المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ مجهول الحال - حاشية الخرشي منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة - جـ ٢

[الخرشي = الخراشي]

فهرس الكتاب

- ‌ المُدَلَّسُ

- ‌ المُرْسَلُ الخَفِيُّ

- ‌الفَرْقُ بينَ المُدَلَّسِ والمُرْسَلِ الخَفيِّ

- ‌ المَوضوعُ

- ‌ المَتْروكُ

- ‌ المُنْكَرُ

- ‌ الوَهَمُ

- ‌ المُعَلَّلُ

- ‌ المُخَالفَةُ

- ‌ المُضْطَرِبُ

- ‌ اخْتِصارُ الحَديثِ

- ‌ الرواية بالمعنى

- ‌«الوُحْدانَ»

- ‌ المُبْهَمِ

- ‌ مَجْهولُ العَيْنِ

- ‌ مَجْهولُ الحالِ

- ‌ قَولُ الصَّحابيِّ: «مِن السُّنَّةِ كذا»

- ‌ قَولُ الصَّحابيِّ: أُمِرْنا بكَذَا، أَوْ: نُهينا عَنْ كذا

- ‌ تَعريفِ الصَّحابيِّ

- ‌ التَّابِعيِّ

- ‌ المُخَضْرَمونَ

- ‌المُسْنَدُ

- ‌ العُلُوُّ المُطْلَقُ

- ‌ العُلُوُّ النِّسْبِيُّ

- ‌ النُّزولُ

- ‌ رِوَايةِ الأَكابِرِ عَنِ الأصاغِرِ

- ‌ الآباءِ عَنِ الأبْناءِ

- ‌ السَّابِقُ واللَّاحِقُ

- ‌ المُسَلْسَلُ

- ‌ المُتَّفِقُ وَالمُفْتَرِقُ

- ‌ المُؤتَلِفُ وَالمُخْتَلِفُ

- ‌ طَبَقاتِ الرُّوَاةِ

- ‌ مَراتِبِ الجَرْحِ

- ‌ مَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ:

- ‌ المَوَالي

- ‌ الإِخْوَةِ

- ‌ آدَابِ الشَّيْخِ وَالطَّالِبِ

- ‌ صِفَةِ كِتابَةِ الحَدِيثِ

- ‌صِفَةِ الرِّحْلَةِ

- ‌صِفَةِ تَصْنِيفِهِ

- ‌خَاتِمَةِ

الفصل: ‌ مجهول الحال

ولهذِهِ النُّكْتةِ لم يُقْبَلِ المُرْسلُ، ولو أَرْسَلَهُ العَدلُ جازِمًا بهِ لهَذَا الاحتمالِ بعينِهِ.

وَقيلَ: يُقْبَلُ؛ تَمسُّكًا بالظَّاهِرِ؛ إِذ الجَرْحُ على خِلافِ الأصْلِ.

وقيلَ: إِنْ كانَ القائلُ عَالِمًا، أَجْزأَ ذلك في حقِّ مَن يُوَافِقُهُ في مَذْهَبِهِ.

وهَذَا ليسَ مِنْ مباحِثِ عُلُومِ الحَديثِ، واللهُ المُوفِّقُ.

فَإنْ سُمِّيَ الرَّاوي، وانْفَرَدَ راوٍ واحِدٌ بالرِّوايةِ عَنْهُ، فهو‌

‌ مَجْهولُ العَيْنِ

؛ كالمُبْهَمِ، فَلَا يُقْبَلُ حديثُهُ إِلَّا أَنْ يُوَثِّقَهُ غيرُ مَنْ ينفَرِدُ عنهُ على الأَصحِّ، وكَذَا مَنْ يَنْفَرِدُ عَنهُ على الأصح إِذا كانَ مُتَأَهِّلًا لذلك.

أَوْ إِنْ رَوَى عنهُ اثنانِ فَصاعِدًا، ولم يُوَثَّقْ؛ فَهو‌

‌ مَجْهولُ الحالِ

، وهُو المَسْتورُ، وقد قَبِلَ روايتَهُ جماعةٌ بغيرِ قيدٍ، وردَّها الجُمهورُ.

[قوله]

(1)

: «ولهذه النُّكتة» : قد مَرَّ أنَّها: الدَّقيقة، وهي هنا كونه لا يَلْزم من كونه ثقة عنده ألا يكون مجروحًا عند غَيره، فقوله بعد:«فهذا الاحتمال» حشوٌ لا طائل تحته. (أ/130)

[قوله]

(2)

: «وقِيل: يُقْبَلُ» : أي: تعديل المُبهَم، وهذا القول حكاه ابن الصباغ في العُدة عن أبي حنيفة، وهو ماشٍ على قول من يَحْتَج بالمرسل وأَولى بالقَبول، غير أنَّهم علَّلُوه بأنَّه: مأمونٌ في الحالين معًا، أي حال التَّسمية والإبهام، يعني أنَّه إذا سُمِّي كان تعْيينه ممَّن سمَّاه مؤكِّدًا فكذا إذا أبهمه، وأما تعليل الشُّيوخ فيُشبه أنَّه تعميمٌ له، فتأمل.

[قوله]

(3)

: «وقيل: إنْ كان القائلُ عالِمًا» : كقول الشافعيِّ: أخبرني الثقة.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تنبيه

(1)

:

اتفقَت الأقوال كلُّها على كونه حجَّة في حقِّ ذلك المعدِّل؛ فيَلْزَمه العمل بخبره، وإنَّما الخلاف في قيام الحجَّة على غيره.

[قوله]

(2)

«فإن سُمِّي الراوي» :

بأنْ يقول: حدثني فلان ولم يذكر اسمه

إلخ، مثاله: جبار الطائي وعبد الله بن أعز

(3)

بالزاي، فإن كلًّا منهما لم يروِ عنه إلا أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، ولكنَّهما سمِّيا، وكان الأولى أن يقول: فإن سُمِّي، أي: المروي عنه، وانفرد الراوي عنه؛ لأنَّه أبعد من حيرة المتعلِّم.

تنبيه:

لا بُدَّ مع الانفراد عن المروي عنه المذكورمن كونه لم يَشتهِر بنفسه بطلب العلم ولا يعْرِفه العلماء، ومن كون حديثِه لا يُعرَف إلَّا من جهته فيكون مجهول العين.

فائدة: (هـ/151)

قال العراقيُّ

(4)

: بيَّن بعض العلماء من أَبهمَه مالك والشافعي بقولهما: الثقة من شيوخهما، فحيث قال مالك: عن الثقة عن بُكير بن عبد الله بن الأشَجِّ؛ فالثقة: مَخْرمة بن بُكير.

وحيث قال: عن الثقة عن عمرو بن شعيب؛ فقيل: الثقة عبد الله بن وَهب،

(1)

قضاء الوطر (2/ 1183).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

الجرح والتعديل (5/ 8).

(4)

شرح التبصرة (1/ 154).

ص: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقيل: الزُّهْريُّ، ذكر ذلك أبو عُمر ابن عبد البرِّ.

وقال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم السِّجِسْتانيُّ في «فضائل الشافعيِّ» : سمِعت بعض أهل المعرفة بالحديث يقول:

إذا قال الشافعي في كتبه: أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذئب؛ فهو ابن أبي فُدَيك.

وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الليث بن سعد؛ فهو يحيى بن حسَّان.

وإذا قال: أخبرنا الثقة عن [الوليد بن كثير؛ فهو أبو أسامة.

واذا قال: أخبرنا الثقه عن]

(1)

الأوزاعيِّ؛ فهو عَمرو بن أبي سَلَمة.

وإذا قال: أخبرنا الثقة عن ابن جُرَيج؛ فهو مُسْلِم بن خالد.

وإذا قال: أخبرنا الثقة عن صالحٍ -مولى التَّوأَمَة-؛ فهو إبراهيم بن أبي يحيى.

[قوله]

(2)

: «فهو» :

أي: المرويُّ عنه المُسمَّى الذي لم يرو عنه إلا واحدٌ فقط، «مجهول العين» أي: المُسمَّى اصطلاحًا بذلك، وفي مجهول العين خمسة أقوال، صحَّح بعضُهم عدمَ القَبول، وقد عَرَفْت آنفًا ما هو الحقُّ [كما]

(3)

قاله (هـ)

(4)

.

[قوله]

(5)

: «إلَّا أنْ يُوثِّقه

إلخ»:

أي: إذا كان أهلًا لذلك، فحَذَفه من هنا لذِكْرِه في الثاني، وقد أشار الشيخ

(1)

زيادة من (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

زيادة من (ب).

(4)

قضاء الوطر (2/ 1185)

(5)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(ق)

(1)

لهذا مع زيادة فقال: «قُيِّد الموَثِّق بكونه من أهل الجَرْح والتعديل، وقد أهمله المؤلِّف، ثُمَّ إنَّه يقال: إنْ كان الذي انفرد عنه راو واحد من التابعين فينبغي قَبولُ خَبرِه ولا يضرُّه ما ذُكِر؛ لأنَّهم قبلوا المبهَم من الصحابيِّ، وكذا مرسَل الصحابيِّ، وقالوا: كلُّهم عدولٌ، ولو استدل الخطيب في الكفاية على ذلك بحديث: «خير القرون قرني ثُمَّ الذين يلونهم»

(2)

، وهذا الدليل بعينه جارٍ في التابعيِّ؛ فيكون الأصل العدالة إلى أنْ يقوم دليل الجَرْح، والأصل لا يُترك للاحتمال، والله أعلم» انتهى.

قُلْتُ: وهو يفيد أنَّه إذا كان المبهَم صحابيًّا فإنَّه يُقْبل حديثه، وهو ظاهر [ما]

(3)

ذكره من أنَّ الدليل يفيد أنَّ التابعيَّ كالصحابيِّ، فيُبحَث فيه بأنَّ الحديث المستدَلَّ به تَكرَّر فيه:«ثُمَّ الذين يلونهم» مرتين، بل ثلاثًا على ما ذَكَره بعضهم؛ فيُفِيد أنَّ تابع التابعين كذلك، وهذا غير ظاهر، وقد ذَكَروا أنَّ الخيريَّة في القرن الأول وما بعده مختلِفة المعنى، قاله (ج)

(4)

.

وقال (هـ)

(5)

: «قوله: «كالمبهَم» بيان لحُكْم حديثه، يعني فيُرَدُّ حديثُه، وقوله: «إلَّا أنْ يوثِّقَه

إلخ»: قال (ق)

(6)

: هذا اختيار ابن القطان، وقُيِّد الموثِّق

(1)

حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 98).

(2)

البخاري (3651)، ومسلم (2533)، بلفظ (الناس).

(3)

في (أ) و (هـ): [وأما].

(4)

حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 364).

(5)

قضاء الوطر (2/ 1186).

(6)

حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 97 - 98).

ص: 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بكونه من أئمة الجرح والتعديل، وقد أهمله المؤلِّف، ثُمَّ يقال: إن كان الذي انفرد

إلخ قوله: والأصل لا يُترك للاحتمال» انتهى، وليس مِثل قول ابن كَثيرٍ: المبهَم إذا سُمِّي ولم تعرف عينُه لا تقبل روايته عند أحدٍ عَلِمْناه إلَّا إذا كان من عصر التابعين؛ لأنَّ هذا إنما أشار لمَحِل الخلاف وليس فيه أنَّه مختارٌ له، ولا يخفاك بقرينة آخر كلامه أنَّ مراده: أنَّ المجهول من التابعين بالمعنى (أ/131) المذكور ينبغي قَبول خبره كما في المجهول من الصحابة؛ لثبوت عدالة التابعين بهذا الحديث كما هي ثابتة للصحابة، وهذا غير صحيح؛ لأنَّ الثابت الخيريَّة لمجموع القرن الثاني، وذلك لا يستلْزِم ثبوتها لكلِّ فرْدٍ فَرْدٍ منه؛ بدليل وجود كثير من أهل الجرْح في القرن الثاني، ولكلِّ فرْدٍ فرْدٍ من أهل القرن الأول كما حمله على ذلك الأئمة، ومنهم النوويُّ في «شرح مُسْلِمٍ»؛ فقول المُحَشِّي (هـ/152):«فيكون الأصل العدالة» إنْ أراد في الجملة فمسَلمٌ، لكنَّه لا يفيد؛ لاحتمال أنَّ هذا الفردَ ليس متصفًا بها، وإنْ أراد بهذا الفرْد [فليس]

(1)

في الحديث ما يدلُّ عليه، وأمَّا أصل القياس على الصحابة فهو قياس بلا جامعٍ؛ لما مَرَّ. وأمَّا قوله:«وقد أهملَه المؤلِّف» إنْ سُلم الإهمال فهو لا يضرُّه للحُكْم به؛ لأنَّ التوثيق والتعديل كالتجريح لا يعتد بها إلَّا إذا صَدَرتْ من المتأهِّلين لها، لكنَّا لا نسلِّمُه؛ لجواز أن يكون قول الشارح:«إذا كان متأهِّلًا لذلك» راجعًا للصورتين جميعًا، بل هذا هو الصواب، وبه يندفع قوله المبني على هذا الفَهْم. قد يُقال: ما الفَرْقُ بَيْن من ينفرد عنه وبَيْن غيره حتى شَرَط تأهُّل غير المنفرِد

(1)

زيادة من (ب).

ص: 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

للتوثيق دون المنفرِد، وحينئذٍ فصواب عبارته إسقاط «غير» من الأول وإثباتها في الثاني، كما هو كلام الشرح الذي استشكله.

[قوله]

(1)

: «وكذا مَنْ يَنْفَرِدُ عنه

إلخ»:

ظاهره أنَّ فيه خلافًا، وأنَّ الأصحَّ فيه القَبول؛ إذ الأصل في التشبيه التمام، ولا شكَّ أنَّ التوهُّم في عدم قَبول توثيق هذا أقوى منه في مَنْ قبله.

[قوله]

(2)

: «إذا كان متأهِّلًا لذلك» :

أي: للتوثيق؛ بأنْ يكون من الحفَّاظ المطَّلِعين المتقِنين، والظاهر: أنَّه لا كبير فائدة في هذا باعتبار خصوص هذا الموضِع؛ إذ كلُّ تعديلٍ أو تجْريح لا بُدَّ فيه من أهليَّة المعدِّل والمجرِّح.

واعلم أنَّ هذا القِسم من أقسام المجهول رَدَّه أكثر العلماء فلا يقبلونه مُطْلَقًا، وهو الصحيح؛ للإجماع على عدم قَبول غير العَدْل، والمجهول ليس عدْلًا، ولا في معناه في حصول الثقة به، ولأنَّ الفِسْق مانعٌ من القَبول، كالصِّباء والكُفر؛ فيكون الشكُّ فيه مانعًا من ذلك كما أنَّه منهما كذلك.

قوله: «أو: إنْ روى

إلخ»:

أشار بتقدير «إن روى عنه» إلى «اثنان» في المَتْن معطوف على «واحد» عطْفَ الجُمَل، و «إن انفرَد» معطوف على «سُمِّي» ؛ فإفادة الشرط داخلة عليه تقديرًا، وأنَّ قوله:«ولم يُوثَّق» راجع لهما معًا، وملخصه: أنَّ مجهول الحال

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قِسْمٌ واحدٌ، وهو: مَنْ سُمِّي وروى عنه اثنان فصاعِدًا ولم يوثَّق، هو المستور، وقد بيَّن حُكْمه في الشرح، وهذا غير وافٍ ببيان حقيقة الحال، والكشف عنها بالمقال: أنَّ القِسم الثاني من أقسام المجهول هو: مجهول الحال في العدالة في الظاهر والباطن مع كونه معروفَ العين برواية عَدْلين عنه، وفيه أقوال:

«أحدُها -وهو قول الجماهير كما حكاه ابن الصَّلاح

(1)

-: أنَّ روايته غيرُ مقبولة مُطْلَقًا.

والثاني: أنَّها تُقْبَل مُطْلَقًا وإن لم تُقْبَل رواية القِسم الأول، قال ابن الصَّلاح

(2)

: «وقد يَقْبَل رواية المجهول العدالة من لا يَقْبَل رواية المجهول العين» .

والثالث: إنْ كان الراويان أو الرُّواة عنه فيهم من لا يروي عن غير عدل قُبِل وإلَّا فلا» انتهى كلام العراقيِّ

(3)

؛ فقد عرَفتَ أنَّ مذهب الجمهور في هذا القِسم رَدُّ روايته مُطْلَقًا، وأنَّ الراويين عنه لا بُدَّ من كونهما عَدْلين، وقد حكى ابن السُّبْكِيِّ

(4)

في هذا القِسم: أنَّ روايته مردودة بالإجماع.

وأمَّا القِسم الثالث من أقسام المجهول، وهو: مجهول العدالة الباطنة فقط مع كونه عدْلًا في الظاهر، بمعنى أنَّه في الظاهر لم يُطَّلع فيه على قادحٍ ولم يُزكَّ، وهذا يَحتَجُّ به بعض من رَدَّ القِسمين الأولين، وبه قَطَع الإمام سليم بن أيوب الرازيُّ، قال: «لأنَّ [الأخبار]

(5)

تُبنى على حُسْن الظَّنِّ بالراوي، ولأنَّ رواية

(1)

مقدمة ابن الصلاح (ص 111).

(2)

المصدر السابق (ص 112).

(3)

شرح التبصرة (1/ 160).

(4)

الإبهاج في شرح المنهاج (2/ 319).

(5)

في (هـ): [الأخيار].

ص: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن؛ فاقتُصر (هـ/153) فيها على معرفة ذلك في الظاهر، وتُفارق الشَّهادة بأنَّه قد تكون عند الحُكام ولا يتعذر عليهم ذلك؛ فاعتُبر فيها العدالة في الظاهر والباطن»، وعَزاه النووي

(1)

لكثير من المحقِّقين وصححه أيضًا.

قال ابن الصَّلاح

(2)

: «ويُشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة (أ/132) في غير واحدٍ من الرواة الذين تقادَم العهد بهم وتعذَّرت الخبرة الباطنة بهم، والله أعلم» . ولما ذَكَر ابن الصَّلاح هذا القِسم قال: «وهو المستور» بعد: «قال بعض أئمتنا: المستور من يكون عدلًا في الظاهر ولا تعرف عدالته باطنًا» انتهى، ومراده بذلك البعض الذي لم يُسمِّه: البَغَويُّ.

تنبيه:

لا بُدَّ في هذا القِسم الأخير من زيادة رواته على اثنين من غير أن يوثقوهم ولا غيرهم، ومن غير أن يجرِّحوه أيضًا كذلك، وقد جَزَم ابن السُّبْكيِّ

(3)

بما قاله البَغَويُّ من أنَّ:

«المجهول باطنًا هو المستور، وجَزَم برَدِّ حديثه، ونَقَل عن إمام الحرمين أنَّه توقف عن القَبول لحديثه والردِّ له إلى أنْ يظهر حاله بالبحث عنه، كما أنَّه يجب الانكفاف عما ثبت حِله بالأصل إذا روى هذا المجهول فيه التحريم إلى ظهور حاله احتياطًا، وإنْ ردَّه بعضُهم بأنَّ الحِلَّ ثابتٌ بالأصالة فلا يرتفع بالتحريم المشكوك فيه بروايته» انتهى.

(1)

التقريب والتيسير للنووي (ص 48).

(2)

مقدمة ابن الصلاح (ص 112).

(3)

الإبهاج في شرح المنهاج (2/ 340).

ص: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إذا عَلِمْتَ هذا؛ فاعلم أنَّ القِسم الأول متميِّز في كلام المؤلِّف بلا شُبهة، وأنَّ القِسمين الأخيرين جمعهما المؤلِّف في وصفٍ واحدٍ وهو المشهور، حيث قال: «أو: إنْ روى عنه اثنان فصاعِدًا

إلخ» جازمًا بما قاله: البَغويُّ والرافعيُّ وابن الصَّلاح وابن السُّبْكِيِّ، مُخَالِفًا للنوويِّ

(1)

.

وتفصيلهما: أنَّ القِسم الثاني من الأقسام الثلاثة التي فصَّلناها أشار له بـ «مَن روى عنه اثنان» ، وأنَّ الثالث منهما أشار له بقوله:«فصاعِدًا» ، لكنَّك عَرَفْت ممَّا فصَّلناه أنَّ حُكْم القِسم الأول: الردُّ مُطْلَقًا، وقد خالف الشارح هذا ففصَّل في حُكْمه جريًا على اختيار بعض الأقوال فيه، وأنَّ حُكْم القِسم الثاني: الردُّ مُطْلَقًا عند الأكثرين، وقد [خالف]

(2)

الشارح فيه فاختار فيه الوَقْف حتى يتبين الحال، كما اختار مثل ذلك في القِسم الثالث، الذي قد عَرَفْت أنَّ حُكْمه: القَبولُ عند المحقِّقين وابن الصَّلاح.

وقوله: «ولم يُوَثَّقْ» :

يريد ولم يجرَّح أيضًا، وإلَّالم يكُن مجهولًا، قاله (هـ)

(3)

.

[قوله]

(4)

: «وهو المَسْتُورُ» :

لعلَّه أراد به المعنى اللُّغويَّ؛ فإنَّ القِسم الأول منه إنَّما هو معروف عندهم كمجهول الحال، كما أنَّ الثاني عندهم معروف بمجهول العدالة، قاله (هـ)

(5)

.

(1)

قضاء الوطر (2/ 1195).

(2)

زيادة من (ب).

(3)

قضاء الوطر (2/ 1186).

(4)

زيادة من: (أ) و (ب).

(5)

قضاء الوطر (2/ 1197).

ص: 131

وَالتَّحقيقُ: أَنَّ روايةَ المستورِ ونحوِهِ ممَّا فيهِ الاحتِمالُ لا يُطلَقُ القَوْلُ بِرَدِّها، ولا بِقَبولِها، بَلْ يقال هي موقوفةٌ إِلى اسْتِبانَةِ حالِهِ كما جَزَمَ بهِ إِمامُ الحَرَمينِ.

ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ فيمَنْ جُرِحَ بجَرْحٍ غيرِ مُفَسَّرٍ.

[قوله]

(1)

: «والتَّحْقِيقُ

إلخ»: هذا التحقيق هو قول إمام الحرمين السابق، لكنَّه لم يَذْكُره إلَّا في القِسم السادس كما عَرَفت، على أنَّ توافق طريقي المحدِّثين والأصوليين غيرُ لازم، قاله (هـ)

(2)

.

[قوله]

(3)

: «ونحوِهِ ممَّا فيهِ الاحتِمالُ» : فسَّره الكمال بمن جُرِح ولم يفسَّر جَرْحُه كما جَزَم به إمام الحرمين، أي: في المستور ونحوه، هذا ظاهر كلامه، ولكن ما تقدم يقتضي أنَّ قول إمام الحرمين هذا في المجهول الحال فقط، قاله (ج)

(4)

.

وقال (هـ)

(5)

: [قوله]

(6)

: «ونحوه» أي: المستور، وأنت خبيرٌ بأنَّ المستور عنده شاملٌ للقِسمين الباقيين من أقسام المجهول، فماذا أراد بالنَّحو المبين بما فيه احتمال؟ ويمكِن أنْ يكون أراد به المبهَم الذي لم يوَثَّق، ويكون معنى ردِّه: عدم قَبول روايته حتى يتَبَيَّنَ حاله بعد ذلك، كما يمكِن أنْ يكون أراد به من جُرِح جرحًا غير مفسَّر الآتي عن ابن الصَّلاح، وهذا صواب قولِه:(هـ/154)«ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ» أي: ونحو القول بالوقف في المستور قول ابن الصَّلاح، فالجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة، وليس لفظ:«نحو» مثالًا لنحو السَّابق وضميره له كما توهَّمه ضَعَفَة الطَّلبة.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

المصدر السابق.

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 368).

(5)

قضاء الوطر (2/ 1197).

(6)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 132

ثمَّ البِدْعَةُ، وَهِيَ السَّببُ التَّاسعُ مِن أَسبابِ الطَّعْنِ في الرَّاوي، وهي إِمَّا أَنْ تَكونَ بمُكَفِّرٍ؛ كأَنْ يعتَقِدَ ما يستَلْزِمُ الكُفْرَ، أو بِمُفَسِّقٍ:

[قوله]

(1)

: «ثُمَّ البِدْعَةُ» : يعني بالاعتقاد، وأما بالجوارح فهي الفِسْق السابق حُكْمه، وهي مأخوذة من الإبداع، وهو: إخراج الشيء على غير مثال؛ فكأنَّ المخالِف في قواعد الاعتقاد الشرعيِّ أخْرَج اعتقاده على غير ما طلبه الشارع منه وبيَّنه له. قوله: «في الراوي» لغو متعلِّق بـ «الطَّعن» .

[قوله]

(2)

: «وهي إمَّا أنْ تَكُون بِمُكَفِّرٍ

إلخ»:

اعلم أنَّ تقدير الشارح «وهي» فيه إخراج للمَتْن عن ظاهره؛ إذ لفظ المَتْن: «ثُمَّ البدعة إِمَّا بمكَفِّرٍ إلخ» ، وعلى ما فعله الشارح فيُقدَّر للبدعة خبرٌ.

قوله: «كأَنْ يَعْتَقِدَ ما يَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ» : هذا مبنيٌّ على أنَّ لازم المَذْهَبِ مَذْهَبٌ، وهو قولٌ مرجوح، وظاهر هذا أنَّ مَحِلَّ الخلاف في هذا الموضِع، وأنَّ من حصل منه ما هو كُفْرٌ ليس فيه هذا (أ/133) الخلاف، وأنَّه يُرَدُّ قَطْعًا.

وقوله: «فالمُعْتَمَد أنَّ الذي تُرَدُّ روايتُه

إلخ»:

يقتضي وجود الخلاف في هذا، ويفيد أنَّ من اعتقد ما يستَلْزِم الكُفْر لا يُقال فيه: إنَّ روايته تُردُّ -على المُعتَمد-، وما ذكره في المَتْن من عود ردِّه للجمهور واقتصاره عليه يفيد خِلاف هذا، وأنَّ المُعتَمَد رَدُّ حديث من اعتقد ما يَستلزِمُ الكُفْرَ. فإنْ قيل: قوله: «كأنْ يَعْتَقِد

إلخ» يقتضي أنَّ مَحِلَّ الخلاف ليس مقصورًا على هذا؛ لقوله: «كأنْ يَعْتَقِد

إلخ» حيث لم يَقُلْ: بأنْ يعتقد

إلخ؛ فيشمل من أتى بالكُفْر صريحًا، قُلْنا: هذا يقتضي أيضًا أنَّ المُعْتَمَدَ ردُّ رواية من اعتقد ما يستَلْزِم

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الكُفْر، وهو خلاف مفادِ قوله: «فالمُعْتَمَد أنَّ الذي

إلخ»، ويفيد الاختلاف في رواية من اتُّفِق على تكفيره.

واعلم أنَّ مقتضى ما ذكره الكمال بن أبي شريف في «حاشية جمع الجوامع»

(1)

: أنَّ المبتدِع إنْ أتى بما يستَلْزِم الكُفْر جرى الخلاف في قَبول روايته، وأمَّا من أتى بما هو صريح الكُفْر فإنَّ روايته لا تُقبَل قَطعًا بلا خلاف، ومقتضى كلام غيره كالعراقيِّ، والحافظ ابن حجر، وشيخ الإسلام في «شرح ألفيَّة العراقيِّ» و «حاشية جمع الجوامع»

(2)

:

أنَّ الخلاف جارٍ في هذا الثاني أيضًا، وفيه نظرٌ؛ فإنَّ قَبول رواية الأول إنَّما هو مبنيٌّ على عَدَم كُفْره، إذا تَمَهَّد هذا فقوله: «فالمعتمد

إلخ» يقتضي الخلاف فيمن أتى بما هو كُفْرٌ صريح، ومقتضى كلام الكمال خلافه، وأنَّه تُردُّ روايته من غير خِلاف، ولكنَّه موافقٌ ظاهر ما للعراقيِّ ومن تَبِعه، وبعد ذلك يَرِدُ عليه: أنَّه يقتضي أنَّ من أتى بما يستَلْزِم الكُفْرَ لا يكون المُعْتَمَد رد روايته، وهو خِلاف مقتضى كلامه في المَتْن وما شرحه به؛ فتأمله، قاله (ج)

(3)

.

قال (هـ)

(4)

: قوله: «إِمَّا أنْ تكون بِمُكَفِّرٍ

إلخ» أي: إما ذو أن تكون، والفِعل يَحْتمل التمام والنقصان، وقوله:«بِمُكَفِّرٍ» أي: بسبب اعتقاد أمرٍ مكفِّرٍ لغو أو مستقر.

وقوله: «كأنْ يَعْتَقد

إلخ»

قال (ق)

(5)

: «في التكفير باللازم كلام لأهل العِلْم» انتهى. والحقُّ في المسألة: أنَّ اللازم إن كان بيِّنًا والتزمه صاحب ذلك الاعتقاد كان كُفْرًا وإلَّا فلا، فكلُّ من

(1)

راجع: اليواقيت والدرر (2/ 149).

(2)

راجع: قضاء الوطر (2/ 1204).

(3)

حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 368 - 370).

(4)

قضاء الوطر (2/ 1200).

(5)

حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 99).

ص: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أنكر مُجمَعًا عليه معلومًا من الدين بالضَّرورة كفَر سواء كان فيه نصٌّ أو لا، ومعنى العِلْم بالضرورة: أنْ يكون ذلك المعلوم من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواصُّ والعوامُّ. وقال الكمال: ليس المراد بِمَنْ كَفَر ببدعته: من أتى بما هو صريح كُفْر كالعُرابية ونحوهم، بل من يأتي بالشهادتين مُعْتَقِد الإسلام غير (هـ/155) أنَّه ارتكب بدعة يلزمها أمرٌ هو كُفْر؛ فكَفَّره مَنْ يرى لازم المذهب مذهبًا كالمجسمة، فإنَّه يلْزم قولهم الجهل بالله، والجهل بالله كفرٌ، ويلْزَمه: أنَّ العابد لجسم غير عابد لله، وهو كُفْر، ومن لا يُكَفِّرهم يجيب عن الأول بأنَّ الجهل بالله -من بعض الوجوه- ليس بِكُفْر بعد الإقرار بوجوده ووجوبه ووحدانيَّتِه، وأنَّه الخلاق العليم الأزليِّ القديم، وبرسالة الرسل، وعن الثاني بِمَنْع كونه عابدًا لغير الله، بل هو معتقد في الله ما لا يجوز عليه مما جاء به الشرع على تأويلٍ ولم يُأَوِّله؛ فلا يكون كافرًا.

قال الغزاليُّ

(1)

: وعدم التكفير أقرب إلى السلامة، وجزم النوويُّ في «المجموع»

(2)

بالتكفير، واختاره ابن عرفة المالكيُّ في المُجَسِّم.

إذا عرَفت هذا؛ فمثال كلام المؤلِّف: المجسِّمة، ومعتقِدُو [عدم]

(3)

تَعلُّق علمه تعالى بالجزئيات أو بالمعدوم إنْ قلنا بتكفيرهم بذلك.

[قوله]

(4)

: «أو بِمُفَسِّقٍ» :

عطفٌ على «بمُكَفِّر» ، أي: ويكون بسبب اعتقاد أمر مفسِّق غير مكفِّر.

(1)

لم أقف عليه وأفاد محقق قضاء الوطر أن اسمه «فيصل التفرقة بين الإسلام والنزدقة» .

(2)

المجموع شرح المهذب (4/ 253).

(3)

زيادة من (ب).

(4)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 135

فَالأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَها الجُمْهورُ. وَقيلَ: يُقْبَلُ مُطلقًا. وَقيلَ: إِنْ كانَ لا يَعْتَقِدُ حِلَّ الكَذِبِ لنُصْرَةِ مقالَتِهِ قُبِلَ.

والتحقيق: أنَّه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكفَّرٍ ببدعَتِهِ؛ لأَنَّ كُلَّ طائفةٍ تدَّعي أَنَّ مُخَالِفيها مُبْتَدِعةٌ، وقَدْ تُبالِغُ فتُكفِّرُ مخالِفها، فلو أُخِذَ ذلك على الإِطلاقِ؛ لَاسْتَلْزَمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوائفِ، فالمُعْتَمَدُ أَنَّ الَّذي تُرَدُّ روايتُهُ: مَنْ أَنْكَرَ أَمرًا مُتَواتِرًا مِن الشَّرعِ، مَعْلومًا مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، وكَذَا مَن اعتقدَ عَكْسَهُ.

فأَمَّا مَنْ لم يَكُنْ بهذهِ الصِّفَةِ، وانْضَمَّ إِلى ذَلكَ ضَبْطُهُ لِما يَرويهِ مَعَ وَرَعِهِ وتَقْواهُ، فلا مَانِعَ مِن قَبولِهِ أصلًا.

وقوله: «فالأوَّل» : أي: فالنَّوع الأول من نوعي البدعة، وهو: ما كان بمكفِّر؛ «لا يَقْبَل صاحبَها الجمهورُ» يُعني مُطْلَقًا؛ لعِظَم بدعته وقبحها، وفيه تصريح بوجود الخلاف في قَبول رواية هذا القسم، وهو طريق الأصوليين، ولم يحك ابن الصَّلاح في رَدِّ روايته خلافًا

(1)

، ووافقه النوويُّ في «تقريبه»

(2)

، فإنْ كان قد قَصَد الردَّ عليه فتطابُق الطريقين غير لازم كما عَلِمْتَ مرارًا، وإنْ قصد بيان الواقع قَرُب.

وقوله: «وقيل: يُقْبَلُ مُطْلَقًا» : هذا قولٌ لم يَحْكِه ابن الصَّلاح

(3)

، وهو: قَبول خبر المبتدعة مُطْلَقًا وإن كانوا كفَّارًا أو فسَّاقًا بالتأويل مع اعتقاد حرمة الكذب، وهذا أضعف الأقوال، وقد عَلِمْتَ أنَّه مقيَّد بأنْ يكون لهم تأويل، فلا بُدَّ منه على هذا القول.

(1)

مقدمة ابن الصلاح (ص 228).

(2)

التقريب والتيسير للنووي (ص 51).

(3)

مقدمة ابن الصلاح (ص 114).

ص: 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقوله: «كُلُّ مُكَفَّرٍ بِبِدْعَةٍ» :

اسم مفعول، يعني أنَّ التحقيق (أ/134): أنَّه لا يُرَدُّ كلُّ من تكلَّم النَّاس في تكفيره ببدعة؛ «لأنَّ كل

إلخ» قاله (هـ)

(1)

.

[قوله]

(2)

: «وقَدْ تُبَالِغُ» :

أي: طائفة، وأشار بهذا إلى أنَّ التصريح بالتَّكْفِير الواقع من الطوائف على من ينطبق عليه الضابط الآتي إنَّما هو على سبيل المبالغة، أي: والتنفير والطردُّ عن اتباعهم في اعتقاداتهم الباطل إنْ لم يكن كُفْرًا، وقد يُراد بالكُفر تغطيةُ الحقِّ بالباطل، ومنه سُمِّي الحارث كافرًا؛ لسَتْره البَذْر بالحَرْث.

وقوله: «فلو أُخِذَ ذلك» :

أي: تكفير المبتدِع «على الإطلاق؛ لاستلْزَم تكفير جميع الطوائف» ، أي: فيَستَلْزِم ردَّ رواية جميع الطوائف، وهو يُنافي احتمال عدم التكفير الذي يقتضيه قوله:«قد تُبالِغ بتكفير مخالِفِيها» ؛ إذ يَحْتمل ألَّا تبالِغ فلا تُكَفِّر.

[قوله]

(3)

: «فالمُعْتَمَدُ

إلخ»:

أي: أنَّ المعتمد أنَّ البِدْعيَّ الذي تُردُّ روايته

إلخ. الذي ينبغي أنْ يُفهم عليه كلامُ الشارح أنَّه قصَد تحرير مَحِلِّ الخلاف، وأنَّ تلك الأقوال التي قالها الأصوليين إنَّما هي في مُبتدِعٍ رُمِي بالتكفير على وجه المبالغة أو نحوها، أمَّا المُبتدِع الذي بدعته أدَّته إلى إنكار «أمرٍ متواترٍ من الشرع، معلوم من الدين

(1)

قضاء الوطر (2/ 1206).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بالضرورة

إلخ» فرَدُّ روايته متَّفقٌ عليه [ليس]

(1)

من مَحِل الخلاف في شيء؛ لأنَّه كافر، وقد اتفقوا على ردِّ روايته وعدم قَبولِها، إلَّا أنْ يُسْلم ويصير عَدْلًا ثُمَّ يؤدي، وعليه حُمِل كلام النوويِّ وابن الصَّلاح وأضرابهما، وعلى هذا فقوله:«الذي تُرَدُّ روايته» معناه: الذي يُتَّفق على ردِّ روايته، لا الذي يترجَّح ردُّ روايته؛ لعرائه عن الفائدة كما يُعلم بأدنى إصغاء.

[قوله]

(2)

: «وكذا مَنِ اعْتَقَدَ عَكْسَهُ» :

وهو مَنْ أثبت بقوله الدالِّ على عَقْده أمرًا معلومًا انتفاؤه من (هـ/156) الدين بالضَّرورة منقولًا بالتواتُر، كمن أثبت صلاة زائدة على الصلوات الخمس، ونحو ذلك.

[قوله]

(3)

: «فأمَّا مَنْ لم يكن مُتَّصِفًا

إلخ»:

يعني: والفَرض أنَّه ممَّن رُمِي بالكُفر.

وقوله: «فلا مانِعَ

إلخ»:

يريدُ من غير خلاف، وعليه يحمل كلام صاحب «المحصول» ، ولا بُدَّ أنْ يَنْضَمَّ إلى ذلك أيضًا: ألَّا يكون داعِيَةً.

فقوله: «مَعْ وَرَعِه وَتَقْوَاه» :

يريد على زَعْمه فلا إشكال، هذا ما انقَدَح [لي]

(4)

في تمشية كلامه، ولم أقف لتلامذته ولا مُحَشِّيه على كلام فيه، وبالله أستعين، قاله (هـ)

(5)

.

(1)

زيادة من (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

زيادة من (ب).

(5)

قضاء الوطر (2/ 1208).

ص: 138

والثاني: وهو مَنْ لا تَقْتَضي بدعَتُهُ التَّكفيرَ أَصلًا، وَ قَد اختُلِفَ أَيضًا في قَبُولِهِ ورَدِّهِ:

فَقِيلَ: يُرَدُّ مُطلَقًا، وهُو بَعيدٌ.

وأَكثرُ مَا عُلِّلَ بهِ أَنَّ في الرِّوايةِ عنهُ تَرْويجًا لأمرِهِ، وتَنْويهًا بذِكْرِهِ.

وعَلَى هَذا، فيَنْبَغي أَلَّا يُرْوى عنْ مُبْتَدعٍ شيءٌ يُشارِكُهُ فيهِ غيرُ مُبتدعٍ.

وَقيلَ: يُقْبَلُ مُطْلقًا إِلَّا إِن اعْتَقَدَ حِلَّ الكَذِبِ، كما تقدَّمَ.

وَقيلَ: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ داعِيةً إِلى بِدعَتِهِ؛ لأنَّ تزيينَ بِدعَتِهِ قد يَحْمِلُهُ على تَحريفِ الرِّواياتِ وتَسويَتِها على ما يقتَضيهِ مذهَبُهُ، وهَذَا في الأصَحِّ.

وأَغْرَبَ ابنُ حِبَّانَ، فادَّعى الاتِّفاقَ على قَبُولِ غيرِ الدَّاعيةِ مِن غيرِ تفصيلٍ.

نَعَمْ، الأكثرُ على قَبُولِ غيرِ الدَّاعِيَةِ إِلَّا إنْ رَوَى ما يُقَوِّي بِدْعَتَهُ، فيُرَدُّ عَلَى المَذْهَبِ المُخْتارِ، وَبِهِ صرَّحَ الحافِظُ أَبو إِسحاقَ إِبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزَجانِيُّ شيخُ أَبي داودَ، والنَّسائِيُّ في كتابِهِ «معرفة الرِّجال» ، فَقَالَ في وَصْفِ الرُّواةِ:«وَمِنهُم زائغٌ عن الحَقِّ -أَيْ: عنِ السُّنَّةِ- صادقُ اللَّهجَةِ، فليسَ فيهِ حيلةٌ إِلَّا أَنْ يُؤخَذَ مِن حديثِه غير ما لا يكونُ مُنْكرًا إِذا لم يُقَوِّ بهِ بدْعَتَهُ» . اهـ.

[قوله]

(1)

: «والثَّاني» :

أي: النَّوع الثاني من نوعي البدعة، هي: بدعة من لا يقتضي بدعته التكفير أصلًا، لا حقيقةً ولا مَجازًا، وبهذا غايَر ما قبله.

قوله: «وهو بَعِيدٌ» :

قال ابن الصَّلاح

(2)

: إنَّه بعيد مُباعِدٌ للشائع عن أئمة الحديث؛ فإنَّ كتبهم

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

معرفة أنواع علوم الحديث (ص 115).

ص: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

طافِحَة بالرواية عن المبتدعة غير الدُّعاة.

[قوله]

(1)

: «وأكْثرُ ما عُلِّلَ به» :

لا يُحمل على غاية ما عُلِّل به كذا؛ لِمَا علمت من العلَّة المذكورة؛ إذ هي أقوى ممَّا ذَكَره فلا يَنْهَض حجَّة، فيُحْمل على كثرة الاستعمال فيما تداولوه بينهم، وهذا القول هو الذي نقله الآمِديُّ

(2)

عن الأكثرين، وجَزَم به ابن الحاجب

(3)

، ومعنى الإطلاق فيه: سواء كان داعية أو غير داعية، كما هو قاعدة وقوع الإطلاق في مقابلة تفصيل سابِقٍ أو لاحَقٍ، ثُمَّ إنَّ مُجَرَّد الرواية عنه لا يقتضي ترويجًا، وإنَّما يقتضي ذلك قَبولَ روايته؛ ففي الكلام حَذفٌ يقتضيه المقام، فإنَّ بقَبول روايته يُتَطرَّق لقَبول بدعته، خصوصًا مع اتصافه ظاهرًا -بزعمه- بصفات القَبول؛ من: عدالته وضبطه وعدم اتهامه؛ إذ لا يُقبل إلَّا روايةُ من هو كذلك، فتروج بدعته أنْ يَقبل وتجوز، من: راجت الدراهم؛ إذا تُعُومل بها وجازت بين النَّاس ولم تُرد.

وأمَّا التنويه: أي: الإعلام بذِكْره فهو موجود مع الرواية عنه مُطْلَقًا كما لا يخفى، ولقائل أنْ يقول: كيف ساغَ توثيق مبدَّع، وحدُّ الثقة: العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلًا من هو صاحب بدعة؟ وعندي أنَّ الجواب هو: أنَّ العدالة كافية ولو بالنظر لدعوى صاحبها حيث لم يُعرَف بذنبٍ يرفعها، والمتأوِّل هذا حاله.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

الإحكام (2/ 83).

(3)

رفع الحاجب (2/ 93).

ص: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[قوله]

(1)

: «وعلى هذا» :

اسم الإشارة راجعٌ للتعليل المذكور.

[قوله]

(2)

: «شارَكَه فيه» :

أي: في روايته غير مبتدِع؛ كي لا يكون ترويجًا لبدعة المبتدِع وتنويهًا بذكره من غير ضرورة؛ لاندفاعها بوجود رواية غيره، والضرورة تتقدر بقَدْرها، وفي هذا نظر: إذا كان مع المبتدِع علو أو زيادة ضبط ونحو ذلك (أ/135).

[قوله]

(3)

: «وقيل: يُقْبَلُ مَنْ لم يَكُنْ دَاعِيَةً» :

يدعو النَّاس إلى بدعته، و «الهاء» للمبالَغة كعلَّامة، بخلاف الدَّاعية فلا يُقبل؛ للتعليل الذي ذَكَره المؤلِّف، فهو تعليل لمفهوم عبارة المَتْن لا لمنطوقها، ومقتضاه: أنَّه لو روى ما ليس كذلك أنَّه يُقبَل حيث وُجدت شروط القَبول، وهي أنَّه لا يستحِلُّ الكذب، وألَّا يكون داعية إلى بدعته، وألَّا يروى ما يُقَوي بدعته، فإن استحل أو دعا إلى بدعته أو روى ما يُقَوي به؛ لم يقبل، انظر «جمع الجوامع»

(4)

.

وقال (هـ)

(5)

: ومفهوم قوله: «مَنْ لم يَكُن

إلخ» أنَّ الدَّاعية الذي يدعو الناس إلى بدعته لا يُقبل؛ لأنَّ تزيين بدعته

إلخ؛ فالتعليل في الشرح راجع للمفهوم لا للمنطوق.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

شرح المحلي على جمع الجوامع (4/ 245).

(5)

قضاء الوطر (2/ 1212).

ص: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تنبيه:

مثل الدَّاعية عند أهل المُفَصِّل في الردِّ: من لم يَعْتَقِد حرمة الكذب سواءٌ كُفِّر ببدعته أم لا، [و]

(1)

من كان يُحَرِّمه ولكنَّه كُفِّر ببدعته كالمجسِّم عند الأكثر كما قدَّمه الشارح، ولا يذهب عليك: أنَّ (هـ/157) تاء داعية للمبالغة، كتاء علَّامة ونسَّابة، فمقتضاه أنَّه لا يردُّ إلَّا من بالغ في الدعوة لبدعته، والذي ينبغي: ردُّ الداعي مُطْلَقًا، بالغ أو لم يبالغ، فلو قال: من لم يكن دَاعيًا؛ أجاد، لكنه تَبِع القوم فيما ظاهره غير مراد لهم.

قوله: «وتَسْوِيَتِها

(2)

إلخ»:

الظاهر أنَّه عطفٌ تفْسيريٌّ على قوله: «تحريف» ، وأنَّه لا يُنافي قول المَحَليِّ؛ لأنَّه لا يؤمَن فيه أنْ يضع الحديث على وَفقها؛ لأنَّه إذا سوَّاها على ما يقتضيه مذهبه فقد كذَبَها؛ فتكون موضوعة.

[قوله]

(3)

: «وهذا في الأَصَحِّ» :

اسم الإشارة راجع للتفصيل، و «الأصحِّ» للقول، أي: وهذا التفصيل في قول الأصحِّ، ويصح في اسم الإشارة أن يكون عائدًا على الحُكْم المفصَّل فيه، وهذا القول ذهب إليه الإمام أحمد كما قاله الخطيب

(4)

، وهو مذهب الأكثر، وهو أعدَلها.

(1)

زيادة من (ب).

(2)

في (هـ): [ويسويها].

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

الكفاية (1/ 367).

ص: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[قوله]

(1)

: «وأَغْرَبَ ابنُ حِبَّانَ

إلخ»: وليس كما زَعم، بل الخلاف مُحقَّق

(2)

.

تنبيه

(3)

:

قال الشارح: ابن حِبَّان أَغْرَب في دعوى الاتفاق المذكور، ولم يقل إنَّه أغْرَب في دعوى عَكسِه، وهو أنَّ الدَّاعية مردود الرواية اتفاقًا، حيث قال:«الدَّاعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عن أئمتنا قاطبةً، لا أعْلَم بينهم فيه خِلافًا»

(4)

انتهى.

لأنَّه لم يَنفرد بهذا فقد، حَكى بعض أصحاب الشافعيَّ: أنَّه لا خلاف بين أصحابه أنَّه لا يُقْبَل الدَّاعية، وأنَّ الخلاف بينهم فيمن لم يَدْعُ إلى بدعته.

تتمة

(5)

:

في الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غير الدَّاعية احتجاجًا واستشهادًا، كعِمرانَ بنِ حِطَّانَ، وداودَ بنِ الحُصَين، وخالد بن مَخْلَدٍ القَطَوَانيِّ، وعبيد الله بن موسى العَنْسيِّ، وعبد الرزاق بن همَّام، وآخرين

(6)

.

[قوله]

(7)

: «نَعَمْ؛ الأكثر

إلخ»:

هذا منطوق قول من لم يكن داعية، أعاده؛ ليربِط به الاستثناء، ولم يظهر لي وجهُ تقديم المفهوم بتعليله حتى احتاج لإعادة المنطوق.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

في (ب) زيادة [اليه].

(3)

راجع: قضاء الوطر (2/ 1216).

(4)

نقله في: فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (2/ 69).

(5)

راجع: قضاء الوطر (2/ 1217).

(6)

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (2/ 69).

(7)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[قوله]

(1)

: «إلَّا أنْ يَرْوِيَ ما يُقَوِّي

إلخ»:

فإن قُلْتَ: اشتراط هذا يغني عن اشتراط ألَّا يكون داعية، قُلْتُ: ممنوع؛ لأنَّه قد لا يروي ما يقوي مذهبه، لكنه يحرف الروايات التي تَرُدُّ مذهبه أو تعارضه، أو ليُفسد على مخالفيه عبادتهم وأحكامهم، فصَدَق الأول بما لم يصدُق به الثاني.

[قوله]

(2)

: «الجُوْزَجَانِيُّ» :

بضم الجيم الأولى وسكون الواو وفتح الزاي والجيم الأخيرة، نسبة إلى جوزجان من كور خراسان.

[قوله]

(3)

: «زائِغٌ» :

أي

(4)

: في اعتقاده، ولَمَّا أوهَم قوله:«عن الحقِّ» أنَّه خرج عن الإسلام فسَّره بما يرفع ذلك التوهُّم فقال: «أي: عن السُّنَّة» بمعنى الطريقة التي عليها الجماعة.

[قوله]

(5)

: «صادِق اللَّهْجَة» :

أي: الكلام أو النطق به.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

زيادة من هامش (أ).

(5)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 144

وما قالَه مُتَّجِهٌ؛ لأنَّ العلَّةَ التي لَهَا رُدَّ حديثُ الدَّاعيةِ- وَارِدةٌ فيما إِذا كَانَ ظاهِرُ المرويِّ يُوافِقُ مَذْهَبَ المُبْتَدِعِ، ولَوْ لم يَكُنْ داعيةً، واللهُ أَعْلَمُ.

ثمَّ سُوءُ الحِفْظِ، وهو السَّببُ العاشِرُ مِن أَسبابِ الطَّعْنِ، والمُرادُ بهِ: مَنْ لم يُرَجَّحْ جَانِبُ إِصابتِهِ على جانِبِ خَطَئِهِ، وهُوَ على قسمينِ:

إِنْ كانَ لَازِمًا للرَّاوي في جَميعِ حالاتِهِ، فهُو الشَّاذُّ على رَأْيِ بعضِ أَهلِ الحَديثِ.

[قوله]

(1)

«وما قاله» :

أي: الجُوْزَجانِيُّ من قَبول حديث المبتدع غَيْر الدَّاعية إلَّا إذا روى ما يقوي مذهبه.

وقوله «مَتَّجِهٌ» :

أي: له وجهٌ من النظر، هو ما علَّله به، ومن تعليله نشأ سؤال: أغنى اشتراط ألَّا يكون داعية عن اشتراط ألا يروي ما يقوي مذهبَه أو بالعكس، وتقدَّم جوابه.

[قوله]

(2)

: «ثُمَّ سُوءُ الحِفْظِ وهو السَّببُ العاشِرُ مِن أَسبابِ الطَّعنِ

(3)

»:

قال بعضهم: كان ينبغي أن يقال: «وهو القِسم العاشر من أقسام الطَّعن

إلخ» انتهى، أقول: قد جَعَل الردَّ إما لسَقْط أو لطَعْن، ثُمَّ عدَّد سبب الطَّعْن وجَعَله عشرة، فما سلكه هنا هو المناسب، وإنَّما يأتي ما ذَكَره المعترِض لو كان التقسيم الواقع في عبارته للطَّعْن، إذ كلُّ واحدٍ منها (أ/136) حينئذٍ قِسمٌ من أقسام الطَّعن؛ فكان الأَولى التعبير في كلِّ واحد بالقِسم الفلاني، وإنْ (هـ/158) سُلِّم هذا فتخصيص الاعتراض بهذا غير مُتَّجِه، قاله (ج)

(4)

.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

في هامش (أ): السبب العاشر من أسباب الطعن.

(4)

حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 375).

ص: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[وقوله]

(1)

: «والمراد به

إلخ»:

قال المؤلِّف: هذا صادقٌ بما إذا ترجَّح جانب خطئه، أو تساوى [جانب]

(2)

خطئه مع جانب إصابته، وفيه نظرٌ؛ إذ يكون حينئذٍ من ترجَّح جانب خطئه من المُنْكَر؛ لأنَّه جَعل من أقسام المنكر: رواية من فَحُش غلطه كما مَرَّ، ومن الشَّاذ أو المُخْتَلَط كما ذكره هنا، مع أنَّ مقتضى تقسيمه: أنَّ الأقسام متباينة، وفي كلام (ق)

(3)

نظر؛ حيث سَلَّم ما ذكره المؤلِّف، انظر حاشية (ج)

(4)

.

وقال (هـ)

(5)

قوله: «والمراد به من لم يترجح جانب إصابته على جانب خطئه» صادقٌ بمن تساوى خطؤه وإصابته، وبمن رُجِّح جانب خطئه على جانب إصابته، وهو خلاف ما قدَّمه في التقسيم السابق من أنَّه: الذي يَغلب صوابُه على خطئه.

وقال (ق)

(6)

أيضًا: «وهذا ينافي ما مَرَّ من قوله: «أو سوء حِفظه» وهو عبارة عمن يكون غلطُه أقلَّ مِن إصابته، وقد أصلحه بلفظ نحو: من إصابته، وقال المؤلِّف: وفُهم ممن لم يرجح، إمَّا أن يرجح جانب خطأه أو استويا. قُلْتُ: وهذا يؤيد أنَّ قوله فيما تقدم في حدِّ سوء الحفظ: «وهي عبارة عمَّن يكون خطؤه

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من (ب).

(3)

حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 102).

(4)

حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 376).

(5)

قضاء الوطر (2/ 1223).

(6)

حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 101 - 102).

ص: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كإصابته» من النُّسخ الصحيحة، بخلاف نسخة:«أقلّ من إصابته» ؛ فإنَّها مخالفة لما هنا، وليست صحيحة من جهة المعنى؛ لأنَّ الإنسان ليس بمعصوم من الخطأ؛ فلا يقال لمن وقع له الخطأ مرة أو مرتين: إنَّه سيِّئ الحفظ، وإن كان يصدق عليه أنَّ خطأه أقلُّ من إصابته؛ إلَّا أنَّه لا يصدُق أنَّه لم ترجُح إصابته» انتهى، ونحوه للمُحَشِّي الآخر في المبحث السابق، هو الجاري على قول العراقيِّ وغيره:«إنَّ طريق معرفة ضبط الراوي: أن يُعْتَبر حديثه بحديث الثقات الضابطين، فإنْ وافقهم في روايتهم في اللفظ أو في المعنى ولو في الغالب عَرَفنا حينئذٍ كونه ضابطًا، وإنْ كان الغالب على حديثه المخالفة لهم وإنْ وافقهم نادرًا عرَفنا حينئذ خطأه وعَدَم ضبطه ولم نَحتَجَّ به» انتهى.

ولا يخفاك أنَّ التعويل إنما هو على مفهوم القِسم الأول من كلامه؛ فمتى تساوى صوابه وخطؤه كان من القسم الثاني، وإذا كان هذا ضابطًا لمن جهلنا حاله كان ضابطًا في من عَلِمْنا حاله من باب أَولى، وقد مَرَّ أنَّه لا يظهر مغايرة سوء الحفظ لفُحش الغلط على هذا [الاعتبار]

(1)

، فمن حَفِظ ثلاثة آلاف حديث مثلًا فأخطأ في خمسين منها صَدُق عليه أنَّه فَحُش غَلَطُه وكثُر، ولم يَصْدُق عليه أنَّه ساء حفظه، فإنْ أخطأ في ألفين منها أو في ألف وخمسين يصدق عليه أنَّه ساء حفظه وفحُش، أي: كثر غَلَطه، وبالجُملة هذه التفرقة ما وَقَفْتُ عليها لغير المؤلِّف؛ فمَن وجدها فليضم لها بيانها ابتغاء لوجه الله.

(1)

جاء في (أ) زيادة [العموم والخصوص]، ولم يظهر لي وجهها.

ص: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[قوله]

(1)

: «وهو على قِسْمَينِ» : أي: مُشتَمِل عليها اشتمال الكليِّ على جزئياته بمعنى تحقُّقه في ضمنها.

[قوله]

(2)

: «في جَمِيع حَالَاتِه» : ظاهره: صغرًا وكِبرًا، صحةً ومرضًا، ومع وجود الكتب وعدمها، وفيها حالتي: العمى والبصر، والأظهر أنَّ المراد بجميع الحالات: ما كان لسبب طارئٍ أو لغير سببٍ، بأنْ كان أصليًّا، وإلَّا ربَّما تعذَّر وجود الشاذِّ فتدبَّره، على أن المقابلة بين اللازم، أي: الأصليِّ الغير طارئٍ وبين الطارئ خيرٌ من هذا التعميم.

[قوله]

(3)

: «فهو الشَّاذُّ على رأي بَعْضِ أهلِ الحَديثِ» : وتقدَّم أنَّ الشَّاذَّ هو: الذي يُخالف الراوي فيه مَن هو أولى منه بالإتقان أو الحفظ، ثُمَّ إن في كلامه نظرًا من جهة أنَّ فيه إخراجَ المَتْن عن ظاهره؛ (هـ/159) لأنَّ المَتْن:«على رأيٍ» بالتنوين، وقدَّر المضاف إليه وهو يَمْنَع تنوينه؛ فلذا قال الكمال

(4)

: «كان اللائق أنْ يُقال: هو رأيٌ لبعض أهل الحديث» انتهى، وأخصرُ منه أنْ يقول عَقِبَ قوله:«على رأي لبعض أهل الحديث» .

وقال (هـ)

(5)

: قوله: «فهو الشَّاذُّ على رأي» أي: فمرويُّ مَن هذه صفتُه هو المُسمَّى بالشَّاذِّ على رأي بعض أهل الحديث، وعلى رأي الجمهور هو من مُطْلَق الضعيف، والإضافة العارضة من مَزْج الشرح بالمَتْن منعت تنوين «رأي» الذي كان ثابت له قبلها في المَتْن وهو جائز؛ (أ/137) فالاعتراض عليه فاسدٌ، وقد مَرَّ الكلام في المسألة مِرارًا.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

ينظر: حاشية ابن أبي شريف (ص 146).

(5)

قضاء الوطر (2/ 1225).

ص: 148

* أَوْ كَانَ سوءُ الحفظِ طَارِئًا على الرَّاوي؛ إِمَّا لكِبَرِهِ، أَو لذَهابِ بصرِهِ، أَوْ لاحتِراقِ كُتُبِهِ، أَو عَدَمِها بأَنْ كَانَ يعْتَمِدُها، فرَجَعَ إِلى حفظِهِ، فساءَ، فَهَذَا هو المُخْتَلِطُ.

[قوله]

(1)

: «أَوْ كانَ سُوءُ الحِفْظِ» :

يُحْتمل أنَّه قدَّر هذا البيان المعني دون الإعراب، ويُحْتمل أنَّه للإعراب، وأنَّ «طارئ» [ليس]

(2)

معطوفًا على «لازمًا» بل معمول المقدَّر المذكور، وتكون المسألة من عطف الجُمَل، والظاهر الأوَّل

(3)

.

قوله: «إِمَّا

(4)

لِكِبَرِهِ»:

كعطاء بن السائب، وقال ابن حِبَّان

(5)

: اخْتَلَط آخرَ عُمُرِه ولم يَفْحُش خطؤه.

قال ابن معين

(6)

: وممَّن سمِع منه قبل اختلاطه: شُعبة وسفيان الثوري، وممَّن سَمِع منه بعد الاختلاط: جَرير بن عبد الحميد وخالد بن عبد الله الواسطي في آخرين.

وكأبي مسعود سَعيد بن إياس الجُرَيريُّ، وممَّن سَمِع منه قبل التغَيُّر: شعبة وسفيان الثوري والحمادان في آخرين، وممَّن سَمِع منه بعد التغَيُّر: محمد بن أبي عَدِي وإسحاق الأزرق ويحيى بن سعيد القطان -ولم يحدِّث عنه بشيء لذلك- في آخرين.

وكسعيد ابن أبي عَرُوبةَ مِهران، فممَّن سمِع منه قبل اختلاطه: عبد الله بن المبارك ويزيد بن زُرَيع في آخرين، وممَّن سَمِع منه في حال اختلاطه: أبو نُعَيم

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من (ب).

(3)

قضاء الوطر (3/ 1227).

(4)

في (ب) و (هـ): [إلا].

(5)

الثقات (7/ 251).

(6)

تاريخ ابن معين (2/ 403)، رواية الدوري.

ص: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفَضْل بن دُكَين والمعافَى بن عِمران المَوصليُّ، وعَبدة بن سليمان

(1)

.

[قوله]

(2)

: «أوْ لِذَهَابِ بَصَرِهِ» :

كعبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعانيِّ، قال أحمدُ

(3)

: أتيناه قبل المائتين وهو صحيح البصر، وممَّن سَمِع منه بَعدَما ذَهَب بصرُه فهو ضعيف السَّمَاع. وقال أيضًا: كان يُلَقَّن بَعدَما عَمِي. فممَّن سَمِع منه قبل اختلاطه: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهَوَيْهِ ويحيى بن مَعِين وعليُّ بن المَدينيُّ ووكيع في آخرين، وممَّن سَمِع منه بعد الاختلاط: أحمد بن محمد بن شبّوية ومحمد بن حماد الطهرانى وإسحاق بن إبراهيم الدبري في آخرين.

وقوله: «أوْ لاحْتِراقِ كُتُبِهِ» :

كما وَقَع لبعضهم

(4)

أنَّه كان يَعْتمد على كُتُبه في تحديثه فاحترقت باحتراق مَحِلِّها، فحدَّث مِنْ حِفْظِه؛ فأخطأ وخانَه حِفْظُه.

ص: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[قوله]

(1)

: «أوْ عَدَمِهَا» :

أي: بغير الاحتراق؛ لئلَّا يَلْزم عطفُ الخاصِّ على العامِّ بـ «أو» وهو ممتَنِعٌ.

[قوله]

(2)

: «بأنْ كان يَعْتَمِدُها

إلخ»:

«الباء» بمعنى مع، و «أنْ» والفعل في تأويل المصدر؛ مع كونه يعْتَمِدها، والضمير يُحْتمل رجوعه لكُتُب، ويُحْتمل عوده للبصر وللكتُبُ التي تَلِفَت بالاحتراق وللتي تَلِفَت بغيره.

[قوله]

(3)

: «فهذا هو المُخْتَلِطُ» :

أي: فالطارئ عليه سوءُ الحِفْظ بسبب من تلك الأسباب هو المراد عندهم بالمُختلِط، والاختلاط: فساد العقل بحيث لا ينتظم الأقوال مع الأفعال، والمراد هنا: مُطْلَق الاختلاط المُنَافي للضَّبط.

تنبيه

(4)

:

قال فيما قبلَه: «فهو الشَّاذُّ على رأي» ، وقال في هذه:«فهذا هو المُختلِط» فعبَّر في هذا بما هو وَصْف الراوي، وعبر في الأول باسم المرويِّ؛ لأن الأول مما لِمَرْوِيِّه لقبٌ عند بعض العلماء، وليس الثاني كذلك.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

قضاء الوطر (3/ 1229).

ص: 151

والحُكْمُ فِيهِ: أَنَّ ما حَدَّثَ بهِ قَبْلَ الاختلاطِ إِذا تَميَّزَ قُبِلَ، وإِذا لم يَتَمَيَّزْ تُوُقِّفَ فِيهِ، وكَذَا مَن اشتَبَهَ الأمرُ فيهِ، وإِنَّما يُعْرَفُ ذَلكَ باعْتِبَارِ الآخِذينَ عنهُ.

[قوله]

(1)

: «والحُكْمُ فيهِ» :

أي: في الحديث الذي رواه المُختلِط (هـ/160). واعلم أنَّ عبارة العراقيِّ

(2)

أدلُّ على المراد من هذه العبارة مع زيادة البيان، ولفظه:«ثُمَّ الحُكْم فيمن اختَلَط: أنَّه لا يُقْبل من حديثه ما حدَّث به في حال الاختلاط، وكذا ما أبهِم أمره وأَشكِل فلم يُدْرَ حدَّث به قبله أو بعده، وما حدَّث به قبل الاختلاط قُبِل، وإنَّما يتبين ذلك باعتبار الرواية عنهم، فمنهم مَنْ سَمِع منهم قَبل الاختلاط، ومنهم من سَمِع بعده فقط، ومنهم من سَمِع في الحالين ولم يتميَّز» .

إذا عرَفت هذا؛ فمفهوم قوله: «قَبل الاختلاط» أنْ يُرَدَّ ما حَدَّث به بعد اتصافه به، وقوله:«إذا تميَّز» شرطٌ في قَبول ما حدَّث به قبل الاختلاط؛ فالمراد بـ «عُرِف» تميُّزه عما حدَّث به بعد اتصافه بالاختلاط، لا تميُّزه في نفسه؛ لوجوب ذلك للاعتراض بالذات.

وقوله: «وإِذا لم يَتَمَيَّزْ» :

تصريحٌ بمفهوم الشرط، وهذه هي الأحوال الثلاثة التي صرحَّ بها العراقيُّ.

وأمَّا قوله: «وكذا مَنِ اشتَبَهَ الأمرُ فيهِ» فالأظهر أنَّ معناه: أنَّ الشيخ الذي اختلف العلماء في اختلاطِه وعَدَمه، ولم يترجح لهم فيه مَقَال كمن ثَبَت اختلاطه، سواءٌ في تفصيل السَّماع منه إلى (أ/138) الأقسام الثلاثة كحُصين بن عبد الرحمن السُّلميِّ الكوفيِّ، أحد الثقات الأثبات، احتج به الشيخان، ووثَّقه:

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

شرح التبصرة (1/ 446).

ص: 152

أحمد وأبو زُرْعةَ والعِجليُّ وغيرهم، وذهب جماعة إلى أنَّه اختلَط، وقال أبو حاتم

(1)

: ثقة ساء حفظه في الآخر، قال يزيد بن هارون: إنَّه اختلَط، [وقال]

(2)

على بن عاصم: إنَّه لم يختلط.

ويَدْخُل: من اشتَبَه ابتداء اختلاطِه واخْتَلَف النَّاس فيه، كسعيد بن أبي عَروبةَ؛ قد اخْتُلف في ابتداء اختلاطه، وقال دحيم: اختلَط مَخْرَجَ إبراهيم، سنة: خمس وأربعين ومئة

(3)

، وقال ابن معين:[اختلَط]

(4)

بعد هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن، سنة: ثنتين وأربعين ومئة. والمعروف عند أهل التاريخ الأوَّل: أنَّه قُتل فيها يوم الاثنين بخمس ليالٍ بقين من ذي القَعدة، احتُزَّ رأسه. فيدخل فيه أيضًا من اختلَط ثُمَّ راجعه عقله ثُمَّ اختلَط ولم يتميَّز أحواله كعارِم، فقد قال أبو داود: بلغني أنَّ عارمًا أنْكَر عَقْلَه سنة: ثلاثةَ عَشْرةَ، ثُمَّ راجعه، واستحكَم به الاختلاط سنة: ستَّ عَشْرةَ. وقال ابن حِبَّان: اختلَط في آخر عمره وتغيَّر، حتى كان لا يدري ما يحدِّث به، حتى وَقَع في أحاديثه المناكير الكثيرة

(5)

.

وقال (ق)

(6)

: «قوله: «وكذا مَنْ اشتبه أمره فيه» إيهامٌ بأنَّ ظاهر السِّياق أنَّ حديثه كحديث المُختلِط، ولفظةُ «مَنْ» لمَن يَعِقل؛ فلا تصلُح للحديث، وإن استعملها فيمن يَعْقِل يكون قد انتقل من الحديث إلى الراوي وليس بظاهر» انتهى.

ولا يخفاك أنَّ الثاني هو المراد، ولا يلزم اختلاف السياق بأنَّ المعنى: وكذا

(1)

الجرح والتعديل (3/ 193).

(2)

زيادة من (ب).

(3)

الاغتباط بمن رمي من الرواة بالاختلاط (ص 139).

(4)

زيادة من (ب).

(5)

المجروحين لابن حبان (2/ 294)، وينظر: تدريب الراوي (2/ 906).

(6)

حاشية ابن قطلوبغا (ص 103).

ص: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الحديث من اشتبَه الأمر فيه بدلالة السِّياق والسِّباق.

وفي كتابةٍ أخرى: قوله: «وإذا لم يَتميَّز» وذلك إذا اشتبه أمره فلم يُدْرَ: هل حدَّث به قبل الاختلاط أم بعده؟

وفي قوله: «[وكذا]

(1)

من اشتبه الأمر فيه» تَكْرارٌ وتشبيهٌ للشيء بنفسه، وصواب العبارة: والحُكم فيه أنَّ ما حدَّث به قبل الاختلاط يُقْبَل منه، وما حدَّث به بعد الاختلاط لا يُقْبَل، وكذا ما أَشْكل أمره ولم يُدْرَ هل حَدَّث به قَبْلُ أو بعدُ؟ وإنَّما يتميَّز ذلك باعتبار الرواة عنه؛ إذ منهم من سَمِع منه قَبْلَ الاختلاط، ومنهم من سَمِع منه بعده، ومنهم من سَمِع منه في الحالين مع تميُّز وبدونه، وهذا إذا كانت الرواية من حِفْظه، فإنْ كانت كتابة قُبِلَت.

وفي كتابةٍ: مراده أنَّ من استُبْهِم الأمر فيه فلا يُدري أهو مختلِط أم لا، أي: حَصَل الشكُّ في اختلاطه وعَدَمه؛ فإنَّه يُتَوَقَّف في حديثه، وهذا غير ما قبله؛ إذ ما قبله تحقَّق [حصول]

(2)

سوء الحِفظ فيه، وشُكَّ فيما رواه هل قَبل ذلك أم بعده؟ وهنا شُكَّ في حصول سوء الحفظ له وعدمه؛ ولذا عَبَّر هنا بـ «مَنْ» ، ولو عبر بـ «ما» لكان اشتبه الأمر فيه؛ إذ مدلوله هو مدلول قوله قبلَه:«وإذا (هـ/161) لم يتمَّيز توقِّف فيه» ؛ فيكون مَحْضَ تَكرار من غير فائدة، وكلام (ق) هنا مُعترَض، انظر حاشية (ج)

(3)

.

(1)

زيادة من (ب).

(2)

زيادة من (ب).

(3)

حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 378).

ص: 154

ومَتى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ -أَيْ: كَأَنْ يكونَ فَوْقَهُ أَو مِثْلَه لا دُونَه، وَكَذا المُخْتَلِطُ الَّذي لم يتَمَيَّزْ، وَكذا المَسْتُورُ، وَالإِسنادُ المُرْسَلُ، وَكَذا المُدَلَّسُ إِذَا لم يُعْرَفِ المَحْذوفُ منهُ- صَارَ حَديثُهُم حَسنًا؛ لا لذاتِهِ، بل وَصْفُهُ بذَلكَ باعتبارِ المَجْموعِ مِن المُتَابِعِ والمُتَابَعِ؛ لأنَّ معَ كُلِّ واحدٍ منهُم احْتِمالَ كونِ روايتِهِ معه صَوابًا، أَو غيرَ صوابٍ على حدٍّ سواءٍ.

[قوله]

(1)

: «ومتى تُوِبع سَيِّئُ الحِفْظِ بمُعْتَبَرٍ

إلخ»: فيه بحثٌ؛ إذ قد تقدَّم في تعريف الصحيح لا لذاته ما نقله ابن أبي شريف في التمثيل له عن ابن الصَّلاح من أنَّ محمد بن عمر بن علقمة مشهورٌ بالصِّدق متصِفٌ بسوء الحفظ؛ لكن بروايته من وجه آخر التحَق بدرجة الصحيح. وقد يجاب بأنَّ المراد بسوء الحفظ في بيان الصحيح لا لذاته: ما لم يبْلُغ بصاحبه درجة من لم يُقْبَل تفرُّده، وفي هذا المقام ما بَلَغ تلك الدرجة [وذلك]

(2)

لأنَّه له مراتب متفاوتة، فمن كان في أولها -أعنى: مرتبة التساوي- فحديثه حَسَنٌ؛ فيرتَقِي بالعاضد إلى درجة الصِّحة، ومن كان في المراتب الأخر حديثه متوقَّف فيه يبلغ بالعاضد درجة الحَسَن.

وفي كتابةٍ: مرادُه بالمُعتَبر [مَن]

(3)

لا تُرَدُّ روايته بوجه من وجوه الرَّد؛ وحينئذ

(4)

فحديثه إمَّا حَسَنٌ لذاته أو صحيح؛ فلا يصلُح قوله: «صار حديثه حَسَن لا لذاته» .

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

في (هـ): [فذلك].

(3)

زيادة من (ب).

(4)

في (هـ): [فحينئذ].

ص: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقوله: «بأنْ يكون فوقَه

إلخ».

قال (ق)

(1)

: «المراد بقوله: «فوقه أو مِثله» أي: في الدرجة من السَّنَد لا في الصِّفة» انتهى. وإنَّما كان المراد بذلك بأنَّ الغرض أنَّ المتابِع -بالكسر- معتبَر، والمتابَع -بالفتح- سيئ الحفظ؛ فلا يكون بينهما مماثَلة، وأيضًا يصِير قوله:«لا دُونَه» لا معنى له؛ إذ سيئ الحفظ لا يُقال فيمن دونه مُعتبَر، بل لا يُتَصَور الاتصاف بصفة دونه من صفات الطَّعن، وفيه شيء، انظر حاشية (ج)

(2)

.

وقال (هـ)

(3)

: ««ومتى تُوِبع

إلخ» قال (ق)

(4)

: قال المؤلِّف: إذا تابع سيئَ الحفظ شخصٌ فوقه انتقل بسبب ذلك إلى درجة ذلك الشَّخص، وينتَقِل ذلك الشَّخص إلى (أ/139) أعلى من درجة نفسه التي كان فيها حتى يترجح على مساويه من غير متابعة من دونه. قُلْتُ: المراد بقوله: «فوقه أو مِثله» أي: في الدرجة من السَّنَد لا في الصِّفة» انتهى.

وما قاله المؤلِّف تنبيهٌ حَسَنٌ خفي المَدْرك لكن بعيدٌ من لَقَطَه، وأمَّا قوله: «قُلْت

إلخ» فغير بَيِّن؛ إذ لا عبرة بالرُّتبة السَّنَديَّة، وإنَّما المدار على الرُّتبة الوصفيَّة المفسِّرة عندهم للاعتبار والمتابعات؛ فصواب العبارة: أي: في الصفة لا في الدرجة من السَّنَد، فإن أردت الحق فاعلمْ أنَّ قوله:«كأنْ يكون فوقَه أو مِثله» تمثيل للمُعتبَر، وليس معناه إلَّا مَنْ يصلُح حديثه للاعتبار به، وهو من قَدَح الأئمة فيه بقولهم:

(1)

حاشية ابن قطلوبغا (ص 103).

(2)

حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 378) وما بعدها.

(3)

قضاء الوطر (3/ 1227).

(4)

حاشية ابن قطلوبغا (ص 103).

ص: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ضعيف، أو بمُنْكَر الحديث، أو بمضطرِبه، أو بِواهٍ، أو بـ: ضعَّفُوه، أو بلا يُحْتَجُّ به، وأخَفُّ من هذه المرتبة مَنْ قدحوا فيه بـ: فيه مقالٌ، أو مضعَّف، أو بـ: فيه ضَعْف، أو بليس بذاك، أو بليس بالمَتين، أو بـ: فيه خُلْف، أو بـ: طعنوا فيه، أو بسيئ الحفظ، أو بـ: تكلَّموا فيه.

وهذه -كلُّها- إنَّما هي دالَّةٌ على الأوصاف لا على الدرجات السَّندية كما لا يخفى، وإنْ كان صاحب البيت أدرى بالذي فيه ولكنْ رُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع، فالمتبادَر «ممن يكون فوقه» أنْ يكون من أهل المرتبة الثانية هنا، و «ممن يكون دونه» أنْ يكون ممن قدَحوا فيه بـ: كذابٍ، أو وضَّاع، أو مُتَّهَمٌ بالكذب، أو بساقط، أو بهالك، أو بليس بالثقة، أو برد حديثه، أو بضعيف جدًّا، أو بـ: لا يساوي شيء؛ لأن أهل هذه الألفاظ وما في معناها لا يعتبَر بحديثه ولا يتابِع به؛ فقوله: «لا دونه» يعني أنَّه إذا توبِع ممَّن دُونه في المرتبة حفظًا وإتقانًا لا يَنْتَقل بذلك حديثه عن مرتبة الضعف إلى مرتبة الحُسْن.

وملخصه

(1)

:

أنَّ الضعف المجبَر هو الذي يكون خفيفًا؛ فلا ينجَبِر به الكذب وما جرى مجراه (هـ/162) مما أشرنا إليه في المرتبة الأخيرة وإنْ كثُرَت طرقه وتفرَّد عاضده، وذلك كما في طرق حديث:«مَن حَفِظَ على أُمَّتي أربعين حديثًا مِن أمر دينه بعثه الله يوم القيامة في زمرة العلماء والفقهاء»

(2)

، فقد اتَّفق الحفَّاظ على ضَعفه مع كثرة طرُقه؛ لقوة ضَعفه وقصورها عن جبره.

(1)

قضاء الوطر (3/ 1239).

(2)

البيهقي في شعب الإيمان (1597)، وابن عبد البر في الجامع (205)، وابن عساكر في معجمه (2/ 958)(1222).

ص: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[قوله]

(1)

: «وكذا المُخْتَلِطُ» :

إذا توبِع بمعتَبَرٍ صار حسنًا لغيره؛ لانتفاء العلَّة التي لأجلها رُدَّ حديثه؛ بسبب المتابعة من المعتبَر، وكذا إذا توبِع «المستور» أي: المجهول، وهو: من لم تُعرَف عدالته الباطنة -على ما مَرَّ تفسيره- بمعتَبَرٍ؛ صار حديثه حَسَنًا؛ لانتفاء العلَّة التي لأجلها يُرَدُّ، وإليه أشار بقوله:«والمستور» .

[قوله]

(2)

: «والإسناد المُرْسَلِ» :

الإسناد هنا بمعنى السَّنَد وهو الرجال أنفسهم، وإنَّما ترك أداة التشبيه معه كالذي قبله؛ لقربه مما هي داخلة عليه، ولذا أعادها مع ما بعده؛ لبُعده من مدخولها، ولعلَّه إنَّما قدَّر الإسناد مع المرسَل ويعتَبَر مثله مع «المدلَّس» لأجْل المتابعة؛ فإنَّها راجعة في الحقيقة إلى الإسناد؛ لأنَّ بالمتابعة من المعتَبَر يغلُب على الظَّنِّ إصابة الساقط في الإرسال والتدليس، ولأجْل قوله:«صار حديثهم» لئلا يلْزَم أنْ يكون للحديث المرسَل والحديث المدلَّس حديث، ولا يشترط في المرسَل خصوص المتابعة بالمسنَد، بل لو توبِع بمرسَلٍ يخرِجُه من لا يروي عن رجال الأول كفى في قَبوله، كما مرَّ صدر التعليق.

وقوله: «إذا لم يُعْرَفِ المَحْذُوفُ مِنْهُ» :

أي: كلٌّ من المرسَل والمدلَّس، وأمَّا لو عُرِف المحذوفُ منه عُمِل فيه بحسَب حاله من عدالةٍ أو جرْحٍ.

تتمة:

مثال سيِّئ الحفظ: ما رواه التِّرْمِذيُّ وحسَّنه من طريق شُعبة، عن عاصم بن

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أنَّ «امرأة من بني فَزارةَ تزوجت على نَعْلين، فقال المصطفى: أرضيتِ من نفْسِكِ ومالِكِ بنعلين؟ قالت: نعمْ؛ فأجاز»

(1)

، قال التِّرْمِذيُّ: وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة. فعاصمٌ ضعيف لسوء حِفظه، وقد حَسَّن التِّرْمِذيُّ هذا الحديثَ؛ لوُروده من غير وجه.

ومثال المرسَل مَرَّ في مبحثه.

ومثال المدلَّس: ما رواه التِّرْمِذيُّ وحسَّنه من طريق هُشَيمٍ، عن يزيد بن زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء مرفوعا:«إنَّ حقًّا على المسلمينَ أنْ يغتسلوا يومَ الجُمُعةِ، ولْيَمَسَّ أحدُهم مِن طِيبِ أهلِه»

(2)

(أ/140) الحديثَ، فهُشيم موصوف بالتدليس لكن تابعه كما عند التِّرْمِذيِّ أبو يحيى [التَّيميُّ]

(3)

، وكان للمَتْن شواهد من حديث أبي سعيد وغيره [حَسَّنه]

(4)

.

والضمير في «حديثهم» راجع لكلٍّ من: المختلِط، والمستور، ورجال السَّنَد المرسل، ورجال السَّنَد المدلَّس إنْ ضُبِط بفتح اللام، أو نفْس الراوي المدلِّس إنْ ضبط بكسرها، وهذا لا غبار عليه. ومعنى «صار» التحول والانتقال ولو باعتبار الوصف كما هنا، ويرشِد إليه قوله بعد: «بل وصفه ذلك

إلخ». وانظر ما الحكمة في عدوله عن أنْ يقول: لغيره، وهو أخصر من قوله:«لا لذاته» ، مع أنَّ الحَسَن لا يخرج عن القسمين، ولعلَّها أنَّ الأصل في الحَسَن لغيره وقاعدته

(1)

أحمد (15676)، والترمذي (1113)، وابن ماجه (1888)، والبيهقي (14374).

(2)

الترمذي (528).

(3)

زيادة من (ب).

(4)

زيادة من (ب).

ص: 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والكثير فيه: أنَّ السَّنَد المحكوم عليه بالحُسْن متَعَيِّن وهنا ليس كذلك؛ لأنَّ كلَّ واحد من الطريق بانفراده ضعيف، وإنَّما وصل الحَسَن بالنظر لمجموع الطريقين، أو الطُّرُق من حيث [إنَّه]

(1)

مجموع، تأمل.

[قوله]

(2)

: «بل» :

أي: صار «وَصْفه» أي: حديث كلِّ [واحد]

(3)

ممن ذَكَره «بذلك» أي: بالحُسْن لا لذاته «باعتبار المجموع» ، وقوله:«من المتابِعِ والمتَابَعِ» أحدهما مكسور الباء، والآخر مفتوحها؛ بيانٌ للمجموع.

وقوله (هـ/163): «لأنَّ كُلَّ واحدٍ

إلخ»:

علَّة لوصف حديث من ذُكِر بالحُسْن باعتبار المجموع، وهذا لا يوجِب أنَّ الحَسَن: إمَّا لذاته، وإمَّا لغيره، وإمَّا للمجموع؛ لا بما قُلنا إنَّ قاعدة الحَسَن لغيره باعتبار كثرة إطلاقه: أنْ يكون السَّنَد المحكوم عليه بالحُسْن متميِّز، وهذا لا ينافي أنَّ منه ما قد لا يكون السَّنَد المحكوم عليه بذلك متميِّزًا؛ تأمل، قاله (هـ)

(4)

.

[قوله]

(5)

: «احْتِمَالُ كَوْنِ رِوَايَتِه

إلخ»:

هو مرفوع بالابتداء، وخبره:«على حدٍّ سواء» ، والجملة: خبر «أنَّ» والرابط موجود، ويُحْتمل نصبه على أنَّه بدل اشتمِال؛ فالمعنى: لأنَّ احتمال كون روايته، أي: كل واحد منهما صوابًا أم لا على حدٍّ سواء.

(1)

زيادة من (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

زيادة من (ب).

(4)

قضاء الوطر (3/ 1243).

(5)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 160

فَإِذَا جاءَتْ مِنَ المُعْتَبَرينَ روايةٌ مُوافِقةٌ لأحدِهِم، رُجِّحَ أَحدُ الجَانِبَيْنِ مِن الاحْتِمالَينِ المَذْكُورَيْنِ، ودَلَّ ذَلكَ على أَنَّ الحَديثَ مَحْفوظٌ، فارْتَقى مِن درَجَةِ التوقُّفِ إِلى دَرَجَةِ القَبُولِ، واللهُ أَعلمُ.

ومَعَ ارْتِقائِهِ إِلى دَرَجَةِ القَبولِ، فهُو مُنْحَطٌّ عنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ لذاتِهِ، ورُبَّما توقَّفَ بعضُهم عنْ إِطلاقِ اسمِ الحَسَنِ عليهِ.

وقَد انْقَضى ما يَتعلَّقُ بالمَتْنِ مِن حيثُ القَبولُ والرَّدُّ.

ثمَّ الإِسْنادُ، وهُو الطَّريقُ المُوصِلَةُ إِلى المتنِ.

[قوله]

(1)

: «من المُعْتَبَرِينَ» :

«مِنْ» هنا ابتدائية لمكان اعتباريٍّ، نحو:{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ] {النمل: 30} ، و:«من محمد رسول الله» ، و «المعتبَرِين» هنا اسم مفعولٍ، أصله: المعتَبَر بهم، وضمير «لأحدِهم» مِثل ضمير قوله قبله:«لأنَّ كلِّ واحدٍ منهم» راجعٌ للمختَلِط وسيئ الحِفْظ ومن معهما.

[قوله]

(2)

: «رَجَحَ أَحَدُ

إلخ»:

وبهذا التوجيه سَقَطَ ما يقال: كيف ينجَبِر الضعيف بمتابعة ضعيف ويصِير حجَّة مع أنَّه شُرِط في رواية كلِّ من الصحيح والحَسَن: الضبط والعدالة والتوثيق؟ وبيان سقوطه: أنَّ المتابَعة كاشفة عن ثبوت ذلك في نَفْس الأمر وإنْ لم يطلع على ذلك بِحَسَب الظاهر، وأمَّا الجواب عنه بأن يحصل من الهيئة الاجتماعيَّة قوة لم يكن حالة الانفراد؛ فيُرَدُّ بعدم اكتفائهم بكلِّ ما فيه هيئة اجتماعيَّة، بل لا بُدَّ أنْ تكون تلك الهيئة حاصلة بواسطة معتَبَر به، وبما بيَّنَّا به السقوط اندفع أنْ يتوجه على

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

جواب الشرح: أنَّ شهادة غير العدل إذا انضمَّت (هـ/164) إليها شهادة غير العدل لم يُعْمَل بهما ولا بأحدهما، على أنَّ باب الشَّهادة أضيق؛ لكونها عند من يُطلب منه التحقُّق من باب الرواية؛ لأنَّ المدار فيها على غَلَبةِ الظَّنِّ.

وفي كتابةٍ: لو قال: رَجَح جانب الإصابة؛ كان أحسن. وقوله: «على أنَّ الحديث محفوظ» أي: مقبول، وليس مراده المحفوظ بالمعنى المصطلح عليه؛ فإنَّه رواه مَن هو أولى بالإتقان والحِفْظ كما مَرَّ.

وقوله: «مُنْحَطٌّ عن رُتْبة الحَسَن لذاتِه» :

فيه نظرٌ؛ إذ المتابِع -بالكسر-: إمَّا حَسَنٌ لذاته وصحيح؛ فيكون حديث المتابَع -بالفتح- كذلك، بل أقوى لرواية المتابَع -بالفتح- له، وهي تقوي رواية المتابِع -بالكسر-.

وقال (هـ)

(1)

: «قوله: «فهو مُنْحَطٌّ

إلخ» قال (ق)

(2)

: مقتضى النَّظر أنَّه أرجح من الحَسَنِ لذاته؛ لأنَّ المتابِع -بالكسر- إذا كان معتبَرًا فحديثه حَسَنٌ، وقد انضم إليه المتابَع -بفتح الباء-» انتهى.

قُلْتُ: سبحان الله! هذا اشتباه عجيب؛ فإنَّك قد عَرَفْتَ آنفًا: أنَّ المراد من المعتَبَر من يَصلُح أنْ يُخَرَّج حديثه للاعتبار والمتابعة والاستشهاد، وقد مَرَّ أنَّه شامل لمَنْ قُدِح فيه بقادِحٍ ممَّا مَرَّ بيانُه، ومن أين لمِثل هذا أنْ يكون حديثه حسنًا في نفْسِه وقد انضم إليه المتابَع -بالفتح-؟ وأين المعتبَرُ بهذا المعنى من المعتبَر بمعنى ذي الشأن الجليل الملتفت كما هو مدلوله اللُّغويُّ، ومَن يستضيء

(1)

قضاء الوطر (3/ 1244).

(2)

حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 104).

ص: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بإصباح لم يستضيء بمصباح! (أ/141)

قوله: «وربَّمَا يوقِف اسم الحُسْن» :

أي: فيقول: هو صالحٌ، ولا بأس به، ونحو ذلك.

قوله: «ثُمَّ الإسناد

إلخ»:

قد مرَّ أوَّل الكتاب تعريف الإسناد بأنَّه: حكاية طريق المَتْن؛ فهو مخالِفٌ لما هنا، ويتجه أنْ يُقال: السَّنَد هو الطريق الموصِّلة إلى المَتْن، وتلك الطريق هي روايته، والإسناد وذِكْر السَّنَد: بأنْ يَذْكُر أسماء الرواة وكناهم وألقابهم التي يمتازون بها، والمؤلِّف على طريق المحدِّثين في اتحاد معنى السَّنَد والإسناد؛ فيعَرِّف تارةً الإسناد بتعريف السَّنَد تارةً بأنَّه: حكاية السَّنَد. ونبَّه بقوله: «من الكَلام» على أنَّ المَتْن يتناول الحديث النبويَّ وغيرَه؛ كأقوال الصحابة والتابعين والأئمة المصنِّفين. وإضافة «غاية» إلى «ما ينتهى» : بيانيَّة؛ فسَقَط اعتراض تلميذه (ق)

(1)

.

وفي كتابة: اعلم أنَّ «ما ينتهي إليه الإسناد» هو المَتْن، و «غايته» هي آخر حرف منه، وهذا غير مراد، وقد أشار إلى ذلك (ق)

(2)

فقال: «لفظ «غاية» زائدة مفسِدٌ للمعنى؛ لأنَّ لفظ «ما» المراد به الكلام كما فسره بقوله: «من الكلام» ، فيصير التقدير: غاية كلام ينتهى إليه الإسناد، فعلى هذا المَتْن حرف اللام من قوله عليه الصلاة والسلام:«مَن جاء مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيَغتَسِلْ»

(3)

» انتهى. وجوابه: أنَّ إضافة «غاية» إلى ما بعده إضافةٌ بيانيَّة، وانظر لم جعل المؤلِّف المُقْسِمَ هنا الإسناد ولم يجعله المَتْن مع صحة جعله المَتْن على سنن ما قبله، والأول هو

(1)

حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 104).

(2)

حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 104 - 105).

(3)

البخاري (894)، ومسلم (844).

ص: 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ظاهر قول العراقيِّ في المرفوع:

وَسَمِّ مَرْفُوْعاً مُضَافاً لِلنَّبي

(1)

وقوله في الموقوف:

وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ

بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ

(2)

وقوله في المقطوع:

وسَمِّ بالمقطوعِ قولَ التَّابِعي

(3)

ثُمَّ إنَّ تقدير الشارح يوجب أنْ يكون خبر «الإسناد» محذوفًا، أي: فيه تفصيل، كما في حاشية (ج)

(4)

.

وقال (هـ)

(5)

: «ما ذكره المؤلِّف من تفسير الإسناد بالطريق مبنيٌّ على جواز إطلاق كلٍّ من الإسناد والسَّنَد بمعنى الآخر، كما قاله القاضي وابن جَمَاعةَ، وهو اصطلاح مشهور بينهم لا يَخْتلف فيه اثنان» ، وبه يندفع قول (ب):«ينبغي أنْ يقول: ثُمَّ السَّنَد، كما قرَّره في أول الكتاب من أنَّ الإسناد: حكاية طريق المَتْن لا الطرق نفسُها، أو يقول هناك: إنَّ السَّنَد والإسناد مترادفان، وهو الحقُّ الذي لا يَشُكُّ فيه محدِّثٌ» انتهى، وقد قدَّمنا بيان ما يندفع به تامًّا على أنَّه تقوَّل هنا في النَّقل عما سبق للمؤلِّف؛ إذ لم يقل ثمَّة: لا الطريق نفسُها، ولا يخفى أنَّ المصطلح عليه كالمصرَّح به. وأتى قوله:«الموصِّلة» بناء على تأنيث الطرق، وشَمِل كلامه المتَّصل وغيره.

(1)

التبصرة والتذكرة (ص 101).

(2)

في بعض النسخ [ما أضفت لصاحب

إلخ]، والتصويب من التبصرة والتذكرة (ص 102).

(3)

التبصرة والتذكرة (ص 102).

(4)

حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 380 - 381).

(5)

قضاء الوطر (3/ 1349).

ص: 164

و «المَتْنُ» : هُوَ غايَةُ ما يَنْتَهي إِليه الإِسنادُ مِن الكَلَامِ، وهُو إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويَقْتَضي لفظُهُ -إِمَّا تَصْريحًا أَوْ حُكْمًا- أَنَّ المَنْقُولَ بذلك الإِسنادِ مِن قولِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَوْ مِن فِعْلِهِ، أو مِن تَقريرِهِ.

مِثالُ المَرفوعِ مِن القولِ تَصريحًا: أَن يقولَ الصَّحابيُّ: سَمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ كذا، أَو: حدَّثَنا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بكَذا، أَو يقولُ هو أَو غيرُهُ: قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كذا، أَو: عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قالَ كذا، أو نحوَ ذلك.

وَمِثالُ المَرفوعِ مِن الفِعْلِ تَصريحًا: أَن يقولَ الصَّحابيُّ: رأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعَلَ كذا، أَو يقولَ هُوَ أَو غيرُهُ: كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعَلُ كذا.

وقوله: «هو غاية» :

قال (ق)

(1)

: «لفظ «غاية» زائدة، مفسِد للمعنى

إلخ»، [وأيضًا]

(2)

قال: «الإسناد ينتهي إلى المَتْن وقد جعله غاية المنتهى إليه؛ فيكون غاية لنفسه» انتهى، وكلاهما كلام عجيب، أمَا ولا كيف يكون مفسدًا مع صحة الإضافة البيانيَّة، والمعنى:[أنَّ]

(3)

«غاية» هي ما ينتهى إليه الإسناد، وأمَّا الثانية فقوله: إنَّ لفظ «ما» مراد به الكلام، وإنْ كان صحيحًا لكنه تمسَّك بظاهر البيان الآتي، وفيه نظرٌ؛ لِما سيأتي من أنَّ المنقول عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام: تارةً يكون قولًا، وتارةً يكون فعلًا، وتارةً يكون [تقريرًا]

(4)

؛ فالأَولى بعد جعل الإضافة بيانيَّة تفسيرها وتبْيِنها بالمروي، وتَسْمَع العُذْر عنه آنفًا.

(1)

حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 104).

(2)

في (ب): [إنما].

(3)

زيادة من (ب).

(4)

في (ب): [تقديرًا].

ص: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقوله: «من الكلام

إلخ»:

بيان لما ينتهى

إلخ. فإنْ قُلْتَ: [المُنهى]

(1)

إليه الإسناد يكون قولًا، ويكون فعلًا، ويكون تقريرًا؛ فكان الأولى أنْ يقول: من المرويِّ، قُلْتُ: لا شكَّ في الأولوية المذكورة ولكنَّه ليس بخطأ، وغاية الاعتذار أنَّه غلَّب القول؛ لكثرته على مقابلَيه، أو أنَّ غَير القول لا يُروى عنه عليه الصلاة والسلام إلَّا بلفظٍ يدل عليه ويُحكى به، فذلك اللفظ هو الكلام الذي ينتهي إليه الإسناد؛ فقوله:«مِنْ» معناه: مِنْ كلامٍ دالٍّ على قوله عليه الصلاة والسلام، ومِنْ كلامٍ دالٍّ على فِعله، ومِنْ كلامٍ دالٍّ على تقريره، ولو بجعل «من» بمعنى «في» نحو:{ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ] {الروم: 25} ، و «ما» مفسرة بمروي بقرينة السياق لم يكن فاسدًا، أو الظرفيَّة حينئذٍ مبنيَّة على ما اشتهر من أنَّ الألفاظ قوالب المعاني، أو على أنَّ (هـ/165) المراد بالكلام: جملة من صيغ الأداء والرجال والمَتْن، غايته أنَّه خلاف الظاهر.

وقوله: «وهو» :

أي: (أ/142) المَتْن، وبهذا ظهر أنَّ في كلامه في المَتْن تجوُّزًا؛ إذ المنتهي إلى النبيِّ عليه السلام، أو إلى الصحابيِّ، أو إلى التابعي هو المَتْن لا الإسناد بقرينة من قوله: «أمَّا

إلخ» كما لا يخفى.

[قوله]

(2)

: «إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ عليه الصلاة [والسلام]

(3)

»:

أي: سواء كان الذي أنهاه وأضافه إلى النبيِّ صحابيًّا أو غيره ولو منا؛ فيدخُل فيه: المتَّصِل المرفوع، والمرسَل المرفوع، والمنقطِع المرفوع، والمعضَل المرفوع،

(1)

في (ب)[المنتهيي].

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

في (هـ): عليه السلام.

ص: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والمعلَّق المرفوع دُونَ الموقوف والمقطوع، ويعلم هذا من قوله الآتي:«سواء كان ذلك الانتهاء بإسناد متَّصِلٍ أم لا» .

[قوله]

(1)

: «ويَقْتَضي لَفْظُهُ» :

أي: لفظ المَتْن المنتهي إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

«أنَّ المنقول بذلك الإسناد» وهو المَتْن، «من قوله عليه الصلاة والسلام

إلخ»:

ولو فسَّر «المنقول بذلك الإسناد» بالحُكم مثلًا كان أَولى؛ ليَسْلَمَ من اقتضاء الشيء لنفسه؛ إذ لا بُدَّ من مُغايرَة المقْتَضَى للمقْتَضِي، وذلك مع تفسيره بالحُكْم أظهر من اعتبار المغايَرَة بينهما بالعموم والخصوص، ولا يخفاك أنَّ ما ذكره من هذه التقديرات لا يَكَاد المَتْن يدلُّ عليها، اللهمَّ إلَّا مراعاة مقدَّر يكون من قوله:«وما بعده» بيانًا له ضرورة امتناع كونه بيانًا للإسناد أو للنبيِّ أو لـ: تصريحًا أو: حُكمًا، وهذا المقدَّر مدخول لحرف الجر، نبَّه عليه قوله قبله: «إلى المَتْن والمَتْن

إلخ»، وأنَّ التقدير: إلى خبر أو حال أو مضاف النبي عليه الصلاة والسلام مثلًا، وحينئذٍ فـ «تصريحًا أو حُكْمًا» حالان من القَول وما بعده، قُدِّما عليه؛ مراعاة لذلك المقدَّر المبيَّن بما ذُكِر، وربَّما يرشد إلى هذا قوله: «مثال المرفوع من القول

إلخ».

ويمكِن أيضًا جَعْل «تصريحًا أو حُكْمًا» مصدرين منصوبين. «ينتهي» أي: [انتهاء]

(2)

مصرَّحًا، أو انتهاء في حُكْم المصرَّح به، ولا يتأكده قوله: «مثال المرفوع من القول

إلخ»؛ لجواز جَعْل «تصريحًا أو حُكمًا» في تلك المواضع الآتية حالًا من المرفوع أو مفعولًا مُطْلَقًا منصوبًا به، لا حالًا من القول والفعل

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من (ب).

ص: 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

منها، وإنْ كان هذا أَولى، وبهذا ظهر أنَّ ما قدَّره في الشرح تقدير معنى لا تقدير إعراب؛ فتدبره بإنصاف كما قاله (هـ)

(1)

.

وقال (ج)

(2)

: مقتضى المَتْن أنَّ قوله: «تصريحًا أو حُكمًا» معمول لـ «ينتهي» ، ومقتضى كلام الشَّارح خلافه؛ فإنَّه قال عقب قوله:«إمَّا أنْ ينتهي إلى النبيِّ عليه السلام» ما نصُّه: «ويقتضى لفظه إمَّا تصريحًا أو حُكمًا أنَّ المنقول بذلك الإسناد مِنْ قوله صلى الله عليه وسلم

إلخ» فجَعَله معمول «يقتضي» مقدَّرًا، وجَعَل قوله:«مِنْ قَولِه» متعلِّقًا بمقدَّر وهو المنقول، والضمير في «لفظه» يرجع للراوي، أي: ويقتضي لفظُ الراوي وهو المَتْن والسَّنَد: أنَّ المَتْن من لفظ النبي

إلخ. ثُمَّ اعلم أنَّه لا يتوقف استفادة كونه من المَتْن من لفظه عليه الصلاة والسلام على مجموع المَتْن والسَّنَد؛ فإنَّه قد يستفاد كونه من لفظ النبيِّ من السَّنَد، وقد يُستفاد ذلك منه من المَتْن، ككونه لا مجال للرأي فيه، وأمَّا ما تَسَلسَل به الحديث من صفة أو حالة فهذا خارج عن المُقْسَم؛ فلا تجري فيه الأقسام.

[قوله]

(3)

: «أنْ يقول الصَّحابيُّ

إلخ»:

جعله مثالًا للصيغة، وكذا ما كان من شمائله عليه الصلاة والسلام، [الصادرة]

(4)

من الصحابيِّ تصريحًا قوله: سَمِعْتُ الرَّسول وحدَّثنا، وجَعْله نحو: قال رسول الله كذا، أو عن رسول الله أنَّه قال كذا

من الصحابيِّ أو غيره منها: يفيد أنَّ غير الصحابيِّ لو قال: سَمِعْتُ رسول الله، أو حدَّثنا لا يكون من المرفوع، بل وقوع

(1)

قضاء الوطر (3/ 1253)، وما بعدها.

(2)

حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 381).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

في (ب): [الصادة]، وهو تصحيف.

ص: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذلك منه مِن الكذب الذي لا يَصْدُر (هـ/166) عن عدْلٍ.

وقال (هـ)

(1)

: قوله: «أنْ يقول الصحابيُّ» فيه نظرٌ؛ لأنَّ السَّماع والتحديث منه عليه الصلاة والسلام لا يختصُّ بالصحابيِّ، فقد قَدِم حكيم بن حِزامٍ المدينة على جاهليَّته في فَكِّ أُسارى بدرٍ؛ «فسمِعه عليه الصلاة و السلام يقرأ في المغرب بالطور»

(2)

ورواه بعد إسلامه وصحبته، وسمِع منه عليه الصلاة والسلام مَن تأخَّر إسلامه عن موته عليه الصلاة والسلام وأدى؛ حينئذٍ كان مرفوعًا متَّصِلًا، وحينئذٍ يُشْكِل تخصيصه: سمعت وحدثنا بالصحابيِّ، اللهمَّ إلَّا أنْ يقال: إنَّ التقْييد جَرْيٌ على الغالب.

[قوله]

(3)

: «أوْ يقولُ هو» :

أي: الصحابيُّ أو غيره: قال رسول الله، يعني: بدُون «لي» أو «لنا» ، والمراد: صيغةٌ لا تقتضي الاتصال، كقيل قال، ذَكَر وحَدَّث

غير مقرون بالضمير، وأمَّا مع «لي» أو «لنا» فيختصُّ (أ/143) بالصحابيِّ على البحث السابق، ومثل «عن»:«أنْ» أيضًا.

وقوله: «أنَّه قال كذا» بيانٌ لما يُحكى به المُعَنْعَن والمؤَنْأَنِ لا على وجه التقْييد.

وقوله: «فَعَل كذا» تخصيص الصحابيِّ بالذِّكْر جريٌ على الغالب؛ فإنَّ الكافر إذا أدى بعد أنْ أسلم بعد موت الرسول كان مرفوعًا متَّصلًا.

[قوله]

(4)

: «كان الرسول

إلخ»:

إنَّما جاء بكان؛ لتدُلَّ على الماضي، فكل ما كان دالًّا عليه كذلك، نحو: فَعَل، أو صَدَر عنه كذا.

(1)

قضاء الوطر (3/ 1255).

(2)

البخاري (765)، ومسلم (463).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 169

وَمِثالُ المَرْفوعِ مِنَ التَّقريرِ تَصريحًا: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ: فَعَلْتُ بحضرَةِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، أَو يقولَ هُوَ أَو غيرُه: فعَلَ فُلانٌ بحَضْرَةِ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، ولا يذكُرُ إِنكارَهُ لذلك.

[قوله]

(1)

: «ومثال المَرْفُوع من التَّقرير» : لم يَقُل تصريحًا؛ لعلَّه من التصريح به مع نظائره السابقة، ولمقابلة هذه الأمثلة بأمثلة الحُكْمِيِّ.

[قوله]

(2)

: «أنْ يقول الصحابي فعلت

إلخ»: لا شك أنَّ قول الصحابي هنا أيضًا جريٌ على الغالب، وإلَّا فلو فَعَل كافرٌ فِعلًا بحضرة المصطفى، أو قال قولًا وأقره عليه ثُمَّ أسلَم بعد موت الرسول، وقال: فَعَلْتُ أو قُلْتُ بحضرة الرسول كذا؛ كان حديثًا مرفوعًا؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام لا يُقرُّ على مُنْكَرٍ من قول أو فعل مِنْ أحدٍ ولو كافرًا؛ فيجِب أنْ يكون كلُّ واحدٍ من ذلك القول أو الفعل كقوله أو فعله صلى الله عليه وسلم في الدلالة على جوازه من ذلك الفاعل وغيره، حتى لو سبق تحريم ذلك الفعل كان الإقرارُ نسخًا له، بل ذَكَر الأصوليون أنَّه لا فرق في من يُقرِّه بين مُكَلَّفٍ وغيره، ووجَّهه بعض المتأخرين بأنَّه يمنع ولِيّه من تمكينه من ذلك.

[قوله]

(3)

: «فَعَلَ فلانٌ» : الظاهر أنَّ تعْيين الفاعل وصفٌ طرديٌّ حتى لو أبهِم كان الحُكم كذلك.

[قوله]

(4)

: «ولا يذكَر إِنْكاره» : أمَّا لو ذُكِر الإنكار لذلك الفعل كانت الحجيَّة فيه، وكان من باب القول.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 170

وَمِثَالُ المرفوعِ مِن القولِ حُكْمًا لا تَصْريحًا: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ -الَّذي لم يأْخُذْ عَنِ الإِسرائيليَّاتِ- ما لا مَجالَ للاجْتِهادِ فيهِ، ولا لهُ تَعلُّقٌ ببَيَانِ لُغةٍ، أَو شرحِ غريبٍ؛ كالإِخْبارِ عنِ الأمورِ الماضيةِ مِن بدْءِ الخَلْقِ، وأَخْبارِ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، أَو الآتيةِ كالملَاحِمِ والفِتَنِ، وأَحوالِ يومِ القيامةِ.

وَكَذا الإِخْبارُ عمَّا يحْصُلُ بفِعْلِهِ ثوابٌ مَخْصوصٌ، أَو عِقابٌ مَخْصوصٌ.

وإِنَّما كَانَ لهُ حُكْمُ المَرفوعِ؛ لأنَّ إِخبارَهُ بذلك يقتَضي مُخْبِرًا لهُ، وما لا مَجالَ للاجتِهادِ فيهِ يَقتَضي مُوقِفًا للقائلِ بهِ، ولا مُوقِفَ للصَّحابَةِ إِلَّا النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَو بعضُ مَن يُخْبِرُ عَن الكُتُبِ القديمةِ، فلهذا وقعَ الاحْتِرازُ عنِ القسمِ الثَّاني، وإِذا كَانَ كذلك، فلهُ حُكْمُ ما لو قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فهُو مَرْفوعٌ؛ سواءٌ كانَ ممَّا سمِعَهُ منهُ أَو عنهُ بواسِطةٍ.

[قوله]

(1)

: «ومِثالُ المرفوعِ حُكْمًا

إلخ»:

«مِثال» مبتدأ، و «ما يقول

إلخ» خبره، و «حكمًا من المرفوع» ولعله لأنَّ المضاف في حُكم الخبر، إذ لو قلنا: المرفوع قول الصحابي

إلخ صحَّ المعنى واستقام اللفظ أيضًا، والظاهر أنَّ «ما» من:«ما يقول» مصدريَّة، ومن قوله: «ما لا مجال

إلخ» موصولة أو موصوفة معمولة ليقول، أو مدلولها الحُكْم، وإنْ كان لا يُقال، لكن يُقال اللفظ الدالُّ عليه، وقد يُحْمل على الحديث وهو يُقال، والظاهر -كما قاله بعضهم- نفي الحالية ظاهرا من غير تكلُّف، وهو حَسَنٌ لا بأس به.

و «الاجتهاد» هنا: بَذْلُ الوُسْع في تحصيل العِلْم بحُكمٍ شرعيٍّ، ومِثال الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليَّات: الخلفاء الأربعة، ومثال من أَخَذَ منها عنهم: عبد الله بن سَلَام، قيل: وعبد الله بن عمرو بن العاصي؛ فإنَّه لمَّا فُتِح الشام

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أَخَذ حِمْل بَعيرٍ من كتب أهل الكتاب وكان يحدِّث منها؛ فلذا اتقى النَّاس نَقْل حديثه، وإنْ كان أكثر حديثًا من أبي هريرة باعترافه، والمراد بها: قصص بني إسرائيل وما جاء في كتبهم

(1)

.

قال (ب) في حواشي شرح الألفية

(2)

: «ثُمَّ إنَّ القول (هـ/167) السَّديد في أصل المسألة: أنَّ ما يأتي عن الصحابة ممَّا لا مجال للرأي فيه إنْ كان حُكْمًا من الأحكام فهو مرفوعٌ؛ لأنَّ الاحكام لا تؤْخَذ إلَّا بالاجتهاد، أو بقول من له الشَّرع، وقد فرضنا أنَّه فيما لا يُجْتَهد فيه؛ فانحصر أنَّه من قوله عليه الصلاة والسلام، وإنْ لم يكن من الأحكام فإنْ كان ذلك الصحابيُّ لم يأخُذْ عن الإسرائيليات فكذلك؛ لأنَّه لا مجال للرأي فيه، لا بُدَّ للصحابيِّ فيه من مُوَقِّفٍ، فيكون هو النبيُّ عليه الصلاة والسلام؛ إذ المسألة مفروضة فيمن لم يأخذ عن أهل الكتاب، وإلَّا فموقوف؛ لاحتمال أنْ يكون سَمِعَه من أهل الكتاب.

[قوله]

(3)

: «ولا له تَعَلُّقٌ ببيان لغة

إلخ»:

ما يتعلَّق به بيان اللُّغة يشمَل الغريب وغيره، والبيان واقع فيه بالمعنى اللُّغويِّ، و «شَرْحُ الغَريب» هو بيان الغريب سواء بُيِّن بالمعنى اللُّغويِّ أو بغيره كالمعنى المجازي؛ فبينهما عموم وخصوص، تأمل.

[قوله]

(4)

: «ولا له تَعَلُّقٌ

إلخ»: لكونه من أهل اللسان لا يحتاج فيه إلى توْقِيف.

وقال (هـ)

(5)

:

(1)

قضاء الوطر (3/ 1263).

(2)

النكت الوفية بما في شرح الألفية (1/ 355).

(3)

زيادة من: (أ) و (ب).

(4)

زيادة من: (أ) و (ب).

(5)

قضاء الوطر (3/ 1271).

ص: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[قوله]

(1)

: «ولا له» أي: لذلك الحكم تعلُّق ببيان لغةٍ أو شرح غريب لا خصوصية لهما، بل سائر تفاسيره التي تنشأ من معرفة طرق البلاغة واللغة وغيرهما مما للرأي فيه مجال؛ فهو معدود من الموقوفات لا من المرفوعات، غيرَّ أنَّ عطفه قوله: «ولا له

إلخ» على ما قبله يوهِم عدم إغناء الأول عنه، وليس كذلك (أ/144)؛ إذ هذه الأمور ممَّا للرأي فيها مجالٌ، فالاحتراز عنها حاصل بما قبلها، وأمَّا ما فسَّره الصحابيُّ من آي القرآن فما كان من تفسيره يرجع للأحكام الاجتهادية فموقوف، وما كان منه لا يرجع إلى ذلك فهو محمول عندهم على بيان أسباب نزولها التي يتصف بالرفع، وعليه يُحْمل كلام الحاكم وعزاه للشيخين؛ لأنَّ أسباب النزول لا مجال فيها للاجتهاد، نحو قول جابر:«كانت اليهود تقول عمَّن أتى امرأته من دُبُرِها في قُبُلِها جاء الولدُ أحول؛ فأنزل الله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ] {البقرة: 223} الآية»

(2)

وكتفسيره أمرًا مغيَّبًا من أمور الدنيا والآخرة؛ كتعْيين ثوابٍ أو عقاب.

تنبيه:

مثَّلوا ما لا مَدْخل للاجتهاد فيه بقول أبي هريرة: «ومن لم يُجِبِ الدعوةَ فقد عصى اللهَ ورسولَه»

(3)

، وقول ابن مسعود:«من أتى ساحرًا أو عرَّافًا فقد كفر بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام»

(4)

، ونوقش في حديث ابن مسعود بأنَّ التمثيل به غير صحيح؛ لأنَّه يمكِن أنْ يُقال من جهة الرأي، فإنَّ الحديث جاء في

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

البخاري (4164)، ومسلم (2592).

(3)

مسلم (1432) من مسند أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

أحمد (9536)، و الحاكم (15)، والبيهقي في الكبرى (16496).

ص: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بعض طرقه تقْييد الكُفْر بأنْ يصدِّقه، والعرَّاف يدعي علم الغيب فمن صدَّقه في هذه الدَّعوى فقد كذَّب بقوله تعالى:{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ] {النمل: 65} ، ومن كذَّب بحرفٍ من القرآن فقد كفر، وأيضًا فقد أخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّهم ليسوا بشيء، وأنَّهم كذَبةٌ، فمن صدَّقهم فقد كَفَر بتكذيبه صلى الله عليه وسلم، ومن أتى السَّاحر مُصدِّقًا بسِحْره، أي: مُؤمِنًا بأنَّه حَقٌّ، أو أنَّه يؤثِّر بطبعه فقد كذَّب بقوله تعالى:{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ] {البقرة: 102} الآيةَ، وفيه نظرٌ مع قول بعضهم لا بُدَّ أنْ تكون المدخَلِيَّة ظاهرة، والأمر ليس كذلك.

[قوله]

(1)

: «مِنْ بَدْءِ الخَلْقِ

إلخ»:

لو قال: كبَدء الخَلْق؛ لَسَلِم من كون البيان قاصرًا عن المبين. و «أخبار الأنبياء» : قصصُهم ووقائعهم مع أممهم وغيرهم.

وقوله: «أو الآتية» :

عطف على «الماضية» أو «الملاحِم» ، جمع: مَلْحَمَة، وهي المعركة؛ سُمِّيَت بذلك لالتحام الأبطال فيها بعضِهم ببعضٍ، أو لكثرة اللحم فيها، أي: القتلى.

وقوله: «والفِتَنِ» :

جمع فِتْنَة، من ذِكْر العامِّ بعض الخاصِّ.

وقوله: «ثَوَابٌ مَخْصُوصٌ» :

وكذا لو أَخبَر عن مجرد ما فِعله طاعة أو معصية فقط من غير تعين ثوابٍ

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

ص: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ولا عقابٍ كذلك، كما يأتي آخر المبحث (هـ/168).

[قوله]

(1)

: «فلذا» :

أي: لكون التَّوقيف يَحْصُل ممَّن يخبر عن الكتب القديمة، الاحتراز عن القِسم الثاني، وهم:«من يُخْبِر عن الكتب القديمة» ، والاحتراز عنه وَقَعَ بقوله:«الذي لم يأخذه عن الإسرائيليَّات» .

[قوله]

(2)

: «بواسِطَةٍ» :

ولا يَضُرُّ جَهْل حالة هذه الواسطة؛ لأنَّ الصحابة محمولون على العدالة حتى يثبت القادح

(3)

. قيل: يُحْتَمل أنْ يكون أخبَر به شخصٌ بحضرته عليه الصلاة والسلام وأقرَّه، فنَقَل بعضُ من سَمِعَ من الصحابة لذلك؛ فيكون من المرفوع تقريرًا، ومقابِل الأصح أنَّه لا يُحْتج به؛ لاحتمال أنْ يكون سَمِعه من تابعيٍّ، وعليه الأستاذ أبو إسحاق، وعليه جرى القاضي

(4)

في «التقريب» ، وممَّن حكى الخلاف [ابن برهان]

(5)

في «الأوسط» والآمِديُّ

(6)

وغيرُهما.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

في (هـ): [قادج].

(4)

المقصود الباقلاني.

(5)

في (ب): [هارون]، وهو خطأ.

(6)

الإحكام (2/ 95).

ص: 175

وَمِثالُ المَرْفوعِ مِن الفِعْلِ حُكْمًا: أَنْ يَفْعَلَ الصَّحابيُّ ما لا مَجَالَ للاجْتِهَادِ فِيهِ، فَيُنَزَّلُ على أَنَّ ذلك عندَه عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما قالَ الشَّافعيُّ رضي الله عنه في صلاةِ عَليٍّ في الكُسوفِ في كُلِّ ركعةٍ أَكثرَ مِن رُكُوعَيْنِ.

وَمِثَالُ المَرْفوعِ مِن التَّقريرِ حُكْمًا: أَنْ يُخبِرَ الصَّحابيُّ أَنَّهُم كانُوا يفْعَلونَ في زَمَانِ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، فإِنَّهُ يكونُ لهُ حُكمُ الرَّفعِ مِن جهةِ أَنَّ الظَّاهِرَ هو اطِّلاعُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذَلكَ؛ لتوفُّرِ دَواعِيهِم على سُؤالِهِ عن أُمورِ دِينِهم.

وَلأنَّ ذَلكَ الزَّمانَ زَمانُ نُزولِ الوَحْيِ، فلا يَقعُ مِن الصَّحابةِ فِعْلُ شَيْءٍ، ويَسْتَمرُّونَ عليهِ إِلَّا وهُو غيرُ ممنوعِ الفعلِ.

وقدِ استدلَّ جابِرٌ وأَبو سعيدٍ الخُدريُّ رضي الله عنهما على جوازِ العَزْلِ بأَنَّهُم كانوا يفعَلونَه والقرآنُ يَنزِلُ، ولو كانَ ممَّا يُنْهَى عنهُ لنَهى عنهُ القُرْآنُ.

[قوله]

(1)

: «فَيُنَزَّلُ» :

أي: يُحْمل بالبناء للمفعول، على أنَّ ذلك الفعل مرويٌّ؛ إذ لا مجال للاجتهاد فيه.

[قوله]

(2)

: «كما قال الشافعيُّ

إلخ»:

قال (ب)

(3)

: أظن قوله: «في الكُسوف» وهْمًا، وإنَّما هو في الزَّلزلة، فقد رواه البيهقي

(4)

في «السنن» و «المعرفة» عن الشافعي فيما بلَغه عن عبَّاد، عن عاصم الأحول، عن خُزيمة، عن عليٍّ رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: «في الزلزلة ست ركعات في أربع

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

زيادة من: (أ) و (ب).

(3)

قضاء الوطر (3/ 1276).

(4)

السنن الكبرى، للبيهقي (6381).

ص: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

سجدات، خمس ركعات وسجدتين في ركعة، وركعة وسجدتين في ركعة»، قال الشافعي: ولو ثبت هذا عن عليٍّ كرَّم الله وجهَه لقُلْت به، وهم يثبتونه ولا يأخذون به

(1)

، وأمَّا الكسوف فقد رُوي عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام: أنَّ في كل ركعة أكثر من ركوعين

(2)

، من عدة طرق فلا يُحْتاج فيه إلى التمسك بفعل عليٍّ رضي الله عنه

إلخ.

تنبيه:

ولبعضهم مناقشة في المثال الذي ذكره المؤلِّف قائلًا: «لا يتأتَّى جعلُه مرفوعًا حُكمًا؛ لاحتمال أنْ يكون عن قوله صلى الله عليه وسلم[لا]

(3)

عن فعله، بأنْ أخبر بجواز ذلك الفعل مثلًا وبين كيفيَّته (أ/145) بالقول، ففعله الصحابيُّ مُعْتَمِدًا على ذلك؛ فظهر أنَّه لا يَلْزم من كون الفعل عند الصحابيِّ عن النبي أنْ يكون عنده من فعله عيله الصلاة والسلام؛ لجواز أنْ يكون عنده مِنْ قوله» انتهى.

قُلْتُ: المناقِش في ذلك الشمُنِّيُّ، ولا يخفى أنَّ مناقشته ليست خاصَّة بهذا المِثال، بل هو مُنْكِرٌ لتحقُّق وجود الرَّفع الحُكْميِّ في الأفعال مُطْلَقًا. ويمكِن أنْ يُقال: عُهِد منه عليه الصلاة والسلام البيان بالقول والبيان بالفعل، وعُهِد من الصحابة نَقْل بيانه القوليِّ كما هو إمَّا باللفظ وإمَّا بالمعنى على سبيل المحافظة والملازمة؛ فصار ما سكتوا عنه من الأفعال الصادرة عنهم التي لا مجال للرأي فيها محمولة على أنَّهم شاهدوا فعله عليه الصلاة والسلام إيَّاها كذلك، والمسألة ظنيَّة يكفي فيها الظهور، قاله (هـ)

(4)

.

(1)

الأم، للشافعي (7/ 177).

(2)

مسلم (901، 904، 908).

(3)

زيادة من (ب).

(4)

قضاء الوطر (3/ 1278).

ص: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[قوله]

(1)

: «أنَّهُم كانوا يَفْعَلُون» :

أو يقولون، أو يرون كذا جائزًا، ويمكن جَعْلُ «يَفعلون» كفايةً. وما جَزَم به من كون هذا النَّوع مرفوعًا حُكْمًا هو مذهب الحاكم والرازيِّ، قال النوويُّ:«وهو أقوى الأقاويل من حيث المعنى» ، وسواء قَيَّد الصحابي بعصر النبي أو لم يقَيِّده به على هذا القول، والذي ذهب إليه ابن الصَّلاح التفصيل، وهو أنَّه إنْ صرحَّ بعَصْر النبيِّ كان له حُكْم المرفوع، وإلَّا كان موقوفًا، ونحوه للخطيب.

وقوله: «في زَمَانِ النَّبِيِّ» :

ومِثله ما لو قال: على عَهْد النبيِّ عليه الصلاة والسلام وما في معناه، أمَّا لو قال الصحابيُّ: كنَّا نفعل كذا ولم يضفه إلى عهد النبيِّ عليه الصلاة والسلام فهل له حكم المرفوع؟ كما قاله الحاكم من المحدِّثين والإمام فخر الدين من الأصوليين، وقال ابن الصباغ في «العدة»: إنَّه الظاهر، ومثله قول عائشة رضي الله عنها:«كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه»

(2)

، ونَقَله النوويُّ

(3)

في «شرح المهذَّب» عن كثيرٍ من الفقهاء، وقال:«إنَّه قوي من حيث المعنى» ، أو: ليس له (هـ/169) حُكْم المرفوع كما قال الخطيب

(4)

ثُمَّ ابن الصَّلاح.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

البيهقي (17167).

(3)

ينظر: شرح مسلم (1/ 194).

(4)

الجامع (2/ 291).

ص: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[قوله]

(1)

: «وقد استدَلَّ جابرٌ رضي الله عنه

إلخ»:

أنت خبيرٌ بأنَّ جابرًا قيَّد بالعصر النبويِّ فيما ذَكَرَه هنا: «والقرآن يَنْزِل» ، وفيما حكاه غيره:«كنَّا نَعْزِلُ على عَهْد الرسول» ، وكقوله:«كنا نأكل لحوم الخيل على عَهْد النبي عليه الصلاة والسلام»

(2)

، والأوَّل مُتَّفق عليه، والثاني أخرجه النَّسائيُّ وابن ماجَهْ.

تنبيهان

(3)

:

الأول: «إذا قال التابعيُّ: كنَّا نفعل كذا أو نحوه، فليس بمرفوع قطعًا، ولا بموقوف إنْ لم يُضِفْه [إلى]

(4)

زمن الصحابة بل مقطوعٌ، فإنْ أضافه احْتَمل الوقف وعدمه» انتهى كلام بعضهم.

الثاني: قوله: «ولأنَّ ذلك الزَّمان زمان نزول القرآن

إلخ» علَّة لرَفْع مَنْع اطِّلاع النبيِّ عليه وعِلْمه به، وحاصل الرَّفع أنَّه لو كان ممنوعًا لأعْلَمَه الله به إنْ لم يكن عَلِمَ به؛ فالاعتراض به على التَّمثيل ذهولٌ.

(1)

زيادة من: (أ) و (ب).

(2)

النسائي (4330)، وابن ماجه (3197).

(3)

قضاء الوطر (3/ 1281).

(4)

تكررت هذه الكلمة في (أ).

ص: 179