الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالقلب أكثر مما يؤمن بالعقل الذي يحطم حياة الناس، ومع ذلك تَحْلم به البشرية، وتحاول عن طريقه أن تكشف أسرار الكون وتجتاز حدود المكان، وفي ذلك اندحارها وهزيمتها كما انهزم شهريار. وقد دفعت ضرورات المسرحية كاتبنا إلى هذا الوضع الشائن لشهرزاد التي عُرفت بعقلها وحكمتها، فسقط بها سقطة بشعة، ومن أجل ذلك تولى طه حسين في "القصر المسحور" الدفاع عنها عاتبًا على توفيق صنيعه بها، غير أن توفيقًا حولها إلى صورة جديدة تتمشى مع تطور الأشخاص في مسرحيته، ولم يُعْنَ بصورتها التاريخية.
10-
محمود تيمور 1894-1973م:
أ- حياته وآثاره:
في درب سعادة -أحد دروب القاهرة- وُلد محمود سنة 1894 لأحمد تيمور "باشا" أحد مفاخر مصر الحديثة في تحصيل الكتب العربية القديمة وجمع مخطوطاتها ونفائسها، وأحد علمائنا الباحثين في اللغة والأدب والتاريخ. ويرجع تيمور "باشا" إلى أصول كردية عربية، وقد ورث ثروة كبيرة عن آبائه، فكانت له ضياع وأملاك، ولم يبدِّد هذه الثروة؛ وإنما احتفظ بها لأبنائه، وأهدى إلى مصر ودار كتبها أنفس مكتبة أهديت إليها في تاريخنا الحديث.
وكان تيمور "باشا" دمثَ الأخلاق متواضعًا، واتخذ من بيته منتدى للأدباء والعلماء من أمثال: محمد عبده والشنقيطي. وكثيرًا ما حج إلى هذا البيت المستشرقون ورجال الأدب والعلم في الأقطار الشقيقة. ولما تُوفيت زوجته انتقل بأبنائه إلى "عين شمس" إحدى ضواحي القاهرة، ثم اتخذ له بيتًا في "الزمالك".
وكان يقضي الصيف في بعض ضياعه، مختلطًا هو وأبناؤه بالفلاحين، كأنهم منهم.
وفي هذا الوسط وتلك البيئة نشأ محمود، وأخوه محمد، وبقية إخوتهما، يتنفسون في هذا الجو الهادئ السعيد. وانتظم محمود في المدرسة الابتدائية، ثم الثانوية، وعَيْنُ أبيه ترعاه، وقد أخذ يصله بهوايته من قراءة الأدب، وألزمه هو وإخوته حِفْظَ معلقة امرئ القيس، وكأنه يريد أن يعلق في ذاكرتهم تميمة اللغة العربية، ووصَلَهم بالكتب القديمة، وخاصة القصصي منها مثل ألف ليلة وليلة.
ولم يلبث الأخوان محمد ومحمود أن أصدرا صحيفة منزلية يسجلان فيها أخبار المنزل والأصدقاء، وأنشآ مسرحًا بيتيًّا يمثلان فيه بعض المسرحيات الساذجة، ودفعهما ذلك إلى الإقبال على قراءة الروايات والقصص المترجمة، وأكثرا من قراءة المنفلوطي والآثار الجديدة التي كان يُحْدثها أدباء المهجر من أمثال جبران. وأخذ محمود ينظم الشعر، ويكتب طرائف من الشعر المنثور.
وسافر محمد إلى باريس سنة 1911، وظل بها إلى سنة 1914، وهناك استوت له معرفة دقيقة بأدب القصة والمسرحية. وفي هذه الأثناء كان محمود قد أتم تعليمه الثانوي والتحق بمدرسة الزراعة العليا، إلا أنه مرض بمرض التيفود وأثَّر في بنيته وقواه الجسمية، فاضطُر إلى قطع دراسته. وعاد محمد، فوقف منه على ما وراء البحر من أدب قصصي وتمثيلي، وأخذ يصور له قواعده وأصوله، وحبَّب إليه قراءة حديث "عيسى بن هشام" للمويلحي و"زينب" لهيكل. ولم يلبث محمد -كما مر بنا في غير هذا الموضع- أن انضم إلى جمعية من هواة التمثيل، وألف بعض مسرحيات وأقاصيص بلغتنا العامية.
وأخذ محمد يلقن أخاه محمودًا المذهب الواقعي في الأقصوصة الغربية، وأخذ محمود يقرأ فيه، وخاصة في موباسان القصاص الفرنسي الواقعي، الذي كان يعجب به أخوه إعجابًا شديدًا. وقد جرى في إثره يعجب به وبأسلوبه القصصي القائم على التركيز وتماسك الأحداث في الأقصوصة تماسكًا متينًا.
وبدأ يكتب محاولاته في هذا الفن، فكتب أقصوصتي:"الشيخ جمعة" و"يُحْفَظُ بالبوسطة". ويموت محمد في شرخ شبابه سنة 1921 فلا تَهْوِي الراية من يده؛ بل يتسلمها منه محمود، ليُتم ما بدأه، ولا يصل إلى سنة 1925 حتى تتجمع له مادة من الأقاصيص، تتيح له أن ينشر في الناس في مجموعته الأولى:"الشيخ جمعة وقصص أخرى"، ومجموعته الثانية:"عم متولي وقصص أخرى". ونراه في المجموعة الأولى يتحدث عن الأقصوصة ومكانتها في عالم الأدب كما يتحدث عن المذهب الواقعي وضرورة الأخذ به في التأليف القصصي. ثم ينشر "الشيخ سيد العبيط وأقاصيص أخرى"، ويتحدث في مقدمتها عن القصة في اللغة العربية وعن جهد المويلحي وهيكل وأخيه محمد تيمور مبينًا أنه يعبِّد فيها طريقًا جديدًا بدأه من قبله أخوه، وهو يحاول أن يسير بها في نفس الطريق مستمدًّا من البيئة المصرية بأشخاصها وجوِّها وصورها المختلفة في الريف والمدينة.
ولا تظن أن فن محمود تيمور استوى تمامًا في هذه المجاميع الأولى، فإنه يغلب عليها المبالغة، كما يغلب عليها شيء من النزعة الخيالية التي تركتها في نفسه قراءاته للمنفلوطي ولأدباء المهجر، وإن كنا نلاحظ من طرف آخر أنه ينزع إلى الخير والإصلاح الاجتماعي، فهو يسعى بأقاصيصه التي يكشف بها عن نقائص المجتمع إلى غاية خلقية.
ويتاح له أن ينزل في فرنسا سنتين، يقضيهما فيها وفي سويسرا، فيطلع على الأدب الفرنسي من قريب، ويقبل على قراءة الأدب الروسي عند تورجنيف وتشيخوف وأضرابهما، كما يقبل على قراءة الآداب الغربية المختلفة، وتستوي في نفسه للأقصوصة صورة أدق من الصورة الأولى، وتتببين له معالم الطريق واضحة، ويأخذ في إنتاجه الضخم الذي بلغ إلى اليوم نحو عشرين مجموعة من الأقاصيص والقصص الطويلة.
وأقاصيصه في هذه المجاميع منوعة تنويعًا واسعًا، وهي في أكثرها لوحات لحوادث ومواقف وأحوال اجتماعية ونفسية، ويظهر في كثير منها نزعة تحليلية،
كما يظهر في كثير منها نوع من العطف على شخوصه، مع الاعتدال في التصوير، فالخيال لا يجمح به. وقد يسوق لك عقدة نفسية، أو صراعًا نفسيًّا باطنًا؛ ليصور لك جوانب الضعف في الإنسان. وهو في كل ذلك يتخذ أسلوبًا بسيطًا لا مبالغة فيه ولا إغراق؛ وإنما فيه الصدق وتمثيل الواقع في بساطة.
ولم يقف بأقاصيصه عند غايات محلية، فقد جعلها تتسع لنزعات إنسانية عامة؛ كنزعة الخير أو نزعة الكمال أو نزعة الإحساس بالجمال في الطبيعة أو في الموسيقى والأشياء. والحق أنه بلغ في ذلك كله مرتبة رفيعة، ويكفي أنه مؤسس فن الأقصوصة في الأدب العربي الحديث، حقًّا سبقه إليها أستاذه وأخوه محمد؛ ولكنه هو الذي نَمَّاها ووسَّع طاقتها، وجعلها شبيهة بما ينتجه أدباء الغرب في هذا المضمار، مما كان سببًا في أن تُتَرجم كثير من أقاصيصه إلى الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية والروسية، فهو أستاذ الأقصوصة في عصرنا غير منازَع، وهو فيها لا يقف عند مذهب غربي معين. يؤثر المذهب الواقعي، وقد يعدل عنه إلى بعض صور خيالية أو بعض صور تأثيرية؛ إذ نراه يقدم الحادثة ويتركها بدون شرح؛ لنتأثر بها على النحو الذي نريده. ومن بديع مجموعاته التي تصور كل ما قدمنا:"مكتوب على الجبين" و"كل عام وأنتم بخير" و"إحسان لله" و"شفاه غليظة" و"شباب وغانيات". ومن خير أقاصيصه الطويلة "ثائرون"، وهو يصور فيها ما كان يحتدم في قلوب شبابنا من ثورة على أوضاع العهد البائد الفاسد، وقد كتبها في صورة مذكرات على لسان طالب جامعي.
ولم يقف محمود تيمور عند محاولة الأقصوصة القصيرة، فقد حاول أيضًا القصة الطويلة وأخرج فيها:"نداء المجهول" و"كليوباترا في خان الخليلي" و"سلوى في مهب الريح". وهو ينزع في القصة الأولى منزع توفيق الحكيم الذي يسعى إلى تصوير الروح الشرقية، وهي قصة تشبه قصص الحب العذري القديمة، وحوادثها تجري في لبنان. ونحس فيها النزعة الخيالية واضحة، وفي الوقت نفسه يحلل الكاتب البيئة والشخصيات وعواطفهم تحليلًا واقعيًّا،
فالخيال والواقع يتقابلان، كما تتقابل معهما روح الفكاهة ممثلة في الأستاذ كنعان المتعالم المغرور.
و"كليوباترا في خان الخليلي" قصة خيالية، يتصور فيها الكاتب مؤتمرًا للسلام عُقد في القاهرة. واجتمع فيه فلاسفة العالم، وقد رأى أحدهم أن يتصل ببعض الأرواح من العالم الآخر، فتحضر كليوباترا ويحضر تيمورلنك المحارب التتري القديم، وكل منهما يغاير الصورة المعروفة له، فلا يفيد منهما المؤتمر ما كان يرجوه. ويأخذ المؤتمر في مناقشة أمور فرعية. ويعرض تيمور في القصة نقدًا ساخرًا للمؤتمر وحماقات الإنسان وترهاته، وفي ذلك كله تجري روح الفكاهة والدعابة.
أما "سلوى في مهب الريح" فقصة تحليلية واقعية للجانب العابث في حياة الطبقة الأرستقراطية، وبطلتها سلوى فتاة فقيرة تضطرب في خضم الحياة، وتدفعها عوامل البيئة والوراثة إلى الزلل.
وهذه الموهبة القصصية البارعة رأى محمود تيمور أن يستغلها في صنع المسرحية، فكتب مسرحيات من فصل واحد، كما نرى في "حقله شاي" وهي مسرحية تصور حب الظهور في أنماط متباينة من الناس لا نكاد نقرؤهم حتى نغرق في الضحك. ولم يقف بهذه المسرحيات القصيرة عند واقع بيئته، فقد تحول بموضوعها إلى التاريخ القومي والعربي يتخذ منه موضوعه كما نرى في "مسرحية المنقذة" التي صور في بطلتها بنت خليل بك شيخ البلد الصراعَ النفسيَّ بين الاعتراف بالجميل وإنكاره.
وبجانب هذه المسرحيات القصيرة يكتب مسرحيات طويلة يستمدها من التاريخ العربي مثل "ابن جلا"، وفيها صور الحجاج الثقفي لا في صورته التاريخية؛ وإنما في صورة إنسانية جديدة، ومثل "حواء الخالدة" التي عالج فيها حب عنترة وعبلة، ومثل "اليوم خمر" وقد صور فيها حياة امرئ القيس، ومثل "صقر قريش" التي صور فيها عبد الرحمن الداخل أول الخلفاء الأمويين في الأندلس. وقد يستمد مسرحياته الطويلة من الحياة الواقعة كما نرى في
مسرحيته "المخبأ رَقْم 13"، وفيها صور الخوف من الموت في صور زاخرة بالسخرية، عرضها في أشتات من الناس، منهم الأرستقراطي ومنهم البائس الفقير، ومنهم من يؤمن بالخرافات والكرامات إيمان البُلْه. ومن مسرحياته "أشطر من إبليس"، وفيها يصور المجتمع المصري إزاء ثورتنا المباركة ويحلل عوامل الخير والشر في الإنسان.
وتزخر هذه المسرحيات جميعًا بالتحليل النفسي وبالصراع بين العقل والغريزة وبالعقد الباطنة، حتى لتصبح بعض الشخوص مزدوجة الشخصية، فلها ظاهرها في سلوكها، ووراء هذا الظاهر باطن خفي يلمع على جنباتها من حين إلى حين.
ولعل من الغريب أنه في مسرحيته الأخيرة "أشطر من إبليس" يقف الحوار، ويعمد إلى الشرح؛ حتى نفهم تعاقب المناظر والحركة في المسرحية، وكأنما موهبته القصصية تطغى على مسرحياته، وفي الحق أنه قصاصًا أبدع منه مسرحيًّا.
ولعل من الغريب أيضًا أنه كتب بعض مسرحياته مثل "المخبأ رَقْم 13" في نسختين إحداهما بالعربية الفصحى والثانية بالعامية. وهذا الصنيع يوضح تطورًا عنده، فقد بدأ أقاصيصه بالعامية، ثم عدل عنها وكتب باللغة الفصحى؛ بل حاول أن ينقل بعض أقاصيصه القديمة من العامية إلى الفصحى، وصنع ذلك فعلًا بمجموعة أقاصيصه "أبو علي عامل أرتيست" فدعاها "أبو علي الفنان". ثم أجرى فيها النقل والترجمة.
والحق أنه يبلغ الذورة في عالم الأقصوصة، وقد نال فيها جوائز مختلفة، وتقديرًا لمكانته الأدبية انتخب عضوًا في مجمع اللغة العربية، وظل في هذا المنصب حتى وفاته سنة 1973. ونقف قليلًا عند قصته الطويلة "سلوى في مهب الريح".
ب- سلوى في مهب الريح:
قصة واقعية تحليلية. بطلتها سلوى، فتاة نشأت في الإسكندرية في رعاية جدها، محرومة الأب والأم، فإن أباها طلق أمها لسوء سلوكها، ثم وافاه الموت. ويقدم لنا تيمور بيت الجد المتواضع بكل ما فيه من غلظة الجد ووقاره، وإحساس الفتاة بالعزلة والوَحْدَة، لولا ما كانت تُدْخله عليها خادم البيت "أم يونس" من أنس وطمأنينة.
وتنشأ الفتاة على البراءة والطهارة، ويأخذها جدها بحفظ بعض سور الذكر الحكيم. ويتصادف أن تشهد مع خادمها احتفال جمعية العروة الوثقى، فتتعرف على فتاة ثرية من الطبقة الأرستقراطية؛ إذ كانت بنتًا لأحد الباشوات. وتنعقد بينهما أواصر الصداقة، وتتعرف عندها على خطيبها "شريف" وشاب يسمى "حمدي" كان صديقًا لشريف. ويتوفَّى جدها، فتعيش فترة عند صاحبتها، ترعاها. وتعلم الأم بموت الجد فتحضر؛ لتأخذ بنتها، وتقيم معها بحي السيدة زينب في القاهرة، وتظل على علاقتها بصديقتها، وتعرف حقيقة أمها، وتشب على أسرارها وما تتردى فيه من علاقات أثيمة.
ثم تتطور الحوادث فتموت أمها، وتتزوج صديقتها بشريف، وتتزوج هي بحمدي، وكان من أسرة متوسطة متواضعة، ويصاب بالسل فينقل إلى المستشفى، وتنشأ في هذه الأثناء صلة حب بينها وبين شريف. ويتطور هذا الحب إلى مغامرة رهيبة جنتها عليها وراثتها السيئة. ويندفع شريف الشاب الثري المترف في القمار، ويفقد ماله ووظيفته وينتحر فرارًا من الحياة. ويموت حمدي بدائه. وتعمد سلوى إلى العمل في مشغل للحياكة، وهي حامل، وتلد في مستشفى وليدها؛ ولكنه يموت. ويُؤْتَى لها بطفل ترضعه؛ لأن أمه مريضة ولا تستطيع أن تقدم له غذاءه، وتحس نحوه بحنان، ثم تكتشف أنه ابن صديقتها سنية من شريف،
وتغفر لها سنية زلتها معها، وتتخذها مرضعة لطفلها.
والقصة محبوكة الأطراف، لا تقرؤها حتى تشعر بلذة، مردُّها إلى خبرة الكاتب بفن القصة وما يحتاجه من تشابك الحوادث والمفارقات والمفاجآت، وما يتخلل ذلك من نقد وفكاهة وتهكم وصراع. إنه قصاص بارع قد عرف أصول القصة، وطالما كتب في هذه الأصول بمقدمات قصصه، وقد أفردها ببحث مستقل، فهو أستاذ ماهر لا تعوزه ثقافة في عمله.
والشخصيات واضحة تمام الوضوح، وهي تنكشف تارة بوصف الكاتب لها، وتارة بسلوكها وأقوالها، وألقيت على سلوى أضواء كثيرة تصور تطورها النفسي من فتاة طاهرة إلى فتاة دنسة تعسة، وقد كانت اليد التي تنكرت لها هي نفسها اليد التي تقدمت لها في محنتها، تريد أن تخرجها منها. فالخير الذي يؤمن به الكاتب لا يزال يرسل شعاعه على البشر وما انطووا عليه من شرور.
وتُصوِّر القصة طبقاتنا المختلفة من غنية وفقيرة، وتحلَّل هذه الطبقات في خلقها وفي سموها ومباذلها، كما تحلَّل الشخصيات تحليلًا عميقًا، وهو تحليل يتناول الظاهر كما يتناول الباطن، والقصة تبدأ على هذا النحو؛ إذ تقول سلوى:
"لا أذكر من تاريخ حياتي قبل العاشرة من عمري إلا أطيافًا شاحبة. في تلك الفترة كان يَكْفُلني جدي لأبي، فأقمت معه في منزلنا العتيق، منزل لا فخامة فيه، تحيط به حديقة شعثاء، ويطل على حارة منزوية لا تُطْرَق، وكان جدي منذ تُوفي أبي قد أخلد إلى العزلة وآثر الوَحْدَة، وتوضحت على محيَّاه سمات التجهم للدنيا والتبرم بالحياة. ولم يكن يزوره إلا رجل علت به السن، وقوضت بناءه الأيام، يدعى "الطوخي أفندي" فيُمضي كلاهما بعض الوقت في حجرة الضيافة القائمة في ركن من الحديقة، فأراهما حينًا يتناقلان الحديث، وحينًا يلعبان بالنَّرْد ناشطين لا يعتريهما ملال. وكنت أنا في حجرتي يصك سمعي صوتهما مدويًا كهزيم الرعود، فتنتظمني رجفة ويخيل إليَّ أنهما مشتبكان في تضارب وسباب. ولم يكن في الدار من الخدم غير أم يونس والحاج مسرور، الأولى ضامرة عجفاء، توهم من يراها أنها تنوء بالأمراض؛
ولكنها في الحقيقية صُلْبة العود قوية الأعصاب. أما الحاج مسرور فكان سودانيًّا، أميل إلى البدانة، طلق الوجه، هادئ الصوت. وكان كلاهما يحسن معاملتي ويتعهدني بعطف وحدب؛ فشعرت نحوهما بحب وشغف. وأشد ما كان يسوؤني أن أرى جدي لا يعاملهما بالحسنى، فهو يُنْحي دائمًا عليهما باللائمة، ولا يفتأ يؤاخذهما ويُسفِّه آراءهما في كل شيء".
وبهذا الأسلوب البارع في رسم الشخصيات كتَب تيمور قصته، كما كتب قصصه وأقاصيصه الأخرى التي يثير فيها مشاكل مجتمعه وما ينطوي فيه من نقائص وعيوب. وعلى الرغم من أنه يستمد قصصه من بيئته وشخوص وطنه غالبًا فإنه لا يقف عند نظرة محلية خاصة؛ بل يرتفع إلى نظرة إنسانية عامة، ويبدو ذلك واضحًا في أعماله الأخيرة، وهو دائمًا تشيع الرحمة في جوانب نفسه، ويشعر بالأسى لمن يصفهم في مِحَنهم، فلا يعنف عليهم. وكل ذلك يسوقه في عرض شائق بسيط لا تعقيد فيه ولا تكلف؛ وإنما فيه الصدق وهدوء الطبع واعتدال المزاج.