كلَّه، دِقَّهُ وجِلَّهُ، وعَلانيتَه وسِرَّه، وأوله وآخرَه".
وثبت عنه في الصحيحين
(2)
أنه كان يقول بينَ التكبير والقراءة: "اللهمَّ بَاعِدْ
(3)
بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغرب، اللهمَّ نَقِّنِيْ منَ الخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، اللهمَّ اغسِلْنِيْ من خطايايَ بالماءِ والثلج والبَرَدِ".
وثبتَ أيضًا في صحيح مسلم
(4)
أنه كان يقول نحو هذا الدعاء إذا رفعَ رأسَه من الركوع بعد التسميع والتحميد، وبعدَ أن يقولَ:"أهلَ الثناءِ والمجدِ أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد، لا مانعَ لما أعطيتَ ولا مُعطِيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ"
(5)
.
(1)
مسلم (483) عن أبي هريرة.
(2)
البخاري (744) ومسلم (598) عن أبي هريرة.
(3)
في الأصل "بعد"، وهو خلاف الرواية.
(4)
برقم (476) عن عبد الله بن أبي أوفى.
(5)
ليس هذا ضمن الحديث السابق، بل رواه مسلم (477) عن آبي سعيد الخدري، و (478) عن ابن عباس.
وثبت عنه في الصحيحين
(1)
عن أبي موسى أنه كان يقول في دعائه: "اللهمَّ اغفِرْ لي خطيئتي وجهلي، وإسْرَافي في أمري، وما أنت أعلمُ به منّي، اللهمَّ اغفِرْ لي هَزْلي وجدِّي وخَطَأي وعَمْدِي، وكل ذلك عندي، اللهمَّ اغفِرْ لي ما قَدمتُ وَما أَخرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ وما أنت أعلمُ به مني، أنتَ المقدِّمُ وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيء قدير".
وثبت عنه في الصحيحين
(2)
أنه كان يقول في دعائه بالليل: "اللهمَ لك الحمدُ أنت رب السمواتِ والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ أنت نورُ السمواتِ والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ أنت قَيُّومُ السمواتِ والأرضِ ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحقُّ، ووعدك الحقُّ، ولِقاؤُك حقٌّ، والجنةُ حق، والنار حقّ، والنبيون حقّ، ومحمد صلى الله عليه وسلم حقّ، اللهم لك أَسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أَنَبْتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ. اللهمَّ اغفِر لي ما قَدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنتَ إلهي لا إلهَ إلاّ أنتَ".
وثبت عنه في الصحيح
(3)
عن عائشة أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانكَ اللهمَّ ربَّنا وبحمدِك اللهمَّ اغْفِر لي" يَتأوَّلُ القرآنَ، أي يَمتثِلُ ما أُمِرَ به في قوله: (فَسَبِّح بِحمد ربك وَاَستَغفِرهُ
(1)
البخاري (6398،6399) ومسلم (2719).
(2)
البخاري (1120 ومواضع أخرى) ومسلم (769) عن ابن عباس.
(3)
البخاري (794 ومواضع أخرى) ومسلم (484).
إِنَّه كانَ تَوابا (3))
(1)
. كما امتثل بتلك الأدعية ما أمره في قوله: (فَاَصبِر إِنَّ وَعد اللهِ حَقٌّ وَاستَغفِر لِذنبك وسبح بحمدِ رَبِّكَ بِالعَشىّ وَالإبكار (55))
(2)
، (فأعلم أَنَهُ لَاَ إِلَهَ إلا اللهُ وَاَستَغفِر لِذَنبك وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمؤمِنات)
(3)
.
وهذا الدعاء الذي ذكرته عائشة بعد نزول قوله: (ليَغفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَمَ مِن ذنبك وَمَا تَأَخرَ)
(4)
، فإنه قد ثبت في الصحيح
(5)
أن سورة "إذا جاء نصر الله والفتح" آخر سورةٍ أُنزلتْ. وأيضًا فأبو موسى الأشعري وأبو هريرة إنما صَحِبَاه بعد نزول قوله: (لِيَغفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَمَ مِن ذنبك وَمَا تَأَخَرَ)، فإن هذه الآية قد ثبت في الصحيح
(6)
أنها نزلتْ عامَ الحديبية لما بايعَه الصحابةُ بيعةَ الرضوان تحت الشجرة وانصرفَ، وقد خالط أصحابَه كآبةٌ وحُزنٌ لرجوعهم، ولم يتِمُّوا العمرةَ التي خرجوا لها، وقد صالحوا المشركين، لما أن في ظاهره غَضاضةً عليهم، حتى كرهَه كثيرٌ منهم، وجَرتْ فيه فصولٌ، فأنزل الله سورةَ الفتح بنُصرتِه من الحديبية، وهو في الطريق قبلَ وصولهِ إلى المدينة، ثم إنه تَجهَّزَ من المدينةِ لفتح خيبر، وفي أواخر غَزاةِ
(1)
سورة النصر: 3.
(2)
سورة غافر: 55.
(3)
سورة محمد: 19.
(4)
سورة الفتح: 2.
(5)
لم يروه البخاري ومسلم، وقد أخرجه النسائي والطبراني عن ابن عباس كما في تفسير ابن كثير (4/ 600،601).
(6)
مسلم (1786) عن أنس.
خيبر قَدِمَ عليه أبو موسى والأشعريون، وفي تلك المدة أسلم أبو هريرة. ولما أنزلَ اللهُ عليه هذه الآية (لِيَغفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَمَ مِن ذنبك وَمَا تَأخَّرَ) قال له الناسِ: يا رسولَ الله! هذا لك، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى (هُوَ الذي أَنزلَ اَلسكينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزدَادواْ إِيمُانا مع إيمانهم)
(1)
.
وفي هذا ردٌّ على طائفةٍ من الناس - كبعض المصنِّفين في السِّيَر وفي مسألة العصمة - يقولون في قوله (ليَغفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَمَ مِن ذَنبك): وهو ذنبُ آدم، (وَمَا تَأَخرَ) ذنبُ أمتِه، فإن هذا القولَ وإن كان لم يَقُلْه أحدٌ من الصحابة والتابعين ولا أئمة المسلمين، ولا يقولُه من يَعقِلُ ما يقول، فقد قاله طائفة من المتأخرين
(2)
، ويَظُنُّ بعضُ الجهال أن هذا معنى شريف، وهو كذب على الله وتحريفُ الكَلِم عن مواضعه، فإنه قد ثبت في الصحاح
(3)
في أحاديث الشفاعة أن الناسَ يومَ القيامة يأتون آدمَ يَطلبون منه الشفاعةَ، فيعتذِرُ إليهم ويقول: إني نُهِيْتُ عن الشجرة فأكلتُ منها، نفسي نفسي، ويأتون نبيًّا بعد نبي إلى أن يَأتوا المسيحَ، فيقول: ائْتُوا محمدًا فإنه عبد قد غفرَ اللهُ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فلو كانت "ما تقدم" هو ذنب آدم لم يعتذر آدم.
(1)
سورة الفتح: 4.
(2)
حكاه المفسرون عن عطاء الخرساني، انظر تفسير البغوي (4/ 300) و"المحرر الوجيز"(15/ 88) والقرطبي (16/ 263) والخازن (6/ 157).
(3)
البخاري (4712 ومواضع أخرى) ومسلم (194) عن أبي هريرة.
وأيضًا فلما نزلتِ الآية قالت الصحابةُ: هذا لكَ فما لنا؟ فأنزل الله: (هُوَ اَلَّذِي أَنزَلَ السكينَةَ في قُلُوبِ اَلمُؤْمِنِينَ)، فلو كان "ما تأخر" مغفرة ذنوبهم لقال: هذه لكم.
وأيضًا فقد قال تعالى: (وَاَستَغْفِر لِذَنبِك وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمؤمناتِ)
(1)
، ففرَّقَ بين ما أضاف إليه وما يُضاف إلى المؤمنين والمؤمنات.
وأيضًا فإضافةُ ذنبِ غيره إليه أمرٌ لا يَصْلُح في حق آحادِ الناس، فكيف في حقَه صلى الله عليه وسلم؟ حتى تُضَاف ذنوبُ الفُسَّاق من أمته إليه، ويُجعلَ ما جعلوه
(2)
من الكبائر - كالزنا والسرقة وشرب الخمر - ذَنْبًا له صلى الله عليه وسلم، والله يقول في كتابه:(وَلَا تزِرُ وَازِرَةٌ وزرَ أخُرَى)
(3)
، ويقول في كتابه:(وَمَن يَعمَل مِنَ الصّالحاَتِ وَهُوَ مُؤمِن فَلَا يَخَافُ ظُلما ولَا هَضمًا (112))
(4)
، قالوا
(5)
: الظلم أن تُحْمَل عليه سيئات غيرِه، والهَضْم أن يُنْقَصَ هو من حسناتِه، وهو أفضلُ من عَمِلَ من الصالحات وهو مؤمن، فكيف تُحْمَلُ عليه سيئاتُ غيرِه وتُضَافُ إليه؟ وأيُ فرقٍ بين ذنبِ آدمَ وذنب نوح والخليل وكلُّهم آباؤه؟ وأيُّ فرق بين ذنب الإنسان وذنب غيرِه
(6)
حتى يُضاف إليه هذا دونَ هذا؟ والله يقول: (أَم لَم يُنبّأ بما في
(1)
سورة محمد: 19.
(2)
كذا في الأصل، ولعلّ الصواب "فعلوه" كما يظهر من السياق.
(3)
سورة الأنعام: 164، سورة الإسراء: 15، سورة فاطر: 18، سورة الزمر:7.
(4)
سورة طه: 112.
(5)
انظر تفسير الطبري (16/ 159) و"الدر المنثور"(5/ 601).
(6)
في الأصل: "غيرانه".
صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38))
(1)
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لرجل معه ابنه: "لا يَجْنِي عليك ولا تَجْنِي عليه"
(2)
.
وأيضًا فقد قال الله في غيرِ موضع في القرآن
(3)
إنه ليس عليه إلاّ البلاغُ المبين، وقال:(فَإِن تَوَلواْ فَإِنَّمَا عَلَيهِ مَا حمُلَ وَعَلَيكم مَّا حُمِّلتُم)
(4)
. فإذا كان على أمتِه ما حُمِّلُوا وهو ليس عليه إلا البلاغ المبين كيف تكونُ ذنوبُ أمته ذنوبَه؟ ومثل هذا القول لا يخفى فسادُه على من له أدنى تدبُّرٍ، وإن كان قالَه طوائفُ من المصنِّفين في العصمة، حتى يَرَى ذلك بعضُ مَن له في السنة والفقه والحديث قَدَمٌ، لكن الغُلوَّ أوجبَ اتباعَ الجهال الضُلَاّل، فإنّ مثلَ هذه التفاسير إنما يَصْدُر في الابتداء عن أهل التحريف لكتاب الله: إما من الزنادقة المنافقين، وإمّا من المبتدعة الضالّين.
وأولُ من دخلَ في الغُلوّ من أهل الأهواء هم الرافضة، فإنهم لما ادَّعَوا في علي وغيرِه أنهم معصومون حتى من الخطأ احتاجوا أن يثبِتوا ذلك للأنبياء بطريقِ الأولى والأحْرى، ولما نزَهُوا عليًّا ومن هو دون علي من أن يكون له ذنبٌ يُسْتَغفَر منه كان تنزيهُهم
(1)
سورة النجم: 36 - 38.
(2)
أخرجه أحمد (4/ 344،345،5/ 81) وابن ماجه (2671) عن الخشخاش العنبري. وصححه الألباني في "الصحيحة"(990).
(3)
أولها سورة المائدة: 92، وقبلَها في سورة آل عمران: 20 (وَإن تَوَلًوا فَإِنَّمَا عَلَيك البَلَاغ).
(4)
سورة النور: 54.
للرسلِ أولى وأَحْرى.
ثم جاءت القرامطةُ الزنادقةُ المنتسبون إلى الشيعة لمَّا ادَّعَوا عصمةَ أئمتِهم الإِسماعيليةِ العبيديةِ القرامطةِ الباطنيةِ الفلاسفةِ الدهريةِ صاروا يقولون: إنهم معصومون يعلمون الغُيُوب، وصار مَن صار منهم يَعبدُهم ويَعتقد فيهم الإلهيةَ، كما كانت الغاليةُ تَعتقدُ في عليّ وغيرِه الإلهيةَ أو النبوةَ.
وأما الإمامية الاثنا عشرية الذين لا يقولون بإمامة إسماعيل بن جعفر بل بإمامة موسى بن جعفر، فهم [و] إن كانوا لا يقولون بإلهيةِ عليّ ولا نبوَّتِه، فهم يقولون بالعصمة حتى في المنتظر الذي دخلَ في سِردابِ سَامَرَّاءَ سنةَ ستين ومائتين وهو طفلٌ غير مميِّز، قيل: كان له سنتان، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: خمس. ويقولون: إنه إمام معصوم لا يجوزُ عليه الخطأُ، ويقولون: إنّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلاّ به، ومن لم يؤمن به فهو كافر. وقد عَلِمَ أهلُ العلم بالأنساب أنَّ
(1)
الحسن بن علي العسكري أباه لم يكن له نسل ولا عَقِبٌ، ولو كان له ولد صغير لكان تحتَ الحَجْر على ماله، وأن يَحضنَه من يستحقُّ الحَضَانَةَ، فلا يكون له ولاية لا على نفسه ولا على مالِه حتى يَبْلُغَ ويُؤنَسَ منه الرُّشدُ، فحينئذ يُسَلَّمُ إليه مالُه، فكيف يكون لمثل هذا ولاية على المسلمين؟ فضلاً عن أن يكون معصومًا، فضلا عن أن يكون اتّباعُه ركنًا في الإيمان.
(1)
في الأصل: "ابن" تحريف.
ثم لما صار مثلُ هذا يُدَّعَى ادَّعَى ابنُ التومَرْتِ صاحبُ "المُرشِدة" أنه المهدي الذي بَشَّر به النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقال في الخطبة له:"المهدي المعلوم" و"الإمام المعصوم" حتى رُفِعَ ذلك.
وصار من الغلاة في مشايخهم يعتقد أحدُهم في شيخه نحوَ ذلك، فإمّا أن يقول: هو معصوم، أو يقول: هو محفوظ، والمعنى عنده واحد، وإمّا أن يُنكِر ذلك بلسانِه ولكن يُعامله معاملةَ المعصوم.
فهؤلاء إذا كان أحدهم يعتقد في بعض الرجال المؤمنين أنهم معصومون من الذنوب بل ومن الخطأ، كيف لا يعتقدون ذلك في الأنبياء؟ فغُلوُّهم فيمن غَلوا فيه من أئمتِهم أهلِ المشيخةِ أو النسبِ يُوجب عليهم أن يَغْلُوا في الأنبياء بطريقِ الأولى، فإن كان من المسلمين اعتقدوا أن الأنبياء أفضلُ منهم، وإن كانوا ممن يَعتقد في الشيخ والإمام أنه أفضل من النبي - كما يقول ذلك المتفلسفةُ والشيعةُ وغلاةُ المتصوفةِ الاتحاديةِ وغيرِ الاتحادية - فهم لابدَّ أن يُقِرُّوا الغُلُوَّ في الأنبياء حتى تُوافِقَهم الناسُ على الغُلُوَ في أئمتِهم.
وهذا كلُه من شُعَب النصرانية الذين وَصفَهم الله بالغلو في القرآن، وذمَّهم عليه ونهَاهم فقال:(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لله وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172))
(1)
الآية، وقال تعالى:(يأهلَ اَلكتاب لَا تَغلُواْ في دِينكم غير الحق و َلَا تَتبِعُوَاْ أَهواء قوم قد ضَلواْ مِن قَبلُ وَأَضلُواْ كثيرا وَضَلُواْ عَن سَواء السَّبِيلِ (77))
(2)
.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تُطْرُوني كما أَطْرَتِ النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله"
(3)
. وقال: "إيّاكم والغُلوَّ في الدين، فإنما أهلكَ مَن كان قبلكم الغُلُوُّ في الدين"
(4)
. وهذا قال لهم بسبب رَمْي الجمارِ لئلَاّ يَغْلُوا فيها، فكيف فيما هو أعظم من ذلك؟ وهؤلاء أهلُ الغلوِّ النصارى ومن شابَهَهم من هذه الأمة في الغلوّ - كما ثبتَ عنه في الصحيحين
(5)
أنه قال: "لَتَركَبُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّةِ، حتى لو دَخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخلتُموه" - هم قَصَدوا تعظيمَ الأَنبياء والصالحين بالغُلوّ فيهم، فوقعوا في تكذيبهم وبُغضِهم ما جاءوا به، فإنّ المسيح قال للنصارى كما أخبر الله عنه أنه قال:(مَا قلتُ لهم إلا مَاَ أَمرَتَني بِهِ أَنِ اَعبُدُواَْ اللهَ رَبِى وَربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقِيبَ عَلَيهِم وَأَنت على كل شئ شَهِيد (117))
(6)
وقال المسيح: (إِني عَبدُ
(1)
سورة النساء: 171 - 172.
(2)
سورة المائدة: 77.
(3)
أخرجه البخاري (3445،6830) عن عمر بن الخطاب.
(4)
أخرجه أحمد (1/ 215،347) والنسائي (5/ 268،269) وابن ماجه (3029) عن ابن عباس. وصححه النووي في "المجموع"(8/ 171) والألباني في "الصحيحة"(1283).
(5)
البخاري (3456،7320) ومسلم (2669) عن أبي سعيد الخدري.
(6)
سورة المائدة: 117.