الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: تطور النثر وفنونه:
1-
تقيد بأغلال السجع والبديع:
كان خروج الحملة الفرنسية من مصر بدءًا لحياة جديدة في السياسة والعلم والاجتماع، فقد شعر المصريون -كما أسلفنا- بحقوقهم السياسية، وحقًّا لم يُتِحْ محمد علي لهم استخدام هذه الحقوق؛ ولكنها ظلت مكتنَّةً في الصدور، حتى هُيئ لها النماء والإثمار في عهد إسماعيل وما تلاه من عهود. وقد أخذت مصر منذ عهد محمد علي تحاول الاتصال بالحضارة الغربية لا في العلم فقط؛ بل في النواحي المادية والاجتماعية أيضًا؛ إذ عاش الفرنسيون بين أهلها معيشة لم يكونوا يألفونها، وقد رأوهم يلهون فنونًا من اللهو، فيها التمثيل والغناء والرقص، وكانوا ينكرون بعض هذه الفنون؛ ولكنها كانت تدفعهم إلى التفكير في أن وراء البحر عالمًا جديدًا ينبغي أن يتصلوا به، لا في شئونهم المادية فحسب؛ بل أيضًا في شئونهم العلمية والسياسية.
وقد سلَّم المصريون محمد علي مقاليد أمورهم، فاندفع ينظم الجيش على الطريقة الأوربية، وأنشأ لذلك المدرسة الحربية، ثم مدرسة الطب والمدارس الصناعية؛ ليزود الجيش بالضباط والأطباء والصناع والمهندسين. وأقام هذه المدارس المختلفة على نمط أوربي، واستقدم لها العلماء الأوربيين المختلفين، وللتفاهم بينهم وبين المصريين أقام مجموعة من المترجمين، من الأرمن وغيرهم. ثم لم يلبث أن أنشأ مدرسة الألسن، وجَدَّ في إرسال البعوث إلى الغرب؛ ليتقن
المصريون اللغات الأجنبية. ومن حينئذ بدأ الاتصال المنظم بين العقل المصري الخالص والعقل الغربي الحديث.
ولكن هذا الاتصال ظل قاصرًا في أول الأمر على النواحي العلمية والفنية التطبيقية. أما النواحي الأدبية فظل فيها الاتصال معدومًا أو كالمعدوم؛ إذ لم تحدث عَلاقة حقيقية بيننا وبين الآداب الغربية. ومن المعروف أن أدب أمة لا يتأثر بآداب أمة أخرى بمجرد التقاء الأمتين؛ بل لا بد من وقت أو أوقات حتى تستطيع الأمة أن تأخذ عن غيرها وتهضم ما تأخذه وتتمثله، ثم تخرجه أدبًا جديدًا له طوابعه وشخصيته.
ولعل في هذا ما يفسر لنا جمود أدبنا في النصف الأول من القرن التاسع عشر وتخلفه وانطواءه على صورته الموروثة، فقد عشنا فيه بعقليتنا القديمة وذوقنا القديم الذي كان يُعْنَى بالسجع والبديع. وقد نشأت عندنا طبقة من كُتاب الدواوين مثل عبد الله فكري، إلا أنها لم تختلف في شيء عن روح كتاب الدواوين المتأخرين مثل القاضي الفاضل وزير صلاح الدين وطبقته، فهي تكتب المنشورات والتقريرات بأسلوب السجع، ولا تكتفي بما فيه من أغلال؛ بل تضيف أغلال الجناس والطباق وغيرهما من أغلال البديع.
وربما كان من أهم أسباب هذا الجمود أن مصر لم تكن تشعر بوجودها شعورًا محققًا؛ بل لقد عُنِي محمد علي بكبت هذا الشعور، وربما كان أهم مظهر لذلك أنه كان يستعين في المناصب الكبرى بطبقة من الأتراك، ولم يكن يسمح للمصريين بتولي هذه المناصب؛ بل لقد كان يحكمهم حكمًا مستبدًّا، ليس فيه شورى ولا ما يشبه الشورى.
فظل الشعب بعيدًا، وظلت لغته معه متخلفة لا تتطور؛ إذ لم يكن هناك بواعث سياسية ولا قومية تدفعها إلى هذا التطور؛ بل لقد كان الحاكم يقدِّم عليها اللغة التركية في دواوينه ومنشوراته وما يطبع من كتب وآثار في مطبعة بولاق؛ بل لقد كان التحدث بها بين طلاب المدارس سُبَّةً حتى عهد عباس الأول، فالشيخ المهدي يقول في مذكرات الأدب التي طبعها لتلامذة القضاء
الشرعي في مطلع هذا القرن: "كانت اللغة العربية مضطهدة في عهد عباس الأول إلى حد أن مَن تكلم بها من طلبة المدارس الحربية توضع في فيه العُقْلة التي توضع في فم الحمار حينما يُقَص، ويبقى كذلك نهارًا كاملًا عقوبة له على تحريك لسانه بلغة القرآن في أثناء فسحته".
وطبيعي ألا تنهض لغتنا حينئذ، وأن تظل على عهودها السابقة جامدة راكدة ضيقة مثقلة بالسجع وما يرتبط به من قيود البديع وأغلاله. غير أنه أخذت ناشئة جديدة في الظهور، وهي ناشئة حذقت اللغات الأجنبية، وأخذت تقرأ في آدابها، وتفهم ما تقرأ، وتتذوقه، وتستمتع به.
وخير مَن يمثل هذه الناشئة رفاعة الطهطاوي الذي تعلم في الأزهر وتخرج فيه، ورافق البعثة الكبرى الأولى لمحمد علي إمامًا لها. ولم يكتفِ بعمله؛ بل أقبل على تعلم اللغة الفرنسية، حتى أتقنها. وفي أثناء إقامته بباريس أخذ يصف الحياة الفرنسية من جميع نواحيها المادية والاجتماعية والسياسية في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز". وعاد إلى مصر فاشتغل بالترجمة وعين مديرًا لمدرسة الألسن، وأخذ يترجم مع تلاميذه آثارًا مختلفة من اللغة الفرنسية.
وكان ذلك بدء نهضتنا الأدبية المصرية؛ ولكنه كان بدْأً مضطربًا؛ فإن رفاعة وتلاميذه لم يتحرروا من السجع والبديع؛ بل ظلوا يكتبون بهما المعاني الأدبية الأوربية. ومن الغريب أنهم كانوا يقرءونها في لغة سهلة يسيرة، ثم ينقلونها إلى هذه اللغة الصعبة العسيرة المملوءة بضروب التكلف الشديد، فتصبح شيئًا مبهمًا لا يكاد يُفهم إلا بمشقة.
ونحن الآن لا نقرأ ما كتبته هذه المدرسة الأولى في تاريخ أدبنا حتى نشعر بضيق؛ لأنها لا تخاطبنا مباشرة؛ وإنما تخاطبنا من وراء حجاب صفيق، ويظهر أنها لم تكن تستطيع أن تُسقط هذا الحجاب؛ إذ كان شائعًا بين جميع الأدباء المصريين، وكانوا يحرصون عليه، ويتعصبون له؛ بل كانوا لا يستطيعون أن يعبروا عن أي شيء إلا به، وكأنما جمدت ألسنتهم عنده، فهي لا تستطيع أن تتحول عنه.