الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخلق والفعل، وبها يتكون المخلوق، لا تكون مخلوقة، ولا يكون مثلها للمخلوق.
والدليل على أنه كلام لا يشبه كلام المخلوقين أنه كلام معجز، وكلام المخلوقين غير معجز، لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل سورة من سوره، أو آية من آياته، عجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه) .
كلام أبي الحسن الكرجي في الفصول في الأصول
وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول، عن الأئمة الفحول) وذكر اثني عشر إماماً: الشافعي ومالك والثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم.
ثم قال فيه: (سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت أبا حامد الإسفرايني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعاً من الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا، مسموعاً ومكتوباً ومحفوظاً ومنقوشاً، وكل حرف منه - كالباء والتاء - كله كلام
الله غير مخلوق، ومن قال (مخلوق) فهو كافر، عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين) .
قال الشيخ أبو الحسن: (وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام) .
قال: (ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه، على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة - منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي - يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات، قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد ابن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة، الذي طبق الأرض علماً وأصحاباً إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور، يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر، ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله الإمام ابن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني، وتكرر لك منه جمعات، فقيل له في ذلك،
فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلح، ويشيع الخبر في أهل البلاد: أني بريء مما هم عليه - يعني الأشعرية - وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه: فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة، فيظن ظان أنهم مني تعلموه قبل، وأنا ما قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته) .
قال الشيخ أبو الحسن الكرجي: (وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه الأصبهاني يقول: سمعت شيخنا الإمام أبا بكر الزاذقاني يقول: كنت في درس الشيخ أبي حامد الإسفرايني، وكان ينهي أصحابه عن الكلام، وعن الدخول على الباقلاني، فبلغه أن نفراً من أصحابه يدخلون عليه خفية لقراءة الكلام، فظن أني معهم ومنهم، وذكر قصة قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لي: يا بني، قد بلغني أنك تدخل على هذا الرجل - يعني الباقلاني - فإياك وإياه، فإنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلالة، وإلا فلا تحضر مجلسي، فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل، وتائب إليه، وأشهدوا على أني لا أدخل إليه) .
قال الشيخ أبو الحسن: (وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد - أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم - قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام متبرقعاً، خوفاً من الشيخ أبي حامد الإسفرايني) .
قال أبوالحسن: (ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام، حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذقاني.
وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة حتى لو وافق قول الأشعري وجها لأصحابنا ميزة وقال: هو قول بعض أصحابنا، وبه قالت الأشعرية، ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه، فضلاً عن أصول الدين) .
قلت: هذا المنقول عن الشيخ أبي حامد وأمثاله من أئمة أصحاب الشافعي، أصحاب الوجوه، معروف في كتبهم المصنفة في أصول الفقه وغيرها.
وقد ذكر ذلك الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وأبو إسحاق الشيرازي وغير واحد، بينوا مخالفة الشافعي وغيره من الأئمة لقول ابن كلاب والأشعري في مسألة الكلام التي امتاز بها عن ابن كلاب والأشعري عن غيرهما، وإلا فسائر المسائل ليس لابن كلاب والأشعري بها
اختصاص، بل ما قاله قاله غيرهما، إما من أهل السنة والحديث وإما من غيرهم، بخلاف ما قاله ابن كلاب في مسألة الكلام، وأتبعه عليه الأشعري، فإنه لم يسبق ابن كلاب إلى ذلك حد، ولا وافقه عليه من رؤوس الطوائف، وأصله في ذلك مسألة الصفات الاختيارية، ونحوها من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته تعالى: هل تقوم بذاته أم لا؟ فكان السلف والأئمة يثبتون ما يقوم بذاته من الصفات والأفعال مطلقاً، والجهمية من المعتزلة وغيرهم ينكرون ذلك مطلقاً، فوافق ابن كلاب السلف والأئمة في إثبات الصفات، ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال به تعالى وما يتعلق بمشيئته وقدرته.
ولهذا وغيره تكلم الناس فيمن اتبعه كـ القلانسي والأشعري ونحوهما، بأن في أقوالهم بقايا من الاعتزال، وهذه البقايا أصلها هو الاستدلال على حدوث العالم بطريقة الحركات، فإن هذا الأصل هو الذي أوقع المعتزلة في نفي الصفات والأفعال.
وقد ذكر الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب أنه طريق مبتدع في دين الرسل، محرم عندهم، وكذلك غير الأشعري، كـ الخطابي وأمثاله، يذكرون ذلك، لكن مع هذا من وافق ابن كلاب لا يرى بطلان هذه الطريقة عقلاً، وإن لم يقل: إن الدين محتاج إليها، فلما رأى من رأى صحتها لزمه: إما قول ابن كلاب، أو ما يضاهيه.
وهذا الذي نقلوه - من إنكار أبي حامد وغيره على القاضي أبي بكر
الباقلاني - هو بسبب هذا الأصل، وجرى له بسبب ذلك أمور أخرى، وقام عليه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو عبد الله بن حامد وغيرهما من العلماء من أهل العراق وخراسان والشام، وأهل الحجاز ومصر، مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة والمحاسن الكثيرة والرد على الزنادقة والملحدين وأهل البدع، حتى إنه لم يكن في المنتسبين إلى ابن كلاب والأشعري أجل منه ولا أحسن كتباً وتصنيفاً، وبسببه انتشر هذا القول، وكان منتسباً إلى الإمام أحمد وأهل السنة وأهل الحديث والسلف، مع انتسابه إلى مالك والشافعي وغيرهما من الأئمة حتى كان يكتب في بعض أجوبته: محمد بن الطيب الحنبلي وكان بينه وبين أبي الحسن التميمي وأهل بيته وغيرهم من التميميين من الموالاة والمصافاة ما هو معروف، كما تقدم ذكر ذلك، ولهذا غلب على التميميين موافقته في أصوله، ولما صنف أبو بكر البيهقي كتابه في مناقب الإمام أحمد - وأبو بكر البيهقي موافق لابن البقلاني في أصوله - ذكر أبو بكر اعتقاد أحمد الذي صفنه أبو الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي، وهو مشابه لأصول القاضي أبي بكر، وقد حكى عنه: أنه كان إذا درس مسألة الكلام على أصول ابن كلاب والأشعري يقول: (هذا الذي ذكره أبو الحسن أشرحه لكم وأنا لم تتبين لي هذه المسألة) فكان يحكى عنه الوقف فيها، إذ له في عدة من المسائل
قولان وأكثركما تنطق بذلك كتبه، ومع هذا تكلم فيه أهل العلم، وفي طريقته التي أصلها هذه المسألة مما يطول وصفه، كما تكلم من قبل هؤلاء في ابن كلاب ومن وافقه، حتى ذكر أبو إسماعيل الأنصاري قال: سمعت أحمد بن أبي رافع وخلقاً يذكرون شدة أبي حامد - يعني الإسفرايني - على ابن الباقلاني، قال: وأنا بلغت رسالة أبي سعد إلى ابنه سالم ببغداد: إن كنت تريد أن
ترجع إلى هراة فلا تقرب الباقلاني، قال: وسمعت الحسين بن أبي أمامة المالكي يقول: سمعت أبي يقول: لعن الله أبا ذر الهروي، فإنه أول من حمل الكلام إلا الحرم، وأول من بثه في المغاربة.
قلت: أبو ذر فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف به، وكان قد قدم إلى بغداد من هراة، فأخذ طريقة ابن الباقلاني وحملها إلى الحرم، فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم، كـ أبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين لما ليس هذا موضعه، وهو ممن يرجح طريقة الصبغي والثقفي على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث، وأهل المغرب كانوا يحجون، فيجتمعون به ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة ويدلهم على أصلها، فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق، كما رحل أبو الوليد
الباجي فأخذ طريقة أبو جعفر السمناني الحنفي صاحب القاضي أبي بكر، ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد.
ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا لأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم، لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم، لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها.
وهذا لي مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} (الحشر: 10) .
ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه، تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا:{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} (البقرة: 286) .
ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صواباً بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة، فإنه يلزمه نظير ذلك أو وأعظم أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه، فقل من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين، لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب، ولهذا تجد كثيراً من المتأخرين من علماء الطوائف يتناقضون في مثل هذه الأصول ولوازمها، فيقولون القول الموافق للسنة، وينفون ما هو من لوازمه، غير ظانين أنه من لوازمه، ويقولون ما ينافيه، غير ظانين أنه ينافيه، ويقولون بملزومات القول المنافي ما أثبتوه من السنة، وربما كفروا من خالفهم في القول المنافي وملزوماته، فيكون مضمون قولهم: أن
يقولوا قولاً ويكفروا من يقوله، وهذا يوجد لكثير منهم في الحال الواحد، لعدم تفطنه لتناقض القولين، ويوجد في الحالين، لاختلاف نظره واجتهاده.
وسبب ذلك ما أوقعه أهل الإلحاد والضلال من الألفاظ المجملة التي يظن الظان أنه لا يدخل فيها إلا الحق، وقد دخل فيها الحق والباطل، فمن لم ينقب عنها أو يستفصل المتكلم بها - كما كان السلف والأئمة يفعلون - صار متناقضاً أمبتدعاً ضالاً من حيث لا يشعر.
وكثير ممن تكلم بالألفاظ المجملة المبتدعة كلفظ الجسم والجوهر والعرض وحلول الحوادث ونحو ذلك، كانوا يظنون أنهم ينصرون الإسلام بهذه الطريقة وأنهم بذلك يثبتون معرفة الله وتصديق رسوله، فوقع منهم من الخطأ والضلال ما أوجب ذلك، وهذه حال أهل البدع كالخوارج وأمثالهم، فإن البدعة لا تكون حقاً محضاً موافقاً للسنة، إذا لو كانت كذلك لم تكن باطلاً، ولا تكون باطلاً محضاً لا حق فيها، إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس، ولا كن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل: إما مخطئاً غالطاً، وإما متعمداً لنفاق فيه وإلحاد.
كما قال تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} (التوبة: 47 (فأخبر أن المنافقين لو خرجوا في جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالاً، ولكانوا يسعون بينهم مسرعين، يطلبون لهم الفتنة، وفي المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم: إما لظن مخطىء، أو لنوع من الهوى، أو لمجموعهما، فإن المؤمن إنمايدخل عليه الشيطان بنوع من الظن واتباع هواه، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» .
وقد أمر المؤمنين أن يقولوا في صلاتهم: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} (الفاتحة: 6 - 7) ، فالمغضوب عليهم عرفوا الحق ولم يعملوا به، والضالون عبدوا الله بلا علم.
ولهذا نزه الله نبيه عن الأمرين بقوله {والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى} (النجم: 1 -2) وقال تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} (ص: 45) .
وهذا الذي تقدم ذكره - من إنكار أئمة العراقيين من أصحاب الشافعي قول ابن كلاب ومتبعيه في القرآن - هو معروف في كتبهم،