الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمسجد الذي بجانب عُرَنَةَ الذي يُقال له مسجد إبراهيم، فإنّ بعض الناس يظن أنه إبراهيم الخليل، وإِنما هو من ولد العباس، والمسجد إنما بنيَ في دولة العباسية علامةً على الموضع الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم الظهرَ والعصرَ يومَ عرفة، فإنه أقام بنَمِرَةَ إلى حينِ الزوال، ثم ركبَ فأتَى بطنَ عُرَنَةَ عند المكان الذي بُني فيه هذا المسجدُ، فخطبَ على راحلته، ثم نزلَ فصلَّى بهم هناك الظهر والعصر قصرًا وجمعًا، ثم أتى الموقفَ بعرفات. وكان بحرَّان مسجدٌ يقال له مسجد إبراهيم، فيظنُّ الجهال أنه إبراهيم الخليل، وإنما هو إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، الذي كانت دعوة الخلافة العباسية له، وحُبسَ هناك ومات في الحبس، وأوصى إِلى أخيه أبي جعفر الملقب بالَمنصور.
و
القبورُ المختلَفُ فيها كثيرة
، منها قبر خالد بن الوليد كما تقدم، فإنّ فيه قولين ذكرهما أبو عمر ابن عبد البرّ في "الاستيعاب"
(1)
: توفي بحمص، وقيل: توفي بالمدينة، سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب، وأوصى إلى عمر بن الخطاب، قال: وروى يحيى بن سعيد القطّان [عن سفيان]
(2)
عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل قال: بلغَ عمرَ بن الخطاب أن نسوةً من نساءِ بني المغيرةِ اجتمعن في دار يَبكينَ على خالد بن الوليد، فقال عمرُ: وما عليهنّ أن يبكين على أبي سليمان
(1)
1/ 409.
(2)
زيادة من "الاستيعاب".
ما لم يكن نَقْع أو لقلقلة.
وأما قبرُ الخليل عليه السلام قالت العلماء على أنه حق، لكن كان مسدودًا بمنزلةِ حجرةِ النبي، ولم يكن عليه مسجد، ولا يصلِّي أحدٌ هناك، بل المسلمون لما فتحوا البلادَ على عهد عمر بن الخطاب بنوا لهم مسجدًا يصلُّون فيه في تلك القرية منفصلاً عن موضع الديْر، ولكن بعد ذلك نُقبتْ حائطُ المقبرةِ كما هو الآن النقبُ ظاهرٌ فيه، فيُقال: إن النّصارى لما استولَوا على البلاد نَقبوه وجَعلوه كنيسةً، ثم لما فتحَه المسلمون لم يكن المتولي لأمرِه عالمًا بالسنة حتى يَسُده ويتخذَ المسجدَ في مكانٍ آخر، فاتخذ ذلك مسجدًا وكان أهل العلم والدين العالمون بالسنة لا يُصلون هناك.
فصل
الأصل الثاني: أن هذه المشاهد والقبور المضافة إلى الأنبياء والصالحين إنما اضطربَ النقلُ فيها ووقعِ فيها الكذبُ والاشتباهُ لأن ضبطَها ليسَ من الدين، والله تعالى قد ضمنَ حفظَ ما نزلَه من الذكر بقوله:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9))
(1)
، والله قد نزل الكتابَ والحكمة، كما قال تعالى:(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ)
(2)
، والحكمة: السنة، كما قال ذلك
(1)
سورة الحجر: 9.
(2)
سورة البقرة: 231.
غيرُ واحدٍ من السلف، كقتادة ويحيى بن أبي كثير والشافعي وغيرهم، بدليل قوله:(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)
(1)
، والذي كان يتلَى في بيوتهنّ هو القرآن والسنة، فالذكر الذيْ نزَّله الله ضمِنَ حفظَه، فلهذا كانت الشريعة محفوظةً مضبوطةً، ومن الشريعة أن هذه المشاهد والقبور لا تُتخَذُ أربابًا، بل زيارة القبور نوعان: شرعية وبدعية:
فالزيارةُ الشرعية أن يُسَلم على الميتِ ويَدعو له، كما يُصلِّي على جنازته، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعلم أصحابَه إذا زاروا القبورَ أن يقول قائلُهم:"السلامُ عليكم أهلَ الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمينَ منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافيةَ، اللهمَ لا تَحرِمْنَا أجرَهُم، ولا تَفْتِنا بعدَهم، واغفر لنا ولهم"
(2)
.
فهذا الدعاء للميت من جنس الدعاء على جنازته إذا حضرتْ، وقد قال الله تعالى لنبيه في حق المنافقين:(وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)
(3)
، فلما نهاه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم دلَّ ذلك بطريقِ مفهومِ الخطابِ وتعليلِه على أن المؤمنين يُصلَّى عليهم ويُقامُ على قبورَهم، وقد فُسِّر ذلك القيامُ على قبورِهم بالدعاء لهم، فالمؤمن يُقامُ على قبره بالدعاء له، فهذا
(1)
سورة الأحزاب: 34.
(2)
أخرجه مسلم (975) عن بريدة.
(3)
سورة التوبة: 84.
هو المشروع.
وأما زيارةُ المشاهد والقبور لأجل الصلاة عندها والدعاء عندها وبها، والتمسُّح بها وتقبيلها، وطلب الحوائج من الرزق والنصر والهدى عندها وبها، فهذا ليس مشروعًا باتفاق أئمة المسلمين، إذ هذا لم يفعلْه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولا أمرَ به، ولا رَغب فيه، ولا تعلَّمه أحدٌ من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين، بل ولا كانوا يَبْنُون مشهدًا على قبر ولا مسجدًا ولا غيرَه، وإنما حدثتْ هذه المشاهدُ بعدَ القرونِ المفضلة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم القرنِ الذي بُعِث فيهم ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونهم، وإنما انتشرتْ في دولة بني بُوَيْه ونحوهم من أهل البدع والجهل. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، بل لعنَ من يَفعلُه، كما في الصحيحين
(1)
عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرضِه الذي مات فيه: "لَعن الله اليهودَ والنصارى، اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد"، يُحذرُ ما صَنَعوا. قالت عائشةُ: ولولا ذلك لأبرزَ قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا
(2)
.
وفي صحيح مسلم
(3)
عن جُندَب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموتَ بخمس: "إن مَن كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجدَ، إلاّ فلا تتخذوا القبورَ مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
(1)
البخاري (435 ومواضع أخرى) ومسلم (531) عن عائشة.
(2)
أخرجه البخاري (1330، 1390، 4441) ومسلم (529).
(3)
برقم (532).
وفي موطأ مالك
(1)
: "اللهمَّ لا تجعلْ قبرِيْ وثنا يُعبَد، اشتدَّ غضبُ الله على قوم اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد". وفي المسند
(2)
وغيره عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من شِرارِ الناس مَن تُدرِكُهم الساعةُ وهم أحياءٌ، والذين يتخذونَ القبورَ مساجدَ". رواه أبو حاتم في صحيحه
(3)
.
ولهذا اتفق السلف والأئمة على أن من سلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والصالحين عند قبرِه فإنه لا يتمسَّح بالقبر ولا يُقَبله، بل اتفقوا على أنه لا يُشرَع أن يَستَلِم ويُقَبِّلَ إلاّ الحجرَ الأسودَ، والركن اليماني يُستلَم ولا يُقبَّلُ على الصحيح، وإذا سلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم وأرادَ أن يَدعوَ استقبلَ القبلة، ودعا في المسجد، ولم يَدْعُ مستقبلا للقبر، كما كان الصحابة يفعلون، وهذا ما أعلمُ فيه نزاعًا بين أَهل العلم، وإن نُقِل في ذلك [ما] يُخالف ذلك عن مالك مع المنصور فلا أصلَ لها.
وإنما تنازعوا في وقت التسليم عليه: هل يُستَقبَل القبرُ أو يُستقبلُ القبلةُ؟ فقال أصحابُ أبي حنيفة: يُستقبلُ القبلة، وقال الأكثرون: بل يُستقبَل القبر. وكانت حجرتُه خارجةً عن المسجد، فلما كان زمنَ الوليد بن عبد الملك أمر أن يُزَادَ في المسجد، فاشتُرِيَتِ الحجرةُ التي شرقيَّ المسجدِ وقِبْلِيَّها من أهلها وزيدتْ في المسجد،
(1)
1/ 172 عن عطاء بن يسار مرسلا.
(2)
1/ 405، 435. وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (789).
(3)
انظر موارد الظمآن (340).
فبقيتْ حجرةُ عائشةَ -التي دُفِن فيها النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه- داخلة في المسجد، ولما بَنَى عمر بن عبد العزيز والمسلمون عليها الحائط حرفوها عن سمتِ القبلة، وجعلوا ظهرَها مثلثًا لئلا يُصلِّيَ إليها أحدٌ، لما ثبتَ عنه في الصحيح
(1)
أنه قال: "لا تَجلسوا على القبور ولا تُصلوا إليها". كل ذلك تحقيقا للتوحيد، وهو عبادةُ الله وحدَه لا شريكَ له، فإن الله تعالى قال في كتابه عن قوم نوح:(وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23))
(2)
، قال غير واحد من السلف كابن عباس وغيره: هولاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح فلما ماتوا اتخذوا تماثيلَهم. وفي رواية: عكَفُوا على قبورهم ولم يَعبُدوها، ثم طالَ عليهم الأمدُ فعبدُوها، فكان ذلك أول عبادة الأصنام.
فنبيُّنا صلى الله عليه وسلم خاتَمُ النبيين الذي بعثه الله بالتوحيد حَسَمَ مادةَ الشرك، حتى أَمَر بما رواه مسلم في صحيحه
(3)
عن أبي هَيَّاج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: إلاّ أبعثك على ما بعثني عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ " إلا أدعَ قبرا مُشرِفًا إلاّ سوَّيتُه، ولا تمثالاً إلاّ طَمَسْتُه". فأمرَ بتسوية القبور وطَمْسِ التماثيل، فإن هذين كانا سببًا لعبادة الأصنام.
ولو كان قصدُ المشاهد هذه التي على القبور لأجل الدعاء أو
(1)
مسلم (972) عن أبي مرثد الغنوي.
(2)
سورة نوح: 23.
(3)
برقم (969).
الصلاة عندها مشروعا لم يُكْرَه الصلاةُ فيها، بل كانت تكون الصلاة فيها أفضلَ، وقد أجمع المسلمون على أن الصلاة والدعاء في المسجد الذي ليس عليه قبرٌ لا رجل صالح ولا غيره أفضلُ من الصلاة والدعاء في المسجد المبني على قبر من المشاهد وغيره، بل صرَّح أئمة المسلمين أنَّ بناءَ المساجد عليها حرام، ونَهَوْا عن الصلاة فيها.
وفي السنن
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لَعَنَ الله زواراتِ القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج". قال الترمذي: حديث حسن.
ورواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه. فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن يتخذ على القبور مساجدَ وسُرُجا. ولهذا قال العلماء: إنه لا يجوز أن يُنذَر للقبور لا زيت ولا شمع ولا نفقة ولا نحو ذلك، بل هذا نذر معصية. وفي صحيح البخاري
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نَذَر أن يُطيعَ اللهَ فليُطِعْه، ومن نَذَر أن يَعصِيَه فلا يَعْصِه".
ونذرُ المعصية مثل هذا لا يجوز الوفاءُ به بالاتفاق، لكن هل عليه كفارةُ يمين؟ فيه قولان للعلماء:
أحدهما: لا شيءَ عليه، كقول أبي حنيفة ومالك والشافعي.
والثاني: عليه كفارة يمين، وهو ظاهر مذهب أحمد، لما في
(1)
أخرجه أبو داود (3236) والترمذي (320) والنسائي (4/ 94) وابن ماجه (1575). وتكلم عليه الألباني في "الضعيفة"(225).
(2)
برقم (6696، 6700) عن عائشة.
الصحيح
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كفارةُ النذر كفارة يمين". وفي السنن
(2)
عنه أنه قال: "لا نذرَ في معصيةِ، وكفارته كفارة يمين".
وإذا نذرَ طاعة لله، مثلَ صلاة مشروعة أو صيام شرعي أو صدقة شرعية فعليه الوفاء بذلك، وإن كان أصلُ عقد النذرِ مكروهًا لما في الصحيحين
(3)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرَجُ به من البخيل". فنفسُ عقد النذرِ منهيٌّ عنه باتفاق الأئمة، لكنه إذا نَذَرَ نذرًا فإن طاعةً لله وَفَى به، وإن كان معصيةً مثل نَذْرٍ للكنائس والبيَع، ونَذْرِ الزيت والشمع والكسوة والنفقة للمشاهد التي على القبَورَ، فهذا لا يجوز الوفاءُ به، وهل عليه كفارةُ يمين؟ على قولين للفقهاء.
ولو سافرَ لزيارة القبور التي عليها المساجدُ فلا أعلمُ أحدًا من السلف أَذِنَ في ذلك، لكن رَخَّصَ فيه طائفةٌ من متأخري الفقهاء، ومَنَعَ منه آخرون، وقالوا: هو بدعةٌ منهيٌّ عنها، حتى قالوا: لا يجوز فيها قصرُ الصلاة، لأنه قد ثبتَ في الصحيحين
(4)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تُشَدُّ الرحالُ إلاّ إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا". وفي السنن
(5)
أن بَصْرة بن أبي بَصْرة لما
(1)
مسلم (1645) عن عقبة بن عامر.
(2)
أخرجه أبو داود (3290 - 3292) والترمذي (1524، 1525) والنسائي (7/ 26، 27) وابن ماجه (5125) عن عائشة.
(3)
البخاري (6608، 6692، 6693) ومسلم (1639) عن ابن عمر.
(4)
البخاري (1189) ومسلم (1397) عن أبي هريرة.
(5)
أخرجه أحمد (6/ 7) والنسائي (3/ 113) عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري.
رأى بعضَ من زار الطُّورَ -الطور الذي كلم الله عليه موسى- نهاهُ عن ذلك، وقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُشَدُّ الرحَالُ إلاّ إلى ثلاثة مساجد".
فهذا يُبين أن الصحابة فهموا أنه نهى عن السفر لزيارة جميع البقاع إلا المساجد الثلاثة، سواء كانت تلك البقعة فيها آثارُ الأنبياء أو غير الأنبياء، وهذا هو الذي اتفق عليه أئمةُ العلماء، فإنهم لم يتنازعوا أنه لو نذرَ السفرَ إلى بُقْعةٍ بعينها غيرِ المساجد الثلاثة لم يجب الوفاءُ بنذره، ولو كان ذلك طاعةً عندهم لوجبَ الوفاءُ به، واتفَقوا على أن نذرَ الإتيانِ في المسجد الحرام يجبُ الوفاءُ به، وتنازعوا في مَن نَذر إتيانَ مسجدِ النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى، فقال أبو حنيفة: لا يجبُ الوفاءُ بذلك، لأنّ من أصلِه أنه لا يَجِبُ بالنذر إلَاّ ما كان من جنسِه واجبًا بالشرع، وقال مالك والشافعي وأحمد: بل يجب الوفاءُ بذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من نذر أن يُطيعَ الله فليُطِعْه"
(1)
، وهذا طاعةٌ لله بالاتفاق، فيُستحب الوفاءُ به.
فإذا عُلِمَ أنَّ غيرَ المساجدِ الثلاثة لم يَقُولوا بوجوب الوفاء إذا نذر السفر إليه، عُلِمَ أن ذلك ليس بطاعةٍ، حتى مسجد قُباء، قالوا: من قَصَدَه إذا أتى المدينةَ فحسنٌ، وأما شدُّ الرحْلِ له فلا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من تطهر في بيته فأحسنَ الطهور، ثم أتى مسجد قباءَ لا يُرِيد إلاّ الصلاةَ فيه كان له كأجر عمرة"
(2)
. فإذا رَغبَ في إتيانِ من
(1)
سبق تخريجه.
(2)
أخرجه أحمد (3/ 487) والنسائي (2/ 37) وابن ماجه (1412) عن سهل ابن حنيف.
يأتيه من بيته فيمن سَافر إليه، وكذلك للرجل أن يقصدَ مسجدَ مدينتِه وقريتِه، وليس له أن يُسافرَ إلى مسجد مدينةٍ أو قريةٍ غيرِ المساجد الثلاثة، بالاتفاق.
فهكذا يَزور القبورَ الزيارةَ الشرعيةَ، فيسلِّم على الميت، ويَدعو له، إذا كان قريبًا من مدينةٍ هو فيها، أو اجتازَ به، ونحو ذلك، فأما السفر لأجل ذلك فليس بمشروع. وإنما عَظُمَتْ هذه البدعُ من أهل الأهواء الذين عَطَّلُوا المساجدَ عًن الجمعات والجماعات، وابتدعوا الإشراك الذي يَفعلونَه عند المشاهد، حتى صَنَّفُوا كتبًا فيها مناسك حج المشاهد. والله تعالى في كتابه إنما أمرَنا بالعبادة في المساجد لا في المشاهد، فقال تعالى:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)
(1)
، ولم يقل: مشاهد الله، وقال تعالى:(وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)
(2)
، ولم يقل: في المشاهد، وقال تعالى:(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)
(3)
، ولم يقل: كل مشهد، وقال تعالى:(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ) إلى قوله: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ)
(4)
، ولم يقل: يعمر مشاهد الله، وقال تعالى:(أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18))
(5)
، ولم يقل: وأن المشاهد لله.
(1)
سورة البقرة: 114.
(2)
سورة البقرة: 187.
(3)
سورة الاْعراف: 29.
(4)
سورة التوبة: 17 - 18.
(5)
سورة الجن: 18.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
: "صلاة الرجل في المسجد تَفضُل على صلاتِه في بيته وسوقِه بخمس وعشرين درجة. وذلك أن الرجلَ إذا تطهَّر في بيته فأحسن الطهورَ، ثم أتى المسجدَ لا يُنْهزُه إلاّ الصلاةُ فيه، كانت خطوتاه إحداهما تَرفَعُ درجةً والأخرى تَحُطّ خطيئةً، فإذا جلسَ فإنه في صلاةٍ ما دام ينتظر الصلاة، والملائكة تُصفَي على أحدِكم ما دامَ في مصلاه الذي صفَى فيه: "اللهمَّ اغفرْ له، اللهُمَّ ارْحَمْه " ما لم يُحدِثْ أو يَخْرُجْ من المسجد".
وأما قول السائل: "بحرمة فلانٍ الميت أن تَقْضِيَ حاجتي أو تَغفر لي " فهذا ليس بمشروع، فإن هذا لم يفعله أحدٌ من السلف، ولا استحبَّه أحدٌ من الأئمة، ولا فيه أثرٌ عمن مضى، والعبادات مبناها على الاستنان والاتباع، لا على الهوى والابتداع، قال تعالى:(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه)
(2)
، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي تمسّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كل بدعةٍ ضلالة"
(3)
.
ولو كان هذا مشروعًا لأحدٍ أو في حقّ أحدٍ لكان أحقُّ الناس بذلك أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أفضلُ الخلق
(1)
البخاري (647) ومسلم (بعد رقم 661) عن أبي هريرة.
(2)
سورة الشورى: 21.
(3)
أخرجه أحمد (4/ 126) وأبو داود (4607) والترمذي (2676) وابن ماجه (43، 44) من حديث العرباض بن سارية.
وأكرمُهم على ربّه، وأقربُهم إليه وسيلةً حيًا وميتًا، وقد ثبتَ في صحيح البخاري
(1)
عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا أجدبَ استسقَى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: اللهمَّ إنّا كنّا إذا أَجْدَبنا نتوسَّلُ إليك بنبيِّنا فتَسقينا، وإنّا نَتَوسَّل إليك بعمِّ نبينا فاسْقِنا، فيُسقَون. فأخذوا العباسَ يتوسَّلُوا به، وجعلَ يدعو ويَدعُون معه، كما كانوا يتوسَّلون بالنبي صلى الله عليه وسلم عند الاستسقاء، ولم يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدعُوا هناك، ويَفعلون ما يفعلُه كثير من الناس عند من ليس مثلَ النبي صلى الله عليه وسلم، من سؤاله أو السؤال منه وغير ذلك. ولهذا ذكر العلماءُ في الاستسقاءِ ما فعلَه الصحابةُ، ولم يذكروا ما ابتدعَه الجاهلون.
فالمقصودُ بالزيارة الدعاء للميت على جنازته، والله تعالى يثيْبُ العبدَ على دعائِه له، كما يثيبُه على الصلاة عليه، وقد يكون الداعيْ أفضلَ من المدعوِّ له، وقد يكون المدعوُّ أفضلَ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا سمعتُم المؤذنَ فقولُوا مثلَ ما يقولُ، ثم صَلُّوا علي، فإنه مَن صلى عليَّ مرةً صلى الله عليه عشرًا، ثم سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنه درجة في الجنة لا تَنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبدَ، فمن سأل اللهَ لي الوسيلةَ حَلَّتْ عليه شفاعتي يوم القيامة". رواه مسلم
(2)
، والله أعلم.
(1)
برقم (1010،3710).
(2)
برقم (384) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.