الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3-
الغفلة عن أمر الإيمان والآخرة خُلقٌ سيّئٌ
إن من أعظم ما يصاب به الإنسان من مساوئ الأخلاق أن يشتغل بأمر دنياه وينسى آخرته وشأن الإيمان بالله ومتطلباته!!.
وهذا قصور في النظر، وداء خطير يودي بسعادة الإنسان، وقد ينقله عن إنسانيته.
وقد قال القائل:
أبنيَّ إن من الرجال بهيمة
…
في صورة الرجل السميع المبصرِ
فَطِنٌ بكل مصيبة في ماله
…
وإذا أُصيبَ في دينه لم يَشْعُرِ!!
فلا تَخْتَلَّ نظرتك إلى هذا الحدّ الذي تُدْرك فيه أهمية أمور دنياك وتذهل عن آخرتك وإيمانك وواجباته!!.
ولا شك في أن من تكون الدنيا همّه يتسلّط عليه عدد كبير من مساوئ الأخلاق التي يجرّ بعضها بعضاً، أما من يكون الإيمان والآخرة همه فإنه يَجتمع فيه -بحكم هذه الصفة- عدد من الأخلاق الحميدة التي يجرّ بعضها بعضاً أيضاً؛ فالحسنة تطلبُ أُختَها، وكذلك السيئة.
4- صلة الرحم
صلة الرَّحِمِ ليست نافلة في حياة المسلم بل هي فرضٌ لازم، قد أوجبه الله تعالى عليه، على اختلاف درجات حقوق الأرحام باختلاف درجات قرابتهم واختلاف أحوالهم.
وصلة الرحم تُبارِكُ العمر وتزكّيه، وقطيعة الرحم تُلَطِّخُ حياة الإنسان
بالعار وسخط الجبّار وتهوي بصاحبها إلى النار!!
قال الله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} 1!!.
عياذاً بالله تعالى من معصية هذه عقوبتها!!
أرأيت يا أخي كيف جمع الله لقاطع الرحم هذه العقوبات الشنيعة؟!
1-
لعنهم الله. 2- فأصمهم. 3- وأعمى أبصارهم.
وماذا بعد لَعْن الله له؟!
وماذا بعد الصمم؟!
وماذا بعد عمى الأبصار؟!.
إن هذه المعصية لم يأذن الله بها شرعاً، شأنها شأن غيرها من المعاصي.
إن هذه المعصية يَسْخط الله على صاحبها ويلعنه ويطرده من رحمته، لأن صاحبها حَرَمَ رحمته مَنْ أوجب الله عليه أن يرحمهم من ذوي رحمه، ويقطعه الله لأنه قَطَع الرحم التي حرّم الله عليه أن يقطعها وأوجب عليه أن يصلها.
إن هذه المعصية من عقوبتها أن يُحْرم صاحبها الهدى والاستضاءة بالحق، ويُحْرم نعمة إصابة الحق ومعرفته واتّباعه، ألم تر أن الله أخبر في كتابه أنه يُصِمُّ قاطع الرحم ويعمي بصره؟! ألا تعلم أن السمع والبصر هما الوسيلة التي يتصل بوساطتها الإنسان بالآخرين؟!
ألا تَعْلم أن السمع والبصر هما الوسيلة الوحيدة لمعرفة الحق والهدى والنور فمن فَقَدَ سمعه وبصره لا يستطيع بعد ذلك أن يتلقى شيئاً من الهدى والعلم والمعرفة؟!
1 22 - 23: محمد: 47.
وهذا يبيّن لنا خطورة هذه المعصية.
ويبين لنا أن هذه المعصية من جملة المعاصي التي يُعاقَبُ صاحبُها بالصرف عن الحق وعن المعرفة والهدى.
إن هذا كله يؤكد أن صلة الرحم ليست حقاً للموصول فقط بل هي حقٌ للواصل أيضاً كما أنها حق واجب عليه؛ لأنه متضرر إن لم يفعل، ومنتفع إن فعل حيث تعود عليه صلة الرحم بعواقب الفعل الجميل في الدنيا وفي الآخرة وعند الناس وعند الله.
وصلة الرحم لله طاعة لا تتجزأ فمن يقدّر صلة الرحم لله حق قدرها فإنه لا يخصّ بها أحداً دون أحد، كما يفعله بعض الناس اليوم، فيصلون رحماً ويقطعون أخرى، كما أن من كان رحيماً تراه رحيماً بكل من يستحق الرحمة شرعاً دون أن يخص أحداً من مستحقيها ويترك الباقين، أو لا يرحم بعض الناس ويقسو على آخرين، وإلا لكانت تلك الرحمة كرحمة بعض الوحوش بأولادها إلى جانب افتراسها ما سواهم!!. إن الرحمة لا تخص أحداً من مستحقيها، وهكذا صلة الرحم يجب أن تكون، وإلا لكانت صلة البهائم ببعضها.
والصلة أنواع: فهي تكون بالمال، وتكون بالجاه، وتكون بالنصيحة والرأي والمشورة، وبالعمل البدني، وبالزيارة، وبالدعاء، وبالشكر، وبالثناء. ومن الخطأ الفادح أن يُظَن أنها نوع واحد كالمال مثلاً.
وعلى المرء أن يأخذ بهذه الأنواع كلها ويضع كلاً منها في موضعه المناسب حسب حال رَحِمِه وحسب قدرته. ورُبّ مستغن عن المال وهو في أشد الحاجة إلى الرأي أو النصيحة أو المساعدة البدنية. ورُبّ عاجز عن بذل المال ولكنه قادر على الرأي والنصيحة.
وصلة الرحم ليست عملاً يعمله الإنسان مكافأةً أو ينتظر جزاءه من الموصول في الدنيا، كلاّ بل هو عملٌ لله يبذله لكل مَنْ يستحقه شرعاً.
وتقديم الأَوْلى فالأَوْلى في حقوق الأرحام أمرٌ مطلوب من الإنسان عند تزاحم الحقوق، مراعياً في هذا الترتيب درجات الحقوق حسب القرابة، وحسب شدة الحاجة أيضاً، وحسب أحوال الأرحام.
وهذا الخُلُق يحتاج إلى تربية فينبغي أن يُعْنى به المربون.
وهذا الخلق يحتاج إلى تَدَرُّبٍ ومران فينبغي أن يُعْنى به المؤمنون المتقون الطامعون في ثواب الله ورضاه الخائفون من عذاب الله وسخطه.
وهذا الخلق يحتاج اكتسابه إلى أن يحاسِبَ المرء نفسَهُ عليه وعلى الأخذ به حتى يصبح خُلُقاً وطبعاً له.
وإن من نِعَم الله علينا أَنْ لم يجعل الصلة مالاً فقط وإنما هي بجميع الأنواع السابق ذكْرها، بل لا تكون في كثيرٍ من الأحيان سوى خُلُقٍ فاضل وأعمالٍ يسيرة.
وإن من نِعَم الله علينا أنْ أوصانا بذوي رحمنا وأوصى ذوي رحمنا بنا ولم يترك علاقتنا هذه لمروءتنا أو مصالحنا أو أمزجتنا أو تقديرنا لحقوق قراباتنا كما هو الحال بالنسبة للبهائم!!
وكم هو مؤثّر في النفس مثل قول الله سبحانه في كتابه الكريم: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} 1.
فينبغي أن تتذكر هذا يا أخي!
1 11: النساء: 4.