الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6-
عبد الرحمن شكري 1886-1958م:
أ- حياته:
في أسرة مغربية الأصل وُلد عبد الرحمن شكري لأب يُسمى محمد شكري عياد، كان في أيام الثورة العرابية يشتغل معاونًا في "الضابطية" بالإسكندرية، فاتصل برجال هذه الثورة وعلى رأسهم عبد الله نديم، ولم يلبث أن انضم إليهم،
وعمل تحت لوائهم. ولما أخفقت الثورة سُجن مع من سجنوا من الثائرين، ثم عُفي عنه، وظل بدون عمل مدة، ثم عُين ضابطًا في معاونة محافظة القنال ببورسعيد، ومكث في هذه الوظيفة بقية حياته. ورُزق بابنه في هذه البلدة سنة 1886، وتصادف أن مات كل أبنائه الذين يكبرونه، فاهتم به اهتمامًا خاصًّا، وعلق عليه أمانيَّ واسعة. فألحقه أولًا "بالكُتَّاب"، ثم نقله إلى المدرسة الابتدائية، فالمدرسة الثانوية، وتخرج فيها سنة 1904.
وكانت في هذا الأب نزعة أدبية، ولعل هذه النزعة هي التي عقدت الصلة بينه وبين أديب الثورة العرابية عبد الله نديم؛ بل يقال: إنه كان من أدباء هذه الثورة. وكان النديم كثيرًا ما ينزل عليه ضيفًا بعد صدور العفو عنه، كما كان ينزل عليه بعض أدباء العصر مثل الشيخ حمزة فتح الله. وكان يصل ابنه بالرجلين، كما كان يتعجل إيقاظ مواهبه بما يعرض عليه من كتابات العصر ومؤلفاته، وخاصة كتاب "الوسيلة الأدبية" للشيخ المرصفي. وكان في مكتبته ديوان ابن الفارض وديوان البهاء زهير، فعكف عبد الرحمن على هذا كله، ولم تلبث مخايل نبوغه أن تراءت لأستاذه في العربية الشيخ عبد الحكيم، وهو لا يزال في المدرسة الثانوية، فكان يشجعه ويُعجب بما يكتب وينظم.
والتحق بمدرسة الحقوق، ولكنه لم يلبث أن فُصل منها بسبب تحريضه الطلاب على الإضراب استجابة لزعماء الحزب الوطني. فترك التشريع ودراسة القانون، واتجه إلى دراسة الآداب التي كانت تتفق وميوله، وتحقيقًا لهذه الغاية التحق بمدرسة المعلمين العليا، وتخرج فيها سنة 1909. وقد التزم فيها الدرس الصارم للأدبين العربي والغربي، وكان أكثر ما يعجبه من الأدب الأول كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني وديوان الحماسة لأبي تمام، وديواني الشريف الرضي ومهيار، فاقبل يعبُّ منها جميعًا، أما الأدب الغربي فوجد بغيته منه في كتاب "الذخيرة الذهبية" الذي وُزِّع عليهم في مدرسة المعلمين، وهو يضم أروع ما لشعراء الإنجليز من شعر غنائي.
وفي هذه الأثناء كان يكتب في صحيفة الجريدة التي يحررها لطفي السيد
بعض ما ينشئه من مقالات ومن أشعار، وهي الجريدة التي كانت تحمل راية التجديد حينئذ، وكان يُقبل على الكتابة فيها شباب الأدباء من مثل: محمد حسين هيكل وطه حسين. ومقالاته فيها تدل على أنه يفهم الشعر في ضوء آراء النقاد الغربيين، فهو يكتب عن عَلاقة الشعر بالفنون ونحو ذلك من موضوعات كانت تُعد حينئذ جديدة؛ بل بدعًا جديدًا.
ونراه في سنة 1909 ينشر أول ديوان له، ويسميه "ضوء الفجر". ثم يذهب في بعثة إلى إنجلترا، ويعود من البعثة سنة 1912، ويعين في مدرسة رأس التين الثانوية بالإسكندرية. وينشر الجزء الثاني من ديوانه، ويقدِّم له العقاد مقدمة رائعة سبق أن تحدثنا عنها في فصل "الشعر وتطوره". وتتعاقب أجزاء الديوان التي بلغت سبعة، وقد ظهر الأخير منها في سنة 1919.
ويتقلب في وظائف وزارة التربية والتعليم بين النظارة والتفتيش، ولا نراه يخرج ديوانًا بعد هذا التاريخ؛ بل يكتفي بما ينشره من قصائد ومقالات في مجلات المقتطف والرسالة والثقافة والهلال، وفي صحيفتي الأهرام والمقطم. وأحيل إلى المعاش سنة 1944؛ ولكن شعلة النشاط لم تخمد في نفسه، فقد ظل يكتب في هذه الصحف والمجلات، واختار بورسعيد -مسقط رأسه- ليمضي فيها بقية حياته، ثم تركها إلى الإسكندرية، وفيها لبَّى داعي ربه في 15 من ديسمير سنة 1958.
ب- شعره:
شعر شكري تعبير واضح عن التقاء العقلين: المصري العربي، والغربي الإنجليزي وغير الإنجليزي، وقد كان الشعراء قبله -ونقصد شعراء النهضة- يتصلون أكثر ما يتصلون بالأدب الفرنسي، أما هو فأكثر صلته بالأدب الإنجليزي.
وأخذ نفسه -منذ أن كان طالبًا في مدرسة المعلمين- بالتعمق في هذا
الأدب وبالقراءة الواسعة في الأدب العربي. وتصادف أن قرأ مختارات "الذخيرة الذهبية" فرأى فيها نموذجًا جديدًا لشعر غنائي يخالف الصورة التقليدية للشعر العربي، فليس فيه مديح ولا هجاء، وإنما فيه التعبير الواسع عن العاطفة والتأمل الواسع في آمال البشرية وآلامها وكل ما يتصل بالحياة والطبيعة من أفكار وأنغام.
واستقرت هذه الصورة في نفسه، فلم يعد يعجب بشعرنا التقليدي في أبوابه الكبيرة المعروفة وخاصة باب المديح. وتصادف أن اطلع على كتاب "الأغاني" و"ديوان الحماسة" لأبي تمام فأعجب بما فيهما من غزل وجداني لا تصنع فيه ولا تكلف، واطلع على ديواني الشريف الرضي ومهيار، فوجد فيهما نفس الغزل الطبيعي الذي يشف عن قلب صاحبه، دون أي حجاب كثيف من طباق وجناس وغير ذلك من ضروب البديع.
حينئذ نزعت به نفسه أن يدخل الشعر من هذا الباب ومن الأبواب الواسعة التي فتحها أمامه شعراء كتاب "الذخيرة الذهبية". وديوانه الأول الذي نشره عقب تخرجه من مدرسة المعلمين وسماه "ضوء الفجر" يصور خير تصوير هذا الاتجاه، الذي كان يعد ثورة في أوائل القرن.
والديوان يخلو خلوًّا تامًّا من المديح، وفيه رثاء لزعماء الإصلاح الذين لبوا نداء ربهم؛ وهم: الشيخ محمد عبده ومصطفى كامل وقاسم أمين، وهو رثاء من نوع جديد، يقتصر فيه الشاعر على التفكير في الحياة والموت، ولا نراه يصور حزن الشعب المصري كما صوره حافظ مثلًا في رثائه لهؤلاء الأعلام، فهو مشغول بنفسه وبخواطره الذاتية.
إنه شاعر وجداني ذاتي بالمعنى الكامل الذي يفهمه الغربيون عن الشاعر الغنائي، فالشعر نسيج نفسه وليس نسيج الأحداث السياسية والعواطف القومية، ومن أجل ذلك كان أكثر النغم في الديوان نغم الحب، وهو حب محروم، فيه يأس وشجى. ووراء هذا الحب تصوير واسع للنفس البشرية وأحاسيسها إزاء الكون والطبيعة، وهي أنغام استمدها مما قرأه في الشعر الإنجليزي، وقد
طُبعت عنده كما طبعت عند أصحاب المنزع الرومانسي بالحزن والتشاؤم، فهي تذيع أنات الشاعر ويأسه القاتل، حتى ليقول في قصيدة بعنوان "شكوى الزمان":
لقد لفظتني رحمة الله يافعًا
…
فصرت كأني في الثمانين من عمري
وفي آخر الديوان قصيدة طويلة من الشعر المرسل الذي يتحرر فيه الشاعر من القافية على نمط ما هو معروف عن شكسبير وغيره من شعراء الغرب، وفيها يصور أحزانه ومطامحه إلى حياة أكمل من هذه الحياة.
ويُرْسَل شكري في بعثة إلى إنجلترا، فتتسع معرفته بالأدب الإنجليزي، ولا يقف بقراءاته عند هذا الأدب؛ بل يأخذ نفسه منذ هذا التاريخ بقراءة آداب الأمم الغربية المختلفة من فرنسية وألمانية وغير فرنسية وألمانية.
ويعود إلى مصر، فتشتد الصلة بينه وبين شاعرين من طرازه وذوقه في فهم الشعر وما ينبغي أن يكون عليه في ضوء الأدب الإنجليزي وغيره من الآداب الغربية؛ وهما: إبراهيم عبد القادر المازني وعباس محمود العقاد، ويؤلفون معًا هذا الجيل الجديد الذي ثار على شعرنا القديم كما ثار على شعر شوقي وغيره ممن كانوا يضطربون بين التقليد والتجديد.
ويأخذ شكري في إخراج دواوينه واحدًا تلو الآخر، وتارة يقدم لما يخرج من دواوين، وتارة يقدم له العقاد مما وصفناه في غير هذا الموضع. وألف قصة سماها قصة الحلاق المجنون، وفيها ما يدل على تأثره بالآداب الروسية حينئذ، كما ألف "الاعترافات" وفيها تأثر واضح بما قرأه في الآداب الفرنسية من اعترافات "جان جاك روسو" و"شاتوبريان" وإن لم يجعلها على لسانه فقد نسبها إلى شخص رمز إليه بالحرفين م. ن. وهي اعترافات رائعة؛ إذ كلها تحليلات وتأملات، وقد وصف فيها الشباب المصري بأنه "عظيم الأمل؛ ولكنه عظيم اليأس، وكل منهما في نفسه عميق مثل الأبد".
وشكري بمثل هذا الاعتراف يضع في يدنا مفتاح هذا التشاؤم وهذا الضيق
والتبرم اللذين وقَّعتْ مدرسته شعرها على أوتارهما، فقد كان يجثم الاحتلال الإنجليزي على صدر وادي النيل، ولم يكن الشباب المصري حينئذ مبتهجًا؛ بل كان حزينًا حزنًا شديدًا؛ إذ كان يعاني أزمة الحياة، وكان لا يستطيع تحقيق آماله؛ بل كان يرتد دائما عن تحقيقها بائسًا يائسًا. ومن هنا أصبح قرار النغم عنده قاتمًا، فالحياة قاتمة من حوله، ولا يستطيع شاب أن ينال منها غير الضنى والحزن والمرارة.
وهذا هو طابع شعر شكري في جميع دواوينه، وهو طابع حزين لا يستمد فيه من شعر المنزع الرومانسي فحسب؛ بل يستمد فيه من حقائق بيئته وحقائق حياته وحياة الشباب المصري من حوله. ولعل ذلك ما جعله يردد الحديث كثيرًا عن الموت، وهو يفتتح الجزء الثالث بقصيدتين عنوانهما على التوالي:"الحب والموت" و"بين الحياة والموت". ومن قوله في أولاهما:
وما الدهر إلا البحر والموت عاصف
…
عليه وأعمار الأنام سفين
وفي نفس الديوان قصيدة بعنوان "الأزاهير السود"؛ إذ تتراءى له كل أزهار الحياة أزهار ضنك وشقاء، ونراه يرثي نفسه في هذا الديوان بقصيدة عنوانها "شاعر يحتضر" يستهلها بقوله:
أألقي الموت لم أنبه بشعري
…
ولم يعلم سواد الناس أمري
وفي نفسي من الأبد اتساع
…
تدور الكائنات بها وتجري
وأكثر أشعاره في دواوينه من هذا الضرب القاتم الحزين، ونراه يُلقي بظلال حزنه على مشاهد الطبيعة من حوله، ومن قصائده الرائعة في ذلك قصيدته في الجزء الخامس "إلى الريح"، وفيها يقول:
يا ريح أي زئير فيك يفزعني
…
كما يروع زئير الفاتك الضاري
يا ريح أي أنين حن سامعه
…
فهل بُليت بفقد الصحب والجار
يا ريح ما لك بين الخلق موحشة
…
مثل الغريب غريب الأهل والدار
أم أنت ثكلى أصاب الموت واحدها
…
تظل تبغي يد الأقدار بالثار
واستلهم في هذه القصيدة قصيدة "أغنية الريح الغربية" للشاعر الإنجليزي الرومانسي شللي؛ ولكنه لم يَسْطُ على معانيه؛ بل اهتدى من بعيد على ضيائه إلى هذه الأنغام العربية الشجية، وكان على هذا النحو دائمًا يستضيء بالنماذج الغربية؛ ولكن لا ينقلها نقلًا في أساليبه العربية، وإنما يكتفي بالإلهام من بعيد، ثم يغني عواطفه وشجونه في شعره. وفي دواوينه أمثلة مختلفة من ذلك، ومن أوضحها قصيدته "نابليون والساحر المصري" في الجزء الثاني، وقد استلهم فيها قصيدة الشاعر "The Bard" لتوامس جراي، وهي كقصيدة "الريح الغربية" من قصائد "الذخيرة الذهبية".
ودائمًا يتردد النغم الحزين في شعره، وصوَّر ذلك في اعترافاته -كما قدمنا- إذ قال عن الشباب المصري: إنه يتقاذفه الأمل واليأس؛ ولكن اليأس كان أشد عنفًا به؛ إذ ينفذ إلينا من أكثر قصائده.
وطبيعي أن يدفعه تفكيره في الحياة وبؤسها إلى تفكير واسع في عالم الكون والغيب وأحواله، وناموس الحياة ووجودها المطلق وحقائقها الكلية. وكل ذلك يتراءى أمامه كأنه بحر بغير ضفاف، ومن خير ما يصور ذلك قصيدته في الجزء الخامس "إلى المجهول"، وهو يفتتحها بقوله:
يحوطني منك بحر لست أعرفه
…
ومهمه لست أدري ما أقاصيه
أقضي حياتي بنفس لست أعرفها
…
وحولي الكون لم تُدْرَك مجاليه
يا ليت لي نظرة للغيب تسعدني
…
لعل فيه ضياء الحق يبديه
كأن روحي عود أنت تحكمه
…
فابسط يديك وأطلق من أغانيه
ووقفة شكري أمام الكون وأسراره لا تنتهي به إلى شك ولا إلى قطع حبل الرجاء في معرفة حقائق الوجود وروحه الخالدة. وقلبه من هذه الناحية كان عامرًا بالإيمان، وتصور ذلك أوضح تصوير قصائد مختلفة مثل:"في عرفات" و"عظة الهجرة" و"يا رحمة الله التي عمت الورى"، وقصيدته في الجزء الرابع "صوت الله"، وهو يستهلها بقوله:
أنصت ففي الإنصات نجوى النفوس
…
فإن صوت الله دانٍ كليم
ويقول في الجزء الخامس من قصيدته "قوة الفكر":
الفكر نور الله في الوجود
…
فعمره كخُلْده المديد
وله في الجزء السابع قصيدة بعنوان "الملَك الثائر"، صوَّر فيها ملَكًا ثار على ربه؛ لما تمتلئ به الأرض من شرور، ونزل إلى الأرض يحاول الإصلاح، فهب في وجهه العصاة والتقاة، وأراد الصعود ثانية إلى الملأ الأعلى، فأغلقت أبواب السماء في وجهه عقابًا على ثورته وعصيانه لربه. وقد زعم بعض النقاد أن قصيدته "حلم البعث" في الجزء الثالث تصور تمردًا على الإيمان بالله واليوم الآخر، وهي ليست أكثر من سخرية بالناس وشرورهم التي لا تفارقهم حتى بعد موتهم.
وله منظومتان في "أبي الهول" و"هرم خوفو"؛ ولكنه لا يذهب بشعره فيهما مذهب شوقي في فرعونياته، فهو لا يعنيه الإشادة بمجد الآباء بقدر ما تعنيه نفسه وخواطره في الكون والحياة. وربما كانت قصيدته في الجزء الخامس "العبد الروماني" رمزًا لحكام الشعب الطغاة، فقد قتل العبد في القصيدة سيده الطاغية، وتغنَّى بالحرية قائلًا:
رضينا بنيرون فكنا بناره
…
جديرين إن الأتقياء حُطام
وربما كانت هذه القصيدة هي التي ألهمت خليل مطران قصيدته في "نيرون". وله في الجزء السابع قصيدة تسمى "هز الأنوف" وفيها صور ملِكًا جائرًا حكم شعبه حكمًا ظالمًا، فأمر كل فرد فيه أن يهز أنفه صباح مساء، وأخيرًا ثار عليه أحد أبناء شعبه قائلًا:
إذا نحن طامنا لكل صغيرة
…
فلا بد يومًا أن تساغ الكبائر
وعلى هذا النحو كان شعر شكري شعرًا جديدًا؛ بل كان حدثًا جديدًا في شعرنا المصري الحديث، إلا أن الجمهور لم يقبل عليه لسببين: أما أولهما