الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3- مظاهر لبعض المفاهيم المغلوطة:
تتعدّد مظاهرُ المفاهيم المغلوطة في هذا الباب وأسبابُها، وأشيرُ هنا إلى أهمها في النقاط التالية:
أ - الانطلاق من الانفعالات والمواقف الشخصية:
لعل من أوسع أبواب الخطأ في فهم طبيعة التعامل الشرعي، وفي فهم الأخلاق المتعيّنة على المسلم تجاه الكافرين، الانطلاق من الانفعالات والمواقف الشخصية، وليس من خلال النصوص والأحكام الشرعية؛ وبالتالي تأتي المفاهيم والكتابات في هذا الموضوع تبعاً لمواقف الأشخاص، وانفعالاتهم، وطبائعهم، وظروفهم. فهي عندئذٍ تختلف باختلاف القوة والضعف، والشدة واللين، والحماس وضده!.
والواجب أن يكون التعرف على هذا الجانب المهم من الإسلام، من خلال النصوص الشرعية، لا المواقف الشخصية، ولا ما يُمليه واقع العصر1.
والواجب أن يكون ذلك من خلال الرجوع إلى النصوص كلها وفهْمها وَفْق منهج سديد.
ومِن المؤكَّد أن ما يُعبِّر به بعض المسلمين عن إخلاصهم للإسلام تجاه
1 ولا سيّما في هذا العصر الذي مارسَتْ فيه كثيرٌ من دول الكفر ألواناً مِن الإساءة والضغوط والاضطهاد للمسلمين، بعيداً عمّا تَقضي به أصول الأخلاق الحميدة، فانعكس ذلك على طبيعة العلاقة مع المسلمين، وعلى نظرة المسلمين لهؤلاء، ومواقِفهم منهم؛ فظهر أثرُه في آرائهم تجاههم؛ والشر يَجرُّ الشرَّ، والخطأ يَجرُّ الخطأ!.
تعاملهم مع الكافرين مِن تصرفاتٍ انفعالية، يُعبِّرون بها عن الكراهية والعِداء بطريقة لا يُقرّها الإسلام، يظنون أنهم يَنصرون بها الإسلام، إنما هي تصرفات لا تُغْني عن العمل الجادّ لنُصْرة الدين، ولا تَنُوبُ عن خُلق الإسلام وأدبه، ولا تَنِمُّ عنه، ولا تُغْنِي، إنها لا تَخْدم الإسلام في شئ، إنما هي تشنجاتٌ وردود أفعال مخطئة. -هذا على الرُّغم من أنّ الغالب أن تَكُون هذه نتيجةً لحُبِّ الدِّين والغيرة عليه والإيمان الصادق- ولكن الأفضل مِن ذلك: عَملٌ وئيدٌ راسخ يَخدم هذا الدين في أيّ مجال، أو في شتى المجالات، ويَهْتدي بهدْي الإسلام وأحكامه، ويتخلّق بأخلاقه وآدابه {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
…
} 1 ونَصْرُنا لله إنما يجب أن يكون بشرع الله، لا بأهوائنا حتى ولو كانت سائرة في هذا الاتجاه المتشنج من أجْل الدين ما دامت على غير هدْيه!.
ب- الانطلاق من مفاهيم يُظنُّ أنها شرعيةٌ:
هناك عِدّةُ مفاهيم في هذا الباب لا تتفقُ مع ما جاء به الإسلام مِن أحكام، ومع ذلك يَتعامَل بها صاحبها ظناً منه أنها شرعيةٌ يَدْعوه إليها الإسلام، أُشيرُ إلى أهمها في الأسطر التالية.
فمِن أغاليط بعض المسلمين الصالحين في هذه القضية ما يلي:
1 -
الظن بأنّ أذيّة المسلم للكافر فيها أجرٌ مطلقاً:
يَظن بعض الناس أن أذية المسلم للكافر مأمور بها شرعاً، وفيها
1 40: الحج: 22.
أجرٌ!!. وهذا الفهم لا يؤيده شيءٌ من النصوص الشرعية، البتّة، ولعل الظن بأنّ هناك نصوصاً من القرآن والحديث تُبيح هذا الصنيع هو الذي أَوْقع بعض الناس في هذا الفهم، أو أنه اختلط عليهم هذا الفهم بما أمرتْ به النصوص المسلمين في قتال الكافرين من الصبر والمصابرة في إيلام العدوّ! وهذا خطأ وخروج عن موضوع تلك النصوص. نَعَم جاء في شأن الدين وفي شأن صفات عباد الله قوله تعالى: {
…
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ..} 1. وجاء في الحديث: "
…
فإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ فاضطرُّوه إلى أضيَقِهِ" 2.وسيأتي بعد قليل بيان معنى ذلك.
2-
الظن بأن التعامل الحسن مع الكافرين حرام:
يَظن بعض الناس أن التعامل الحسن مع الكافرين حرامٌ، منهيٌّ عنه شرعاً!، ويَظن بعض الناس أنه لا يصح الصدق والعدل في حق الكافر!.
وهذا الفهم لا يؤيده شئ من القرآن والحديث، بل يتعارض مع ما جاء فيهما من التأكيد على الصدق والعدل والإنصاف وسائر الأخلاق الحميدة مُطْلَقاً، والتأكيد على تحريم الكذب والظلم والجور وسائر مساوئ الأخلاق مُطْلَقاً. وعموم النصوص في ذلك ليس له مُخَصِّص.
3-
اختلاط مفهوم التعامل الحسن بمفهوم الولاء:
يختلط على بعض الناس مفهوم الولاء، ومفهوم التعامل الحسن مع
1 54: المائدة: 5.
2 يأتي بعد قليل تخريجُه، وبيانُ معناه.
الكافرين! وذلك حينما يظن أن التعامل الحسن مع الكافر -مثلاً- موالاةٌ له. وليس الأمرُ كذلك؛ لأن هذا شيء وذاك شيء آخَرُ.
4-
الظن بأنه لا يجوز السلام على الكافر مطلقاً:
يَظن بعض الناس أنه لا يصح السلام على الكافر مطلقاً!. مع أنّ النبي صلى الله عليه وسلم "أَتى مجلسَ قوم فيهم أخلاطٌ مِن المسلمين والمشركين عبَدَةِ الأوثان واليهود فسلّمَ عليهم1"، ومثْلُ هذا الحديث ينبغي أن يُضمّ إلى الأحاديث الأخرى بشأن السلام على أهل الكتاب، كقوله صلى الله عليه وسلم:" إذا سلّمَ عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم "2، ومِن هذا القبيل: قوله: "إذا سلّمَ عليكم اليهود، فإنما يقول أحدهم: السامُ عليك. فقُلْ: وعليك"3.
وفي ضوء ذلك يُنظَرُ في المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ فاضطروه إلى أضْيَقه" 4، فإنّ المتعيّن أن يؤخَذَ إلى جانب بقية النصوص؛ الْتماساً للفهم الصحيح لمعانيها، مع التسليم اليقينيّ بأنّ كلَّ ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حقٌ،
1 البخاري، الأدب، 115 -باب كنية المشرك البُغا، ح5854، 5/2292، وأخرجه البخاريّ في الاستئذان، 20 -باب التسليم في مجلسٍ فيه أخلاطٌ مِن المسلمين والمشركين، ح5899.
2 البخاريّ، الاستئذان، برقم5903بُغا.
3 البخاريّ، الاستئذان، برقم5902 بُغا.
4 مسلم، 39 - السلام، ح 132167.
ولكن على مراد الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن الواضح أنّ مِثْل هذا الحديث مِن القول الذي ظاهرُهُ العموم، والمراد به الخصوص؛ يَدُلُّ على هذا الأحاديث الأخرى، وكذلك الرواية الأخرى:"إني راكبٌ غداً إلى اليهود؛ فلا تبدءوهم بالسلام" 1؛ فعموم الرواية السابقة يُحْمَل على خصوص هذه2. ومما قاله: قال القرطبيّ في قوله: "وإذا لقيتموهم في طريقٍ فاضطروهم إلى أضْيقه" معناه: لا تتنحّوا لهم عن الطريق إكراماً لهم واحتراماً، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبةً للجملة الأولى في المعنى، وليس المعنى: إذا لقيتموهم في طريقٍ واسع فألْجئوهم إلى حَرْفه حتى يضيق عليهم؛ لأن ذلك أذىً لهم؛ وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب3.
5-
الخلط بين تفضيل الإسلام، وتفضيل الخُلُق الشخصيّ للمسلم:
يَظن بعض الناس أنه بحكم الإسلام فإنه يتعين الحُكْم للمسلم أنه أفضل في الخُلق والسلوك الشخصي من الكافر مطلقاً، وأنه لا يمكن أن يوجد كافرٌ أفضل في الخلق والسلوك الشخصي من المسلم! وهذه مغالطة في فهم الدين وفي فهم الواقع؛ إذ الأخلاق الممدوحة في الإسلام إنما هي ممدوحةٌ لِذَاتها، بِغضِّ النظر عن صاحبها، كما أن الأخلاق المذمومة في
1 البخاري، في الأدب المفرد، برقم1102، وأحمد: 6/398، بلفظين، للنسائيّ في عمل اليوم والليلة: ص305، بمعناه، وابن ماجة، برقم3699.
2 يُنظر ما ذكره الإمام ابن حجر من فقْهِ أحاديثِ الباب وأحكامها في: الفتح11/38- 40و41 - 46.
3 فتح الباري، لابن حجر 11/40.
حكم الإسلام مذمومة لِذَاتها، بِغضِّ النظر عن صاحبها، مسلماً كان أو كافراً. وقد خَلق الله الناس جميعاً على الفطرة، ولكن الشياطين تَجْتال مَن تَقْدِر عليه منهم!.
ثم كيف يَحق للإنسان أن يفتخر بأخلاقِ دِينِهِ الحقِّ في الوقت الذي قد تَخلى عنها فيه؟!.
والإنسان قد يتحلى بصفاتٍ متناقضة أو متعارضة: صفات محمودة، وأخرى مذمومة! ولهذا فقد يكون المسلم أحياناً -مع ما هو عليه من شَرَف الانتساب إلى الإٍسلام- مُضَيِّعاً لبعض الأخلاق الحميدة، أو مُرْتكِباً لبعض مساوئ الأخلاق.
وربما كان مناسباً التنبيه هنا إلى أنّ المعاملة الحسنة التي يدعو إليها الإسلام في التعامل مع الناس جميعاً، بما فيهم الكفار، ليس مِن لازِمِه الغفلة، وعدم الحيطة والحذر، سواء أكان تعامُلُك مع المسلم، أو مع الكافر، أو مع الكافرين، بل إنّ مِن الواجب على المسلم، وعلى المسلمين، الحيطةُ والحذَرُ، دون الخروج عن أُسسِ دِينهم في التعامل مع الآخرين، لاسيما أن الواقع يُثْبت أنواعاً مِن المكر في هذه الأعصار؛ فَحُسْن المعاملة والخُلُق لا يَعني الغفلةَ وأمْنَ الجانب على كلِّ حال.