الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثاني لا يمتنع تقدم النأواع، بل قد يمتنع تقدم أعيان المخلوقات، فلا يكون شيء من المخلوقات مع الله في الأزل على التقديرين.
وجماع ذلك: أن الذي ألزمه عبد العزيز للمريسي لازم له، مبطل لقوله بلا ريب، وعليه جمهور الناس، فإن جماهير الناس يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، وهذا قو ل جماهير الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجماهير الصوفية وجماهير أهل الحديث، بل كلهم، وكثير من أهل الكلام والفلسفة أو جماهيرهم، فهو قول أكثر المرجئة من الكرامية وغيرهم، وأكثر الشيعة، وكثير من المعتزلة والكلابية، وكثير من الفلاسفة، ولأصحاب مالك والشافعي واحمد في ذلك قولان، فالذي عليه أئمتهم: أن الخلق غير المخلوق، وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وقول جمهور أصحاب أحمد، وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة، وهو قول كثير من الكلابية.
قول عبد العزيز الكناني في مسألة القرآن وصفات الله والتعليق عليه
وأما قوله: (إنه قادر على الفعل لا يمنعه منه مانع) فكلامه يقتضي أنه لم يزل قادراً على الفعل لا يمنعه منه مانع، وهذا الذي قاله هو الذي عليه جماهير الناس، ولهذا أنكروا على من قال: لم يكن قادرا على الفعل في الأزل.
وكان من يبغض الأشعري ينسب إليه هذا، لتنفر عنه قلوب الناس، وأراد أبو محمد الجويني وغيره تبرئته من هذا القول، كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع.
وإذا كان لم يزل قادراً على الفعل كان هذا صفة كمال، فلهذا قال عبد العزيز:(لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع) وقد خلق المخلوقات بفعله فوجدت بالفعل الذي هو الخلق، والفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى، والقدرة على خلق المخلوق هي القدرة عليه.
كما قال تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} (يس: 81)، وقوله تعالى:{أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} (القيامة: 40)، وقوله تعالى:{قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} (الأنعام: 65) الآية، ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الأفعال المتناولة للمفعولات، وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق، ولا أن نفس خلقه للسماوات والأرض هو السماوات والأرض، والقدرة التي تزل ثم وجدت المخلوقات بدون فعل اصلاً.
فيقول له المريسي: فذلك الفعل الذي هو صفته وهو يقدر عليه لا يمنعه منه مانع، إن كان قديماً كان كالقدرة، وكان السؤال علي كالسؤال عليك، وإن كان حادثاً من غير تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب حدوث تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب حدوث المخلوق بالقدرة التي لم تزل، وإن كان ذلك الفعل كان بفعل آخر وتسلسل
الأمر: لزم تسلسل الأفعال، ولزم أن يكون الفاعل لم يزل يفعل، والخالق لم يزل يخلق.
فيقول له عبد العزيز: لم أقل إنه قديم، بل قلت: إنه صفة، والله قادر عليه، لا يمنعه منه مانع، وماكان مقدوراً له لا يمنعه منه مانع لم يجب أن يكون قديماً معه، بل إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله.
وأماسؤالك عن سبب حدوثه فهنا لأهل الإثبات جوابان:
أحدهما: - وهو جواب الكرامية ومن وافقهم - أن إثبات الفعل للمفعول والخلق للمخلوق لا بد منه، فإنا نعقل أن القادر على الفعل قبل أن يفعله ليس له فعل، فإذا فعله كان هناك فعل به فعل المفعول، وخلق به خلق المخلوق، ونحن مقصودنا إثبات فعل وصفة لله تقوم به مغاير مخلوقاته، وكلامه من هذا الباب، ونحن لم نورد عليكم التسلسل، فإن ذلك باطل على قولنا وقولكم جميعاً.
الجواب الثاني: أن يقول من يجيب به: لا يمتنع أن يكون قبل الفعل المعين ما هو أيضاً فعل فعله الله بقدرته، ولا يضرني التسلسل، فإن ذلك جائز ممكن، فإن هذا تسلسل في الأفعال والآثار والشروط، وهذا ليس بممتنع.
فعلى الجواب الأول: يظهر قوله: (إنما قلت لم يزل الخالق سيخلق وسيفعل، ولم أقل لم يزل يخلق ويفعل) .
وأما على الجواب الثاني: (فإذا قال: لم يزل يخلق ويفعل، بل أقول: إنه لم يزل سيخلق وسيفعل، فنقرره بوجهين:
أحدهما: أن الفعل لا يستلزم وجود مخلوق، بل يكون الفعل قائماً بنفسه بعد فعل قائم بنفسه، وهلم جراً من غير وجود مخلوق منفصل عنه.
الثاني: أنه لو قدر تسلسل المفعولات كتسلسل الأفعال فما من مفعول ولا فعل إلا وهو حادث كائن بعد أن لم يكن، فليس مع الله في الأزل شيء من المفعولات ولا الأفعال، إذ كان كل منهما حادثاً بعد أن لم يكن، والحادث بعد أن لم يكن لا يكون مقارناً للقديم الذي لم يزل، وإذا قيل:(إن نوع الأفعال أو المفعولات لم يزل) فنوع الحوادث لا يوجد مجتمعاً، لا يوجد إلا متعاقباً، فإذا قيل:(لم يزل الفاعل يفعل، والخالق يخلق) - والفعل لا يكون إلا معيناً، والخلق والمخلوق لا يكون إلا معيناً - فقد يفهم أن الخالق للسماوات والإنسان لم يزل يخلق السماوات والإنسان، والفاعل لذلك لم يزل يفعله، وليس كذلك، بل لم يزل الخالق لذلك سيخلقه، ولم يزل الفاعل لذلك سيفعله، فما من مخلوق من المخلوقات ولا فعل من الأفعال إلا والرب تعالى موصوف بأنه لم يزل سيفعله، ليس موصوفاً بأنه لم يزل فاعلاً له خالقاً له، بمعنى أنه موجود معه في الأزل، وإن قدر أنه كان قبل هذا الفعل فاعلاً لفعل آخر، وقبل هذا المخلوق خالقاً لمخلوق آخر، فهو لم يزل بالنسبة إلى كل
فعل ومخلوق سيفعله وسيخلقه، لا يقال: لم يزل فاعلاً له خالقاً بمعنى مقارنته له.
وإذا أريد أنه لم يزل فاعلاً للنوع، كان هذا بمعنى قولنا:(إنه لم يزل سيفعل ما يفعله) لكن هذه العبارة تفهم من الباطل ما لا تفهمه تلك العبارة.
وهذا الموضع للناس فيه أقوال، فإن جمهور أهل السنة يقولون: لم يزل الله خالقاً فاعلاً، كما قال الإمام أحمد: لم يزل الله عالماً متكلماً غفوراً، بل يقولون: لم يزل يفعل، إما بناء على أن الفعل قديم وإن كان المفعول محدثاً، أوبناء على قيام الأفعال المتعاقبة بالفاعل.
ومذهب بشر وإخوانه الجهمية: أن المخلوقات كلها كائنة بدون فعل ولا خلق وكلام الله من جملتها، فألزمه عبد العزيز على أصله، فقال له: إذا قلت: كان الله ولما يفعل ولما يخلق شيئاً، وهو لم يزل قادراً، ثم خلق المخلوقات، فأنت تقول: لم يزل قادراً ولا تقول: لم يزل يفعل المخلوقات، فلا بد له من أن يكون هناك فعل حصل بالقدرة، وليس هو القدرة التي لم تزل ولا هو المخلوق المنفصل، إذ لو كان كذلك لكان المخلوق قد وجد من غير خلق، والمفعول قد وجد من غير فعل، وهذا أعظم امتناعاً في العقل من كونه وجد بغير قدرة، فإنه
إذا عرض على العقل مفعول مخلوق حدث بعد أن لم يكن بلا فعل ولا خلق كان إنكار العقل لذلك أعظم من إنكاره لحدوثه من غير قدرة الفاعل، وإنكاره لحدوثه من غير فاعل أعظم امتناعاً في العقل من هذا وهذا، فإذا قيل: فعله الفاعل بلا قدرة، أنكره العقل، وإذا قيل: فعله بالقدرة التي لم تزل بدون فعل، كان إنكاره أعظم، وإذا قيل: حدث بلا فاعل، كان أعظم وأعظم، فإن الفاعل بلا فعل كالعالم بلا علم، والحي بلا حياة، والقادر بلا قدرة نحو ذلك وذلك نفي لجزء مدلول اللفظ الذي دل عليه بالتضمن، وأما نفي القدرة عن الفاعل فهو نفي لما دل عليه باللزوم العقلي.
وإذا قال القائل: (بل يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا فعل ولا خلق غيره، لأنه لو كان بفعل للزم أن يكون للفعل فعل، ولزم التسلسل وأن يكون محلاً للحوادث) .
قيل: فعلى هذا يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا قدرة من الفاعل، لأن ثبوت القدرة يستلزم ثبوت الصفات وقيام الأعراض به.
فإذا قال: (الفعل بدون القدرة ممتنع، وليس في العقل ما يحيل لوازم القدرة، بل علمنا بامتناع الفعل بلا قدرة أعظم من علمنا بامتناع قيام الصفات به، وإن سماها المسمي أعراضاً) .
قيل له: والمخلوق المفعول بلا فعل ولا خلق أعظم امتناعاً في العقل.
وليس في العقل ما يحيل لوازم الفعل الذي كان بالقدرة، بل علمنا بامتناع ذلك أعظم من علمنا بامتناع قيام الأفعال به، وإن سماها المسمي حوادث.
يبين ذلك: أن افتقار المخلوق إلى خلق والمفعول المنفصل إلى فعل يعلم باللزوم العقلي وبالقول السمعي، فإن (فاعل وخالق) مثل متكلم وقائل ومريد ومتحرك وغير ذلك من الأسماء التي تستلزم قيام معان بالمسميات.
فلما ظهرت حجة عبد العزيز على المريسي في أنه لا بد من فعل للرب تعالى بقدرته، كما قال له:(يلزمك أن تقول إنه خلق بلا فعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة، لأن القدرة صفة لله، ولا يقال لصفة الله: هي الله، ولا يقال: إنه غير الله) ولم يقل عبد العزيز أنها ليست هي الله ولا غيره، بل قال: لا يقال إنها هي الله، ولا يقال إنها غيره.
وقل عبد العزيز هذا هو قول أئمة السنة، كالإمام أحمد وغيره، وهو قول ابن كلاب وغيره من الأعيان.
ولكن طائفة من أصحاب
أحمد مع طائفة من متكلمي الصفاتية أصحاب الأشعري يقولون: لا هي الله ولا غيره.
وتلك العبارة هي الصواب، كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن لفظ (الغير) فيه إجمال، فلا يصح إطلاقه لا نفياً ولا إثباتاً على الصفة، ولكن يصح نفي إطلاقه نفياً أو إثباتاً، كما قال السلف مثل ذلك في لفظ (الجبر) ونحوه من الألفاظ المجملة: إنه لا يطلق لا نفيها ولا إثباتها، وإذا قيل:(لا يطلق لا هذا ولا هذا) لم يلزم إثبات قسم ثالث، لا هو الموصوف ولا غير الموصوف، بل يلزم إثبات مالا يطلق عليه لفظ الغير، لا ما ينفي عنه المغايرة.
ومقصود عبد العزيز: أن القدرة صفة لله، ليست هي الفعل الذي كان عن القدرة، فإنه يقول: لم يزل الله قادراً، ولا يقول: لم يزل فاعلاً.
فعارضه المريسي بأن هذا يلزمك أيضاً، فيلزمك أن تقول: لم يزل يفعل ويخلق.
وإذا قلت ذلك فقد ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله.
فقال له عبد العزيز: ليس لك أن تحكم علي وتلومني ما لا يلزمني، وتحكي عني ما لم أقل، وذلك لأن عبد العزيز لم يقل في هذا قولاً يحكى
عنه، ولكن قال له: إما أن تلتزم أنت ما ألزمتني، وإلا التزمت أن تقول: إن المخلوق لم يزل مع الله.
وهذا الذي قاله المريسي إنما يلزم عبد العزيز إذا أبطل كل قسم مما يمكن أن يقال في هذا المقام، وهو لم يفعل ذلك، ولا سبيل له إليه، بخلاف ما ألزمه إياه عبد العزيز، فإنه لازم له لامحالة، إذ كان قوله:(إن المخلوقات كلها - وكلام الله عنده من جملتها - حدثت بعد أن لم تكن من غير فعل فعله الله، بل بقدرته التي لم تزل) مع أن عبد العزيز قد بين فيما بعد أن ما أقر به المريسي يكفيه في الاحتجاج في مسألة القرآن، فإن المريسي أقر بأن الله خلقها بقدرته، فأثبت هنا معنى هو صفة لله تعالى ليس بمخلوق، فبطل أصل قوله الذي نفى به الصفات، وقال: إنا القرآن مخلوق، لكن عبد العزيز بين له ما يلزمه، وما أقر به، وأن الحجة تحصل بهذا وبهذا، وأما المريسي فعارضه بأن قال: يلزمك ما ألزمتني.
وذلك مبني على مقدمات لم يذكر منها واحدة.
أحدها: أن يقول: إذا كان أحدث الأشياء بفعله الكائن عن قدرته حصل المقصود من غير إثبات قديم مع الله تعالى، ولهذا قال له عبد العزيز:(إنما قلت: الفعل صف لله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) وفي نسخة أخرى زيادة على ذلك: (إنما قلت: إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق، لأن الفعل صفة لله) .
وهذه الزيادة لم تتقدم في كلام عبد العزيز، فإما أن تكون ملحقة من بعض الناس في بعض النسخ، أو يكون معنى الكلام: إنما قولي هذا، وإنما قلت إني إنما اعتقدت والتزمت هذا، أو يكون المعنى: إنما أقول وأعتقد هذا.
والأشبه أن هذه الزيادة ليست من كلام عبد العزيز، فإنها لا تناسب ما ذكره من مناظرته المستقيمة، ولم يتقدم من عبد العزيز ذكر هذا الكلام ولا ما يدل عليه.
بخلاف قوله: (إنما الفعل صفة لله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) فإن هذا كلام حسن صحيح، وهو لم يكن قد قاله، ولهذا لم يقل: إني قلت ذلك، ولكن قال: هذا هو الذي يجب أن يقال، وهو الذي يلزمني أن أقوله، لأني بينت أن المخلوق لا يكون إلا بفعل عن قدرة الله، والفعل قائم بالله، ليس هو مخلوقاً منفصلاً، وهذا مراده بقوله:(إنه صفة) لم يرد بذلك أن الفعل المعين لازم لذات الله تعالى، لأنه قد قال:(والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) .
فحصل بذلك مقصود عبد العزيز من أنها فعلاً أحدث الله به المخلوقات عن قدرته، فأقام الحجة على أنه يقوم بالله تعالى أمر غير المخلوقات عن القدرة، واعترف له المريسي بالقدرة.
فقد ثبت على كل تقدير أن قبل المخلوق شيئاً خارجاً عن المخلوق، سواء كان هو القدرة وحدها أو كان مع ذلك الفعل والقول والإرادة، وما كان متقدماً قبل المخلوق فليس هو من المخلوق، فبطل قول المريسي: إن ما لا يسمى بالله فهو مخلوق، فإن هذه الأمور يقال:(إنها غير الله) وإذا قلنا: (الله الخالق وما سواه مخلوق) فقد دخل في مسمى اسمه صفاته، فإنها داخلة في مسمى اسمه.
ولما قال النبي صلى الله عيه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك» لم يكن الحلف بعزةالله ونحوه حلفاً بغير الله.
ولما حدثت الجهمية واعتقدوا أن القرآن خارج عن مسمى اسم الله تعالى، قال من قال من السلف:(الله الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق) ، فاستثنوا القرآن مما سواه، لما أدخله من أدخله فيما سواه، ولفظ (ما سواه) هو كلفظ (الغير) وقد قلنا:
إن القرآن وسائر الصفات لا يطلق عليه أنه هو، ولا يطلق عليه أنه غيره، فكذلك لا يطلق عليه أنه مما سواه، ولا أنه ليس مما سواه، لكن مع القرينة قد يدخل في هذا تارة وفي هذا تارة.
فما كان بعض الناس قد يفهم أن القرآن هو مما سواه قال من قال من السلف (ماسواه مخلوق) ، إلا القرآن، فإنه كلام الله غير مخلوق: منه بدأ، وإليه يعود) ومن لم يفهم دخول الكلام في لفظ (سواه) لم يحتج إلى هذا الاستثناء، بل قال: (الله الخالق وما سواه مخلوق.
والقرآن كلام الله غير مخلوق) لا يقول: (إلا القرآن) أي القرآن هو كلامه، وكلامه وفعله وعمله وسائر ما يقوم بذاته لا يكون مخلوقاً، وإنما المخلوق ما كان مبياناً له، ولهذا قال السلف والأئمة، كأحمد وغيره:(القرآن كلام الله ليس ببائن منه) وقالوا: (كلام الله من الله) .
وقال أحمد بن حنبل لرجل سألة فقال له: (ألست مخلوقاً؟ فقال: بلى، فقال: أو ليس كلامك منك؟ قال: بلى، قال: والله ليس بمخلوق، وكلامه منه) ومراده أن المخلوق: إذا كان كلامه صفةً
له هو داخل في مسمى اسمه، وهو قائم به، فالخالق أولى أن يكون كلامه صفة له داخلة في مسمى اسمه، وهو قائم به، لأن الكلام صفة كمال، وعدمه صفة نقص، فالمتكلم أكمل ممن لا يتكلم.
والخالق أحق بكل كمال من غيره.
والسلف كثيراً ما يقولون: الصفة من الموصوف، والصفة بالموصوف، فيقولون: علم الله من الله، وكلام الله من الله، ونحو ذلك، لأن ذلك داخل في مسمى اسمه.
فليس خارجاً عن مسماه، بل هو داخل في مسماه، وهو من مسماه.
فعبد العزيز قرر حجته بأن الفعل صفة لله عن قدرته، لا يمنعه منه مانع، وهذا كاف، وما ألزمه إياه بشر لا يلزمه إلا بمقدمات لم يقرر بشر منها شيئاً.
وأي تقدير من تلك التقديرات قال به القائل كان خيراً من قول المريسي.
التقدير الأول: قول من يقول: إن الفعل حادث قائم بذات الله بقدرته، كما يقول ذلك من يقوله من الكرامية.
وهذا خير من قول المريسي وأمثاله من الجهمية، فإن ما يلزم أصحاب هذا القول من
تسلسل الحوادث يلزمهم مثله، والذي يلزمهم من نفي الخلق الفعل لا يلزم أصحاب هذا القول.
وأما قولهم: (إنه محل للحوادث) فمثل قولهم: إنه محل للأعراض) .
التقدير الثاني: قول من يقول: إن الفعل قديم أزلي، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية، ومن الفقهاء: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والصوفية.
وهذا أيضاً على هذا التقدير يكون من جنس قول الصفاتية، وهؤلاء لا يقولون بقيام الحوادث به ولا تسلسلها، وإذا ألزمهم المريسي وإخوانه أن يقال: فإذا كان الفعل لم يزل والإرادة لم تزل: لزم أن يكون المفعول المراد لم يزل.
وقيل لهم: فحدوث الحوادث لا بد له من سبب قالوا: هذا السؤال مشترك بيننا وبينكم، لكن عبد العزيز لم يجب بهذا الجواب، فإنه لو أجاب به لانتفضت حجته التي احتج بها على المريسي، فإنه احتج بأنه لم يزل قادراً، فلو قال (الفعل قديم) قال المريسي: إنه لم يزل فاعل عندك.
وأيضاً فعبد العزيز ذكر أنه يقدر على الفعل لا يمنعه منه مانع، وذكر غير ذلك.
التقدير الثالث: ان الفعل الذي كان عن قدرته كان قبله فعل
آخر كان عن قدرته أيضاً، وهلم جراً، ولم يكن شيء من المفعولات والمخلوقات موجوداً معه في الأزل، فإن الفعل ينقسم إلى متعد ولازم، فإذا قدر دوام الأفعال اللازمة لم يجب دوام الأفعال المتعدية، وعلى هذا التقدير فإذا قال:(كان الله ولما يخلق شيئاً ولما يفعل شيئاً) لم يزل أن لا يكون هناك فعل قائم بنفسه بدون مخلوق مفعول، ولا يجب أن يكون المخلوق لم يزل مع الله تعالى.
وهذا التقدير إن لم ينفه المريسي بالحجة لم يكن ما ألزمه لعبد العزيز لازماً.
وإذا قال السلف والأئمة: (إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء) فقد أثبتوا أنه لم يتجدد له كونه متكلماً، بل نفس تكلمه بمشيئته قديم، وإن كان يتكلم شيئاً بعد شيء، فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه إلا إذا وجب تناهي المقدورات المرادات، وهو المسمى بتناهى الحوادث.
والذي عليه السلف وجمهور الخلف: أن المقدورات المرادات لا تتناهى، وهم بهذا نزهوه عن كونه كان عاجزاً عن الكلام، كالأخرس الذي لا يمكنه الكلام، وعن أنه كان ناقصاً فصار كاملاً، وأثبتوا مع ذلك أنه قادر على الكلام باختياره.
وحجة عبد العزيز على المريسي تتم على هذا التقدير، ولا يكون مع الله في الأزل مخلوق.
التقدير الرابع: أنه لو قيل: (بأن كل ماسوى الله مخلوق، محدث
كائن بعد أن لم يكن، فليس مع الله في أزله شيء من المخلقوات، لكنه لم يزل يفعل) ولم يوجب ذلك أن يكوم معه شيء من المفعولات المخلوقات، وإنما يوجب ذلك كون نوع المفعول لم يزل، مع أن كل واحد من آحاده حادث لم يكن ثم كان معه، فليس من ذلك شيء مع الله في الأزل.
وعبد العزيز لم يقل هذا ولم يلتزمه، بل ولا التزم شيئاً من هذه التقديرات، ولا يلزمه واحد منها بعينه إلا بتقدير امتناع ما سواه، ولكن المقصود أن إلزام المريسي له بأن يكون المخلوق لم يزل مع الله لا يلزمه التزامه، فإنه على التقديرات الثلاث لا يلزم وجود شيء من المفعولات ولا نوعها في الأزل.
وأما على التقدير الرابع: فإنما يلزم أنه لم يزل نوع المفعول لا شيء من المفعولات بعينه.
وهذا التقدير إذا كان باطلاً: فالمريسي لم يذكر إبطاله، ولا إبطال شيء من التقديرات، وهو لو أراد أن يبطل هذا لم يبطله إلا بإبطال التسلسل في الآثار، كما هو طريقة من أبطل ذلك من أهل الكلام، ولكن المريسي وموافقوه الذين يقولون:(بأن الله يخلق المخلوقات بغير فعل قائم به)، ويقولون:(الخلق هو المخلوق)، ويقولون:(إن المخلوقات كلها وجدت بعد أن لم تكن موجودة، من غير أن يتجدد من الله فعل ولا قصد ولا أمر من الأمور، بل ولا من غيره) - فيقولون: إن
الأمر ما زال على وجه واحد، ثم حدثت جميع المحدثات، وكانت جميع المخلوقات، وليس هناك من الفاعل شيء غير وجودها، بل حاله قبل وجودها ومع وجودها وبعد وجودها واحد، لم يتجدد منه أمر يضاف الحدوث إليه.
فأصحاب القول الأول يلتزمون التسلسل مع قولهم: (بأن كل ما سوى الله محدث، كائن بعد أن لم يكن مسبوق بعدم نفسه، لكن تحدث الحوادث شيئاً بعد شيء، وهو محدثها بأفعاله سبحانه التي يفعلها أيضاً شيئاً بعد شيء) وأصحاب الثاني يقولون: (بل حدثت من غير سبب حادث) كما ترى.
ومن المعلوم: أنه إذا عرض على العقل القولان كان بطلان هذا القول أظهر من بطلان ذلك القول، فإن ترجيح أحد طرفي الممكن بغير مرجح، وتخصيص الشيء عن أمثاله التي تماثله من كل وجه بلا مخصص، وحدوث الحوادث جميعها بدون سبب حادث - بل مع كون الأمر قبل حدوثها ومع حدوثها على حال واحد - هو أبعد في المعقول، وأنكر في القلوب من كون المحدثات لم تزل تحدث شيئاً بعد شيء، ومن كون الله سبحانه لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء، كما أنه لا يزال في الأبد يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء.
فلو قدر أن عبد العزيز والمريسي انتهيا إلى هاتين المقدمتين لم يكن للمريسي أن يلزم عبد العزيز بشيء إلا ألزمه عبد العزيز بما هو أشنع منه، فكيف وعبد العزيز لم يحتج إلى شيء من ذلك؟ بل بين أنه لا بد أن يكون قبل المخلوق ما به يخلق المخلوق من صفات الله وأفعاله، فيبطل ما يدعيه المريسي ونحوه من أن الله لا صفة له ولا كلام ولا فعل، بل خلق المخلوقات وخلق الكلام الذي سماه كلامه بلا صفة ولا فعل ولا كلام.
وهذان الجوابان اللذان يمكن عبد العزيز أن يجيب بهما عن إلزامه التسلسل يمكن معهما جواب ثالث مركب منهما، كما تقدم التنبيه على ذلك، وهو أن يقول:
إن كان التسلسل ممتنعاً بطل هذا الإلزام، وإن كان ممكناً أمكن التزامه كما قد ذكرنا في غير هذا الموضع: أن المسلمين وغيرهم من أهل الملل القائلين بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، يمكنهم أن يجيبوا بمثل هذا الجواب للقائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم، المحتجين على ذلك بحجتهم العظمى التي اعتمد عليها ابن سينا وابن الهيثم وغيرهما حيث احتجوا على المعتزلة ونحوهم من